Полный текст (927 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وضمها حصن وقرى من طرق الشام عرفت بدومة بن إسماعيل وقال له خالد كيف لي به وهو وسط بلاد كلب وإنما أنا في أناس يسيرين فقال ﵇ إنك ستجده ليلا يصيد البقر فتأخذه فيفتح الله لك دومة فإن ظفرت به فلا تقتله وأت به إلي فإن أبى فاقتله, فخرج خالدا حتى كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة, وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بكسر الراء وموحدتين وقينة تغنيه وقد شرب فبانت البقر تحك بقرونها باب الحصن, فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط, قال لا والله, قالت فمن يترك هذه, قال لا أحد. وفي رواية ولقد كنت أضمر لها الخيل اليومين والثلاثة وفي لفظ شهرا, ولكن قدر الله ونزل فأسرج فرسه وخرج هو وأخوه حسان في نفر فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر فقتل أخاه حسان وهرب من كان معهما, فدخل الحصن فأغلقوه ثم أجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن يفتح له دومة, فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن فنادى أكيدر أهله, أن افتحوا باب الحصن فأبى مضاد أخو أكيدر, فقال أكيدر لخالد إنهم لا يفتحون ما رأوني في وثاقك فحل عني فلك الله والأمانة أن أفتحه لك إن أنت صالحتني على أهلي فصالحه على ألفي بعير وثمان مائة فرس, وأربع مائة درع وأربع مائة رمح على أن ينطلق به وبأخيه إلى رسول الله ﵇ فيحكم فيهما حكمه فلما قاضاه على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن فدخل خالد وأوثق مضادا وأخذ ما صالح عليه ثم قدم خالد بأكيدر عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية فرجع إلى قريته. وللعراقي:
(فبعثه إلى أكيدر دومة ... ابن الوليد خالدا في فئة)
(قال يا خالد سوف تجده ... وهو يريد بقرا يصيده)
(فأرسلت بقر وحش حكت ... قرونها حائطه في ليلة)
نشطة ذاك يصيد البقرا .. شدت عليه خيله فاستأسرا)
стр. 492
(أجاره خالد ثم صالحه ... على رقيق ودروع صالحه)
(مع رماح وجمال ورحل ... معه إلى النبي بعدما فصل)
وسكن أكيدر للضرورة وبفتح الدال ضبطه المناوي وقال أنه رجل من كندة وكان نصرانيا, ويصيده بفتح التحتية وصاد مهملة ومثناة مشددتين وأرسلت مبني للمجهول أي أرسلها الله, وقرونها فاعل حكت, ونشطه بفتح النون والشين المعجمة, وقوله ذاك أي في ذاك كونه يصيد, واستأصر أسلم نفسه أسيرا, وقوله وفصل بفتح الفاء والصاد المهملة أي بعد انفصال أمر الصلح انتهى من المناوي. ثم بعث إلى اليمن أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل, كل منهما على مخلاف, قالوا واليمن مخلافان, وكان هذا البعث في ربيع الآخر سنة تسع عند أهل المغازي وقال البخاري سنة عشرة قبل حجة الوداع والمخلاف بكسر الميم وسكون المعجمة آخره فاء الناحية, ويطلق على المدينة, وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن وجهة أبي موسى السفلى, وقال لهما يسرا من اليسر أي سهلا ولا تعسرا, أي لا تشددا, أي عاملا بالرفق في الأمور فأقيما الأحكام مطابقة للأمر لكن برفق وبشرا ولا تنفرا. وفي البخاري قال لمعاذ إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعوهم أن يشهدوا أن لا أله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك فاخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة, فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم, فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب, أي صارف يصرفها. ثم بعث خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول سنة تسع وقيل في ربيع الآخر وقيل جمادي الأولى إلى بني عبد المدان, بوزن سحاب اسم صنم قبيلة يقال لها بنو الحارث بنجران بفتح النون وسكون الجيم مدينة بالحجاز من شق اليمن سميت بنجران بن زيد لأنه
стр. 493
أول من نزلها قاله المناوي, وقال الزرقاني موضع باليمن سمي بنجران بن زيد بن سبيء وأمر ﵇ خالدا أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم, فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا, وأقام خالد يعلمهم الإسلام والكتاب والسنة وبذلك أمره أنهم إن أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب إليه ﵇ بذلك فكتب إليه أن يقدم ومعه وفدهم, فقدموا فأمر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا إلى قومهم. وللعراقي:
(فبعثه أيضا إلى عبد المدان ... أو لبني الحارث نحو نجران)
(أتاهم فأسلموا فأقبلوا ... معه إلى النبي حتى وصلوا)
الضمير في بعثه لخالد وقوله أيضا, أي بعد بعثه لأكيدر. ولم يذكر العراقي بعث إلى بني الحارث بن كعب, قاله المناوي ومقتضى صيغ المواهب وشرحها أنه ليس بخلاف وعليه فأو لتنويع الاسم والله تعالى أعلم. ولفظ المواهب إلى بني عبد المدان قال الزرقاني قال في الأرض واسم عبد المدان عمرو بن الديان واسم الديان يزيد بن القطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب- انتهى المراد والله أعلم. ثم بعث علي بن أبي طالب, قيل مرتين إحداهما إلى همدان فأسلمت همدان كلها في يوم واحد, ولما بعثه إلى اليمن عقد له لواء, قال الواقدي أخذ عمامته فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس الرمح ثم دفعها إليه وعممه بيده ثلاثة أكوار فجعل له زراعا بين يديه وشبرا من ورائه وقال أمض ولا تلتفت, وقال علي يا رسول الله ما أصنع؟ فقال إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك وادعهم إلى قول لا إله إلا الله فإن قالوا نعم فمرهم بالصلاة غ، أجابوا فلا تبغي منهم غير ذلك, والله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت ولما بعثه قال يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حديث السن لا أبصر القضاء, قال علي فوضع يده في صدري وقال اللهم ثبت لسانه أي
стр. 494
اجعله دائما على النطق بالحق وأهد قلبه. وقال يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقتص لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء. قال علي والله ما شككت في قضاء البلاد وهي بلاد مذحج فلما انتهى إلى تلك الناحية فرق أصحابه فأتوا بنهب غنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا المسلمين بالنبل والحجارة وخرج رجل من مذحج يدعو إلى البراز فبرز إليه الأسود بن خزاعي فقتله الأسود وأخذ سلبه ثم حمل عليهم بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فانهزموا وتفرقوا فكف عن طلبهم ثم لحقهم فدعاهم إلى الإسلام وقالوا نحن على من ورائنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. وللعراقي:
(بعث علي بعده إلى اليمن ... وهي بلاد مذحج ففرقن)
(أصحابه جاؤه بالنساء ... وولدهم ونعم وشاء)
(ثم دعاهم لم يجيبوا فقتل ... منهم رجالا نحو عشرين رجل)
فانهزموا فكف ثم إذ دعى ... ثانية أجاب بعض مسرعا)
فأسلموا وجمعوا الغنائما ... خمسها لله ثم قسما)
قوله مذحج هو بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وجيم وقيل بفتحها مع فتح الميم, وفرقن بنون التوكيد الخفيفة, واحتفر بئرا باليمن فأصبحوا وقد سقط فيها أسد ونظروا إليه فسقط إنسان بالبئر فتعلق بآخر, فتعلق الآخر بآخر حتى كانوا في البئر أربعة فقتلهم الأسد فأهوى إليه رجل برمح فقتله فتحاكموا إلى علي فقال للأسفل ربع دية لأنه هلك فوقه ثلاثة وللثاني ثلث دية لأنه هلك فوقه اثنان وللثالث نصف دية لأنه هلك فوقه واحد وللأعلى دية كاملة, فلما أتوه ﵇ أخبره فقال هو كما قضى, قاله المناوي, وقوله مذحج بضم الميم الخ, قال في القاموس ومذحج كمجلس أكمة, ولدت مالكا
стр. 495
وطيئا أمهما عندها فسموا مذحجا- انتهي. ولما قفل علي من اليمن وافى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة قد قدمها للحج سنة عشر آخر البعوث النبوية. سرية ابن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وجده إلى أهل أبنا بضم الهمزة وسكون الموحدة فنون فألف مقصورة ويقال بميم بدل الموحدة بالشراة بفتح المعجمة والراء جبل بالبلقاء وكانت ليوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة دعاه ﵇ فقال له سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش, فأغر صباحا إلى أهل أبنا, وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار فإن ظفرك الله فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقد العيون والطلائع وهو أول جيش جهزه أبو بكر أي أنفذ تجهيزه لما بويع بعد وفاته ﵊ لأنه كلم فيه فلم يقبل إلا إنفاذه لغزو الروم مكان مقتل أبيه المقتول بمؤتة بضم الميم وبالهمز وتركه وهي من عمل البلقاء فلا تخالف ولما كان يوم الأربعاء وقيل الاثنين وقيل السبت بدأ بالبناء للمفعول برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجعه فحم وصدع بضم الصاد وكسر الدال المشددة أي حصل له صداع أي وجع في رأسه ولما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءه بيده الشريفة وخرج أسامة بلوائه فدفعه إلى بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغرا الأسلمي وعسكر بالجرف بضمتين وبضم فسكون فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وتكلم قوم فقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين وسمع عمر بعض ذلك فرده على من تكلم وجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره به فغضب غضبا شديدا فخرج صلى الله تعالى عليه وسلم وقد عصب رأسه وعليه قطيفة فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس ما مقاله بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان زيد للإمارة لخليقا أي أهلا وإن ابنه من
стр. 496
بعده لخليق للإمارة فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم, ثم نزل عن المنبر فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويخرجون إلى العسكر بالجرف وهو ثلاثة آلاف: سبع مائة من قريش, فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجعه فجعل يقول انفذوا بعث أسامة فدخل أسامة من عسكره والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فلما أفاق قال والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد. فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة, قال أسامة فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة معسكره ثم دخل أسامة يوم الاثنين وأصبح مقيما فقال لأسامة اغد على بركة الله تعالى فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاء يقول إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يموت, فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة فتوفي ﵊ حين زاغت الشمس أي مالت وذلك عند الزوال لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول ودفن ليلة الأربعاء ولما توفي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا فغرزه عند باب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما بريع أبو بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه فخرج إلى معسكره الأول وأمر أبو بكر مناديا أن لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يتخلف عنه أحد وكلم أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر في التخلف ففعل وخرج أسامة هلال ربيع الأخر في ثلاثة آلاف وفيهم ألف فارس وخرج أبو بكر يشيعه فركب أسامة من الجرف وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة وقال استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوصيك فأنفذ
стр. 497
لأمره. فأسرع إلى ابنا فقدم عينا له فأخبره أنهم غارون ولا جموع لهم فسار إليهم فشن عليهم الغارة فقتل من أشرق له سبي من قدر عليه وحرق منازلهم ونخلهم وحرثهم وأجال الخيل في عرصاتهم وكان أسامة على فرس أبيه سبحة بفتح المهملة وسكون الموحدة وقتل قاتل أبيه ثم أسرع السير فورد وادي القرى في تسع ليال ثم قصد في السير حتى أتى المدينة ولم يصب أحد من الصحابة وخرج أبو بكر وأهل المدينة يتلقونه سرورا بسلامتهم. وللحفاظ العراقي:
(آخر من بعثه أسامة ... لأهل أبنى لم يرم مقامه)
(حتى قضى النبي قبل سفره ... رد أسامة بجمع عسكره)
(بعثه الصديق حتى أزهقا ... قاتل أبيه وسبى وحرقا)
(واختلفوا في عدها فالأكثر ... عند قدر ما عددت منها قصر)
(ولابن نضر عالم جليل ... بل فوق سبعين وفي الإكليل)
أن البعوث عدها فوق المائة ... ولم أجد ذا لسواه ابتدأه)
ولم يرم بكسر الراء أي لم يبرح من مقامه بالجرف, وأزهق بالزاء قتل, وقصروا بشد الصاد لم يزيدوا بل نقصوا؛ فقد حكي النووي الاتفاق على أن السرايا ست وخمسون والإكليل للحاكم, قوله ابتدأه أي بل ابتدأه بالهمز قبل الهاء, وحمله بعضهم على أنه أراد بضم المغازي إليها وعليه فلا غرابة ولا استبعاد- انظر المناوي. وفي المواهب فجميع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون, وفي الفتح أن السرايا تقرب من سبعين, انتهى والله أعلم. وهنا انتهي الكلام على ما شاء الله أن أتكلم عليه من بعوثه ﵊ وذكرته في شرح قول الناظم:
(وضعفها البعوث دون مين)
وها أنا أشرع إن شاء الله تعالى في شرح ما بعده وهو قوله:
(وقيل في النضير مع واد القرى ... قاتل والغابة أيضا ذكرا)
المجرور متعلق بقوله بعده قاتل ومع بسكون العين وهو قليل والغابة
стр. 498
مرفوع على الابتداء على حذف مضاف أي وقتال الغابة ذكر أيضا كما ذكر القتال فيما مر يعني أن بعض أهل السير ذكر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قاتل في هذه الغزوات الثلاث: غزوة النضير وغزوة وادي القرى وغزوة الغابة أي قاتل أصحابه الذين هم معهم لا أنه باشر بنفسه الكريمة القتال فيها كما مر, ومر أنه لم يباشر قتل أحد بيده إلا أبي بن خلف, لعنه الله, أما غزوة واد القرى فقد مر الكلام عليها في محلها وهي بعد غزوة خيبر ومر فيها عن الواقدي أنه بارز من يهود فيها رجلا فقتله الزبير ثم آخر فقتله الزبير أيضا, ثم آخر فقتله علي, ثم آخر فقتله أبو دجانة حتى قتل منهم أحد عشر مبازرة وأصيب فيها مدعم صاحب الشملة, أما غزوة بني النضير وهم قبيلة كبيرة من اليهود ينتسبون إلى هارون ﵇ فذكرها ابن إسحاق بعد أحد وبير معونة وعليه فهي في ربيع الأول سنة أربع, وعن عروة أنها كانت على رأس ستة أشهر من بدر قبل وقعة أحد ومال إليه السهيلي وسببها كما قال ابن إسحاق عن عامر بن الطفيل لما قتل أهل بير معونة اعتق عمرو بن أمية الضمري ﵁ رقبة كانت على أمه فرجع عمرو المدينة فقتل في رجوعه رجلين من بني عامر كان لهما عهد من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يشعر به, وظن أنه ظفر بثأر بعض أصحابه فأخبره ﵇ بذلك فقال لأدينهما أي لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد, وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد فخرج ﵇ إلى بني النضير يستعينهم في دية العامريين فقالوا له نعم يا أبا القاسم اجلس نعينك حتى تطعم وترجع بحاجتك, فجلس ﵇ إلى ظل جدار من جدرهم فخلى بعضهم ببعض والشيطان لا يفارقهم فائتمروا بقتله وقالوا إنكم لم تجدوه على مثل هذه الحالة وكان معه نحو العشرة من أصحابه أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة وابن عوف والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة, وقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه, فقال عمرو ابن جحاش بفتح الجيم وشد
стр. 499
الحاء المهملة آخره شين معجمة أنا لذلك فصعد ليلقي عليه الصخرة, فقال سلام بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره ورجح الحافظ التخفيف ابن مشكم كمنبر لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه, فجاءه ﵇ جبريل فأخبره بما أرادوا فقام صلى الله تعالى عليه وسلم مظهرا أنه يقضي حاجته وترك أصحابه ورجع إلى المدينة واستبطأه أصحابه فقاموا في طلبه حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما أرادت اليهود من الغدر به. قال غير واحد نزل فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ فأمر صلى الله تعالى عليه وسلم بالتهيء لحربهم والسير إليهم واستعمل ابن أم مكتوم إماما بالصلاة بأهل المدينة ولم يستعمل على أمرها أحدا لقربها فإن بينهما ميلين كما قال الزرقاني فحاصرهم ست ليال وقيل عشر يوما وجمع بينهما بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب وما زاد أخذوا فيه في أسباب الخروج, ولما تمنعوا في الحصار في حصونهم قطع النخل وحرقها فنادوا يا محمد قد تنهى عن الفساد فوقع في نفوس المسلمين شيء من الكلام حتى نزل: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ إلى قوله ﴿وليخزي الفاسقين﴾ , واللينة أنواع التمر كلها ما عدى العجوة والبرني وقيل النخل اللينة كرام النخل, وقيل أرداه وقيل النخلة لا ثمر لها قيل وجملة ما قطع وحرق ست نخلات وبعث رأس المنافقين عبد الله بن أبي وهو من عوف من الخزرج إلى بني النضير حين هموا بالخروج أن أثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم, فقذف الله في قلوبهم الرعب, فقتل سيدهم كعب بن الأشرف, فلم ينصروهم, وفيهم نزل: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا﴾ إلى قوله ﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ , فسألوه ﵇ أن يجليهم عن أرضهم ويكف عن دمائهم ولابن سعد أنهم لما هموا بغدره بعث إليهم محمد بن مسلمة أن أخرجوا من بلدي فلا تساكنوني فيها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا فمن رأى منكم بعد ذلك ضربت بالبناء
стр. 500
المفعول عنقه, فمكثوا أياما يتجهزون فأرسل إليهم ابن أبي أن أقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان, فطمع حيي فأرسل مع أخيه جدي بضم الجيم وفتح الدال وشد التحتية إنا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك, فسار ﵊ في أصحابه إليهم وركب على حمار وعلي يحمل رايته فلما رأوهم قاموا على حصونهم ومعهم النبل والحجارة ولم تعنهم قريظة ولا ابن أبي ولا غطفان وقال ابن مشكم وكنانة لحيي أين الذي زعمت؟ قال ما أصنع هي ملحمة كتبت علينا فحاصرهم صلى الله تعالى عليه وسلم وقال لهم أخرجوا منها ولكم دماؤكم, وما حملت الإبل إلا الحلقة بإسكان اللام أي الدرع, وقيل السلاح كله, فكانوا يخربون بيوتهم لينقذوا ما استحسنوا منها ثم أجلاهم وحملوا النساء والصبيان واحتملوا أمتعتهم على ستمائة بعير فلحق أكثرهم بخيبر وذهب بعضهم إلى الشام وحزن عليهم المنافقون حزنا شديدا وقبض ﵇ الأموال فوجد من السلاح خمسين درعا وخمسين بيضة, وثلاثمائة وأربعين سيفا, قال السهيلي ولم يختلفوا أن أموالهم كانت خاصة به ﵊ وأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع قتال, وفي المواهب أنها كانت حبسا أي وقفا لنوائبه ﵇, ولم يسهم منها لأحد, لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب وإنما قذف في قلوبهم الرعب وأجلوا عن منازلهم ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم فقسمها ﵇ بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار غير أنه أعطي أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما وأعطى سعد بن معاذ سيف الإسلام بن أبي الحقيقي بالتصغير وكان سيفا له ذكر عندهم- انتهى. وقوله لنوائبه جمع نائبه فكان ينفق منها على أهله ويزرع تحت النخيل ويدخر قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه وبني عبد المطلب وما فضل جعله في السلاح, والكراع بضم الكاف وخفة الراء
стр. 501
جماعة الخيل, وقوله لم يوجفوا أي لم يتحركوا ويتعبوا, قال:
(مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانا إذا القوم أوجفوا)
وروي أنه ﵊ قال للأنصار ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينهم جميعا, وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه خاصة, فقالوا بل أقسم هذه فيهم, وأقسم لهم من أموالنا ما شئت؛ فنزلت ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ , وقال أبو بكر الصديق جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار, فو الله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي وهو بالمعجمة والنون:
(جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطيء فزلت﴾
(أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت)
انتهى من الزرقاني. وما ذكره الناظم من حصول القتال في هذه الغزوة أشار به الله أعلم إلى ما نقله العلامة الزرقاني عن السبل من أنه ﵇ لما سار إليهم حمل قبة من خشب عليها مسوح وأمر بلالا فضربها في موضع المسجد الصغير الذي بفناء بني خطمة ودخلها صلى الله تعالى عليه وسلم وكان عزوك اليهودي أعسر راميا فيرمي فيبلغ القبة فحولت إلى مسجد الفضيخ بفاء مفتوحة فضاد فخاء معجمتين بينهما تحتية ساكنة فتباعدت من النبل ففقد علي في ليلة قرب العشاء فقال الناس يا رسول الله ما نرى عليا, فقال دعوه فإنه في بعض شأنكم, فعن قليل جاء برأس عزوك, فقد كمن له حين خرج يطلب غرة من المسلمين وكان شجاعا راميا فشد عليه فقتله وفر من كان معه, وبعث ﵇ خلفهم أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة فأدركوا اليهود الذين فروا من علي فقتلوهم وطرحوا رؤسهم في بعض الآبار-انتهى وفي المناوي بعضه. وقد مر عن السهيلي ما يفيد الاتفاق على أنه لم يقع فيها قتال, وروى عبد بن حميد أن هذه الغزوة كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف وروى ابن إسحاق أن بني النضير خرجوا ومعهم الدفوف والمزامير
стр. 502
والقيناة يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله وعلى نسائهم الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة والمعصفر وأظهروا تجلدا عظيما, قال ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما- انتهى. وأما غزوة الغابة وهي غزوة ذي قرد فكانت عند سعد والواقدي في ربيع الأول سنة وست قبل الحديبية وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام وخيبر كانت بعد الحديبية بنحو عشرين يوما, والغابة شجر لاحتطاب الناس ومنافعهم على بريد من المدينة وأضيفت غليه الغزوة لأن اللقاح التي أغير عليها كانت ترعي بها والغارة عليها هي سبب هذه الغزوة, وذو قرد بفتح القاف والراء وحكي الضم فيهما وحكي ضم أوله وفتح ثانيه آخره دال مهملة وهو ماء على بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان وقيل على مسافة يوم والقرد في اللغة الصوف وأضيفت إليه الغزوة لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم وصل إليه وصلى به, وسببها أنه كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرون لقحة ترعى بالغابة, وهي بكسر اللام وقد تفتح ذات اللبن القريبة العهد بالولادة بشهر واثنين وثلاثة وهو اسم لا صفة فيقال هذه لقحة, لا ناقة لقحة, فإن أريد الوصف فناقة لقوح أو لاقح, وقد يقال لها ذلك قبل الوضع, قاله الزرقاني, وكان في اللقاح أبو ذر الغفاري وابنه وامرأته واسمها ليلى, وكان أبو ذر استأذنه ﵇ في ذلك, فقال إني أخاف عليك ولا تأمن عيينة فألح عليه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لكأني بك قد قتل ابنك وأخذت امرأتك وجئت توكئ على عصاك, قال أبو ذر عجبا لي يقول لي ذلك وأنا ألح عليه فكأنه والله ما قال, فلما كان الليل أحدق بنا عيينة مع أصحابه فأشرق لهم ابني فقتلوه وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا ونجت امرأة ابنه الذي قتل وأسرت امرأته هو والعلم عند الله. وروى الطبراني وغيره عن سلمة أن الذي غار عليها عيينة بن حصن وروي عنه أحمد ومسلم أن الذي أغار عبد الرحمن ابن عيينة ولا منافاة فكل من عيينة وابنه كان في القوم, وكان أول من نذر بهم بفتح
стр. 503
النون وكسر الذال المعجمة أي علم، سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي المهاجري وكان شجاعا يسبق الفرس وكان يريد الغابة ولما علم بهم صرخ وا صباحاه، ثم خرج يشتد بآثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم وهو على رجليه وكان عينية في أربعين فارسا فجعل يرميهم بالنبل ويقوم إذا رمى:
(خذها وأنا ابن الأكوع .. اليوم يوم الرضع)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال:
(خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع)
فيقولون أكيوعنا أول النهار، وبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع، وترامت الخيل إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهلان فعقد لواء للمقداد تعالى عليه وسلم في خمسمائة وقيل سبعمائة فأدرك المقداد ومن معه أخريات العدو وقتل أبو قتادة مسعدة بن حكمة بفتحتين الفزاري رئيس المشركين وسجاه ببرده فاسترجع المسلمون لما رأوه، وقالوا قتل أبو قتادة فقال ﵇ ليس بأبي قتادة ولكنه قتيله، وضع عليه برده لتعرفوه فتخلوا عن قتيله وسلبه، كذا لابن عقبة ولابن اسحاق أن قتيل أبي قتادة حبيب بن عيينة وكذا في حديث مسلم ولكن سماه عبد الرحمن قال الحافظ ويحتمل أن له اسمين، وأدرك عكاشة بن محصن أوبار وابنه عمرا وهما على بعير فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنفذ بعض اللقاح وأوبار بفتح الهمزة وسكون الواو ثم موحدة فألف فراء كذا ضبطه البرهان ولابن سعد أنه أثار بضم الهمزة فمثلثة آخره راء وقتل من المسلمين محرز بن نضلة الأسدى من بني أسد بن خزيمة وفي البخاري عن سلمة أنه، أي سلمة، استنقذ اللقاح كلها واستلب ثلاثين بردة وفي مسبلم ما زلت أرميهم بالنبل وأرتجز فألحق
стр. 504
رجلا منهم فأمكنه سهما في رجله وخلص السهم إلي كعبه فما زلت أرميهم وأعقرهم فإذا رجع إلي فارس منهم أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به، فإذا تضايق الجبل ودخلوا في مضايقه علوت الجبل فرميته بالحجارة غما زلت كذلك حتى ما خلق الله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بعير إلا اخلفته وراء ظهري ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكتر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يتخففون بها – انتهي المراد منه.
وفي المواهب أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لحق عشاء فقال سلمة، فقلت يا رسول الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة لاستنفذت ما في أيديهم من السرح وأخذت باعناق القوم، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم يابن الأكوع ملكت أي قدرت عليهم فأسجح بهزة قطع فسين مهملة ساكنة فجيم مكسورة فحاء مهملة أي أرفق واحسن، والسجاحة بكسر السين السهولة أي لا تاخذ بالشدة فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد. ثم قال إنهم الآن ليقرون في غطفان بضم التحتية وسكون القاف وفتح الراء وضمها وسكون الواو من القرى وهو الضيافة وقيل معنى ضم الراء أنهم يجمعون الماء واللبن ولابن اسحاق انهم الآن ليغبقون في غطفان من الغبوق وهو بالغين المعجمة شرب أول الليل – انتهى.
وقد تقدم في رواية مسلم والبخاري عن سلمة انه استنقذ جميع اللقاح ولابن سعد وابن اسحاق والواقدي فلم تزل الخيل تاتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذي قرد فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت القوم بما بقي وهو عشر، وأقام به يوما وليلة ورجع وقد غاب خمس ليال قال الشامي وما في الصحيحين هو المعتمد لصحة سنده انتهى.
ولا يرد على كون اللقاح عشرين بمجردها أن معها زيادة عليها الجمل الذي كان لأبي جهل ولا ناقته ﵊ التي رجعت عليها امرأة أبي ذر، لأنها إنما عادت عليها بعد عودة ﵇ إلي المدينة -
стр. 505
انظر الزرقاني.
وقصة المرأة انهم أوثقوها وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فإذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى انتهت إلي العضباء فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم جزرتها فانطلقت وعلموا بها وطلبوها فأعجزتهم، ونذرت بفتح النون والمعجمة لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبرته بذلك فقال إنه لا نذر في معصية ولا لأحد فيما لا يملك، وفي رواية أنه قال بئس ما جازيتها.
فائدة:
قول سلمة اليوم يوم الرضع أي يوم هلاك اللئام الذين رضعوا اللؤم من أمهاتهم، وقيل معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها ويعرف غيره وقيل معناه اليوم يعرف هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع. قال الزرقاني والأصل فيه أن شخصا كان شديد البخل فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها ليلا يحلبها فيسمع جيرانه ومن يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل بل صنع ذلك ليلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء أو بقى في الإناء شيء إذا شربه، فقالوا في المثل الئم من راضع وقيل المراد من يمص طرف الخلال إذا خلل أسنانه وهو دال على شدة الحرص.
وذكروا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مر في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بيسان فغير اسمه وقال بل اسمه نعمان وهو طيب فغير ﵇ الإسم وغير الله تعالى صفته. ومما قيل من الشعر في يوم ذي قرد قول كعب بن مالك:
(وإنا أناس لا نري القتل سبة ولا ننثني عند الرماح نداعس)
(وإنا لنقري الضيف من قمع الذري ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس)
стр. 506
(نرد كماة المعلمين إذا انتخوا ... بضرب يسلي نخوة المتقاعس)
(بكل فتى حامي الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس)
(يذودون عن أحسابهم وبلادهم ... بيض تقد الهام تحت القوانس)
(فسل ببني بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس)
(إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم في المجالس)
(وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر في الصدر ما لم يمارس)
اللقيطة أم حصن ابن حذيفة جدة عيينة لأن حذيفة ابن بدر التقطها في جوار أضرت بهن السنة فأعجبته فخطبها إلي أبيها وتزوجها وهي بنت عاصم بن مروان وأول أبيات الحماسة محرف، والرواية بنو الشقيقة وهي بنت عباد بن زيد قاله في القاموس، والسبة بالضم العار، والمداعس المطاعن، والقمع محركة رأس السنام والأبلخ بالخاء المعجمة المتكبر، والمتشاوس الذي ينظر بمؤخر عينيه نظرة المتكبر، والمعلم بضم الميم وكسر اللام الذي علم نفسه بسيما الحرب، وانتخوا بالخاء المعجمة تكبروا والمخالس الذي يخطف الشيء على سرعة وغفلة، والمتقاعس الذي لا يلين ولا ينقاد، والقوانس جمع قونس وهي البيضة والتمارس المضاربة في الحرب، والخادر الأسد في خدره أي أجمته، والوحر الحقد.
قوله (وحج حجتين ثم الفرضي) معناه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حج حجتين بمكة قبل أن يهاجر ثم حج بعد ذلك حجة الفرض سنة عشر وهي حجة الوداع، واختلف في سنة فرض الحج فالجمهور على أنه فرض سنة ست من الهجرة وقالت طائفة بل تأخر فرضه إلي سنة تسع وقال آخرون بل سنة عشر وفي الترمذي من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة فساق ثلاثا وستين بدنة ثم حاء على من اليمن ببقيتها وعن ابن عباس حج صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يهاجر ثلاث حجج، وقال ابن الأثير كان ﵇ يحج كل سنة قبل أن يهاجر.
وقال جابر كما في رواية مسلم مكث صلى الله تعالى عليه وسلم أي
стр. 507
بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في العاشرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويعمل مثل عمله قاله في المواهب وقال الحافظ الذي لا ارتياب فيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يترك الحج وهو بمكة قط لأن قريشاً في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج فكيف يظن أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يتركها انتهى نقله الزرقاني. فانظر لم اقتصر الناظم على أنه حج حجتين قبل الهجرة.
قوله: (واعتمر الأربع قالوا أيضاً) معناه أنه ﵇ اعتمر أربه مرات، عمرة مع حجته وعمرة الحديبية التي صده المشركون عنها وعمرة في العام القابل وتسمى عمرة القضاء لأنها قضاء عن عمرة الحديبية التي صده المشركون عنها كما قاله الحنفية أو لأنه ﵇ عام الحديبية قاضاهم عليها في العام القابل أي عاهدهم وصالحهم ولذا تسمي عمرة القضية، وعمرة الصلح. والحديبية كدويهية وقد تشدد بير أو قرية على سبعة أميال من مكة والرابعة عمرته من الجعرانة بكسر الجيم وسكون المهملة وخفة الراء وبكسر العين وشد الراء حين قسم غنائم حنين فخرج من الجعرانة ليلا معتمرا فدخل مكة ليلا فأتم عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح في الجعرانة.
وفي المواهب ممزوجا بما يحتاج إليه من كلام الزرقاني ما نصه: وفي عدهم أي الصحابة عمرة الحديبية التي صد عنها صلى الله تعالى عليه وسلم/ ما يدل على أنها عمرة تامة، لعل المراد من حيث الثواب لأنه لم يأت من أعمالها بشيء سوى الإحرام، وفيه إشارة إلي حجة الجمهور أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية زاعمين ان عمرة القضاء إنما سميت بذلك لكونها قضاء عن التي صد عنها، فلو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، والصحابة والفقهاء عدوهما اثنتين، قوله:
стр. 508
(وقال مالك ثلاثا اعتمر ... وحج مفردا)
بصيغة اسم الفاعل حال من فاعل حج يعني أن إمامنا مالكا بن أنس رضى الله تعالى عنه وكذا الشافعي فكل منهما قال إنه صلى الله تعالى عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر فقط، لأنه نفى العمرة التي قال غيره انها وقعت مع حجته وقال مالك إنما حج ﵊ حال كونه مفردا للحج عن العمرة فلم يحرم قارنا ولا متمتعا.
ففي الصحيحين والسنن من طريق الموطإ ان عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج وحده وأهل بالحج وحده وأهل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالحج. وفي رواية لمسلم عنها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أهل بالحج وحده. وفي البخاري عن ابن عمر انه صلى الله تعالى عليه وسلم أفراد بالحج. ولابن ماجه عن جابر انه ﵇ أفرد بالحج، وفي الصحيحين عن عمر ان ابن حصين انه كان قارنا وفيهما عن عائشة وابن عباس أنه كان متمتعا وجمع الإمام الشافعي ومن وافقه بأن إضافة القران والتمتع إليه اتساعا لكونه ﵊ أمر بهما وان الراجح انه كان مفردا أو يجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلي الأمر به كما تجوز إضافته إلي الفاعل له. يقال بنا فلان دارا أي أمر ببنائها وضرب الأمير فلانا إذا أمر بضربه، وكما روي أنه ﵇ رجم ماعزا وإنما أمر برجمه انتهى.
والإفراد هو الإهلال بالحج وحده والتمتع هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج وقد يطلق التمتع على القرآن وهو الإهلال بالحج والعمرة معا، ولا خلاف في جوازه أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه انتهى ملخصا من المواهب وشرحها.
قوله: (فحقق الخبر) أي حقق الأحاديث في كونه ﵇ حج مفرداً أو قارنا أو متمتعا وقد رأيت ما قال العلماء فيها وما جمعوا به به بين الروايات والله تعالى أعلم.
стр. 509
(وكلهن كن في ذي القعدة ... على الذي حققه من عده)
يعني أن عمره ﵇ غير التي قرنها بحجته على القول بها كان جميعها في ذي القعدة على القول الذي حققه من عد كلهن أي تعرض لعدده، فالناظم رحمه الله تعالى تفنن في العبارة فأنث الضمير أولا وجمعه باعتبار المعنى وأفرده ثانيا وذكره مراعاة للفظ كل، لأنها مضافة لمعرفة قال الشيخ المختار ابن بون.
(وان تضف كل إلي معرف ... فبينما الوجهين تخيير قفي)
والوجهان اعتبار اللفظ واعتبار المعنى فراعي المعنى في قوله كن واللفظ في قوله عده لكن في التنبيه عن المرادي ان ذلك انما هو في المضافة معنى إلي معرفة فمثال اعتبار المعنى فيها وكل آتوه داخرين ومثال اعتبار اللفظ فكلا أخذنا بذنبه. قال والمسموع في المضاف إلي معرفة لفظا مراعات اللفظ فقط نحو ﴿وكلهم ءاتيه يوم القيامة إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدا﴾ قال والضمير في احصاهم راجع لمن لا لكل، ولا يكاد يوجد في لسان العرب كلهم يقومون وكلهن قائمات، وان كان موجودا في تمثيل كثير من النحاة انتهى والله تعالى أعلم.
وقوله ذي القعدة بفتح القاف وبكسر سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار قاله في القاموس، وأشار بقوله حققه إلخ .. إلي أن التحقيق انه ﵇ لم يعتمر إلا في ذي القعدة كما قال أنس وعائشة. وأما ما في البخاري عن ابن عمر أنه ﵇ اعتمر في رجب وان عروة بن الزبير قال لعائشة رضي الله تعالى عنها بحضرة ابن عمر يا اماه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت وما يقول؟ قلت يقول اعتمر النبي ﷺ في رجب، فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وانه أي ابن عمر لمعه وابن عمر يسمع كلامها فما قال لا ولا نعم بل سكت فقال العلماء إنها قالت ذلك مبالغة في نسبته إلي النسيان حيث قال ان أحداهن في رجب، قالوا وسكوته يدل على انه اشتبه عليه أو
стр. 510
نسي أو شك. وبهذا أجيب عما استشكل من تقديمهم لقول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبت وهو خلاف القاعدة –انظر المواهب وشرحها.
قوله:
(بيان أزواج النبي المصطفي ... صلى عليه ربنا وشرفا)
فالبيان اسم مصدر بينه إذا أظهره وقوله بيان خبر مبتدأ محذوف والمصطفى المخلص من الكدر أي هذا بيان عدد أزواجه ﵊، وبعض ما يتعلق بهن من ترتيب تزويجهن وذكر قدر مهورنهن واسنان بعضهن وغير ذلك وصلى عليه أعطاه صلاة أي رحمة، يقارنها تعظيم كما في اللوامع عن الحطاب وشرفه أعلى مرتبه وهذا الدعاء إنما يعود نفعه علينا لا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن مأمورون به تعظيما له ﵇ لا لينتفع هو به.
(وعدة الأزواج باتفاق أي أتى)
عدة بالكسر: العدد، قال تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾؛ يعني أن عدد أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم المتفق عليه أي اللاتي دخل بهن إحدى عشرة وإليها أشار بأي فالألف واحدة والياء عشر، ويأتي ذكرهن إن شاء الله تعالى. اثنتان منهن توفيتا في حياته: خديجة وزينب بنت خزيمة، والبواقي توفى صلى الله تعالى عليه وسلم عنهن ونظمها أبو الفضل العقباني كما في التاودي على اللامية بقوله:
(توفى رسول الله عن تسع نسوة ... إليهن تعزي المكرمات وتنسب)
(فعائشة ميمونة وصفية ... وحفصة تتلوهن هند وزينب)
جويرية مع رملة ثم سودة ... ثلاث وست نظمهن مهذب)
قال كاتبه سمح الله تعالى له الظاهر أن قوله أتى خبر عدة وحذف التاء منه، أما باعتبار ان العدة معناه العدد وهو مذكر وأما لأنه مجازي التأنيث: ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع.
وعلى هذا فقوله أي حال فأما أن تكتب بالألف أو تكون محكية اللفظ
стр. 511
وأما كونها خبرا عن عدة فتبقي على تقديره أتى لا فائدة فيها والله أعلم.
(وجاء في البواقي ... خلف تركنا ذكره)
يعني أن ما زاد على إحدى عشرة من نسائه صلى الله تعالى عليه وسلم جاء فيه عن العلماء خلف بالضم أي اختلاف وترك الناظم ذكره فلم يتعرض له وها أنا أذكر ما شاء الله أن أذكره من ذلك فأقول قال الحافظ العراقي أزواجه اللاتي بهن قد دخل ثنتا أو إحدى عشرة خلف نقل.
وقوله أو احدى عشرة أي وقيل إحدى عشرة ست قرشيات وأربع عربيات، وإسرائيلية فمن قال هن اثنتا عشرة أدخل فيهن ريحانة ومن قال إحدى عشرة أخرجها واختلف في عدتهن وترتيبهن ومن مات منهن قبله ومن مات عنهن ومن دخل بها ومن لم يدخل بها ومن خطبها ولم ينكحها ومن عرضت نفسها عليه، قاله المناوي وفي المواهب وقد ذكر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج غير من ذكر وجملتهن اثنتا عشر امرأة، الأولى الواهبة نفسها أي التي اشتهرت بذلك واختلف من هي فقيل أم شريك العامرية واسمها غزية، بضم الغين المعجمة وفتح الزاء وشد التحتية بنت جابر بن عوف من بني عامر بن لؤي وقيل غزية بنت دودان بن عوف وطلقها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واختلف في دخوله بها وقيل الواهبة هي أم شريك غزية الأنصارية من بني النجار، وفي الصفوة هي أم شريك عزية بنت جابر الدوسية وقيل خولة بنت حكيم السلمي أي بضم السين، الثانية خولة بنت الهذيل تزوجها صلى الله تعالى عليه وسلم فماتت قبل أن تصل إليه والثالثة عمرة الكلابية تزوجها فتعوذت منه حين أدخلت عليه فقال لقد عذت بمعاذ، فطلقها، وأمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب وقال قتادة كان ذلك من امرأة من سليم. وقال في عمرة هذه ان أباها وصفها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال وأزيدك إنها لم تمرض قط، قال ﵊ ما لهذه عند الله من خير، فطلقها، الرابعة أسماء بنت النعمان
стр. 512
بن الجون بفتح الجيم ابن الحارث الكندية وكندة بكسر الكاف قبيلة من اليمن، قال أبو عمر أجمعوا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها واختلفوا في سبب فراقها فقال قتادة وأبو عبيدة انه صلى الله تعالى عليه وسلم لما دعاها قالت تعال أنت، وأبت أن تجيءن وقال بعضهم قالت أعوذ بالله منك، قال عذت بمعاذ فقد أعاذك الله منى.
وقيل ان نساءه صلى الله تعالى عليه وسلم علمنها ذلك فإنها كانت من أجمل النساء يخفن أن تغلبهن عليه فقلن لها انه يحب إذا دنا منك ان تقولي أعوذ بالله منك، وكانت تسمى نفسها الشقية وقيل المتعوذة غيرها، وقال أبو عبيدة يجوز أن تكونا تعوذتا، الخامسة مليكة بنت كعب الليقية قال بعضهم هي التي استعاذت منه وقيل دخل بها أي وطأها وماتت عنده، والأول أصح. السادسة فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية تزوجها بعد وفاة بنته زينب وخيرها حين نزلت أيه التخيير واختارت الدنيا وفارقها، فكانت بعد ذلك تلقط بضم القاف البعر، وتقول هي الشقية السابعة عالية بنت ظبيان الكلابية تزوجها ﵇ وكانت عنده ما شاء الله تعالى ثم طلقها وقال أبو سعد طلقها حين أدخلت عليه. الثامنة قتيلة بنت قيس أخت الأشعث زوجه إيها أخوها في سنة عشر ثم انصرف فحملها فقبض صلى تعالى عليه وسلم قبل قدومها. التاسعة سنا أي بفتح السين وخفة النون بنت أسماء بن الصلت السلمية بضم السين تزوجها وماتت قبل أن يدخل بها وقيل طلقها قبل أن يدخل بها. العاشرة شراف بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وبالفاء بنت خليفة أخت دحية تزوجها فماتت قبل دخوله بها. الحادية عشر ليلي بنت الخطيم اخت قيس تزوجها صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت غيورا فاستقالته فأقالها فأكلها الذئب، الثانية عشر امرأة من بني غفار تزوجها صلى الله تعالى عليه وسلم فرأى بكشحها بياضا فقال ألحقي بأهلم ولم يأخذ مما أتاها شيئا انتهى المراد منه.
وقوله بمعاذ هو بفتح الميم وقوله وقيل المتعوذ غيرها أي غير أسماء
стр. 513
وقيل عمرة كما سبق وقيل أميمة أو مليكة أو سنى أو فاطمة بنت الضحاك أو العالية فهي سبعة أقوال وليلى بنت الخطيم قال ابن سعد هي أول العالية فهي سبعة أقوال وليلى بنت الخطيم قال ابن سعد هي أول من بايع من نساء الأنصار وقوله عالية بنت ظبيان بكسر الظاء ويقال بفتحها، وروى يعقوب بن سفيان عن الزهري أنه بني بها انتهى من الزرقاني.
وذكر نساء أخلا قد تزوجهن ﵇ منهن سلما بنت نجدة بنون وجيم الليثية نكها فتوفي عنها وأبت أن تتزوج بعده ذكره أبو سعيد ومغلطاي وغيرهما والشنباء بفتح المعجمة فنون ساكنة فموحدة فألف تأنيث بنت عمرو الغفارية أو الكنانية دخل بها ومات ابنه ابراهيم فقالت لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه فطلقها، ذكره جرير وابن عساكر وابن رشد، في آخر المقدمات وعمرة بنت معاوية الكندية ذكرها أبو نعيم ومليكة بنت داوود ذكرها ابن حبيب وأمية بنت النعمان ابن شراحيل ذكرها البخارس بناء على أنها غير أسماء المتقدمة وذكر غير ذلك وقد خطب ﵇ نساء ولمم يتزوجهن، منهن ضباعة بضم الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة وبالعين المهملة بنت عامرو ابن قرط بضم القاف وسكون الراء فطاء مهملتين من بني عامر بن صعصعة أسلمت قديما بمكة وهاجرت وكانت من أجمل نساء العرب وأعظمها خلقا وإذا جلست أخذت كثيرا من الأرض وتغطي جسدها مع عظمها بشعرها كانت تحت هوذة بن على الحنفي فمات عنها فتزوجها عبد الله بن جدعان فلم يلق بخاطرها فسألته طلاقها ففعل بعد أن حلفها أنها ان تزوجت هشام بن المغيرة المخزومي تنحر مائة ناقة سود الحدق وتغزل خيطا يمد بين أخشبي مكة وتطوف عريانة فتزوجها هشام ونحر عنها المائة ناقة وأمر نساء بني المغيرة بغزل خيط ومده بين الأخشبين وأمر قريشا فأخلوا لها البيت.
قال المطلب بن وداعة وكان لدة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخرجت أنا ومحمد ونحن غلامان واستصغرونا فلم نمنع فنظرنا إليها فخلعت ثوبا ثوبا وهي تقول:
стр. 514
(اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدى منه فلا أحله)
حتى نزعت ثيابها فنشرت شعرها على ظهرها وبطنها فما ظهر من جسدها شيء فطافت وولدت له سلمة وكان من خيار المسلمين وخطبها صلى الله تعالى عليه وسلم إلي ابنها سلمة ابن هشام فقال حتى إني ابتغى أن أحشر مع أزواجه، فقل له نعم قبل أن يبدو له، فقيل له ﵇ انها قد كبرت، فلما عاد ابنها وقد أذنت سكت عنها ﵇ فلم يتزوجها - انتهى من المواهب وشرحها.
(. . .) فالمتفق عليه أولاهن ذكرها سبق)
قوله فالمتفق عليه بصيغة اسم المفعول مبتدأ ونائبة المجرور وأولاهن مبتدأ وذكرها مبتدأ وخبره قوله سبق والجملة الأخيرة خبر المبتدأ قبله وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول يعني أن أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم المجمع عليهن وعلى دخوله بهن أولاها في التزويج أي التي هي أول من تزوج المصطفي قد تقدم للناظم ذكرها في صدر الكتاب وال موصولة أي اللاتي اتفق عليهن منهن أي على تزويجه ﵇ بهن ودخوله بهن، الأولى منهن في التزويج تقدم ذكرها في قوله:
(وإذا إلي مكة عاد وافتتح ... ستا وعشرين من العمر نكح)
(خديجة من بعد اربعينا ... مضت لها من عمرها سنينا)
(خير نساء الناس أجمعينا ... وقد أقامت معه عشرينا)
وأربعا ورزق البنينا ... منها سوى أحدهم يقينا)
وتقدم الكلام على هذه الأبيات مستوفي، قال خوليد بن أسد بن عبد العزى ابن قصى ويصح أنه منصوب بفعل محذوف تقديره أعني ووصفها بقوله (التي قد صدقت قبل النساء بالنبي فارتقت)، يعني أن أمنا خديجة رضى الله تعالى عنهما صدقت أي آمنت بالنبي صلى الله تعالى عليه
стр. 515
وسلم قبل جميع نسائه بل وقيل كل أحد من الرجال والنساء فارتقت بسبب ذلك إلي أعلى مقام أي علت إليه، قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب: أنها أول خلق الله تعالى أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا إمرأة، قاله الحافظ أبو الحسن عز الدين بن الأثير، وأقره الإمام الذهبي وسبقهما لحكاية الإجماع الثعالبي وابن عبد البر فسنت أحسن السنن ولها أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة – انتهى كلامه.
(وما تزوج عليها أحدا ... حياتها من النساء أبدا)
هذا من مناقبها التي اختصت بها يعني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتزوج على خديجة رضى الله تعالى عنها في مدة حياتها بل توفيا في مكة وما في عصمته ﵇ سواها. وهذا مما لا خلاف فيه.
فائدتان:
الأولى: أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من سائر النساء قال تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء اتقيتن﴾ وعبارة القاضي حسين نساؤه أفضل من نساء العالمين وعبارة المتولي خير نساء هذه الأمة ويلزم من كونها خير نساء هذه الأمة أنهن خير نساء الأمم، لأنها أفضل الأمم إلا أنه لا يلزم من تفضيل الجملة على الجملة بتفضيل كل فرد على كل فرد قيل بنبوءة مريم وآسية وأم موسى فإن ثبت خصت من العموم، ذكره السبكي زاد غيره وحواء وسارة وهاجر نقله الزرقاني.
الثانية معنى كون أزواجه ﵇ أمهات المؤمنين أي في تحريم نكاحهن على التأبيد ووجوب احترامهن، لا في نظر وخلوة بهن فحرام كالأجانب قال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ أي ستر، قال عياض فلا يجوز إظهار شخوصهن وإن كن متسترات إلا
стр. 516
من ضرورة من براز ورده الحافظ بأنهن كن بعده ﵇ يحتجبن ويطفن وسمع الصحابة ومن بعدهم الحديث منهن وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص قال الزرقاني ويمكن أن ذلك من جملة الضرورة وأن قوله من براز أي مثلا فلا يرد عليه ذلك – انتهى. وقوله براز هو قضاء الحاجة قال مؤلفه. وللعراقي:
(أزواجه كلا محرمات ... هن لذي الإيمان أمهات)
(نكاحهن مع عقوقهنه ... مع الوجوب لاحترامهنه)
(لا نظر وخلوة بهنه ... ولا بتحريم بناتهنه)
قال المناوي صرح عياض بحرمة كشف وجوههن وأكفهن بشهادة أو غيرها، (ثم) بعد موت خديجة رضي الله تعالى عنها (تزوج) صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة الصديقة (ابنت الصديق) سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنها ابن أبي قحافة واسمه عبد الرحمن ابن عثمان ابن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، جده ﵇ وأمها أم رومان بضم الراء وفتحها واسمها زينب وقيل دعد بنت عامر بن عويمر بالتصغير بن عبد شمس من بني غنم بن مالك بن كنانة وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها قد خطبها المطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فخطبها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتزوجها اما لأنه لم يعلم بالخطبة أو كان قبل النهى وروى أحمد بن عاصم والطبراني وغيرهما عن عائشة لما ماتت خدية جاءت خوله بنت حكيم وقالت يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال من؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، فأما البكر فابنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر وأما الثيب فسودة بنت زمعة لقد آمنت بك، قال فاذكريهما على، فأتيت أم رومان فقلت ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت وما ذلك؟ قلت رسول الله ﵇ يذكر عائشة، قالت وددت أن تنظري أبا بكر فجاء فذكرت ذلك له، فقال أو تصلح له وهي ابنة اخيه ورجعت وذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال قوله له أنت أخي وأنا أخوك في الإسلام وابنتك تصلح لي فرجعت وأخبرته بذلك، فقال أبو
стр. 517
بكر لأم رومان ان المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه والله ما أخلف أبو بكر وعدا قط فأتى المطعم وعنده امرأته فقال ما تقول في أمر هذه الجارية فأقبل على امرأته فقال ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت لعلنا أن نكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك فقال أبو بكر ما تقول أنت؟ فقال انها تقول ما تسمع فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الموعد فقال لخولة قولي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فليأت فدعته فملكها أي تزوجها.
(وعمرها ست على التحقيق)
يعني انه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج عائشة أي عقد عليها، وهي بنت ست سنين، أخرج الشيخان عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا ابنت ست سنين وفي رواية لمسلم والنسائي عنها وانا ابنت سبع سنين وجمع في الإصابة بينهما بأنها أكملت السادسة ودخلت في السابعة – انظر المواهب وشرحها.
(بالبلد الحرام قبل الهجرة ... بسنتين عند أهل الخبرة)
يعني أنه ﵇ تزوجها بالبلد الحرام أي بمكة قبل الهجرة إلي المدينة بسنتين عند اهل الخبرة بهذا الفن أي العلم به، وقوله بسنتين إلخ. الذي في المواهب هو ما نصه وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوءة قبل الهجرة بثلاث سنين ولها ست سنين، وقوله قبل الهجرة بثلاث سنين زيادة إيضاح لما قبله، وقوله ولها ست سنين أي لأنها ولدت في الإسلام سنة أربع من النبوءة كما في العيون والإصابة قاله الزرقاني. وفي المواهب أيضا وماتت خديجة رضي الله تعالى عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال الزرقاني عقبة ما نصه على الصحيح كما في الفتح والإصابة وزاد عن الواقدي لعشر خلون من رمضان انتهى.
وفي المواهب بعد هذا وقيل قبلها يعني الهجرة بأربع وقيل خمس ودفنت بالحجون – انتهى. فانظر هذا الذي اقتصر عليه الناظم من أنه
стр. 518
تزوجها قبل الهجرة بسنتين والله تعالى أعلم.
(ثم بنى بها بعيدما ارتحل ... لطيبة وعمرها تسعا وصل)
قوله بعيد تصغير بعد وهو الذى يدل على قرب الزمن، وما مصدرية، وتسعا منصوب بوصل، وعمرها مبتدأ ووصل خبره، والجملة حالية، يعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بنى بعائشة رشي الله تعالى عنها أي دخل بها بعد ارتحاله بها لإلى طيبة وهي المدينة المنورة على ساكنيها أفضل الصلاة والسلام، وكان بناؤه بها فى شوال فى السنة الأولى بعد مقدمه المدينة بتسعة أشهر على الصحيح، والحال أن عمرها بلغ إذ ذاك تسع سنين، وقيل بنى بها فى شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، وعليه فتكون لها عشر سنين ونصف سنة وكونه ﵇ بنى بها ولها تسع سنين ثبت عنها فى الصحيحين وغيرهما وهو الذى ياتى عليه أنه بنى بها فى السنة الأولى، وروى ابن سعد وغيره عنها قالت أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وبهذا صدر فى الإصابة والعيون وفى مسلم عنها تزوجنى ﷺ فى شوال بنى فى شوال، قال فى الفتح وإذا ثبت أنه بنى بها فى شوال من السنة الأولى قوي قول من قال دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وقد هاه النووي وليس بواه، إذا عددنا من ربيع وجزمه بأن دخوله بها كان فى الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، وقال الدمياطي ماتت خديجة وعقد على سودة فى شوال ثم على عائشة ودخل بسودة قبل عائشة انتهى. ملخصا من الزرقاني وما صدر به فى المواهب من أنه بنى بها فى شوال سنة اثنتين ضعفه الزرقاني، وقال انه لا ياتى على قول المواهب انه بنى بها ولها تسع سنين كما ثبت فى الصحيحين- انتهى.
وهذا ظاهر لأنها إذا كانت فى شوال قبل الهجرة بثلاث سنين قد مضى لها ست سنين وبنى بها فى شوال سنة اثنتين على رأس ثمانية عشر شهرا فقد كانت حين الهجرة لها تسع سنين لأنه ﵇ عقد عليها ولها ست سنين وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين على ما
стр. 519
اقتصر عليه فى المواهب قاله كاتبه والله تعالى أعلم.
وفي الصحيحين عن عائشة انها قالت تزوجنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا فى بنى الحارث بن الخزرج فوكعت بضم الواو والتاء أي حممت فتمزق شعرى بزاي مشددة أي تقطع. وفى رواية فتمرق بالمهملة أي تنتف فوفى جميمه ووفى بتخفيف الفاء أي كثر وفيه حذف تقديره ثم نصلت من الوعك فتربى شعري فكثر جميمه بالجيم مصغرا، مصغر جمة يجمع شعر الناصية فأتتني أم رومان وإني لفي أرجوحة مع صواحب لى والأرجوحة بضم الهمزة وسكون الراء وضم الجيم فواو فمهملة حيبل يشد فى كل من طرفيه خشبة فيجلس واحد علي طرف وآخر على طرف ويحركان فيميل أحدهما بالآخر نوع من اللعب، فصرخت بي فأتيتها ما أدرى ما تريد منى فأخذت بيدى فأوقفتنى على باب الدار وأنا أنهج بنون وجيم مع فتح الهمزة والهاء وضم الهمزة وكسر الهاء أي أتنفس تنفسا عاليا من الاعياء حتى سكن بعض نفسى بفتح الفاء ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نساء من الأنصار فى البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير صائر أي على خير حظ ونصيب، فأسلمتنى إليهن فأصلحن من شأنى فلم يرعني بضم الراء أي لم يفزعنى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ضحى وكنت بذلك من المفاجأة على غير علم فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين، وفى رواية لمسلم ولعبتها معها.
(ومات عنها وهي بنت حيي ... صلى عليه رب كل شي)
يعني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مدة مقامه مع عائشة تسع سنين ومات عنها ﵇ ولها ثمان عشرة سنة كما فى مسلم وغيره عنها وإلى هذا أشار الناظم بالحاء والياء فالحاء ثمان، والياء عشر.
стр. 520
وقوله شي بشد الياء لغة فى شيء أي صلى عليه مالك كل شيء دعاء بلفظ الخبر. قال الزرقاني وروي أنها مدحت النبي صلي الله عليه وسلم بقولها:
(فلو سمعوا فى مصر أوصاف خده ... لما بذلوا فى سوم يوسف من نقد)
(لواحى زليخا لو رأين جبينه ... لئاثرن بالقطع القلوب على الأيدى)
ولواحي جمع لاحية يعنى النسوة اللاتي لمنها فى شأن يوسف؛ وفى الصحيحين من حديتها أنه ﵇ قال لها: رأيتك وفى رواية أريتك بضم الهمزة فى المنام، ثلاث ليال جاءني بك أي بصورتك الملك، أي جبريل فى سرقة حرير يقول هذه امرأتك، فاكشف عن وجهك، فإذا هي أنت فأقول إن يكن من عند الله يمضه، والسرقة بفتح السين والراء المهملتين فقاف القطعة، ويمضه بضم أوله، قال الطبي هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الشيء المدلى بصحة تحقق وقوع الجزاء ونحوه. قول السلطان لمن يحب قهره، ان كنت أميرا انتقمت منك وقال عياض يحتمل أنه قال ذلك قبل البعثة فلا إشكال، وإن كان بعدها فيحتمل التردد، هل هي زوجته فى الدنيا والآخره؟ أو الآخرة فقط، أو أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره وهو نوع من البديع يسمى تجاهل العارف، قال الحافظ والأخير هو المعتمد، ولابن حبان هي زوجتك فى الدنيا والآخرة. وأصل السرقة بفتحات شقة الحرير البيضاء وقيل الحرير عامة، وجمعه سرق بالتحريك والمراد هنا المعنى الثانى، بدليل أنها خضراء، لما رواه الترمذي وحسنه ان جبريل جاءه ﵊ بصورتها فى خرقة حرير خضراء وقال هذه زوجتك فى الدنيا والآخرة.
وفي رواية عنده قال أتاني جبريل فقال ان الله تعالى قد زوجك يا بنت أبى بكر، ومعه صورتها. وروى الطبراني برجال الصحيح أنها قالت أعطيت تسع خلال ما أعطيتها امرأة؛ والله ما أقول هذا فخرا، نزل الملك بصورتى وتزوجنى لسبع وأهديت إليه لتسع وتزوجنى بكرا، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو فى لحاف واحد. وكنت أحب الناس إليه وآبنت أحب الناس إليه، ولقد نزلت في آيات من القرآن، وقد كادت
стр. 521
الأمة تهلك في ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض فى بيتى ولم يله أحد غيرى وغير الملك.
وروى أبو الحسن الخلعي عنها: رفعته يا عائشة، انه ليهون علي الموت؛ إنى قد رأيتك زوجتى فى الجنة. رواه ابن عساكر بلفظ ما أبالى بالموت، قد علمت أنك زوجتى فى الجنة.
(ولم يكن تزوج المختار ... بكرا سواها فلها الفخار)
قوله المختار اسم يكن، وتوسط الخبر وهو تزوج بينه وبين الفعل وفاعل تزوج ضمير الاسم وبكرا مفعول تزوج والفخار بالفتح التمام بالخصال، قاله فى القاموس يعنى أنه صلي الله عليه وسلم لم يتزوج قط بكرا غيرها فبسبب ذلك ثبت لها الفخار أي المدح بتلك الخصلة على سائر نسائه. وهذا متفق عليه عند أهل النقل وهو فى الصحيح.
وفي الحديث فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام. وفيه يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام. فقالت ﵇ ورحمة الله وبركاته.
وقال ﵇ يا أم سلمة، لا توذينى فى عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا فى لحاف امرأة منكن غيرها، وكلها فى الصحيح. قال فى الفتح مما يسأل عنه وجه اختصاصها بذلك فقيل لمكان أبيها فسرى ذلك لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه صلي الله عليه وسلم، وقيل كانت تبالغ فى تنظيف ثيابها التى تنام فيها معه صلي الله عليه وسلم، وروى الطبراني والبزار برجال ثقات عنها: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم طيب النفس، فقلت يا رسول الله ادع لى. فقال اللهم أغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت وما أعلنت. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها فى حجرها من الضحك، فقال صلي الله تعالى عليه وسلم: أسرك دعائى؟ فقالت مالي لا يسرنى دعاؤك. قال فو الله إنها لدعوتى لأمتى فى كل صلاة- انظر الزرقاني.
وفي المواهب وكانت عائشة تكنى أم عبد الله مروي أنها أسقطت من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سقطا ولم يثبت، والصحيح أنها
стр. 522
كانت تكنى بعبد الله بن الزبير بن أختها، فإنه ﵊ تفل فى فيه لما ولد وقال لعائشة هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت فما زلت أكنى بها وما ولد قط. خرجه أبو حاتم انتهى.
قال الزرقاني وفى الروض بعد تضعيف حديث السقط وأصح منه حديث أبي داوود أنه صلي الله تعالى عليه وسلم قال لها تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير ويروى بابنك عبد الله، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه فكان فى حجرها يدعوها أما- انتهى.
(وكم حوت فى مدة يسيره ... من العلوم الجمة الغزيره)
كم تكثيرية وهي مفعول حوت، والمدة القطعة من الزمن ويعنى بها مدة إقامتها معه صلي الله تعالى عليه وسلم وهي تسع سنين ولذا وصفها باليسارة أي القلة، والجمة بالفتح الكثرة، والغزيرة بفتح العين المعجمة مرادف له، وحوت معناه جمعت يعنى أنها رضي الله تعالى عنها قد جمعت فى هذه السنين التسع من العلوم بجميع أنواعها ما لا يتعلمه غيرها فى الأزمان المتطاولة، فكانت فقيهة جدا، حتى قيل ان ربع الأحكام الشرعية منقول عنها، عالمة بكل العلوم. قال أبو موسى الأشعري ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. رواه الترمذي وصححه.
وقال عروة ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بجلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بطب ولا بحديث العرب ولا نسب من عائشة رواه الحاكم وغيره بسند حسن. وقال عطاء كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا- انتهى.
وكانت فصيحة. قال معاوية ما رأيت خطيبا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة رواه الطبراني. وكانت كثيرة الحديث، روي لها عن رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم ألفان بالتثنية ومائتا حديث وعشرة، وكانت عارفة بأيام العرب وأشعارها، فما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا، وكانت زاهدة كثيرة الكرم والصدقة.
стр. 523
وعن أم درة قالت أثيت عائشة بمائة ألف، ففرقتها وهي يومئذ صائمة، وقلت لها أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت لو ادركتيني لفعلت. وكانت ﵂ بيضاء وزاعم أنها سوداء كذبه ابن معين وغيره. ويقال لها عيشة فى لغة فصيحة وعائشة أفصح. وهي بالهمز وعوام المحدثين يبدلونها ياء. وكان ﵇ يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة ولا يقسم لسودة لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لعائشة.
وما فى مسلم عن ابن جريح ان التى كان لا يقسم لها صفية وهم، كما قاله عياض والطحاوي وغيرهما- انظر الزرقاني.
تنبيه:
مشى الناظم رحمه الله تعالى على ان عائشة هى التى تلي خديجة فى التزويج بها وهو قول محمد بن عقيل، والذى صدر به فى المواهب ان سودة هي التى تلي خديجة وانه تزوج سودة قبل أن يعقد على عائشة، وقال هذا قول ابن أبى عبيدة وقتادة ولم يذكر ابن قتيبة غيره- انتهى.
قال الزرقاني وبه جزم الجمهور، قال فى الإصابة ورواه ابن إسحاق، فقال كانت سودة أول امرأة تزوجها بعد خديجة، قال اليعمري وهو الصحيح ويجمع بين القولين بأنه صلي الله تعالى عليه وسلم عقد على عائشة قبل الدخول بسودة، ودخل بسودة بمكة قبل الدخول بعائشة- انتهى.
وقال العراقي:
خديجة الأولى تليها سودة ... ثم تلى عائشة الصديقة
وقيل قبل سودة فحفصة
انتهى المراد منه.
стр. 524
وقال الزرقاني جرى المصنف فى ترتيبهن على ما رواه يونس عن الزهري أنه صلي الله تعالى عليه وسلم تزوج بعد خديجة سودة ثم عائشة ثم حفصة ثم أم سلمة ثم أم حبيبة.
وفي رواية عقيل عنه خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم أم حبيبة ثم أم حفصة، ثم أم سلمة. وروى عبد الملك النيسابوري عن أبي سعيد يرفعه: ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني به جبريل عن ربي انتهى.
(وبالبقيع دفنت فى حن ليلا ... )
مراده أن عائشة دفنت ليلا بالبقيع بوصيتها لابن اختها عروة فقالت إذا أنا مت فادفنى مع صواحبى بالبقيع. فدفنت به ليلا، ونزل فى قبرها القاسم بن محمد بن عمة عبد الله بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله أبناء الزبير وحضر جنازتها أكثر أهل المدينة، وصلى عليها أبو هريرة وكانت يومئذ خليفة لمروان بن الحكم على المدينة. ومروان أمير المدينة من جهة معاوية فحج واستخلف أبا هريرة وتوفيت على ما قال الناظم عام ثمان وخمسين كما أشار له بقوله:
في حن. فالحاء ثمان والنون خمسون وعزاه ابن حجر للأكثرين وصححه الشامي وذلك كما قال الواقدي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. والذى ذكر على بن المديني عن سفيان عن هشام بن عروة وصححه فى التقريب أنها ماتت عام سبعة وخمسين وقيل ماتت سنة ست وخمسين وقيل سنة تسع وخمسين، بتقديم المثناة. فعلى قول ابن المديني عاشت ستا وستين سنة، وعلى ما عزاه الحافظ للأكثر ألغي عام الولادة أو الموت.
(وسودة سمت فى البسن ... فوهبت ليلتها لها لكي تحشر فى أزواجه بنت لؤي)
يعني أن أمنا سودة رضي الله تعالى عنها سمت أي علت وكبرت فى
стр. 525
السن فأراد صلي الله تعالى وسلم أن يطلقها، فقالت لا تطلقنى وأنت فى حل منى، فأنا أريد أن أحشر فى أزواجك وإنى قد وهبت يومي لعائشة، وإنى لا أريد ما تريد النساء فأمسكها حتى توفي.
وأخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس وأبو داوود عن عائشة أن سودة خشيت أن يطلقها صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة ففعل، ففعلت. فأنزل الله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا﴾ (الآيه).
وفي مرسل رواه ابن سعد انه بعث إليها بطلاقها فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل. لكن صحح الدمياطي وتلميذه اليعمري أنه لم يطلقها. وكانت رضي الله تعالى عنها شديدة الاتباع لأمره صلي الله تعالى عليه وسلم. وصح عن عائشة أنها قالت: ما من الناس أحد أحب إلى أن أكون فى مسلاخه من سودة، ان بها إلا حدة فيها، كانت تسرع منها الفيئة. ومسلاخها بكسر الميم وسكون المملة وخفة اللام وخاء معجمة هديها وطريقتها.
وروى ان عمر بعث إليها غرارة من الدراهم، فقالت ما هذه؟ قالوا دراهم. قالت فى غرارة مثل التمر؟ ! ففرقتها. وكانت تضحكه صلي الله تعالى عليه وسلم بالشيء أحيانا.
فائدة:
يقال كبر بالكسر إذا أسن، يكبر بالفتح، وكبر بالضم إذا عظم فى الأجسام والمعاني، يكبر بالضم فيهما.
قال الدنوشري:
كبرت بكسر الباء فى السن وارد ... مضارعه بالفتح لا غير يا صاح
وفي الجسم والمعنى كبرت بضمها ... مضارعها بالضم جاء بإيضاح
نقله الزرقاني. وقول الناظم فوهبت فاعله ضمير يعود على سودة كالمجرور بالإضافة وأما المجرور باللام فهو لعائشة، وبنت نائب فاعل
стр. 526
تحشر وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، وأتى به الناظم ليبين النسب الذى يجمعها مع المصطفى ﵇ وهو جدهما لؤي. وسودة بفتح السين هي بنت زمعة بفتح الزاي وسكون الميم وتفتح على ما فى القاموس، وبه يرد لقول المصباح لم أظفر بسكونها، ابن عبد شمس، ابن عبد ود، بفتح الواو وشد الدال، وتضم الواو، ابن نضر بن مالك، بن حسل بكسر الحاء وسكون السين المهملتين فلام ابن عامر بن لؤي وأمها الشموس بشين معجمة فميم فواو فمهملة بنت قيس بن عمرو أخي سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية، أم عبد المطلب.
(وبعد موت زوجها السكران ... تزوجت خير بنى عدنان
صلى عليه ربنا وسلما ... وآله وصبحه وكرما)
قوله بعد متعلق بتزوجت والضمير المضاف إليه زوج لسودة يعنى أنها ﵂ كانت قبل النبي صلي الله تعالى عليه وسلم تحت ابن عمها السكران عمرو بن عبد شمس جدها هي المتقدم نسبه، فالسكران ابن عم أبيها، وهو أخو سهيل بالتصغير، وسهل بالتكبير وسليط بفتح المهمله وكسر اللام وحاطب بنو عمرو كلهم صحابة، رضي الله تعالى عنهم، والسكران أسلم قديما وهاجر معها الهجرة الثانية إلى الحبشة، كما ياتى، وهاجر سليط الهجرة الأولى إلى الحبشة على ما فى العيون كما فى الزرقاني، وكذا أخوه حاطب كما فى العراقي. وفى المواهب وكانت تحت ابن عم يقال له السكران ابن عمرو أخو سهيل بن عمرو وأسلم معها قديما وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها وقيل أنه مات بالحبشة، وتزوجها صلي الله تعالى عليه وسلم بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة انتهى المراد منه.
وفي الزرقاني انها ولدت للسكران ابنا يسمى عبد الرحمن، قتل بحلولاء فى قتال فارس وفيه انها رأت فى المنام كأن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أقبل يمشي حتى وطئ عنقها فأخبرت زوجها بذلك، فقال إن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك، ثم رأت فى المنام ليلة
стр. 527
أخرى أن قمرا انقض عليها وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجين من بعدي فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا يسيرا انتهى.
وقولها وتزوجها أي عقد ودخل عليها قاله الزرقاني، ثم قال فى المواهب ويقال تزوجها بعد عائشة ويجمع بين القولين بأنه صلي الله تعالى عليه وسلم عقد على عائشة قبل سودة ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل منهما وإن كان المتبادر للفهم العقد دون الدخول- انتهى كلامها.
وقوله فى وجه الجمع عقد على عائشة قبل سودة أي قبل الدخول بسودة، لا قبل العقد عليها بدليل بقية كلامه، ودخل بسودة قبل عائشة يعنى وبعد عقده على عائشة. وقوله كل منهما أي من العقد والدخول فيحمل الأأول على العقد والثانى على الدخول فيتفق القولان، قاله الزرقاني.
وقوله فيحمل الأول على العقد يعنى القول الأول فى كلامه وهو أنه تزوج سودة قبل عائشة فيكون المراد بتزوجه بها قبل عائشة أنه عقد عليها قبل عائشة، وقوله والثاني على الدخول يعنى بالثاني قوله ويقال تزوجها بعد عائشة فيكون معناه دخل بها أي بسودة بعد عائشة أي بعد عقده ﵇ على عائشة فهذا وجه التوفيق بين القولين والله تعالى أعلم. قاله كاتبه عفا الله عنه.
وقوله صلى عليه أي أعطاه صلاة، أي رحمة، وسلم أي أعطاه سلاما، أي أمانا، وكرمه عظمه ونزهه.
(وهاجرا فى الدين هجرتين ... جزاهما الرحمن جنتين)
ضمير التثنية راجع لسودة وزوجها السكران بن عمرو، أخبر رضي الله تعالى عنه أن سودة وزوجها السكران هاجرا فى الدين هجرتين، أي تركا وطنهما بسببه، ودعا لهما بلفظ الخبر بأن يجزيهما الله تعالى على هجرتيهما بجنتين ولكن كون السكران ﵁ هاجر هجرتين
стр. 528
غير صحيح والله تعالى أعلم؛ لأن الهجرة إلى المدينة مات قبلها. ولم يتزوج المصطفى ﵇ سودة إلا بعد موت السكران وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وأما الهجرة الأولى إلى الحبشة فلم يكن من أهلها والله تعالى أعلم، وأما الثانية من هجرتي الحبشة فقد هاجرها هو وسودة رضي الله تعالى عنهما.
وقد تعرض لعد أهل الهجرة الأولى غير واحد، ولم يذكروا السكران فيها فيما رأينا، وللعراقي:
(لما فشى الإسلام واشتد على ... من أسلم البلاء هاجروا إلي)
(أصحمة فى رجب من سنة ... خمس مضت لهم من النبوءة)
(خمس من النساء واثنا عشرا ... من الرجال كلهم قد هاجرا)
(عثمان مع زوجته رقيه ... أسبقهم للهجرة المرضية)
(مصعب والزبير وابن عوف ... وحاطب فأمنوا من خوف)
(كذا ابن مظعون ابن مسعود أبو ... سلمة وزوجه تصاحبوا)
(أبو حذيفة أبوه عتبه ... زوجته بنت سهيل سهله)
(وابن عمير هاشم وعامر ... ابن ربيعة الحليف الناصر)
(وزوجه ليلى أبو سبرة مع ... زوجته أي أم مكتوم جمع)
(وخرجت قريش فى الآثار ... لم يصلوا منهم لأخذ الثار)
(فجاوروه فى أتم حال ... ثم أتوا مكة فى شوال)
(من عامهم إذ قيل أهل مكة ... قد أسلموا ولم يكن بالمثبت)
(فاستقبلوهم بالأذى والشدة ... فرجعوا للهجرة الثانية)
(في مائة عد الرجال منهم ... اثنان من بعد ثمانين هم)
(فنزلوا عند النجاشي على ... أتم حال وتغيظ الملا)
(على النبي وعلى أصحابه ... وكتب البغيض فى كتابه)
(على بنى هاشم الصحيفه ... وعلقت بالكعبة الشريفه)
(أن لا تناكحوهم ولا ولا ... وحصروا فى الشعب حين أقبلا)
(أول عام سبعة للبعث ... قاسوا به جهدا بشر مكث)
(وسمعت أصوات صبيانهم ... فساء ذاك بعض أقوامهم)
стр. 529
انتهى المراد منه.
وأصحمة بفتح الهمزة وسكون المهملة الأولى وكسر الثانية من الصحمة وهو سواد إلى صفرة أو غيره، أي سواد قليل، ومصعب هو ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف، بن عبد الدار بن قصي، وابن مظعون هو عثمان وهو أول صحابي مات بالمدينة، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن عمرو، بن مخزوم وزوجه أمنا أم سلمة وهاجرا معا الهجرتين، وأبو حذيفة هو ابن عتبة بن ربيعة كما قال الناظم، أبوه عتبة وهاشم بن عمير أخو مصعب وقوله الحليف أي حليف الخطاب بن نفيل وأبو سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة ابن أبى رهم بضم الراء من بنى عامر ابن لؤي. وقوله من عامهم أي الذى هاجروا فيه لما أخبرهم ركب من بنى كنانة أن قريشا قد أسلموا، وبغيض هو ابن عامر بن عبد مناف بن عبد الدار، وهو بغيض كاسمه وشلت يده، وقوله ولا ولا، أي ولا تعاملوهم ولا تخالطوهم، والجهد بفتح الجيم المشقة، وقوله بشر مكث أي من ضيق العيش والأذى، وقوله أصوات صبيانعم أي من وراء الشعب يتضاغون من شدة الجوع والكرب، قاله المناوي.
(وعام ند فى خلافة عمر ... توفيت فى طيبة فاقف الأثر)
أخبر أن أمنا سودة ﵂ توفيت بالمدينة عام ند، وهي أربع وخمسون فى خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا يخفى ما فى كلامه من التناقض، لأن عمر رضي الله تعالى عنه توفي فى آخر ذى الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقد اختلف فى موت سودة، هل كان فى آخر خلافة عمر وهو الذى رواه البخاري فى تاريخه وجزم به الذهبي، وقال ابن سيد الناس انه المشهور، وتبعه الشامي. والذى صدر به فى المواهب أنها توفيت فى شوال سنة أربع وخمسين فى خلافة معاوية وهو الذى رجحه الواقدي، وقال الحافظ سنة خمس وخمسين على الصحيح- انظر المواهب وشرحها.
وفي المناوي وماتت فى شوال سنة أربع وخمسين وقال اليعمري
стр. 530
والذهبي ماتت فى آخر خلافة عمر- انتهى. ولم يعين هو ولا القسطلاني ولا الزرقاني وقت موتها، على أنها ماتت فى آخر خلافة عمر.
وقول الناظم فاقف الأثر معناه اتبع الأثر المروي فى تعيين وقت وفاتها والله تعالى أعلم.
وصواب الناظم إن كان ماشيا على أنها فى خلافة عمر، أن يقول:
وفى أواخر خلافة عمر ... ماتت بطيبة فحقق الأثر قاله كاتبه سمح الله له.
(وحفصة تزوجت خير البشر ... بعد خنيس ... )
يعني أن أمنا حفصة رضي الله تعالى عنها تزوجت رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة كما فى المواهب وجزم ابن عبد البر بأنه تزوجها سنة اثنتين ورجح كل من القولين، وكانت قبل ذلك تحت الصحابي الجليل خنيس، بضم المعجمة وفتح النون وسكون الياء فسين مهملة ابن حذافة بضم المهملة فذال معجمة السهمي، هاجرت معه ومات عنها من جراحات أصابته ببدر، وقيل قتل بأحد ورجح كلا منهما مرجحون وهى بنت عمر ﵄ ابن الخطاب بن نفيل بضم النون ابن عبد العزى بن رياح، بكسر الراء وفتح التحتية، فألف فحاء مهملة، ولا يعرف فى العرب فى الجاهلية رباح بالموحدة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وفتح الراء وبالطاء المهملتين كما فى الجامع وغيره، ابن رزاح بفتح الراء والزاء فألف فمهملة ابن عدي بن كعب، فبينها وبين كعب بن لؤي تسعة آباء، وأمهات هي وأخوها عبد الله بن عمر زينب بنت مظعون الجمحية. من المهاجرات. وولدت حفصة قبل البعثة بخمس سنين وقريش تبنى الكعبة، وكانت صوامة قوامة، وروي لها عنه صلي الله تعالى عليه وسلم ستون حديثا واستغرب الإمام السبكي الكبير أنها تلى عائشة فى الفضل. قالت عائشة فى حقها: وكانت بنت أبيها. تنبيها منها على فضلها.
ولما تأيمت من خنيس عرضها عمر على عثمان، فلم يجبه إلى زواجها،
следующие страницы →