Полный текст (927 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
,طولها شبر وإصبعان ... وعرضها مما يلي الكعبان))
سبع أصابع وبطن القدم ... خمس وفوق ذا فست فاعلم))
(ورأسها محدد وعرض ما .. بين القبالين إصبعان اضبطهما)
(وهذه تمثال تلك النعل ... ودورها أكرم بها من نعل)
قوله المصونة أى عن الأدناس ابن العربي والنعل المعروفة لباس الأنبياء وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين وقوله طوبي أى راحة وطيب عيش حاصل لمن مس موضع قدمه تبركا به، وفي الحديث قابلوا النعال يقول قابلت النعل وأقبلتها إذ جعلت لها قبالا، ويقال نعل مقابلة ومقبلة والباء في بسير بمعني من، أى قبالان من سير، والسبت بالكسر جلد البقر يدبغ مطلقا أو بالقرظ وتجلب من اليمن سميت بذلك لأنها سبت عنها شعرها أى حلق وأزيل، إذ ألبست القطع أو لأنها أسبتت بالدباغ أى لانت والأصبع بتثليث الهمزة والموحدة وقوله مما يلي الكعبان أى من جهة الكعبين وقوله وفوق ذا أى فوق بطن القدم فعرضه ست من الأصابع فاعلم هذه الحدود وقوله وعرض ما بين القبالين أصبعان، أى متلاصقان، وقوله وهذه أى هذه الصفة، صفة تمثال تلك النعل ودورها ومما جرب من بركتها أن من أمسك تمثالها عنده متبركا به أمن من بغي البغاة وغلبة العداة وحرز من كل شيطان مارد وعين حاسد وإن أمسكتها المرأة الحامل بيدها وقد اشتد عليها الطلق سهل وضعها ذكره ابن عساكر، انتهى من المناوي
وقوله اضبطهما بكسر الموحدة من باب ضرب كما قاله الهلالي في شرح خطبة القاموس وروي الشيخان من طريق ابن جريج أنه قال لابن عمر رأيتك تلبس النعال السبتية قال إني رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها
ابن الأثير وجه السؤال كونها نعال أهل النعمة ولم تنعلها الصحابة والسبتية بكسر المهملة وسكون الموحدة المدبوغة بالقرظ والتي سبت عنها الشعر أى حلق وعن ابن عمرو حريث بضم الحاء ومثلثه القرشي
стр. 772
المخزومي قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي في معلين مخصوفين مخروزتين والخصف ضم الشئ إلى الشئ والمراد أن نعله وضع فيها طاق على طاق، وكانت له أيضا نعل من طاق واحدة كما دلت عليه الأخبار وكان لنعله قبالان ولنعل أبي بكر قبالان ولنعل عمر قبالان وأول من اتخذ قبالا واحدا عثمان ووجه بأنه أراد أن يبين بأن اتخاذ القبالين ليس لكراهة قبال واحد ولا لمخالفة الأولي بل لكونه عادة وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله وفى الحديث إذا أنتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع فليبدأ بالشمال وفي أبي داوود أنه نهي ﵇ أن ينتعل الرجل قائما وهو نهي تنزيه وإرشاد وخصه الطيبي وغيره بما في لبسه قائما تعب كالناموسة والخف لا قبقاب انتهى من المواهب وشرحها
ومثال نعله صلى الله تعالى عليه وسلم مجرب للبركة، كما ذكر العلماء وهو لعمري بذلك حقيق وجدير فقد حاكي ما كان موطأ القدم للبشير النذير صلى الله تعالى عليه وسلم ما عكف على لثمه مشتاق وما حن محب إلي زيارة قبره واشتاق صلاة وسلاما يدومان إلى يوم التلاق
وذكر الشيخ الورع أحمد بن عبد المجيد أنه حذى تمثال النعل لبعض الطلبة قال فجاءني يوما فقال رأيت البارحة من بركة هذا النعل عجبا أصاب زوجي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النعل على موضع الوجل وقلت اللهم اشف ببركة هذا النعل زوجي وفي نسخة اللهم أرني بركة صاحب هذا النعل، فشفاها الله للحين وللشيخ أبي الحسن البلنسي رحمه الله تعالى:
(يا مبصرا تمثال نعل نبيه ... قبل مثال النعل لا متكبرا)
(وأعكف به فلطال ما عكفت به ... قدم النبي مروحا ومبكرا)
(أو ما ترى أن المحب مقبل ... طللا وإن لم يلف فيه مخبرا)
стр. 773
وللمسعودي مذيلاً على ما قبله:
(ولربما ذكر الحبيب حبيبه ... بشبيه فغدى له متصورا)
(ويظن حين يرى اسمه في رقعة ... أن قد رأى فيها الحبيب مصورا)
(لا سيما في حق نعل لم يزل ... صونا لأخمص خير من وطئ الثرا)
(فعساك تلثم في غد من لثمها كأس النبي إذا وردت الكوثرا)
انتهى من المناوي وللإمام أبي بكر أحمد بن أحمد الإمام الأنصاري القرطبي:
(ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنا متى نخضع لها أبداً نعل)
(فضعها على أعلى المفارق إنها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل)
(بأخمص خير الخلق حازت مزية ... على التاج حتى باهت المفرق الرجل)
(طريق الهدى عنها استنارت لمبصر ... وان بحار الجود من فيضها خلوا)
(سلونا ولكن عن سواها وإنما ... نهيم بمغناها الغريب وما نسلوا)
(شفاء لذي سقم رجاء لبائس ... أمان لذي خوف كذا يحسب الفضل)
المزية الفضيلة والمفرق بزنة مسجد حيث يفرق الشعر، وحلو بضم الحاء المهملة واللام من حلي الشيء يحيله إذا صيره حلواً ولم يقل حليت تنزيلاً للبحار منزلة العقلاء وقوله سلونا الخ. أي عما شئتم فلنا به علم وإحاطة ولكن عن غيرها فلا تسألونا ومعناها بغين معجمة محلها، والغريب أي البعيد في الصفة عن الأماكن المعروفة قاله الشيخ العلامة محمد بن عبد الباقي وها أنا إن شاء الله آتي بما استطعت من ت مثال هذه النعل الشريفة موطإ القدم الزكية المنيفة وأجعله في متن هذا الشرح رجاء لبركته راجياً من الله تعالى الدخول في أهل خدمته والموت على سنته، والحشر في زمرته وليكون ذلك وسيلة لقبوله وتمامه على الوجه المحمود وحصوله نسأل الله تعالى أن يمتعنا في الدارين بقرب نبيه الكريم وأن يجعلنا نحن وأحبتنا عقب الموت في جنات النعيم وهذه صورة ما أمكن من تمثال النعال في المحول ولله در شاعر العلماء وخطيب البلغاء في قوله:
стр. 774
(يا ليت حر الوجه مني كانا ... لوطإ نعل المصطفى مكان)
ولله در أبي اليمن بن عساكر حيث يقول:
(يا منشداً في رسم ريع خال ... ومناشداً لدوارس الأطلال)
(دع ندب آثار وذكر مآثر ... لأحبة بأنوا وعصر خال)
(والثم ثرى الأثر الأثير فحبذا ... إن فزت منه بلثم ذا التمثال)
(أثر له بقلوبنا أثر لها ... شغل الحلي بحب ذات الخال)
(قبل لك الإقبال نعلي أخمص ... حل الهلال بها محل قبال)
(ألصق بها قلباً يقلبه الهوى ... وجلا على الأوصاب والأوجال)
(صابح بها خدا وعفر وجنة ... في تربها وجداً وفرط تخال)
(سبيل حر جوى ثوى بجوانح ... في الحب ما جنحت إلى الإبلال)
(يا شبه نعل المصطفى نفسي الفدى ... لمحلك الأسمى الشريف العالي)
(هملت لمرءاك العيون وقد نئا ... مرقى العيون بغير ما امهال)
(وتذكرت عهد العقيق فناثرت ... ششوقاً عقيق المدمع الهطال)
(وصبت فواصلت الحنين إلى الذي ... مازال بالي منه في بلبال)
(أذكرتني قدماً لها قدم العلي ... والجود والمعروف والإفضال)
(ولها المفاخر والمآثر في الدنا ... والدين في الأقوال والأفعال)
(لو أن خدي يحتذى نعلاً لها ... لبلغت من نيل المنى آمال)
(أو أن جفاني لوطإ نعالها ... أرض سمت عزا بذا الاذلال)
قوله يا منشداً أي للشعر، فمفعوله محذوف، والمناشد المخاطب، والطلل ما شخص من الآثار، نزل الأطلال منزلة العقلاء وأثبت لهم المناشدة، وقوله ذع ذكر آثار أي اترك ذكر محاسن، والمآثر جمع مأثرة بفتح الثاء وضمها وهي المكرمة، وفي المصباح هي كالأثرة المكرمة، المتورثة، وخال أي ماض، وخاص الأولى أي خال من أهله، واللثم التقبيل، لثم كضرب وسمع، كما في القاموس، أي ألثم التراب الذي حصلت له النداوة من أثر النعل الكريمة إن أمكن ذلك وإلا فقبل مثالها فحبذا اللثم إن ظفرت بلثم ذا التماثل، وقوله أثر خبر مبتدأ محذوف أي هذا التمثال أثر، من
стр. 775
آثار المصطفى له بقلوبنا أثر أي تأثير بمعنى صورة منتقشة لها أي لأجل الصورة فلذا أنت الضمير العائد على الأثر وشغل بالبناء للمجهول والخلي الفارغ، والخال الشامة في الخد، تخالف لونه فتزيده حسناً، والمعنى أنه يتذكر بحسن صورة ما انتقض في قبله من ذلك الأثر حسن الشامة بخد محبوبته، والأخمص القدم المرتفع عن الأرض ووجلاً بكسر الجيم خائفاً وعلى بمعنى اللام، أي اجعل قلبك مشغولاً بتلك النعل حالة كونه خائفاً من الأوجاع وأنواع الخوف لتقصيره في محبتها، وقوله سيبل أي ما ذكر من المصافحة والتعفير حر جوى أي حرقة، وجد وثوى أقام، والجوانح الضلوع تحت الترائب وقوله في الحب أي لأجل الحب وجنحت مالت، والإبلال بكسر الهمزة وسكون الموحدة الإذهاب، والعقيق موضع قرب المدينة وعقيق المدمع أي الدمع المشبه بالعقيق في الحمرة، والبال القلب، والبلبال بالفتح الهم، وأذكرتني بكسر التاء خطاب لصورة التمثال وقدما بفتحتين وقدم العلا بكسر القاف وفتح الدال والإبكار جمع بكرة ويحتذى يقطع انظر الزرقاني.
وقال أبو الحكم مالك بن المرحل بالفتح أحد فضلاء المغاربة، وله نظم حسن كما في الزرقاني:
(بوصف حبيبي طرز الشعر ناظمه ... ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه)
(رؤف عطوف أوسع الناس رحمة ... وجادت عليهم بالنوال غمائمه)
(له الحسن والإحسان في كل مذهب ... فئاثاراه محبوبة ومعالمه)
(به ختم الله النبيئين كلهم ... وكل فعال صالح فهو خاتمه)
(أحب رسول الله حباً لو أنه ... تقاسمه قومي كفتهم قسائمه)
(كأن فؤادي كلما مر ذكره ... من الورق خفاق أصيبت قوادمه)
(فانشق مسكاً طيباً فكأنما ... نوافحه جاءت به ولطائمه)
(ومما دعاني والدعاوي كثيرة ... إلى الشوق أن الشوق مما أكاتمه)
стр. 776
(مثال لنعلي من أحب هويته ... فها أنا في يومي وليل لاثمه)
(أجر على رأسي ووجهي أديمه ... وألثمه طوراً وطوراً ألازمه)
(أمثله في رجل أكرم من مشى ... فتبصره عيني وما أنا حالمه)
(أحرك خدي ثم أحسب وقعه ... على وجنتي خطوا هناك يداومه)
(ومن لي بوقع النعل في حر وجنتي ... لماش علت فوق النجوم بارجمه)
(سأجعله فوق الترائب عوذة ... لقلبي لعل القلب يبرد حاجمه)
(وأربطه فوق الشؤون تميمة ... بجفني لعل القلب يبرد حاجمه)
(ألا بأبي تمثال نعل محمد ... لطاب لحاذيه وقدس خادمه)
(يود هلال الأفق لو أنه هوى ... يزاحمنا في لثمه ونزاحمه)
(سلام عليه كلما هبت الصبا ... وغنت بأغصان الأراك حمائمه)
نمنم بنونين وميمين زخرف ونقش والطرس بالكسر الصحيفة وراقمه كاتبه شبه الورق الأبيض بعد كتبه بحسناء زينب بنقش والنوال بالفتح العطاء، ولو أنه بدرج الهمزة، وقسائمة جمع قسيمة وهي النصيب، والورق بضم الواو وسكون الراء الحمام، والخفاق شديد الخفقان وهو الاضطراب، والقوادم عشر أو أربع ريشات في مقدم الجناح، جمع قادمة، وأهيم لا أدري أين أتوجه والنواسم الرياح جمع ناسمة، ونوافحه جمع نافحة وهي وعاء المسك، ولطائمه جمع لطيمة وهي الإبل، تحمله وأديمه جلده والمراد الرقعة المصور فيها جلداً أو غيره، وألازمه أضمه إلى صدري وأمثله، أفرض أني أشاهده وقوله فتبصره عيني اي كأن عيني تبصره لشدة حضوره في ذهني وحالمه بلام قبل الميم كالتأكيد لقوله فتبصره، وفي نسخة حاكمة بالكاف أي لا أتمكن من حقيقته وإنما أحكم بمثاله فقط والوجنة ما ارتفع من لحم الخد وخطوا بفتح فسكون أي مشيا منه صلى الله تعالى عليه وسلم والعوذة الرقية، وحاجمه بحاء مهملة فألف فجيم حرارته الشديدة، والتميمة الحرز، وأرطة بضم الباء وكسرها وساجمه دمعه السائل، والاستفتاح أي أفدي بأبي تمثال نعل محد، واللام في لطاب جواب قسم مقدر، أي والله لقد طاب ذلك التمثال لصانعه.
стр. 777
[صورة النعل]
стр. 778
فائدة:
روى الترمذي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا يمشين أحدكم في نعل واحد لينعلهما جميعاً أو ليحفيهما. والنهي للكراهة ومحله إن لم تكن ضرورة إلا فلا كراهة. وعليه يحمل ما روي أنه ﵇ ربما فعله ويحتمل أنه لبيان الجواز انظر جسوسا. وقوله لينعلهما أي القدمين بضم الياء من أنعل وبفتحها يقال نعل بفتح العين وتكسر، ويحفيهما بضم أوله من الإحفاء وهو الإعراء عن نحو النعل قاله البيجوري.
وروى الترمذي أيضاً مرفوعاً: إذا انتعل أحدكم فاليبدأ باليمين وإذا نزع فاليبدأ بالشمال. قال جسوس والأمر للاستحباب قاله عياض إجماعاً انتهى، ومما ورد في باب التنعل أنه يكره قائماً لكن حمل على نعل يحتاج في لبسهما إلى الاستعانة باليد لا مطلقاً، قاله البيجوري.
(وكان ثوبان له للجمعه ... غير ثياب لبسه المرتفعة)
ثوبان اسم كان والخبر له، ولبسه بضم اللام. ومعنى البيت أنه ﵇ كان له ثوبان يلبسهما للجمعة غير أثوابه الشريفة المعدة للبس. وفي العيون ويلبس يوم الجمعة ثوباً غير ثيابه المعتادة كل يوم، ولا يخرج يوم الجمعة إلا معتماً بعمامة يرسلها بين كتفيه ويديرها ويغرزها انتهى.
وفي الموطإ أنه ﵇ قال: ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته. والاستفهام متضمن للتنبيه والتوبيخ فيقال لمن أهمل شيئاً أو غفل عنه ما عليه لو فعل كذا، وقوله ثوبين هما قميص ورداء أو جبة ورداء.
قال ابن عبد البر: ومهنته بذلته وخدمته، والرواية بفتح الميم وقد تكسر، وفيه الندب لمن وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان للجمع. وكان ﵇ يفعل ذلك ويعتم وفيه الأسوة الحسنة انتهى من شرح الزرقاني عليه.
стр. 779
(وكان منديل له ليمسحا ... به على الوجه المنير الأصبحا)
المنديل بالكسر والفتح وكمنبر ما يتمسح به والمنير المضيء المشرق والأصبح الحسن، وهو نعت مقطوع عن التبعية مفعول فعل محذوف تقديره أعني، ومعنى البيت أن المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة ما كان عنده من اللباس منديل يمسح به وجهه الشريف. وفي العيون وكان له منديل يمسح به وجهه انتهى.
(صلى عليه ربنا) أي أولاه رحمة يقارنها تعظيم، والرب المالك (وسلما) أي أمنه من كل ما يخاف، (وآله وصحبه وكرما) أي أعطاه وإياهم كل كمال يناسبهم.
(بيان بعض معجزات المصطفى ... صلى الله ربنا وشرفا)
أي هذا الباب يذكر فيه بعض ما أظهره الله تعالى على يديه من المعجزات ووقع تصديقاً له من خوارق العادات:
وهو أمر كثير لا تحيط به الأفهام، ولا تضبطه المحابر والأقلام، صلى الله تعالى عليه وسلم، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. والمعجزة في الأصل اسم فاعل من الإعجاز وهي لفظ أطلق على الآية الدالة عن صدق النبي. قال اليوسي والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية أو للمبالغة كعلامة وتسميتها معجزة مجاز، لأن المعجز في الحقيقة هو الله، وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها. وهي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد مدعي الرسالة مقارناً لدعوى الرسالة متحد به قبل وقوعه غير مكذب، سالم من المعارضة وعبر بأمر دون فعل، لشمول ما كان عدمياً كعدم الإحراق بالنار وخرج بالخارق للعادة ما كان موافقاً لها. وبقوله على يد مدعي الرسالة، الكرامة، لأنها على يد مدعي الولاية واحترز به أيضاً عن أن يتخذ الكاذب معجزة نبي قبله معجزة له لأنه لم تظهر على يده، والتحدي هنا عبارة عن قول الرسول: أية صدقي أن يكون كذا .. وهو في الأصل طلب المعارضة في
стр. 780
الحداء بالضم أي الغناء للإبل، يكون حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يستحدي كل منهما صاحبه، أي يطلب حداءه. ثم توسع فيه واستعمل في كل مباراة، يقال تحديث فلاناً، إذا نازعته الغلبة، وخرج بقيد التحدي الآيات الإرهاصية بكسر الهمزة نسبة للمصدر. يقال أرهصت الحائط ورهصته إذا جعلت له رهصاً أي أساساً كما في حاشية اليوسي وذلك كشق الصدر وإظلال الغمامة ونحوهما مما وقع له صلى الله تعالى عليه وسلم قبل النبوءة إرهاصاً أي تأسيساً لنبوءته.
وفي المنح المكية أن قيد التحدي لا يخرج المتأخر عن التحدي لأنه يلزم عليه إخراج أكثر آياته صلى الله تعالى عليه وسلم كنبع الماء ونطق الحصا والجذع، مع أن اصطلاح السلف على إطلاق المعجزة على كل خارق، وليس بسحر انتهى.
واحترز بقولي غير مكذب بأن يقول آية صدقي أن ينطق هذا الجماد بتكذيبه ويقيد عدم المعارضة من السحر فإنه يمكن الإتيان بمثله وهذا مبني على دخول السحر في الخارق، وقال السنوسي ومن المعتاد السحر وإن كان سببه العادي نادراً خلافاً لمن جعل السحر خارقاً، وقال ابن أبي شريف الحق أن السحر ليس من الخارق، وإن أطبق القوم على عده منه، لأنه يترتب على أسباب كلما باشرها أحد خلقه الله تعالى عقبها كترتيب شفاء المريض على تناول الأدوية الطبية فإن هذا غير خارق.
(منها) من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم (القرآن) بنقل حركة الهمزة إلى الراء قبله، وحذف الهمزة مبتدأ وخبره المجرور قبله، (المعجز) لجميع البلغاء أو الفصحاء أي المظهر لعجزهم عن أي يأتوا بمثل أقصر سورة منه كالكوثر أو قدرها، (الذي بهر) أي أغلب، وفي القاموس بهر كمنع غلب ضوءه ضوء الكواكب وفاعل بهر قوله (إعجازه) والمفعول قوله (كل العقول) جمع عقل وهو نور روحاني تدرك به العلوم الضرورية والنظرية، (وقهر) موافق في المعنى لبهر، ومعنى البيت أن من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن الذي بهر إعجازه كل أهل العقول وقهرهم فلم يقدروا على حصر وجوه إعجازه مع عدهم
стр. 781
لكثير منها كحسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة لعادة العرب، ونصاعة ألفاظه، وتوافق مقاطع آياته وتناسب كلماته، وما احتوى عليه من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة والمواعظ والحكم والأحكام وضرب الأمثال وإفحام الخصوم وروعة القلوب التي تلحق عند سماعه والهيبة التي تعتري عند تلاوته وكون قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه، بل الانكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن ما بلغ يمل مع الترديد ويعادي إذا أعيد وحسبك بقاؤه على مر الدهور محفوظاً من كيد الكافرين وتحريف الملحدين وهو الأنيس في الخلوات والوسيلة الكبرى في الأزمات أمتنا الله تعالى على الإيمان به ووفقنا لاجتناب ما نهى عنه وامتثال ما أمر به.
والقرآن هو اللفظ المنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته، قاله في جمع الجوامع، فخرج باللفظ المنزل الأحاديث غير الربانية فلم ينزل لفظها بل معناها والتورية والإنجيل مثلاً، ويقيد الإعجاز الأحاديث الربانية، كأنا عند ظن عبدي بي الخ .. والمتعبد بتلاوته أبداً ما نسخت تلاوته أي نحو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتت. قال عمر فإنا قد قرأناه انظر المحلي.
فائدة:
قال بعض القراء القرآن العظيم له أنصاف باعتبارات فنصفه بالحروف النون من نكرا في الكهف، والكاق من النصف الثاني ونصفه بالكلمات الدال من قوله والجلود في الحج، ولهم مقامع من النصف الثاني ونصفه بالآيات: يأفكون من سورة الشعراء، وقوله فألقي السحرة من النصف الثاني، ونصفه بالسور آخر الحديد والمجادلة من النصف الثاني انظر الإتقان.
стр. 782
(فلم يجئ بمثله ولن يجي ... إنس ولا جن ... )
هذا بيان لكونه معجزاً والفعلان يتنازعان فيما بعدهما وكأنه يقول إنما حكمنا بإعجاز القرآن لأنه لم يجئ فيما مضى إنس ولا جن بما يماثل ما تحدى به وهو أقصر سورة منه ولا يجيئون به فيما يأتي ولون كان بعضهم لبعض ظهيرا أي معينا ...
(( ... ) وكم من مزعج ... لهم مقرع على ... الإتيان به .. )
المزعج المحرك، والمقلق قال في القاموس زعجه كمنعه أقلقه، وقلعه من مكانه كأزعجه والتقريع التعنيف، واغلاظ القول والضمير المجرور بمثل القرآن مع أنهم وجدوا ما يحملهم على الإتيان به من حضهم على ذلك وتعنيفهم، قال تعالى ﴿فاتوا بسورة من مثله فاتوا بسورة من مثله﴾، ﴿فاتوا بعشر سور مثله﴾، ﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾، قال القاضي في الشفا فلم يزل يقرعهم، صلى الله تعالى عليه وسلم، أشد التقريع وتوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وآباءهم ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته، مخادعون أنفسهم بالتشغيب. وقولهم إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر وإفك افتراه وأساطير الأولي، والرضى بالدنية، كقولهم قلوبنا غلف وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، (وهم)، أي العرب الذين بعث فيهم النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، (فرسان هذا الشأن) يعني به فصاحة الكلام وبلاغته فقد أوتوا من فصاحة اللسان ما لم يؤت إنسان وخصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيره من الأمم.
(قد متطوا منه جواد السبق)
يعني أن العرب قد امتطوا من هذا اللسان كل فرس جواد يسبق الخيل
стр. 783
عند الرهان اتخذوه مطية فهم يتصرفون فيه كيف شاءوا ويتوصلون به إلى ما أرادوا (وأحرزوا) أي حازوا وأخذوا عنانه أي الجواد (في النطق) أي الكلام، جعل الكلام جواداً يمتطى وأضاف إليه العنان لأنه يضاف للخيل، وأخبر أنهم ملكوا مقود ذلك الجواد في حال تكلفهم بزمام البلاغة والفصاحة بأيديهم لكنهم لما سمعوا القرآن لم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم، فانقادوا إليه مذعنين من بين مهتد ومفتون وعجزوا عن معارضته وصرحوا بجحده كما قال (بل خسروا) بكسر الراء أي انعقدت ألسنتهم عن مباراته (بل خسروا) بكسر الراء أي انعقدت ألسنتهم عن مباراته (وهم ألد اللد) الألد الخصم الذي لا يريع إلى الحق جمعه لد بضم اللام والجملة حالية واللد مضاف إليه ما قبله أي والحال أنهم أشد لدداً ممن يوصف باللد، (إلا عن الدعوى) أي إلا عن مجرد دعوى المعارضة مع العجز بقلوبهم لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقد قال لهم الله: ﴿ولن تفعلوا﴾ فما فعلوا وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة الكذاب، كذف عواره لجميعهم وسلب ما ألفوه من فصيح كلامهم (ومحض الجحد) أي الإنكار المحض، أي الخالص فهو من إضافة الصفة للموصوف، فقالوا والعياذ بالله تعالى إن هذا إلا إفك افتراه. وقالوا أساطير الأولين وغير ذلك. وفي الشفا في وصف العرب: وأتوا من ذرابه اللسان ما لم يوت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، يؤتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون في المقامات وشديد الخطب، ويرتجلون فيه بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللئال ويجرئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملاً، ويتركون النبيه خاملاً، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة والكلمات الجامعة، وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهيع الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم. والبلاغة ملك قيادهم. قد حووا
стр. 784
فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها، وتقاولوا في القل والكثير، وتساجلوا في النظم والنثير، فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالاً، وأشهد في الخطابة رجالاً، وأكثر في السجع والشعر سجالاً، وأوسع في الغريب واللغة مقالاً، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخاً بهم في كل حين، ومقرعاً لهم بضعاً وعشرين عاماً على رؤوس الملأ أجمعين، أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدها فاتوا بسورة من مثله إلى قوله ولن تفعلوا انتهى. المراد منه قوله وتظافر إيجازه وإعجازه، بالظاء المشالة كما في النسخ المصححة أي تعاون وتصحف على الدلجي فقال إنه بالضاد ومقرعاً بفتح القاف وكسر الراء المشددة أي موبخاً قاله ابن سلطان. (فعند ذاك أمر القرآن أن تضرب الأعناق والبنان) الإشارة راجعة إلى اتضاح صدق رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بالآيات الدالة على تصديقه وتضرب بالبناء للمجهول ونائبه الأعناق جمع عنق وهو الجيد والبنان قيل هي المفاصل وقيل الأصابع ومعنى كلامه أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أقام بمكة بعد بعثته ثلاث عشرة لم يشتغل إلا بتقدير أدلة ما أوتي به من توحيد الله وإرساله هو إليهم وترديد ذلك في المحافل عليهم وإقامة البراهين لديهم فأتاهم بما لا يعده البشر من المعجزات التي لم تبق معها شبهة لمنصف ولا معاند فلما اتضحت لهم رسالته وصدقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكذبوه عناداً أمره الله تعالى بالهجرة والسيف فقام بما أمره الله تعالى به وجاهدهم أشد الجهاد فقتل الرجال وسبي النساء والأولاد ودوخ البلاد وشهر الإسلام وكسر الأصنام، جزاه الله عنا أفضل ما جازى به
стр. 785
نبياً عن قومه. قال تعالى ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾، قال الوالد حفظه الله تعالى في الريان الأعناق جمع عنق وهي الرقبة والخطاب قيل للملائكة فيكون متصلاً بما قبله وقيل للمؤمنين فيكون منقطعاً عما قبله، قال ابن الأنباري ما كانت الملائكة تعرف تقاتل بني آدم فعلمهم الله ذلك وفوق قيل صلة أي اضربوا الأعناق وقيل على حقيقتها وأراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق، وقيل أراد المفصل بين الرأس والعنق لأنه مذبح وكل بنان يعني كل مفصل وقيل هي أطراف أصابع اليدين، قال البغوي قال عطية يعني كل مفصل وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك يعني الأطراف جمع بنانة، قال ابن جزي البنان قيل المفاصل وقيل الأصابع وهو أشهر في اللغة، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره. وقيل أنه تعالى أمرهم بضرب أعلى الجسد وأشرفه وهو الرأس وبضرب البنان وهو أضعف الأعضاء فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. (لله ما حواه) القرآن العظيم أي جمعه (من عجائب) تبيين لما أي من الأمور التي يتعجب منها، (جلت) أي عظمت (عن الحصر) بالعد، (ومن غرائب) قريب مما قبله كإخباره عن الأمم السالفة كأمة نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم فإن معرفة ذلك لا تكاد تحصل للأفراد، من علماء أهل الكتب فضلاً عمن كان أمياً لم يتعاط كتاباً قط ولم يعان دراسة من قوم ليس لهم كتاب ولم يبعث فيهم نبي بعد إبراهيم وإسماعيل وكإخباره عن المغيبات الآتية فبعضها شوهد فيما مضى كقوله تعالى ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ (الآية) ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة﴾ (الآية) وقوله تعالى ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ أي الروم من بعد غلبة الفرس لهم سيغلبون الفرس وسبب نزولها أن الفرس لما غلبوا الروم فورد مكة خبرهم فرح المشركون وقالوا للمسلمين نحن وفارس أميون لا كتاب لنا وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم، ونزلت الآية إلى قوله ﴿في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ إلى قوله: ﴿غافلون﴾. فقال أبو
стр. 786
بكر لا يقرن الله عيونكم فوالله لتظهرن الروم على فارس في بضع سنين وقال أبي بن خلف كذبت اجعل بيننا وبينك أجلاً فراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين فأخبر أبو بكر رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بذلك فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده أي في الإبل وماده في الأجل يجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي بعد قفوله من أحد بجرح من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بسرف كافراً وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر القلائص من ورثة أبي فأمره ﵇ أن يتصدق بها وبه أخذ أئمتنا الحنفية جواز العقود الفاسدة في دار الحرب وأجاب الشافعية بانه كان قبل تحريم القمار والله تعالى أعلم. انتهى من شرح على القاري للشفا.
ومما أخبر به ولم يأت بعد ولكنه يأتي بلا شك الساعة وأشراطها. وفي الإضاءة:
(وما احتوى عليه من أبناء ... غيب بتصريح أو الإماء)
أي الإشارة، ففيه من هذا أمور تكثر، والبعض بالفيض عليها يعثر، ومنه ما ابن برجان أظهر، في أخذ بيت المقدس المطهر، من قوله بضع سنين قبل أن يكون ثم كان طبقاً في الزمن، أي والبعض يطلع عليها أي على أخذ المغيبات التي اشتمل عليها بطريق الإشارة بسبب الفيض الإلهي عليه وهي طريقة أرباب القلوب نفعنا الله تعالى ببركتهم ويعثر هذه مقتضى القاموس أنه من باب كتب وما أشار إليه من عجائب ما اتفق وهو أن ابن برجان في تفسير سورة الروم ذكر أن بيت المقدس يبقى بيد اليوم لما تغلبوا عليه سنة اثنين وتسعين وأربعمائة بعد حصارهم شهراً أو نصفاً وقتلوا أكثر من سبعين ألفاً منهم جمع من العلماء والزهاد وهدموا المساجد وجمعوا من هناك من اليهود وحرقوهم فأخذ ابن برجان رضي الله تعالى عنه من قوله تعالى في بضع سنين أنه يبقى بأيديهم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة ثم يغلبون
стр. 787
ويخرجون منها وتصير دار إسلام إلى آخر الأبد، فبقيت في أيديهم إلى أن أخذها السلطان صلاح الدين منهم، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكانت مدة بقائه بأيد الروم إحدى وتسعين سنة، ووجه أخذه لذلك أن الباء اثنان والضاد تسعون والعين سبعون والسين ثلاثمائة والنون خمسون والياء عشر والنون خمسون والياء عشر والنون خمسون ومجموع ذلك اثنان وسبعون وخمسمائة فأخذ هو هذا العدد وأضاف إليه معنى البضع وجعله عشرة احتياطاً أو زاد المجرورة بفي فصار مجموعه اثنين وثمانون وخمسمائة وهي غاية غلبهم عليه فأخذ ولله الحمد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ومات هو رضي الله تعالى عنه قبل أخذه من الروم بدهر، وهو قد مات في أيام المقتفي وكانت وفاة المقتفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة فشوهد ما أخبر به ابن برجان بعد موته بدهر، على وفق ما أخبر به انتهى، نقله ابن الأعمش عن السيوطي وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: جميع العلم في القرآن لكن، تقاصر عنه إفهام الرجال، وسئل بعض الحكماء، من بعض العلماء ما في كتاب الله تعالى من علم الطب؟ فقال كله في نصف آية هي قوله تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال صدقت نقله ابن سلطان على القاري (لو لم يجئ) رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، (بآية) أي معجزة تدل على صدقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، (سواه) أي غيره والضمير عائد على القرآن وجواب لو كفاه إلا أنني اعترضت بينهما جملة "صلى عليه ربنا" أي مالكنا نحن جميع الحوادث، (كفاه) عما عداه من المعجزات وقد ذكروا أن في القرآن نحواً من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف وقيل غير ذلك وعدد إنا أعطيناك عشر كلمات وقد تحدى بأقصر سورة وإذا قسم القرآن على نسبة إنا اعطيناك كان أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز بنفسه بوجهين: بلاغته اي ما فيه من مراعاة الوجوه التي يطابق بها اللفظ، مقتضى الحال فهي من جهة المعنى والثاني نظمه أي كونه أعلى نسق لا يشبهه غيره من الكلام نظماً وسجعاً ونثراً وتناسب كلماته وإيتاء كل كلمة منه لا يستحقه وتنزيلها في محل لا يليق به غيرها ابن عطية
стр. 788
الذي عليه الجمهور في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وذلك أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً وأحاط بالكلام كله، فإذا كرتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك، والبشر يعتريهم الجهل والنسيان، انتهى المراد من الزرقاني. وبيان القسمة المتقدمة أن سبعين ألفاً إذا قسمت على عشرة خرج لكل واحد منها سبعة آلاف فإذا قسمت السبعة آلاف خرج لكل واحد منها لسبعمائة فيصير الحاصل أن كل جزء سبعة آلاف وسبعمائة والنيف يختلف الخارج بحسب الخلاف في عدده انتهى ومنه أيضاً: وفي المواهب بعد كلام وإنما المعجز ربط المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف (لكنه) صلى الله تعالى عليه وسلم أتى من عند الله تعالى تصديقاً (بما أعيا البشر) البشر محركة الإنسان وهو مفعول أعيى أي أتعبهم إحصاءه وفاتهم عدة (من معجزات بينات) المجرور مبين لما يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، جاء من المعجزات أي الخوارق الدالة على صدقه الظاهرة لكل أحد بما بلغ من الكثرة مبلغاً لا تقدر الإنس أن تحصيه بالعد قال اليوسي في حواشي الكبرى لا يخفى أن لنبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، معجزات لا تنحصر ولا يدرك قعر بحرها وقد اشتمل القرآن على أن نيف وأربعة عشر ألفاً ذكر بعضهم أنه وقف في بعض الكتب المدونة في هذا العلم الشريف من الآيات على ما انتهى إلى مئتي ألف بل تنيف، ومصنفه مع ذلك مصرح بالاعتذار انتهى. وقال المناوي في شرح العراقي وهو أكثر الأنبياء معجزة فقيل أنها تبلغ ألفاً وقيل ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه نحو ستين ألف معجزة انتهى المراد منه وقوله (كالقمر) مثال لبعض معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، يعني أن من معجزاته ﷺ انشقاق القمر له فرقتين لما كذبه كفار قريش وسألوه آية تصدقه وذلك قبل الهجرة بنحو خمس سنين كما نص عليه القرآن وتواترت به الأحاديث كما حققه السبكي وغيره، وأجمع عليه المفسرون وأهل السنة ولم يقع انشقاقه لغيره، صلى الله تعالى عليه وسلم، قاله الهيثمي في
стр. 789
شرح الهمزة وقال القاضي في الشفا أخبر الله تعالى بوقوعه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته وأجمع المفسرون على وقوعه كما في الصحيح عن ابن مسعود انشق القمر على عهد رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، اشهدوا والجبل حراء وفي رواية أنس حتى رأوا حراء بينهما وقوله فرقيتن الخ روي باللام أيضاً أي فلقتين وروي أنهم لما رأوه قالوا هذا سحر ابن أبي كبشة قال ابن مسعود فقال انظروا يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فأخبروهم بذلك فقالوا هذا سحر مستمر أي قوي من المرة وهي القوة أو دائم مطرد فيدل على أنهم رأوا قبلها آيات متتابعة وقوله ابن أبي كبشة بفتح الكاف وسكون الموحدة ومعجمة قيل أحدج أجداده لأمه قالوه عداوة لأن عادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض وقيل أبوه من الرضاعة كذا في الزرقاني ونقل البيهقي عن الحليمي أن من الناس من قال إن المراد بقوله تعالى ﴿انشق القمر﴾ سينشق قال الحليمي فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا مشاهدة الهلال ببخارى في الليلة الثانية منشقاً نصفين عرض كل منهما عرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتصلا وصار في شكل أترجة إلى أن غاب، قال وأخبرني من أثق به أنه شاهده في ليلة أخرى قاله المناوي.
(وغسل قلبه وشق الصدر ... وحشوه بسر أي سر)
هذه الثلاث بالجر عطف على قوله كالقمر والسر الأمر الخفي وأي صفة لما قبله ويعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، من معجزاته شق صدره الشريف وغسل قلبه المنيف وحشو ربه اللطيف له بما لا يعلمه إلا هو من أنوار النبوءة والحكمة وتقدم الكلام على هذا مستوفى في صدر الكتاب ومر أنه لم يجد لذلك الشق مسا أي ألماً، أما شقه عند حليمة فرواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر كما مر والراجح أنه وقع وهو ابن أربع سنين خلاف ما مر للناظم وأما شقه للبعث عند نزول اقرأ
стр. 790
فرواه أبو داود الطيالسي والحارث البغدادي والبيهقي وأبن نعيم وأما شقه عند الإسراء فرواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي والبرقاني وغيرهم ولا عبرة بمن نفاه لأن رواته ثقاة مشاهير انظر الزرقاني. وقال العراقي أنكره ابن حزم وعياض وليس كذلك فقد ثبت من غير طريق في الصحيحين وقال القرطبي لا يلتفت لإنكاره وقال العسقلاني استنكره بعضهم ولا إنكار في ذلك فقد تواردت به الروايات نقله ابن سلطان وهذا الذي ذكرت هو الذي ذكر الناظم أنه وقع له من شق الصدر وروى عبد الله بن الإمام أحمد بسند رجاله ثقاة وابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء أن صدره شق قبل البعثة وقد مر الحديث في ذلك وروي أيضاً شقه مرة خامسة وهو ابن عشرين ولا يثبت وذكروا أن شق الصدر وغسل القلب شاركته فيه الأنبياء راجع ما مر.
(وجيء بالبراق للإسراء ... به إلى الأقصى من السماء)
نائب جيء ضمير النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، والبراق بضم الموحدة من البريق لشدة لمعانه أو من البرق لسرعة سيره وطيرانه قالوا ليس بذرك ولا أنثى. والإسراء مصدر أسرى يقال سرى وأسرى إذا سار ليلاً ومعنى البيت أن من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه أتى ليلاً بالبراق مسرجاً ملجماً فركبه وأسري به إلى الأقصى من السماوات وظاهره أنه ركب على البراق إلى أعلى السماوات وهو ظاهر البخاري كما قاله ابن المنير، قال ابن حجر الهيثمي والمشهور أنه استمر على البراق إلى بيت المقدس ثم نصب له المعراج وهو مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة صعد فيه هو وجبريل ولنذكر أولاً حديث مسلم في الإسراء فقد قال عياض إن ثابت البناني بضم الموحدة وخفة النون جود روايته له عن أنس وفي الشفا من حديث مسلم من رواية ثابت عن أنس بن مالك أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط
стр. 791
بها الأنبياء ثم دخلت المسجد وصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل ﵇ أخذت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، صلى الله تعالى عليه وسلم، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعى لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة وذكر مثله، فإذا بإدريس، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير، قال الله تعالى ﴿ورفعناه مكاناً عليا﴾ ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله فإذا أنا بهارون صلى الله تعالى عليه وسلم فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بي إلى السماء السادسة فذكر مثله فإذا أنا بموسى، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فذكر مثله فإذا أنا بإبراهيم، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسنداً ظهره إلى البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم عرج بين إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها: كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله تعالى إلي ما أوحي ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة إلى آخر الحديث وفي قصة الإسراء ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام رواه ابن عباس، وفي حديث أنس أنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس وروى غير أنس أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أمهم في السماء والإسراء قال غير واحد أنه قبل الهجرة بسنة وقيل قبل هذا ومذهب معظم السلف
стр. 792
والمسلمين أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة وهو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمرو وأبي هريرة ومالك بن أبي صعصعة وأبي حبة البدري وابن مسعود والضحاك وابن جبير وقتادة وابن المسيب وابن شهاب والحسن وابن زيد وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج والطبري وابن حنبل وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وعليه تدل الآثار وصحيح الأخبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة. وأما تسميتها رؤيا في قوله تعالى ﴿وما جعلنا الرؤيا﴾ الخ فقوله تعالى فتنة للناس يؤيد أنها رؤيا عين إذ ليس في الحلم فتنة، ولا يكذب به أحد لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه على أن بعض المفسرين ذهب إلى أنها نزلت في قضية الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك. وأما تسميتها مناماً، في حديث، وفي آخر بين النائم واليقظان فيحتمل أن وصول الملك إليه، وهو نائم وقوله ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام ولعله أراد أنه استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته أو يكون لما غمره من عجائب ما اطلع عليه وخامر باطنه ومن مشاهدة ما شاهده فلم يستفق ويرجع إلى البشرية إلا وهو في المسجد الحرام ويكون عبر بالنوم عن هيأة النائم من الاضطجاع انتهى من الشفا.
قال مؤلفه سمح الله تعالى له ويشهد للتأويل الأخير حديث البخاري: من صلى نائماً فله نصف أجر القاعد أي من صلى مضطجعاً فله نصف صلاة من صلى جالساً، والله أعلم.
وقال القسطلاني قوله بين النائم واليقظان أي في ابتداء الحال ثم استمر يقظاناً في القصة كلها ومثلت له أرواح الأنبياء بالصور التي كانوا عليها والبراق ليس بذكر ولا أنثى وفي رواية شاذة أنه له جناحان وفي أخرى ضعيفة له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظراف وذنب كالبقر وصدره ياقوتة حمراء قاله الهيثمي في شرح الهمزية.
وها أنا أذكر إن شاء الله تعالى ما يحتاج إليه من كلام الإمام علي
стр. 793
القاري على الحديث المتقدم قوله أتيت بصغة المجهول المتكلم وطويل أي مائل إلى الطول وطرفه بفتح فسكون أي نظرة وبيت المقدس بفتح فسكون فكسر أو على زنة محمد أيضاً لأن فيه يتقدس من الذنوب أو لأنه منزه عن العيوب والحلقة بإسكان اللام وفتحها ويربط بضم الموحدة وكسرها معموله محذوف أي دوابهم أو البراق وفي ربطه دليل على أن الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من الحذر ومنه قوله ﵇ اعقل وتوكل، وقوله بإناء من خمر وإناء من لبن وفي البخاري وإناء من ماء وروي أنها ثلاثة: لبن وخمر وعسل، وروي أربعة لبن وخمر وعسل وماء، ولعله الأظهر. حيث عرض عليه من الأنهار الأربعة الموعود بها في الجنة واختار اللبن لأنه مغن عن غيره بخلاف غير وقوله اخترت الفطرة أي علامة الإسلام حيث أعرض عن الخمر وأخذ اللبن لكونه طيباً طاهراً سهل المرور في الحلق سليم العاقبة والخمر أم الخبائث جالبة لأنواع شرور الحوادث وقوله عرج بنا الضمير إلى الله أو جبريل أو البراق وفي نسخة صحيحة بالبناء للمجهول وكذا فيما بعده وهو في غاية من القبول مع الإشارة إلى أن سيرة من المسجد الأقصى إلى السماوات لم يكن بالبراق بل بالمعراج الذي له درجة من ذهب وأخرى من فضة وبه سميت القصة. وقوله ابني الخالة أي لأن أم يحيى إيشاع أخت مريم. وقوله دعوا في نسخة صحيحة دعيا وفي القاموس دعيت له لغة في دعوت وشطر الحسن نصفه أو بعضه وأراد بالحسن جنسه أو حسن حواء أو حسن سارة أو حسن نبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله إدريس هو سبط شيث وجد والد نوح أول مرسل بعد آدم. وقوله مكاناً عليا هو شرف النبوءة والقربة؛ وعن الحسن هو الجنة إذ قال لملك الموت أذقني الموت ليهون علي، ففعل بإذن الله تعالى ثم حيى؛ فقال له أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ثم قال له أدخلني الجنة أزدد رغبة ففعل؛ ثم قال ملك الموت اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج فقال الله تعالى بإذني دخل دعه؛ وقيل في السماء الرابعة لهذا الحديث والبيت المعمور يقال له الضراح بمعجمة مضمومة فراء فألف فحاء
стр. 794
مهملة من الضراحة أي المقابلة إذ هو مقابل للكعبة وسدرة المنتهى أي ينتهي علم الخلائق عندها فإليها ينتهي ما تصعد به الملائكة من الأرواح والأعمال وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. قال ابن عباس والمفسرون سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، والله أعلم.
والآذان بالمد جمع إذن والفيلة بكسر ففتح جمع فيل وقوله وإذا ثمرها كالقلال في رواية الدلجي وإذا نبقها والقلال بالكسر جمع قلة كقبة وقباب وفي رواية كقلال هجر بفتحتين مدينة قرب المدينة يعمل فيها القلال تسع الواحدة مزادة من الماء سميت به قلة لأنها تقل أي ترفع وتحمل وليست بهجر التي من توابع البحرين. وقوله إن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة قاله كثير من المحدثين وذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الإسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهراً وقال السبكي الإجماع على أنه كان بمكة والذي نختاره ما قاله شيخنا الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة في ربيع الأول انتهى وفي روضة الأحباب أنه كان في سبع وعشرين من رجب على وفق ما عليه عمل الحرمين الشريفين؛ وقيل في ربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في شوال وقيل كان بعد نقض الصحيفة وأجمعوا على أنه كان بعد الوحي. وقوله ظهرت بمستوى أي صعدت بمكان عال ومستوى اسم مفعول وصريف الأقلام صوت حركتها على المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه ووحيه وينسخ من اللوح المحفوظ وفي نسخة صرير براءين وهو أشهر في اللغة انتهى المراد منه. وقد مر كثير من الكلام على هذه القصة عند قوله شرفه الرحمن بالإسراء الخ .. (بل لم يزل)، صلى الله تعالى عليه وسلم، (يرقى) أي يصعد فوق السماوات (إلى أن نالا)، صلى الله تعالى عليه وسلم، فألفه للإطلاق (منزلة) من القرب والدنو إلى الله تعالى دنو تقريب واصطفاء ورؤية عيان لا دنو حيز ومكان جلت أي عظمت تلك المنزلة التي نالها ﵊ عن أن ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل غيره (فلن
стр. 795
تنالا) أي لا ينالها أحد فيما يأتي ولم ينلها أيضاً فيما مضى.
وروي أن جبريل لما وصل معه سدرة المنتهى قال له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ها أنت وربك هذا مقامي لا أتعداه ومقامي بفتح الميم أي موضعي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ وهو سدرة المنتهى التي لا يتجاوزها أحد إلى نبينا محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، قاله النووي. قال الزرقاني واعلم أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، إن كان استمر على البراق في عروجه يكون بلوغه أعلى السموات في سبع خطوات لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه والصحيح خلافه وهو أنه إنما ركبه إلى بيت المقدس ثم رقي في المعراج وهو السلم له درجة من ذهب ودرجة من فضة وعن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة انظر المواهب وشرحها وذكر الشيخ علي القاري في شرح الشفا أنه ﵇ سأل جبريل أن يراه على صورته التي جبل عليها فقال لن تقو على ذلك، قال بلى، قال فأين تشاء أن تخيل لك فقال بالأبطح فقال لا يسعني. قال فبمنى قال لا يسعن. قال فبعرفات قال ذلك بالحري أن يسعني فواعده فخرج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، للوقت فإذا جبريل قد استوى له أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ستمائة جناح وهو بالأفق الأعلى على جانب المشرق في أقصى الدنيا عند مطلع الشمس فسد الأفق من المغرب فلما رآه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كبر وخر مغشياً عليه فتدلى جبريل ﵇ فنزل عليه حتى إذا دنا منه قدر قوسين أفاق فأراه في صورت الآدميين كما في سائر الأوقات فضمه إلى نفسه فقال لا تخف يا محمد، فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما ظننت أن أحداً من خلق الله هكذا. قال كيف لو رأيت إسرافيل ﵇ إن العرش على كاهله وإن رجليه قد خرقتا تخوم الأراضين السفلى وأنه ليتصاغر من عظمة الله تعالى حتى يكون كالوضع يعني كالعصفور الصغير قيل ولم ير جبريل ﵇ أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد فإنه رءاه فيها مرة في الأرض ومرة في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى،
стр. 796
ذكره الأنطاكي.
(حباه ذو العزة بالمقام ... فيها ( ... ))
الضمير المنصوب له ﵇ وذو فاعل والعزة بكسر العين من الصفات الجامعة للتنزه عن كل نقص والاتصاف بكل كمال والمقام مقام الشفاعة الكبرى للفصل بين الخلائق وهي عامة في جميع من ضمه المحشر وهو المقام المحمود الموعود به في الآية الكريمة لأنه يحمده فيها الأولون والآخرون والضمير المجرور عائد على ليلة المعراج المفهومة من السياق. وفي القاموس حبا فلاناً أعطاه بلا جزاء ولا من أو عام. ومعنى البيت أنه، صلى الله تعالى عليه وسل، ليلة أسري به أعطاه الله تعالى مقام الشفاعة العظمى التي يتبرء منها ويسلمها له أكابر الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام. قال تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾. قوله أقم الصلاة الآية إشارة إلى الوقت الذي تقام فيه الصلوات المفروضة، فدلوك الشمس زوالها وهو إشارة لوقت الظهر والعصر وغسق الليل ظلمته إشارة إلى المغرب والعشاء معاً، وقرءان الفجر صلاة الصبح، سميت بذلك لطول القراءة فيها قيل عطف على الصلوات وقيل معمول إقرا مضمراً ومعنى مشهوداً تحضره ملائكة الليل وملائكة النهار، وقوله من الليل متعلق بمقدر أي وقم وقتاً من الليل وتهجد، اسهر به، أي في ذلك الوقت أو بالقرآن ونافلة لك أي زيادة على الصلوات المفروضة وفي قيام الليل كثير من الفوائد منها أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق اليابس وينور القلب ويحسن الوجه، ويذهب الكسل، وموضعه تراه الملائكة كما يتراءى لنا الكوكب الدري في السماء.
وفي الحديث من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف كتب من المقنطرين رواه أبو داود. وقوله عسى، قال في اللباب قيل أجمع المفسرون على أن عسى
стр. 797
واجب من الله. وهو كالعلة لما قبله وانتصاب مقاما على الظرفية بإضمار فيقيمك أو على الحال أي ذا مقام محمود.
وفي القسطلاني في شرح وابعثه مقاماً محموداً أنه مفعول به على تضمين ابعث اعط ابن العربي وفي وجه كون قيام الليل سبباً للمقام المحمود قولان: أحدهما أنه تعالى يجعل ما يشاء سبباً لفضله من غير معرفة لنا بوجه الحكمة والثاني أن قيام الليل فيه الخلوة بالبارئ تعالى ومناجاته دون الناس فيعطي الخلوة به ومناجاته في القيمة فيكون مقاماً محموداً ويعطي فيه من المحامد ما لم يعط أحد ويشفع فيشفع، انظر الريان.
وفي الشفا من رواية أنس وأبي هريرة وغيرهما دخل حديث بعضهم في حديث بعض ممزوجاً ببعض كلام شارحه ابن سلطان قال ﵊ يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة فيهتمون بشد الميم أي يحزنون حزناً شديداً إلا أنه لا يهتم أحد إلا لنفسه ولا يلتفت إلى غيره، ولو كان أقرب أهله. وقال فيلهمون إلى طلب الشفاعة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا أي لكان حسناً أو لو للتمني، لا جواب لها، وعن أبي هريرة فتدنو الشمس أي تقرب من رؤوسهم قدر الميل على اختلاف في أن المراد ميل الفرسخ أو ميل المكحلة فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقولون ألا تنظرون من يشفع لكم فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده أي بقدرته من غير واسطة في خلقته ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى تريحنا من مكاننا أي بالإزالة عن محل الغضب إلى موضع حكم الرب من دار الثواب أو دار العقاب فيقول إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله أل فلا يمكنني الشفاعة فيه لا سيما ونهاني عن الشجرة فعصيت أي بذوقها وهل هي شجرة الكرم أو السنبلة أو النخلة أي التين نفسي نفسي، أي أهم عندي من غيري أو أخلص نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيقولون أنت أول الرسل إلى أهل الأرض أي
стр. 798
من الكفار فلا ينافي أن آدم يضم مرسل إلى أولاده الأبرار وكذا شئت بذا آدم وإدريس وسماك الله عبداً شكورا، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما بلغنا بفتح الغين وجوز إسكانها أي وصلنا من الشدة، ألا تشفع لنا إلى ربك، فيقول إن ربي قد غضب اليوم أي أظهر غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي، وفيه إيماء إلى قوله تعالى ﴿يوم تأتي كل نفسي تجال عن نفسها﴾. قال ي النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ويذكر سؤاله ربه بغير علم يعني قوله أن ابني من أهلي، وفي رواية أبي هريرة لقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عن ربي قد غضب اليوم غضباً فذكر مثله أي مثل ما تقدم ويذكر ثلاث كلمات كذبهن نفسي نفسي لست لها. ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله قال فيأتون موسى فيقول لست لها. ويذكر خطيئته التي أصاب وقتله النفس وهو عطف تفسيري وسماه خطيئة على عادة الأنبياء في استعظامهم محقرات جائزة صدرت منهم إذ لم يكن هذا عن عمد بل عن خطأ في كافر ظالم لمسلم سبطي ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله تعالى أي ذو روح خاص من خلقه أجراه فيه بنفخ جبريل في جيب درع أمه فأوجد في بطنها غلاماً بلا توسط مادة أو إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله وكلمته أي حيث أوجد بكلمة كن فياتون عيسى فيقول لست لها، عليكم بمحمد عبد غفر الله تعالى ما تقدم من ذنبه وما تأخر فأوتي بصيغة المفعول المضارع وإبدال الهمزة الثانية واواً للاجتماع الذي وقع فيه الإجماع أي فيأتوني فأقول أنا لها أي معد ومؤخر ومخلوق لها فانطلق فاستأذن على ربي فيأذن لي فإذا رأيته وقعت ساجداً، الحديث، وفي آخره فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب أمتي يا رب أمتي. وقوله ثلاث كلمات كذبهن أي في صورة كذبات وهي: إني سقيم، وفعله كبيرهم، وإنها أختي لسارة. وليست كذبات وإنما هي معاريض أراد إني سقيم لأن من عاش
стр. 799
يسقم أو يهرم ويموت، وأختي أي في الإسلام، وأراد بقوله فعله كبيرهم التبكيت بدليل إن كانوا ينطقون. والحكمة في الإتيان لمن ذكر قبله ﵇ إظهار عظم جاهه عند الله إذ لو أتوه أول مرة لما ظهر أن غيره لا يشفع انتهى.
وفي الصحيحين لكي نبي دعوة أي عامة يدعو بها واختباة دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة أي أعلم أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبهم وإلا فكم لكل منهم من دعوة مستجابة، ولنبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، منها ما لا يعد، لكن حالهم في باقي دعواتهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف وضمنت لهم دعوة فيما شاءوا يدعون بها على يقين من الإجابة وفي رواية في الصحيحين فتعجل كل نبي دعوته أي طلب حصولها في الدنيا وإني ادخرت شفاعتي لأمتي في العقبى فإنها أعم وأبقى زاد مسلم فهي نائلة إن شاء الله تعالى. من مات لا يشرك بالله شيئاً. اللهم يا أرحم الراحمين اجعلنا ممن تناله شفاعته، صلى الله تعالى عليه وسلم، اللهم شفعه فينا بجاهه عندك. (وبالرؤية والكلام) يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أعطاه الله تعالى ليلة المعراج رؤيته بلا مكان ولا مقابلة، ولا جهة للمرءى تعالى عن ذلك، وكلمه مباشرة بلا واسطة ملك، أما رؤيته له فقال بها ابن عباس وأنس وعكرمة وكان الحسن يحلف لقد رءا محمد ربه وقال الخازن روي عن ابن عباس أنه رآه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن وكان يحلف على ذلك وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل وحكي عن أبي الحسن الأشعري وجمع من أصحابه أنه رآه وأنكرته عائشة وجاء مثله عن أبي هريرة وهو المشهور عن ابن مسعود ثم قال الخازن والحجج وإن كانت كثيرة فإنا لا نتمسك إلا بالأقوى وهو حديث ابن عباس، قال الشيخ محيى الدين والراجح عند أكثر العلماء أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، رءا ربه يعني بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع عن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم
стр. 800
أن عائشة لم تنف الرؤية عنه بحديث عنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو كان معها حديث لذكرته وإنما اعتمدت على الاستنباط، والجواب عن احتجاجها بقوله لا تدركه الأبصار إن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا تحيط به الأبصار ولا يلزم من نفي الإحاطة نفي الرؤية انتهى. انظر الريان. وللمقري:
(وقد رءا خير الورى الديانا ... ليلة إسراء به عيانا)
(في المذهب المصحح المشهور ... وهو الذي ينمي إلى الجمهور)
وقال ابن سلطان والراجح كما قال النووي عند أكثر العلماء أنه رآه بعيني رأسه وإثبات هذا ليس إلا بالسماع منه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو مما لا شك فيه وإنكار عائشة وقوعها لم يكن لحديث روته واحتجت بقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾، وقلنا الإدراك الإحاطة ولا يلزم من نفيها نفي الرؤية انتهى. وأما تكليمه تعالى له فحكى عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمة وعزا بعضهم هذا القول إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس انظر الخازن نقله الريان وفي حديث المعراج الذي في الشفا في تعليمه ﵇ الأذان فقيل من وراء الحجاب، صدق عبدي أنا أكبر قال عياض ظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله ولكن من وراء حجاب، كما قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب، أي وهو أي البشر لا يراه أي الحق سبحانه حجب بصره عن رؤيته تعالى انتهى.
وقال ابن سلطان والمراد بقوله من وراء حجاب أن يكون البشر من وراء حجاب البشرية المانعة من شهود الذات الصمدية بل يسمعه ولا يراه كما كلم موسى ﵇ وليس المراد أن هناك حجاباً يفصل موضعاً عن موشع ويدل على تحديد المحجوب وإنما هو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم والله تعالى أعلم. وبهذا يؤول الإشكال من إيهام سماع كلامه تعالى في الحديث المتقدم من جهة محصورة انتهى. وبعضه بالمعنى وروى أحمد عن معاذ أنه ﵇ قال إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست، وفي رواية فوضعت جنبي فإذا أنا
стр. 801
بربي في أحسن صورة. فقال يا محمد فيم تختصم الملأ الأعلى قلت أنت أعلم أي رب مرتين، قال فوضع كفه وفي رواية يده بين كتفي فوجدت بردتها بين ثديي فعلمت ما في السماء والأرض. وفي الرواية الثانية فتجلى لي كل شيء، وعرفت ما في السماء والأرض ثم تلا هذه الآية: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت في الكفارات. قال وما هو؟ قلت المشي على الأقدام إلى الطاعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإبلاغ الوضوء أماكنه على المكاره من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه، الحديث. قوله في أحسن صورة يحتمل أنه حال من الرائي ومعناه رأيته وأنا في أحسن صورة من غاية إنعامه أو حال من المرءى تعالى وصورته ذاته المنزهة عن المماثلة. وقال الخطابي الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها وعلى معنى حقيقة الشيء وعلى معنى صفته، تقول صورة هذا الأمر كذا أي صفته والمراد بالاختصام تقاولهم في فضل تلك الأعمال، وقوله فوضع كفه كناية عن تخصيصه تعالى إياه بمزيد الفضل، وإيصال الفيض إليه وإلا فلا كف ولا وضع حقيقة، كما أن من عادةالملوك إذا أراد أحدهم أن يقرب بعض خدمة ويذكر معه أحوال مملكته أن يضع يده على ظهره ويلقي ساعده على عنقه تلطفاً به وتعظيماً لشأنه. والبرد الراحة والضمير في بردها يعود إلى الكف وأراد بقوله بين ثديي قلبه وهو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه ذكره الأنطاكي قاله على القارئ وقال تعالى ﴿والنجم إذا هوى﴾ إلى قوله تعالى ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾، النجم الثريا وهوى سقط وصاحبكم أي نبيكم المبعوث إليكم وهو محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله إن هو أي القرآن، أو نطق محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، والشديد القوي هو جبريل والقوي جمع قوة، وروى أنه اقتلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قبلها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين والمرة القوة أو المنظر الحسن وقال قتادة ذو خلق طويل حسن وقال في الضياء
стр. 802
شديد القوى في خلقه ذو مرة أي شدة في عقله ورأيه، واستوى استقام واعتدل، بمعنى أنه ظهر للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، على حقيقته التي خلق عليها وهو أي جبريل بالأفق أي جانب المشرق عند مطلع الشمس والأعلى الأرفع وهذه هي المرة التي رءاه فيها على حقيقته في الأرض، وقوله دنا أي جبريل من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، حين خر مغشياً عليه لما رآه وتدلى زاد في القرب، وكان جبريل من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، قدر قوسين عربيتين أو أدنى على تقدير كم فأوحى الله تعالى إلى عبده جبريل ما أوحاه جبريل إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل الضمائر في الآية كلها لله تعالى وهو المعني بتشديد القوى ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه، إلى جناب قدسه وقاب قوسين كناية عن تأكيد القرب وأصله أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران. نقله الوالد حفظه الله تعالى في الريان. وروي في حديث الإسراء عنه ﵇ فارقني جبريل فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول ليهدأ روعك بفتح الراء أي ليسكن فزعك يا محمد ادن، ادن، وإن روي بضم الراء فالمعنى لتطمئن نفسك والروع بالضم القلب، ومنه الحديث نفث جبريل في روعي انظر ابن سلطان) (وفرض) أي أوجب والفاعل عائد إلى قوله ربه، (الخمسين) صلاة علينا أول مرة (ثم) لم يزل صلى الله تعالى عليه وسلم يتردد بين ربه تعالى وموسى ﵇ يطلب من ربه الكريم التخفيف على أمته شفقة منه علينا إلى أن (خففا) المولى الكريم (عنا) معاشر الأمة، (به) أي بجاهه، صلى الله تعالى عليه وسلم، إلى أن انتهت الخمسون (لخمسة) من الصلوات في اليوم والليلة ولله الحمد. (وضعفا) المولى ﵎ بفتح العين المشددة أي كثر (ثوابها) أي الصلوات الخمس، (إذ) أي حين، (كثر) هو أي الله تعالى لنا معاشر الأمة (الأمدادا) بفتح الهمزة جمع مدد بالتحريك وهو العطاء (تفضلا) من المولى جل وعز، والتفضل الإعطاء عن اختيار لغير عوض ولا استحقاق يصح أنه
стр. 803
نصب بفعل محذوف أي تفضل بهذا تفضلاً ويصح أنه مفعول له عند من لا يشترط كونه قلبياً (وقلل) هو أي الله تعالى (الأعدادا) المفروضة علينا أولاً فجعلها خمساً بعد أن كانت خمسين وجعل ثواب كل واحدة من الخمسة قدر ثواب عشرة من الخمسين، ومعنى البيتين أنه تعالى فرض ليلة أسري بالنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثم في تلك الليلة خفف عنا الخمسين بجاه نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتهى العدد المفروض لخمس صلوات في كل يوم وليلة فقلل العدد وكثر ثواب تلك الخمس فجعل كل واحدة ثوابها قدر ثواب عشر صلوات مع أنا لا نستحق عليه ذلك فله الحمد على ذلك وعلى أن جعلنا ببركة نبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، خير أمة أخرجت للناس.
ولنذكر تمام حديث الإسراء المتقدم وهو فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيرت مما غشيها فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك؟ فقلت خمسين صلاة، فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل فخبرتهم فرجعت إلى ربي أي إلى الموضع الذي ناجيته فيه أولاً، فناجيته فيه ثانياً فقلت رب خفف عن أمتي فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمساً، قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنها خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال فنزلت حتى انتهت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه. قوله لكل صلاة عشر أي ثواب عشر صلوات وقوله فلتك خمسون أي بحسب
стр. 804
المضاعفة ولعل هذه المراجعة لما ألهمها لم يكن الوجوب مبرماً أو أوجبها أولاً ثم رحمنا فنسخها بياناً فيجوز نسخ وجوب الشيء قبل وقوعه كنسخ وجوب ذبح إسماعيل ﵇ قصده تبياناً لمحل فضله وكرمه. وقوله استحييت بياءين وفي نسخة بياء واحدة ولعل وجه الحياء هو أن المبالغة في تخفيف العبادة نوع من الجفاء والقيام بما تعين من باب الوفاء في تحمل البلاء لحصول الولاء انظر ابن سلطان. (وأم خير مرسل للرسل) يعني أ، هـ، صلى الله تعالى عليه وسلم، أم الرسل ليلة الإسراء في السماء كما أمهم في الأرض ببيت المقدس وقد مرّ عند قول الناظم صدر الكتاب، شرفه الرحمن بالإسراء إلخ الحديث الذي فيه تعليمه ﵇ الأذان تلك الليلة، وفي آخره، . وقال أي الراوي ثم أخذ الملك أي المؤذن بيد محمد فقدمه، فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح، رواه عياض في الشفاء. وقوله خير فاعل أم وللرسل مفعوله واللام زائدة (وعاد) هو أي خير مرسل أي رجع إلى منزله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بمكة بعد أن عرج به من المسجد الأقصى وهو بيت المقدس (من قبل انقضاء) أي تمام (الليل) ففي رواية ابن إسحاق والطبراني وابن جرير عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأهبنا بشد الموحدة أيقظنا، انظر ابن سلطان، فأخبر هو أي المصطفى ﵇، (الناس) أي قريشاً وغيره ممن حضر (بما قد اطلع عليه) أي أعلمه الله تعالى به وعرفه وأراه (في مسراه) أي سيره ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسجد القدس والمراد بالبركة حوله بركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء من لدن موسى إلى زمن عيسى ﵈ وهو محفوف بالأنهار والأشجار والأزهار والثمار قاله ابن سلطان. (لما) ظرف زمان أي حين (أن رجع) وإن زائدة وأخبرهم أيضاً بما رآه في معراجه مما شاء الله أن بخبرهم به وأراد المصنف بالمسرى ما يشمل العروج ووجه تسمية بيت المقدس بالأقصى لبعد مسافته من المسجد الحرام وقد مر أن من جملة ما أخبرهم به ركوب البراق وسرعة
стр. 805
سيره وربطه بصرخة ببيت المقدس وصلاته بالأنبياء فيه وعروجه إلى المحل الذي لم يصل إليه غيره ورؤيته لله تعالى وكلامه إياه ورؤيته جبريل على صورته التي خلق عليها ورؤية الجنة وتعليمه الأذان وصلاته بالأنبياء في السماء وغيره ذلك، وأخبرهم بصفة بيت المقدس ففي مسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن أشياء أي من بيت المقدس لم أثبتها أي لم أضبطها فكربت بالبناء للمجهول كرباً أي غماً يأخذ بالأنفس ما كربت مثله قط فرفعه الله تعالى لي لأنظر إليه وما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حديث الإسراء عنه ﵊ أنه قال لما رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها أي إلى جانب آخر منها وفيه إشعار بتقليل زمن الإسراء مع أنه كان إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ولعله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أول ما رجع دخل على خديجة انتهى من الشفا وشرح القاري له.
تنبيه:
قد مر للنظام أن الإسراء كان ورسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ابن أشهر وواحد وخمسين عاماً وذلك ينافي أن خديجة رضي الله تعالى عنها أدركت الإسراء لأنها ماتت هي وأبو طالب في آخر السنة العاشرة من البعث بعد انقضاء الحصار والحديث المار آنفاً عن الشفا صريح في أنها أدركت الإسراء والجواب أن الذي قاله الزهري ورجحه عياض والقرطبي والنووي ثلاثتهم في شرح مسلم أنه كان بعد المبعث بخمس سنين وفي الفتح عن الزهري أنه قبل الهجرة بخمس سنين انظر والمواهب وشرحها وفي شرح ابن سلطان أن النووي ذكر أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء أن الإسراء بعد المبعث بستة عشر شهراً انتهى. وهذا يفيد أن الراجح إدراك خديجة للإسراء وإن اختلف العزو فيه للنووي لكن صدر في الشفا بأنه قبل الهجرة بسنة وفي ابن سلطان أن السبكي اختاره والله تعالى أعلم قاله مؤلفه سمح الله تعالى له.
стр. 806
(فمن سعيد مؤمن بما ذكر ... ومن شقي خاسر به كفر)
معنى البيت أنه ﵇ لما أخبر الناس بقصة الإسراء كان الناس على قسمين فمنهم سعيد مومن أي مصدق بما أخبر به، صلى الله تعالى عليه وسلم، ومنه شقي خاسر أي ضال كفر به والعياذ بالله تعالى. خسر كفرح وضرب: ضل، قاله في القاموس. ولما كذبه من كذبه صلى الله تعالى عليه وسلم في الإسراء صدقه الصديق وروي أنه لقب به في ذلك اليوم.
وقوله فمن سعيد مؤمن الخ، يصح عندي أن مجرور من محذوف وما بعد من مرفوع بالابتداء أي فمنهم سعيد ومنهم شقي، والضمير عائد على قوله الناس، وحذفه لدلالة الكلام عليه، كقوله:
(وحاجة ما إن لها عندي ثمن ... ميسورة قضاؤها منها ومن)
أراد ومني. ويصح أنه بمعنى إلي والمجرور متعلق بمحذوف أي فانقسموا إلى سعيد وإلى شقي ويصح أن الفاء زائدة ومن للبيان أي فأخبر الناس الذين هم سعيد مصدق بما أخبره به وشقي كافر به. ويكون كقوله:
(أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء)
(من مناد ومن مجيب ومن تصهال خيـ ... ـل خلال ذلك رغاء)
والله تعالى أعلم. وأعلم أن بعضهم قال إن الإسراء كان يقظة بجسده إلى بيت المقدس وبروحه إلى السماء وذهب بعضهم إلى أنه رؤيا منام وأنه إسراء بالروح مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، والحق هو ما قدمته من أنه بالجسد يقظة في القصة كلها والصحيح أن الإسراء والمعراج في ليلة وقيل كان الإسراء في ليلة والمعراج في أخرى.
(والشمس بالصهباء للمختار ... درت ( ... ))
الشمس مبتدأ وردت بالبناء للمجهول ونائبه ضمير الشمس، والجملة
стр. 807
خبره والصهباء بالمد ويقصر موضع على مرحلة من خيبر يعني أن من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله تعالى رد له الشمس بعد غروبها فرجعت من مغربها وحديثها خرجه الطحاوي وابن مردويه. قال في الشفاء وأما رد الشمس له فخرج الطحاوي عن أسماء بنت عميس بمهملة مضمومة مصغراً من طريقين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل أي علي العصر حتى غربت الشمس فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أي بعد ما افاق من الاستغراق أصليت يا علي؟ قال لا. فقال اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء. وقوله وقفت ويروي وقعت بالعين بدل الفاء. قال الطحاوي وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقاة أي فلا عبرة بمن طعن في رجالهما فجعلهما حديثين لروايته لهما من طريقين، هذا وقال ابن الجوزي أنه موضوع وتبعه ابن القيم وشيخه ابن تيمية وذكروا تضعيف أسانيد الطحاوي وقال ابن الجوزي أنا لا أتهم بوضعه إلا ابن عقدة لأنه كان رافضاً يسب الصحابة انتهى. ولا يخفى أن مجرد كون الراوي رافضياً أو خارجياً لا يوجب الجزم بوضع حديثه إذا كان ثقة وكأن الطحاوي لاحظ هذا المعنى ثم من المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ والأصل العدالة حتى يثبت الجرح المبطل للرواية. وأما ما ذكره ابن الجوزي من أن في الصحيح أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع فالجواب أن الحصر باعتبار الأمم السالفة مع احتمال وروده قبل القضية قاله ابن سلطان. وقال في الشفا وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوءة. قال ابن سلطان والطحاوي هو الإمام الحافظ العلامة صاحب التصانيف المهمة روى عنه الطبراني وغيره وهو مصري من أكابر علماء الحنفية، لم يخلق مثله وكان أولاً شافعياً يقرأه على خاله المزني ثم صار حنفياً توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وطحا من قرى مصر، انتهى. وهذا
стр. 808
الحديث ذكره في المواهب وذكر أن ابن تيمية ذكر أنه موضوع، وقال العجب من القاضي عياض مع جلالة قدره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهماً صحته، موثقاً رجاله انتهى. قال الزرقاني ولا عجب أصلاً لأن إسناد حديث أسماء حسن، وكذا إسناد أبي هريرة الآتي كما صرح به السيوطي قائلاً ومن ثم صححه الطحاوي والقاضي عياض وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ كما بينته وقد نص ابن الصلاح وغيره على تساهيل ابن الجوزي في الموضوعات حتى أنه أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة، قال السيوطي:
(ومن غريب ما تراه فاعلم ... فيه حديث من صحيح مسلم)
فهذه غفلة شديدة منه، يحكم بوضع حديث في الصحيحين وقال في الفتح أخطأ ابن الجوزي وكذا ابن تيمية في زعم وضعه يعني الحديث المتقدم انتهى المراد من كلام الزرقاني.
ثم قال في المواهب: وقال شيخنا أي السخاوي، قال الإمام أحد لا أصل له وتبعه ابن الجوزي لكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء وابن مردويه من حديث أبي هريرة ورواه الطبراني بإسناد حسن انتهى.
وأسماء هذه خثعمية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي وولدت لهم وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، لأمها والحجر بتثليث الحاء الحضن، والأظهر أن الرأس كان على ركبته وهو نائم وتمكن الرأس من الفخذ فجعل الحضن محلاً للرأس، تجوزاً، قاله الزرقاني والطحاوي بفتح المهملتين وروي الطبراني بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل علياً في حاجة هي قسم غنائم خيبر ورجع وقد صلى الله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر ووضع صلى الله تعالى عليه وسلم رأسه في حجر علي فنام فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال ﵊ اللهم إن عبدك علي احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس. قالت أسماء فطلعت عليه الشمس حتى
стр. 809
وقعت على الجبال وعلى الأرض وقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء.
وفي لفظ آخر، كان ﵊ إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه فأنزل عليه يوماً وهو في حجر علي، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما سرى عنه صليت العصر قال لا يا رسول الله فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر وقوله وفي لفظ آخر أي للطبراني أيضاً انظر المواهب وشرحها.
(ويوم العير في الأخبار)
المجرور متعلق بمحذوف أي روي هذا في الأخبار ومعنى كلامه أن الشمس ردت أيضاً معجزة لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يوم قدوم عير قريش التي مر بها ليلة أسري به فأخبرهم أنها تقدم يوم الأربعاء فلما ولى النهار ولم تجئ العير أشرفت قريش ينظرون فدعا، صلى الله تعالى عليه وسلم، أن يمد له ذلك حتى تقدم عير قريش قبل انقضائه فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ذكره في الشفاء وذكره في المواهب وقال الزرقاني في قوله حبست عليه أمسكها الله تعالى وعوقها عن سيرها حتى قدمت العير قبل غروبها انتهى.
وقال ابن سلطان في شرح الشفا في تفسير حبست أي ببطء حركتها وقيل توقفت وقيل ردت كما تقدم انتهى.
الناظم مشى على هذا القول الأخير في كلام ابن سلطان ويقدر لكلامه حبست إذ لا يشترط تقدير العامل بعد العاطف كما قال ناظم التسهيل:
(لم يشترط تقديرنا ما يعمل ... من بعد عاطف)
وقوله أشرفت أي قامت على شرف وهو المكان المرتفع لتنظر العير قادمة أم لا وولى النهار أدبر بمقاربة الغروب وقال الزرقاني وعورض هذا بما ورد واقتصر عليه البيضاوي والزمخشري أنه ﵇ قال يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخططتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس فخرجوا ينتظرون طلوعها فقال قائل منهم هذه الشمس قد
стр. 810
طلعت وقال آخر هذه الإبل قد طلعت يقدمها إلخ .. فقالوا إن هذا إلا سحر مبين.
وعند ابن أبي حاتم فلما كان ذلك اليوم الذي قال أنهم يأتون فيه أشرف الناس ينتظرون حتى إذا كان قرب نصف النهار أقبلت العير يقدمها ذلك الجمل كما وصف صلى الله تعالى عليه وسلم ولا معارضة لأنه مر بعيرين بل بثلاثة، وكأن إحداهما تأخرت. روى ابن مردويه والطبراني عن أم هانئ قالوا أخبرنا عن عيرنا قال أتيت على عير لبني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم فليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه ثم انتهت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا فيها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذيت العير نفرت وصرع ذلك البعير وانكسر ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالتنعيم يقدمهم جمل أورق عليه مسح أسود وعليه غرارتان سوداوان (الحديث) انتهى.
وذكروا أيضاً أن الشمس حبست له صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الخندق وتعقب بأن الثابت في الصحيح أنه ﵇ صلى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت الشمس وأجيب بأنه كان في يوم آخر إذ وقعة الخندق كانت أياماً انتهى المراد من كلام الزرقاني. (وإذ) معمول اذكر محذوفاً (أتى الفجار) يعني كفار قريش (نحو الباب) أي داره التي هو فيها صلى الله تعالى عليه وسلم (لقتله) أي لأجل قتله صلى الله تعالى عليه وسلم والعامل فيه أتى وذلك حين أراد الهجرة فعلموا أنه أجمع لحربهم فتشاوروا فيما يفعلون به فأشار إليهم اللعين أبو جهل بأن يأخذوا من كل بطن من قريش رجلاً فيقتلوه دفعة ليتفرق دمه في قريش ووافقه اللعين إبليس على الرأي كما مر مستوفى في الكلام على الهجرة فأتاه جبريل فقال له لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه صلى الله تعالى عليه وسلم يرقبونه حتى ينام فيثبوا عليه فلما رءا صلى الله تعالى عليه وسلم مكانهم أمر علياً أن ينام مكانه وقال تسبح برداءي هذا
следующие страницы →