Полный текст (927 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
(فمن سعيد مؤمن بما ذكر ... ومن شقي خاسر به كفر)
معنى البيت أنه ﵇ لما أخبر الناس بقصة الإسراء كان الناس على قسمين فمنهم سعيد مومن أي مصدق بما أخبر به، صلى الله تعالى عليه وسلم، ومنه شقي خاسر أي ضال كفر به والعياذ بالله تعالى. خسر كفرح وضرب: ضل، قاله في القاموس. ولما كذبه من كذبه صلى الله تعالى عليه وسلم في الإسراء صدقه الصديق وروي أنه لقب به في ذلك اليوم.
وقوله فمن سعيد مؤمن الخ، يصح عندي أن مجرور من محذوف وما بعد من مرفوع بالابتداء أي فمنهم سعيد ومنهم شقي، والضمير عائد على قوله الناس، وحذفه لدلالة الكلام عليه، كقوله:
(وحاجة ما إن لها عندي ثمن ... ميسورة قضاؤها منها ومن)
أراد ومني. ويصح أنه بمعنى إلي والمجرور متعلق بمحذوف أي فانقسموا إلى سعيد وإلى شقي ويصح أن الفاء زائدة ومن للبيان أي فأخبر الناس الذين هم سعيد مصدق بما أخبره به وشقي كافر به. ويكون كقوله:
(أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء)
(من مناد ومن مجيب ومن تصهال خيـ ... ـل خلال ذلك رغاء)
والله تعالى أعلم. وأعلم أن بعضهم قال إن الإسراء كان يقظة بجسده إلى بيت المقدس وبروحه إلى السماء وذهب بعضهم إلى أنه رؤيا منام وأنه إسراء بالروح مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، والحق هو ما قدمته من أنه بالجسد يقظة في القصة كلها والصحيح أن الإسراء والمعراج في ليلة وقيل كان الإسراء في ليلة والمعراج في أخرى.
(والشمس بالصهباء للمختار ... درت ( ... ))
الشمس مبتدأ وردت بالبناء للمجهول ونائبه ضمير الشمس، والجملة
стр. 807
خبره والصهباء بالمد ويقصر موضع على مرحلة من خيبر يعني أن من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله تعالى رد له الشمس بعد غروبها فرجعت من مغربها وحديثها خرجه الطحاوي وابن مردويه. قال في الشفاء وأما رد الشمس له فخرج الطحاوي عن أسماء بنت عميس بمهملة مضمومة مصغراً من طريقين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل أي علي العصر حتى غربت الشمس فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أي بعد ما افاق من الاستغراق أصليت يا علي؟ قال لا. فقال اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء. وقوله وقفت ويروي وقعت بالعين بدل الفاء. قال الطحاوي وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقاة أي فلا عبرة بمن طعن في رجالهما فجعلهما حديثين لروايته لهما من طريقين، هذا وقال ابن الجوزي أنه موضوع وتبعه ابن القيم وشيخه ابن تيمية وذكروا تضعيف أسانيد الطحاوي وقال ابن الجوزي أنا لا أتهم بوضعه إلا ابن عقدة لأنه كان رافضاً يسب الصحابة انتهى. ولا يخفى أن مجرد كون الراوي رافضياً أو خارجياً لا يوجب الجزم بوضع حديثه إذا كان ثقة وكأن الطحاوي لاحظ هذا المعنى ثم من المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ والأصل العدالة حتى يثبت الجرح المبطل للرواية. وأما ما ذكره ابن الجوزي من أن في الصحيح أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع فالجواب أن الحصر باعتبار الأمم السالفة مع احتمال وروده قبل القضية قاله ابن سلطان. وقال في الشفا وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوءة. قال ابن سلطان والطحاوي هو الإمام الحافظ العلامة صاحب التصانيف المهمة روى عنه الطبراني وغيره وهو مصري من أكابر علماء الحنفية، لم يخلق مثله وكان أولاً شافعياً يقرأه على خاله المزني ثم صار حنفياً توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وطحا من قرى مصر، انتهى. وهذا
стр. 808
الحديث ذكره في المواهب وذكر أن ابن تيمية ذكر أنه موضوع، وقال العجب من القاضي عياض مع جلالة قدره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهماً صحته، موثقاً رجاله انتهى. قال الزرقاني ولا عجب أصلاً لأن إسناد حديث أسماء حسن، وكذا إسناد أبي هريرة الآتي كما صرح به السيوطي قائلاً ومن ثم صححه الطحاوي والقاضي عياض وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ كما بينته وقد نص ابن الصلاح وغيره على تساهيل ابن الجوزي في الموضوعات حتى أنه أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة، قال السيوطي:
(ومن غريب ما تراه فاعلم ... فيه حديث من صحيح مسلم)
فهذه غفلة شديدة منه، يحكم بوضع حديث في الصحيحين وقال في الفتح أخطأ ابن الجوزي وكذا ابن تيمية في زعم وضعه يعني الحديث المتقدم انتهى المراد من كلام الزرقاني.
ثم قال في المواهب: وقال شيخنا أي السخاوي، قال الإمام أحد لا أصل له وتبعه ابن الجوزي لكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء وابن مردويه من حديث أبي هريرة ورواه الطبراني بإسناد حسن انتهى.
وأسماء هذه خثعمية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي وولدت لهم وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، لأمها والحجر بتثليث الحاء الحضن، والأظهر أن الرأس كان على ركبته وهو نائم وتمكن الرأس من الفخذ فجعل الحضن محلاً للرأس، تجوزاً، قاله الزرقاني والطحاوي بفتح المهملتين وروي الطبراني بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل علياً في حاجة هي قسم غنائم خيبر ورجع وقد صلى الله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر ووضع صلى الله تعالى عليه وسلم رأسه في حجر علي فنام فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال ﵊ اللهم إن عبدك علي احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس. قالت أسماء فطلعت عليه الشمس حتى
стр. 809
وقعت على الجبال وعلى الأرض وقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء.
وفي لفظ آخر، كان ﵊ إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه فأنزل عليه يوماً وهو في حجر علي، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما سرى عنه صليت العصر قال لا يا رسول الله فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر وقوله وفي لفظ آخر أي للطبراني أيضاً انظر المواهب وشرحها.
(ويوم العير في الأخبار)
المجرور متعلق بمحذوف أي روي هذا في الأخبار ومعنى كلامه أن الشمس ردت أيضاً معجزة لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يوم قدوم عير قريش التي مر بها ليلة أسري به فأخبرهم أنها تقدم يوم الأربعاء فلما ولى النهار ولم تجئ العير أشرفت قريش ينظرون فدعا، صلى الله تعالى عليه وسلم، أن يمد له ذلك حتى تقدم عير قريش قبل انقضائه فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ذكره في الشفاء وذكره في المواهب وقال الزرقاني في قوله حبست عليه أمسكها الله تعالى وعوقها عن سيرها حتى قدمت العير قبل غروبها انتهى.
وقال ابن سلطان في شرح الشفا في تفسير حبست أي ببطء حركتها وقيل توقفت وقيل ردت كما تقدم انتهى.
الناظم مشى على هذا القول الأخير في كلام ابن سلطان ويقدر لكلامه حبست إذ لا يشترط تقدير العامل بعد العاطف كما قال ناظم التسهيل:
(لم يشترط تقديرنا ما يعمل ... من بعد عاطف)
وقوله أشرفت أي قامت على شرف وهو المكان المرتفع لتنظر العير قادمة أم لا وولى النهار أدبر بمقاربة الغروب وقال الزرقاني وعورض هذا بما ورد واقتصر عليه البيضاوي والزمخشري أنه ﵇ قال يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخططتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس فخرجوا ينتظرون طلوعها فقال قائل منهم هذه الشمس قد
стр. 810
طلعت وقال آخر هذه الإبل قد طلعت يقدمها إلخ .. فقالوا إن هذا إلا سحر مبين.
وعند ابن أبي حاتم فلما كان ذلك اليوم الذي قال أنهم يأتون فيه أشرف الناس ينتظرون حتى إذا كان قرب نصف النهار أقبلت العير يقدمها ذلك الجمل كما وصف صلى الله تعالى عليه وسلم ولا معارضة لأنه مر بعيرين بل بثلاثة، وكأن إحداهما تأخرت. روى ابن مردويه والطبراني عن أم هانئ قالوا أخبرنا عن عيرنا قال أتيت على عير لبني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم فليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه ثم انتهت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا فيها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذيت العير نفرت وصرع ذلك البعير وانكسر ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالتنعيم يقدمهم جمل أورق عليه مسح أسود وعليه غرارتان سوداوان (الحديث) انتهى.
وذكروا أيضاً أن الشمس حبست له صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الخندق وتعقب بأن الثابت في الصحيح أنه ﵇ صلى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت الشمس وأجيب بأنه كان في يوم آخر إذ وقعة الخندق كانت أياماً انتهى المراد من كلام الزرقاني. (وإذ) معمول اذكر محذوفاً (أتى الفجار) يعني كفار قريش (نحو الباب) أي داره التي هو فيها صلى الله تعالى عليه وسلم (لقتله) أي لأجل قتله صلى الله تعالى عليه وسلم والعامل فيه أتى وذلك حين أراد الهجرة فعلموا أنه أجمع لحربهم فتشاوروا فيما يفعلون به فأشار إليهم اللعين أبو جهل بأن يأخذوا من كل بطن من قريش رجلاً فيقتلوه دفعة ليتفرق دمه في قريش ووافقه اللعين إبليس على الرأي كما مر مستوفى في الكلام على الهجرة فأتاه جبريل فقال له لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه صلى الله تعالى عليه وسلم يرقبونه حتى ينام فيثبوا عليه فلما رءا صلى الله تعالى عليه وسلم مكانهم أمر علياً أن ينام مكانه وقال تسبح برداءي هذا
стр. 811
الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه ثم خرج صلى الله تعالى عليه وسلم من الباب ونثر على رؤوسهم كلهم تراباً كان في يده فما ترك رجلاً منهم إلا ووضع على رأسه تراباً. وعند ابن أبي حاتم مما صححه الحاكم كما في المواهب فما أصاب رجلاً منهم حصاة إلا قتل ببدر كافراً. وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(فقام) صلى الله تعالى عليه وسلم (بالتراب) الذي كان بيده ﵇ وهو يتلو على ما في المواهب قوله: يس إلى قوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. (وذره) أي التراب، أي فرقة (على رؤوس القوم) الذين كانوا يريدون قتله صلى الله تعالى عليه وسلم (فسقطت أذقانهم) جمع ذقن بالتحريك وهو مجمع اللحيين، (بالنوم) أي بسببه ثم انصرف ﵇ حيث أراد فلم يره أحد منهم. وروى أحمد بإسناد حسن أنه خرج حتى لحق بغار ثور وفي البيضاوي فبيت علياً عن مضجعه وخرج مع أبي بكر إلى الغار انتهى. وروي أن القوم أتاهم آت ممن لم يكن معه فقال ما تنتظرون هاهنا قالوا محمداً قال قد خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على رأسه تراباً فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا هو عليه تراب، (وقال) ﵇ (شاهت الوجوه) أي قبحت، (ودعا) عليهم، (فمن أصابه ببدر صرعا) أي فكل من أصابه ذلك التراب صرع أي قتل ببدر كافراً والعياذ بالله تعالى. وفي العيون في عدد المعجزات: وإن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله فخرج عليهم فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم وأقبل حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب وقال شاهت الوجوه وحصبهم فما أصاب رجلاً منهم بشيء من الحصباء إلا قتل يوم بدر انتهى منه.
تنبيه:
قد مر عن المواهب أنه ﵇ تلا عند خروجه يس، قال الزرقاني عن السهيلي يؤخذ منه أن من أراد النجاة من ظالم أو أراد الدخول عليه
стр. 812
يتلو هذه الآيات وقد روي في فضل يس مرفوعاً أن من قرأها خائف أمن أو جائع أشبع أو عار كسى أو عاطش سقي أو سقيم شفي انتهى. وفي الشفا ومنه العبرة المشهورة والكفاية التامة عندما أخافته قريش اجتمعت على قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم أي حجبها عن رؤيته وذر التراب أي فرقه ونثره على رؤوسهم وخلص منهم. قوله ومنه أي ومن قبل أخذ الله أبصار الأعداء وبيتوه بشد التحتية أي دبروه ليلاً ليقتلوه غيلة على غرة وغفلة، قال الحلبي وكانوا مائة ومعنى خلص نجا من غير أن يصيبه شيء وفي رواية أنه خرج من ظهر البيت طأطأت له جارية اسمها مارية خادمته ﵊ حتى تسور الجدران الذي للبيت من ظهره قاله على القارئ. وللعراقي:
(كذا التراب في رؤوس القوم قد ... وضعه ولم يره منهم أحد)
والقوم كفار قريش وذلك لما أراد الهجرة فاجتمعوا ببابه فأخذه كل منهم سيفاً ليضربوه ضربة رجل واحد فخرج عليهم ووضع التراب على رؤوسهم ولم يره منهم أحد قاله المناوي.
(وفي حنين إذ رمى الأقواما ... بقبضة فانهزموا انهزاما)
قوله في حنين متعلق برمى بعده وإذ معمول لأذكر محذوفاً أي وأذكر من معجزاته ﷺ إذ رمى جيوش الكفار على كثرتهم في غزوة حنين بقبضة من التراب بضم القاف وتفتح بمعنى مقبوضة كما في ابن سلطان وفي رواية تناول حصيات وفي رواية أخذ كفا من تراب فضرب وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق أحد منهم إلا امتلأت عينه وفمه تراباً، فولى المشركون الأدبار وانهزموا انهزاماً شديداً وروي أن الكفار كانوا نحو ثلاثين ألفاً ووصول تلك الحصيات إلى كل واحد من هذه الألوف حتى هزمتهم وشتت شملهم من أعظم المعجزات. قال المناوي وهو أبهر من قلب العصا ثعباناً وابتاعها حبال السحرة انتهى. وللعراقي رحمه الله تعالى:
стр. 813
(والجيش في يوم حنين إذ رموا ... منه بقبضة تراباً هزموا)
(وأنزل الله به كتاباً ... وامتلأت أعينهم تراباً)
وتراباً تمييز وقوله به أي في شأن الرمي فقال ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ قاله المناوي وما ذكر من أن الآية نزلت في شأن الرمي يوم حنين غير متفق عليه قال ابن جزي في تفسير هذه الآية كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخذ يوم بدر قبضة من تراب أو حصى ورمى بها في وجوه الكفار فانهموا فمعنى الآية أن ذلك من الله في الحقيقة انتهى.
وقال الثعالبي في تفسيرها روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ يومئذ ثلاث قبضاة من حصى أو تراب فرمى بها في وجوه القوم فهزموا عند آخر رمية ويروى أنه قال يوم بدر شاهت الوجوه وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم حنين بلا خلاف انتهى وقال الخازن بعد كلام في تفسيرها فلما التقى الجمعان تناول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كفاً من حصى عليه تراب فرمى في وجوه القوم وقال شاهت الوجوه يعني قبحت فلم يبق مشرك إلى ودخل في عينيه وفمه ومنخريه من ذلك التراب شيء فانهزموا وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم فذلك قوله وما رميت (الآية) انتهى. واقتصر على أن هذا يوم بدر كما يعلم بالوقوف عليه انتهى. وكلام المفسرين هذا من الريان تفسير الوالد حفظه الله تعالى:
(وفي حمام الغار والعناكب ... حاكت وباضت أبدع العجائب)
قوله أبدع افعل تفضيل وهو مبتدأ وخبره المجرور قبله والبدعة في اللغة ما فعل على غير مثال قال تعالى: ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ والعناكب جمع عنكبوت وحاكت أي نسجت راجع للعناكب، باضت أي ألقت بيضها راجع للحمام وباضت وحاكت الظاهر أنهما بدل اشتمال مما قبلهما بتقديران يعني وفي بيض الحمام على الغار ونسج العنكبوت على فمه مع أن فيه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه معجزات لم يقع مثلها قبلهما، وذلك من أعظم
стр. 814
الأمور التي يتعجب منها لأنها لم تكن مألوفة لأن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معموراً فمهما أحسا بإنسان فرا منه وروي أن المشركين لما مروا على باب الغار طارت الحمامتان فنظروا إلى بيضهما ونسج العنكبوت فقالوا لو كان هنا أحد لما كان هنا حمام، وروي أن بعض قريش قال لهم ادخلوا الغار فقال أمية ابن خلف وما اربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتاً أقدم من ميلاد محمد، وروي أن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين جزاء وفاقا لما حصل بهما الحماية جوزيتا بالنسل وحمايته في الحرم وفي المثل آمن من حمام الحرم والعنكبوت دويبة تنسج في الهواء واستعمال الحوك في فعلها مجاز لما بينهما من المشابهة وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أنه ﵊ لما دخل هو وأبو بكر الغار أنبت الله على بابه الراءة وهي بالراء المهملة والمد والهمزة أم غيلان، ضرب من الغضاه وعن الدنيوي أنها تكون مثل قامة الإنسان لها زهر أبيض تحشى به المخاد كالريش في الخفة واللبن وما أحسن قول صاحب البردة:
(ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم)
(وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم)
وتنسج بفتح التاء وكسر السين وضمها أي العنكبوت ولم تحم أي الحمام فقيه لف ونشر مقلوب وقوله وقاية الله الخ. أي حفظه لحبيبه بهذين الضعيفين جداً من عدوه مع شدة بأسه كفت عن الدروع المضاعفة وهي المنسوجة حلقتين حلقتين وعن العالي من الأطم بضمتين وهي الحصون التي يتحصن فيها. وقال أيضاً في لاميته:
(واغيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبي معمور وماهول)
(كأنما المصطفى فيه وصاحبه الصـ ... ـديق ليثان قد آواهما غيل)
(وجلل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبذا نسج وتجليل)
(عناية ضل كيد المشركين بها ... وما مكائدهم إلا الأضاليل)
(إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما ... كأن أبصارهم من زيغها حول)
стр. 815
قوله كمثل قلبي صفة مصدر محذوف أي تعميراً وتهويلاً كتعمير وتأهيل قلبي، والغيل بكسر المعجمة الشجر الكثير الملتف والعناية بكسر العين وفتحها. وجلل بجيم غطى، ووهن ضعف، وقوله ينظرون أي إلى الحمام وبيضه ونسج العنكبوت انتهى من الزرقاني. والنسج بفتح النون بمعنى المنسوج قاله السجلماسي في شرح الهمزية وقوله فيما مر أن فيه لعنكبوتاً أقدم من ميلاد محمد ، رواية الشفا أن أبياً قال ما أربكم فيه وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يوجد محمد.
(وإذا رأى سراقة الهلاكا ... بك استغاث فنجا هناكا)
سراقة هو ابن مالك بن جعشم بضم الجيم والشين بينهما مهملة ساكنة ثم ميم ونقل النووي في التهذيب والبرهان في النور فيه فتح الجيم والشين وهو من بني مدلج بضم الميم وسكون المهملة وكسر اللام ابن مرة بن عبد مناة بن كنانة أسلم بالجعرانية، منصرفة ﵇ من الطائف قاله الزرقاني والخطاب في البيت للنبي ﷺ لحضوره في الذهن أي وإذ عاين وتيقن سراقة الهلاك حين أراد المكر بك لحضوره في الذهن أي وإذ عاين وتيقن سراقة الهلاك حين أراد المكر بك يا رسول الله استغاث بك أي طلب منك أن تغيثه أي تخلصه من الهلاك الذي عاينه فدعوت له فنجا أي خلص مما كان خافه وهناك الأقرب فيها أنها للزمان هنا نحو هنالك ابتلي المؤمنون أي نجا تلك الساعة وأشار بهذا القصة المتقدمة في الهجرة. قال في الشفا قصته حين الهجرة وقد جعلت قريش فيه وفي أبي بكر الجعائل فأنذر به فركب فرسه وأتبعه حتى إذا قرب دعا عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فساخت قوائم فرسه فخر عنها واستقسم بالأزلام فخرج له ما يكره ثم ركب فرسه ودنا حتى سمع قراءة النبي وهو لا يلتفت وأبو بكر يلتفت فقال للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم: أتينا. فقال لا تحزن إن الله معنا، فساخت ثانية إلى ركبتيها وخر عنها فزجرها فنهضت ولقوائمها مثل الدخان فناداهم بالأمان فكتب له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أماناً كتبه ابن فهيرة وقيل أبو بكر وأخبرهم بالأخبار وأمره صلى الله
стр. 816
تعالى عليه وسلم أن لا يترك أحداً يلحق بهم فانصرف يقول للناس كفيتم ما هاهنا ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله الهجرة بكسر الهاء وقال التلمساني بفتح أو كسر قوله جعلت قريش فيه قال السهيلي بذلت قريش مائة ناقة لمن يرد عليهم محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم وأنذر بالبناء للمجهول أي أعلم سراقة به أي بتوجهه ﵇ إلى المدينة وساخت بالحاء المعجمة أي غاصت وغابت والأزلام جمع زلم بفتحتين أو بضم ففتح وهي سهام لا ريش بها ولا نصل يكتب على أحدها افعل وعلى آخر لا تفعل، وغيرهما مغفل وكان محلها داخل الكعبة وكان بعضهم يضعها في متاعه وجعبته فإذا عرض له مهم أخرج سهماً فإن خرج افعل، فعل أو لا تفعل ترك وإن خرج المغفل أعاد العمل وقيل المكتوب على الواحد أمرني ربي وعلى الثاني نهاني والثالث غفل لا شيء عليه وأصل معنى استقسم ضرب بها لإخراج ما قسم الله له من أمره ونهيه، قاله ابن سلطان.
وفي البخاري أن قريشاً جعلوا دية كل واحد منهما لمن قتله أو اسره وللإسماعيلي أن سراقة لما نجا قال هذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا وخذ منهما حاجتك فقال لا حاجة لنا في إبلك وفي رواية أن سراقة قال يا نبي الله مرني بما شئت قال فقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا فكان أول النهار جاهداً على نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له رواه البخاري. وقوله مسلحة أي حارساً له بسلاحه. ولابن عقبة وابن اسحاق عن سراقة فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من حنين خرجت للقائه ومعي الكتاب فألقيته بالجعرانة فرفعت يدي بالكتاب فقلت يا رسول الله هذا كتابك قال يوم وفاء وبر، ادن، فدنوت منه وأسلمت، انتهى.
ولما بلغ أبا جهل أمر سراقة لأمه على تركهم فقال:
(أبا حكم والله لو كنت شاهداً ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه)
(عجبت ولم تشك بأن محمداً ... نبي ببرهان فمن ذا يقاومه)
стр. 817
(عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يوماً ستبدوا معالمه)
وروى أنه ﵇ قال له يوم لحقهما في الهجرة كيف بك إذا لبست سواري كسرى فعجب من ذلك فلما أوتي بها عمر وبتاجه ومنطقته دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يدك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك، أعرابياً من بني مدلج. ورفع عمرو صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين انظر الزرقاني. (ودرت الألبان) أي كثرت (إذا) أي حين (مسحتا) بيدك المباركة على (ضروع من شياه) لا لبن لها، (شتى) جمع شتيت بمعنى متفرق نعت لشياه، يعني أن ذلك وقع معجزة له ﵇ غير ما مرة، والمسح كالمنع امرار اليد على الشيء ومثل الناظم رحمه الله تعالى لما ذكر من درور الألبان بثلاثة أمثلة أولها أشار له بقوله (كشاة عبد الله) بن مسعود الهذلي القديم الإسلام من علماء الصحابة وقال فيه المصطفى ﵇ رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وكانت حائلاً لا لبن لها ولم ينز بفتح الياء وسكون النون وضم الزاي أي لم يثب ولم يعل عليها فحل للضراب فدرت وكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود قاله ابن سلطان (والمقداد) أي وشاة المقداد وكانت حائلاً لا لبن لها وهي في صحيح مسلم، قال ابن سلطان وقصة شاة المقداد مختصرة ما روي عنه قال أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهب أسماعنا وأبصارنا من الجهد يعني الجوع فعرضنا أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يقبلنا أحد فأتينا النبي فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاث أعنز فقال احتلبوا هذا اللبن بيننا، فكنا نحلب فكان يشرب كل إنسان نصيبه ونرفع للنبي نصيبه فيجيء من الليل فيشرب به فوقع في نفسي ذات ليلة أن نبي الله يأتي الأنصار فيتحفونه ما به حاجة إلى هذه الجرعة فشربتها ثم ندمت على ما فعلت خشية أنه إذا جاء فلم يجده يدعو علي فأهلك وجعل لا يجيء النوم وأما صاحباي فناما فجاء صلى الله تعالى عليه وسلم كعادته وكشف عن نصيبه فلم يجد شيئاً فرفع رأسه إلى السماء فقلت الآن يدعو علي فقال اللهم اطعم من أطعمني
стр. 818
واسق من سقاني قال فأخذت الشفرة وانطلقت إلى الأعنز أيتها أسمن أذبحها له فإذا هي حفل كلهن فعمدت إلى إناء فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت به إليه فشرب ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت على الأرض، فقال أفدني سوأتك يا مقداد يعني أنك فعلت سوءة من الفعلات فما هي؟ قال فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما هذه إلا رحمة من الله، انتهى كلامه.
(وأم معبد) أي وشاة أم معبد وتقدمت قصتها في الهجرة مبسوطة، واختصارها أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، مر هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ومعهم دليلهم عبد الله بن الأريقط وهو على الكفر على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية بقديد وكانوا مسنتين فطلبوا منها لبناً فلم يجدوا فرأوا عندها شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال ﵇ أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت نعم. فدعا بها فاعتقلها ومسح ضرعها وسمي الله فتفاجت ودرت وحلب وسقى القوم حتى رووا، وشرب هو آخرهم الحديث. وشاة أم معبد اختلف فيها هل هي عنز أو نعجة والأصح أنها نعجة بيضاء نقله حماد في شرع كتاب الأنساب عن السهيلي.
(من الأفراد) الظاهر أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهذه المعجزات من الأفراد جمع فرد وهو الذي لا نظير له، وفسرها بعضهم بقوله: أي الأشخاص الذين وقع ذلك في شياههم والله تعالى أعم. وفي الشفا ومنه أي من هذا النوع بركته في درور الشياه الحوافل باللبن الكثير كقصة شاة أم معبد وأعنز معاوية بن ثور وشاة أنس وغنم حليمة وشاة عبد الله مسعود وكانت لم ينز عليها فحل وشاة المقداد انتهى. قال ابن سلطان في شرحه وكلها كانت مثل شاة أم معبد ودرت ببركته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله الحوائل بالهمز جمع الحائلة وهي الشاة العديمة اللبن. ومعاوية بن ثور وفد على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو شيخ كبير ومعه ابنه بشر فدعا له ومسح رأسه وأعطاه أعنزا عشراً فقال محمد بن بشر بن معاوية في أبيه:
стр. 819
(وأبي الذي مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات)
انتهى. وفي شرح صلاة ربي للشيخ اليدالي أنه ﵇ اجتاز هو وأبو بكر بعبد يرعى غنماً فاستقياه لبناً فأتاهما بشاة لا لبن فيها وحلبها، صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن دعى فسقى أبا بكر ثم الراعي ثم شرب، وهذا محمول على علم سيد العبد مع ظن رضاه والجواب بأنه مال حربي لا يصح لأن هذا قبل مشروعية الجهاد. انتهى.
(وكم من الأعيان قلبه انجلى ... بلمس يمناك بمشهد الملا)
كما هنا تكثيرية وهي مبتدأ ومن الأعيان مميزها وقلبه مبتدأ وانجلى خبره والجملة خبر كم والباء في بلمس سببية، والملا جماعة الأشراف أي ومن معجزاتك يا رسول الله أن كثيراً من الاشياء انقلبت عينه أ] تحولت ذاته بسبب لمس يدك المباركة وحضر ذلك جماعة أصحابك الأشراف ونقلوه لمن بعدهم جزاهم الله أحسن الجزاء ومثل لذلك بقوله:
(كئاية العرجون إذ أضاء ... لولد النعمان في سوداء)
العرجون بضم العين والجيم ويكسر مع فتح الجيم وقرئ بهما وهو أصل العرق الذي يعوج وينعطف ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً ولعله العذق مطلقاً قاله ابن سلطان.
وقال الزرقاني أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى يابساً على النخل, سمي بذلك لانعراجه وانعطافه. ونونه زائده انتهى.
والنعمان بضم النون ويعني بولده قتادة بفتح القاف الأوسي البدري صاحب العين التي ردها رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله في سوداء نعت لمحذوف أي في ليلة سوداء أي مظلمة (مطيرة) فعلية بمعنى فاعلة وإسناد المطر إليها مجاز ولا يقال أنها بمعنى مفعولة أي ممطرة فيها لوجود الهاء قاله الزرقاني.
(عشوا) بالقصر أي صاحبها أعشا فلا يبصر فيها لظلمتها. وقوله (إلى أن ولجا) غاية لقوله أضاء ومعنى ولج دخل ومفعوله محذوف تقديره بيته. (فضرب الشيطان حتى خرجا) وكان يراه على غير صورته
стр. 820
والمعنى أن من معزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما رواه أحمد بسند صحيح كما في ابن سلطان أن قتادة بن النعمان صلى معه صلى الله تعالى عليه وسلم، العشاء في ليلة مظلمة مطيرة فأعطاه عرجوناً وقال انطلق به فإنه سيضيئ لك من بين يديك عشراً، أي من الأذرع ومن خلفك عشراً فإذا دخلت بيتك فسترى سواداً فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان. فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج ونسبه في المواهب لأبي نعيم قال الزرقاني والمخرج هذه القصة الطبراني وقال أنه كان في صورة فنفذ قال وأخرج أحمد عن أبي سعيد قال هاجت السماء فخرج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لصلاة العشاء فبرقت برقة فرأى قتادة فقال ما السري يا قتادة؟ قال يا رسول الله إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها. قال إذا صليت فات فلما انصرف أعطاه عرجوناً فقال خذ هذا فسيضيئ لك فإذا دخلت البيت ورأيت سواداً في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم فإنه شيطان انتهى. وقوله سواداً أي جسماً ذا سواد. ومراد الناظم بقلب العين هنا تحول عرض العرجون إلى كونه ضوءاً ولم يذكره ابن سلطان ولا الزرقاني في انقلاب الأعيان وإنما ذكر ذلك من رأيت في جذل سلطان ولا الزرقاني في انقلاب الأعيان وإنما ذكر ذلك من رأيت في جذل عكاشة ونحوه ويأتي إن شاء الله. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه بمنه ومما يناسب إضاءة العرجون إضاءة العصي لعباد بن بشر وأسيد بن خضير وإضاءة أصابع حمزة بن عمرو الأسلمي حتى جمعوا على ضوء أصابعه ركابهم وما سقط من متاعهم وكان كل مما ذكر في ليل شديد الظلمة وقد نظمت ذلك في ثلاثة أبيات فقلت:
(ولابن بشر وأسيد ابن خضير ... ضوء العصا كمثل مصباح منير)
(كذا أصابع ابن عمرو الأسلمي ... حمزة ضوءها بدا في الظلم)
(حتى ركابهم عليها جمعوا ... وعزو هذا للبخاري يسمع)
ابن بشر هو عباد بن بشر وقش بفتح الواو أسلم قبل الهجرة وشهد بدراً وأبلى في اليمامة بلاء حسناً واستشهد بها وأسيد بضم الهمزة
стр. 821
وحضير بضم المهملة ابن سماك وهما أوسيان أشهليان وروى البخاري في تاريخه عن عائشة قالت ثلاثة من الأنصار لم يكن أحداً يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ وأسيد بن خضير وعباد بن بشر، انتهى.
وقصتهما باختصار أنهما كانا عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في ليلة شديدة الظلمة ثم خرجا وبيد كل منهما عصى فأضاءت لهما عصى أحدهما فمشيا في ضوئها، إكراماً لهما ببركة نبيهما، آية له، صلى الله تعالى عليه وسلم، وإظهار السر.
قوله ﵇ بشر المشايين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، رواه أبو داوود وغيره. وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك، قاله الزرقاني. قال في المواهب حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه أي مقصده. وفي رواية ومعهما مثل المصباحين وقولي كذا أصابع ابن عمرو هو حمزة بحاء مهملة ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن سعد الأسلمي صحابي جليل، كان يسرد الصوم أخرج البخاري في تاريخه عنه قال كنا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في سفر فترقنا في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرها وأنا أصابعي لتنير قاله في المواهب وساقه الشامي بلفظ وما سقط من متاعهم. وتنير بضم التاء أي تضيء، انتهى من الزرقاني، وساق هاتين القصتين في المواهب عقب قصة العرجون.
(والجذل لابن محصن ببدر ... دفعته ( ... ))
الجذل بكسر الجيم وبفتح فسكون ذال معجمة أي أصل شجرة والمراد به هنا عود وقيل هو الخشبة الغليظة ومحصن كمنبر وابنه هو عكاشة الأسدي البدري وهو بضم المهملة وشد الكاف وتخفيفها، انظر ابن سلطان، والجذل الأرجح رفعه على الابتداء وخبره دفعته ويتعلق به المجروران، (فعاد) هو أي الجذل أي صار ببركته، صلى الله تعالى عليه
стр. 822
وسلم، (سيفا) خبر عاد، (يفري) بفتح التحتية أي يقطع صفة لقوله سيفاً أي فصار في يده سيفاً قاطعاً يعني أن من قلب الأعيان معجزة له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما رواه البيهقي من أنه ﵇ دفع لعكاشة بن محصن حين انكسر سيفه يوم بدر جذل حطب وقال له اضرب به فعاد في يده سيفاً صارماً طويل القامة أبيض أي بريق اللمعان شديد المتن من المتانة وهي القوة أو قوي الظهر فإن المتن هو أصل الشيء الذي به قوامه بمنزلة الظهر للأعضاء، قاله علي القارئ.
(ولم يزل) ذلك السيف، (لديه) أي لدى عكاشة أي عنده يشهد به المواقف (حتى استشهدا) بالبناء للمجهول في قتال أهل الردة، (عونا) أي معيناً له على القتال، وفيه إيماء إلى اسمه فإنه كان يسمى العون، (به) يتعلق بقوله (يضرب أعناق) جمع عنق وهو الجيد (العدا) بكسر العين وضمها جمع عدو، (وغذ دفعت) يا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، (لابن جحش) بفتح الجيم وسكون المهملة يعني بابن جحش عبد الله البدري المجدع في الله وهو بن أسد خزيمة (بأحد) بضمتين أي في يوم أحد عسيب نخل العسيب كأمير، قال في ابن سلطان في تفسيره أي جريدة منه، مما لا خوض عليه وما نبت عليه الخوص فهو سعف، والخوض الأوراق انتهى منه.
وفي القاموس والعسيب جريدة من النحل مشتقة من دقيقة يكشط خوصها والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف فعدا اسمها عائد على العسيب وخبرها قوله سيفاً أي صار سيفاً يحد بفتح فضم جيم أي يقطع والمعنى أن من انقلاب الأعيان معجزة له ﵇ أنه دفع جريدة من النخل لعبد الله بن جحش يوم أحد فصار في يده سيفاً قاطعاً كما رواه البيهقي. قال مؤلفه سمح الله تعالى له ومما يناسب هذا من انقلاب الأعيان ما نقله ابن سلطان على القارئ شارح الشفا أنه ﵇ أعطى سلمة بن أسلم يوم بدر قضيباً من عراجين ابن طاب كان في يده فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد. وقد نظمت ذلك فقلت:
стр. 823
(أعطى قضيباً يوم بدر سلمه ... أعني ابن أسلم نبي المرحمة)
(وذا القضيب من عراجين ابن طاب ... فصار سيفاً صارماً بلا ارتياب)
وقولي نبي فاعل أعطى وابن طاب نخل بالمدينة كما في القاموس انتهى. وقال الناظم نفعنا الله تعالى ببركته وجمعنا وإياه في جنته:
(والماء قد زودت قوماً رفدا ... فعاد أيضاً لبناً وزبدا)
يشير به إلى ما في الشفا للقاضي عياض ونصه ومن ذلك تزويده أصحابه سقاء ماء بعد أن أوكاه ودعا فيه فلما حضرته الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه، انتهى منه. السقاء بكسر أوله وأوكاه ربط وكاءه، وأوكاه ربطه بالوكاء وهو خيط يشد به الوعاء وقوله فإذا به وفي نسخة فإذا هو لبن وقوله في فمه في نسخة، في فيه انتهى من ابن سلطان. وما في الشرح المعزو للمأمون من أن القاضي عياض لم يذكر هذه القصة في الشفا فيه نظر ولعلها خرجت من النسخة التي بيده والله تعالى أعلم، قاله جامعه. وقول الناظم الماء منصوب بزودت بعده، والرفد بالكسر العطاء وهو منصوب على الحال وزبدا بضم الزاء المعجمة والمعنى ومن قلب الأعيان معجزة لك يا رسول الله، الماء الذي قد جعلته زاداً لبعض أصحابك فانقلبت عينه لبناً طيباً وزادا وعاد كصار معنى وعملا.
(وأخبرتك الشاة بعد الشي ... بأنها سمت فداك حي)
سمت بضم السين جعل فيها سم بتثليث السين جعلت فيها زينب بنت الحارث اليهودية سماً قاتلاً لوقته، اجتمعت لها اليهود على ذلك السم بعينه فسمت الشاة جميعهاً وأكثرت السم في الكتف والذراع لأنها بلغها أنه ﵇ يحبهما وهي زوجة سلام بالتشديد ابن مشكم وقد يخفف كما مرّ ولما أهدتها له ﵇ ومعه ناس من أصحابه تناول ﵇ الكتف على ما في المناوي ولما ازدرد منه لقمة قال إن هذا الكتف يخبرني أنه مسموم وفي رواية غيره أن الذراع هو الذي أخبره وذلك بعد ما أكل منها بشر بن البراء فمات وهل مات في الحال أو بعد
стр. 824
سنة فقتلت به وقيل أنها لم تقتل وجمع بأنها لم تقتل أو لا ولما مات أسلمها لأوليائه فقتلوها وقال الزهري تركت لأنها أسلمت وقالت استبان لي أنك صادق وهي أخت مرحب وروي أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال لها ما حملك على هذا؟ قالت إن كنت نبياً لن يضرك وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك. فاحتجم ﵇ على كاهله وقال في وجعه الذي توفي فيه ما زالت أكلة خيبر تعاودني فالآن قطعت أبهري والعداد بالكسر اهتياج وجع اللديغ بعد سنة قال الشاعر:
(ألاقي من تذكر آل ليلى ... كما يلقى السليم من العداد)
وعلى هذا فهو، صلى الله تعالى عليه وسلم، شهيد مع ما أكرم به من النبوءة، نقله اليدالي. وقد تقدمت هذه القصة في خيبر. وفي المناوي وعاش ﵇ بعد ذلك أربع سنين، وفي رواية أنها أسلمت وعفا عنها وفي رواية أنه قتلها. وجمع البيهقي بأنه تركها لأنه لا ينتقم لنفسه ثم قتلها وليه قصاصاً ويحتمل أنه قتلها لنقضها العهد بما فعلته. وفلي رواية أنه صلبها انتهى كلامه.
(والطفل في المهد بتصديقك يا ... أزكى الورى قد فاه فيما رويا)
المهد الموضع يهيأ للصبي ويوطأ والطفل مبتدأ وخبره فاه أي نطق ويتعلق به المجرور أن قبله الورى العباد وأزكاهم معناه أطهرهم وتقرير البيت أن نقول ومن معجزاتك يا أطهر العباد أن الطفل تكلم في المهد بتصديقك فيما روي أي نقل وأشار بهذا إلى ما رواه البيهقي وغيره عن معرض بن معيقيب اليماني قال حججت حجة الوداع فدخلت داراً بمكة فرأيت فيها رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأيت منه عجباً، جاء رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفه في خرقة وقال له رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يا غلام من أنا؟ قال أنت رسول الله. قال صدقت بارك الله فيك. ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة. ومعرض بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المشددة ثم ضاد معجمة كما في الإصابة وفي التلمساني وغيره اسم فاعل من أعرض وروي بكسر أوله كأنه آلة وفي
стр. 825
الشفا أنه يعرف بحديث شاصونة اسم رواية وهو بشين معجمة وألف وصاد مهملة وواو ساكنة ونون وله طرق وغاية ما يفيده تعدد طرقه أنه ضعيف لزوال ما كان يخشى أنه من وضع الكريمي. أما الحسن فمن أين له ومداره على ثلاثة مجاهيل شاصونة وشيخه وشيخ شيخه قاله الزرقاني في شرح المواهب. وقوله ثم إن الغلام لم يتكمل بعد ذلك حتى شب أي بلغ زمن التكلم، قاله على القارئ في شرح الشفا. قال هذا الشارح ويناسب هذا شهادة الأخرس له ﵇ بالرسالة كما في الشفا والمواهب عن البيهقي وقد نظمته معزواً له فقلت:
(وبرسالتك الأخرس شهد ... وعزوه للبيهقي قد عهد)
أي عرف ولفظ المواهب. وعن فهد بن عطية أن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط وقال من أنا؟ فقال أنت رسول الله، ونحوه في الشفا. وفهد بفاء مفتوحة وهاء ساكنة ودال مهملة وفي نسخة وراء مهملة قال في المنتقى ولا أعرف بدال ولا براء والذي في البيهقي أنه عن شمر بن عطية انتهى. وهو كما قال إذ ليس في الصحابة من اسمه ذلك لا بدال ولا براء. وإنما هو شمر بكسر المعجمة وسكون الميم وراء بلا نقط ابن عطية الأسدي الكاهلي صدوق من أتباع التابعين قاله الزرقاني. وفي ابن سلطان ولعله تصحيف وإنما روي البيهقي عن سمر بن عطية بكسر السين المهملة وسكون الميم آخره راء انتهى منه.
وقوله قد شب أي كبر وصار شاباً قاله الشارحان الماران آنفاً. قال الزرقاني فأنطقه الله بعدما كان أبكم، فهو بمنزلة الميت والجماد لعدم القدرة على النطق انتهى. ثم ذكر الناظم رحمه الله تعالى شهادة الجمادات والبهائم له بالرسالة فقال:
(وكم جمادات وعجماوات ... فاهت بتصديقك في آيات)
كم للتكثير والجماد ما لا روح فيه والعجماء البهيمة أي ومن معجزاتك صلى الله تعالى عليه وسلم أن كثيراً من الجمادات والحيوانات قد نطقت بتصديقك. وقوله في آيات، بمعنى مع، أي مع معجزات أخر
стр. 826
دالة على صدقك وقعت في الجمادات والحيوانات غير الشهادة بالرسالة كتسبيح الحصا والطعام بيدك الشريفة وطاعة الراجي له وسجود الجمل وشكواه إليه والله تعالى أعلم.
فمن شهادة الجماد له بالرسالة أن قريشاً لما طلبته ﵇ حين خرج ﵇ مهاجراً وكان قد صعد ثبيراً فقال له ثبير اهبط يا رسول الله إني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله تعالى. وقال له حراء إلي يا رسول الله بتشديد الياء أي إئت أو أقبل. وقال ﵇ لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. وعن علي قال كنت مع النبي في ابتداء النبوءة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل أي حجر كما في ابن سلطان ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله رواه الترمذي وروى الحاكم بإسناد جيد عن ابن عمر قال كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أين تريد؟ قال إلى أهلي. قال هل لك إلى خير؟ قال وما هو؟ قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. قال هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، هذه الشجرة. وفي رواية هذه السمرة. فدعاها، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثم رجعت إلى منبتها ورجع الإعرابي إلى قومه وقال يا رسول الله إن يتبعوني آتيك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك.
وقوله تخد بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة أي تشق والسمرة بفتح المهملة وضم الميم شجرة عظيمة ذات شوك من الطلح، وجمعها بفتح السين وضم الميم وسكونها ومنبتها بفتح الموحدة قياساً وكسرها سماعاً. قاله الزرقاني.
وأما شهادة الحيوانات له فمنها قصة الذئب ولها طرق من حديث أبي سعيد وأنس وأبي هريرة وابن عمرو فحديث أبي سعيد رواه أحمد
стр. 827
والترمذي والحاكم وصححاه، قال أبو سعيد عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه، وقال ألا تتقي الله تعالى تنزع مني رزقاً ساقه الله تعالى إلي. فقال الراعي يا عجباً ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس. فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق. وفي طريق ألا أخبرك بأعجب من كلامي؟ ! رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في النخيلات بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما سبق وما يكون. وفي لفظ يدعوا الناس إلى الهدى وغلى الحق وهم يكذبونه. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول اللهن صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبره وقد اختلف في مكلم الذئب فقيل أهبان بن أوس وقيل سلمة بن الأكوع، وكان ذلك سبب إسلامه، وقيل أهبان بن الأكوع الأسلمي عن سلمة وقيل أهبان بن الأكوع الخزاعي وقيل رافع بن عميرة وقال ابن عبد البر، كلم الذئب ثلاثة من الصحابة: رافع بن عميرة وسلمة بن ألأكوع وأهبان بن أوس، قاله الزرقاني. وأما حديث أنس فرواه أبو نعيم بنحوه وأما حديث أبي هريرة فرواه سعيد بن منصور عنه قال أبو هريرة جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وجعل يبصبص بذنبه اي يحركه فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئاً. قالوا والله لا نفعل وأخذ رجل من القوم حجراً ورماه به فأدبر الذيب وله عواء (الحديث). وروى ابن وهب أن ابا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية قبل إسلامهما رأيا ذئباً وجد ظبياً فجرى خلفه ليأخذه فدخل الظبي الحرم فانصرف عنه فعجبا من ذلك. فقال الذئب أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفاً بضم الخاء المعجمة أي فاسدة متغيرة يعني يقع الفساد والتغير في أهلها. وقيل معناه خالية بأن يسلم أهلها ويهاجروا قاله الزرقاني.
стр. 828
وروى لطبراني والبيهقي وشيخه الحاكم وشيخه ابن عدي عن ابن عمر واللفظ للطبراني أن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كان في محفل من أصحاب إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضباً فقال على من هؤلاء الجماعة؟ فقالوا على هذا الذي يزعم أنه نبي. فأتاه فقال يا محمد اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسميني العرب عجولاً لقتلتك ولسررت الناس بقتلك أجمعين. فقال عمر يا رسول الله دعني أقتله. فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً؟ ! ثم أقبل الأعرابي على رسول الله فأخرج الضب من كمه وقال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب وطرحه بين يدي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، يا ضب فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعاً لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال من تعبد؟ قال الذي في السماء عرضه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه قال فمن أنا؟ قال رسول رب العالمين وخاتم النبيئين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك. فأسلم الإعرابي. وفي آخر الحديث فقد آمن بك شعري وبشر وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي وقد طعن في هذا الحديث بالضعف وقد رواه الأئمة الكبار. وأما تسبيح الطعام والحصى ففي البخاري عن ابن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل .. وفي الترمذي عنه كنا نأكل مع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وفي ابن عساكر عن أنس أخذ النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كفاً من حصى فسبحن في يد رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن. وفي البزار والطبراني والبيهقي عن أبي ذر أنهن سبحن في كف عثمان انظر الشفا وشرح القاري عليه وأما طاعة الداجن له فعن عائشة قالت كان عندنا داجن فإذا كان عندنا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قر وثبت مكانه فلم يجئ ولم يذهب وإذا خرج رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، جاء
стр. 829
وذهب وأما سجود الجمل له فعن أنس قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه أي يسقون وأنه استصعب عليهم ومنعهم ظهره وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا غنه كان لنا جمل نسني عليه وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش النخل والزرع فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأصحابه قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحية فمشى، صلى الله تعالى عليه وسلم، نحوه فقالت الأنصار يا رسول الله قد صار مثل الكلب، الكلاب وإنا نخاف عليك صولته فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أقبل نحوه حتى خر ساجداً بين يديه فأخذ، صلى الله تعالى عليه وسلم، بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نفعل، فنحن أحق بالسجود لك فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يصح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها انتهى. ونسني بالنون أن نسقي والكلب الحيوان المعروف والكلب بفتح فكسر صفة له، أي الذي أصابه كالجنون من أكل لحم الإنسان ونحوه وخر ساجداً أي واضعاً مشفره بالأرض باركاً والحائط لحم الإنسان ونحوه وخر ساجداً أي واضعاً مشفره بالأرض باركاً والحائط البستان وفي حديث يعلي بن مرة الثقفي بينا نحن نسير مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ مررنا ببعير يسنى عليه أي يسقى عليه فلما رآه البعير جرجر فوضع جيرانه بالأرض وجرجر بجيمين وراءين صوت كثيراً بشدة وردد ذلك لكن بالصوت المعتاد للإبل على المتبادر وفهم ﵇ من جرجرته شكواه كما قاله في آخر الحديث فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه. والجران بكسر الجيم فراء مهملة فألف فنون مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، انظر المواهب وشرحها. وفي الشفا في حديث الجمل كان لا يدخل أحد الحائط إلا شد عليه الجمل فلما دخل عليه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، دعاه فوضع مشفره على الأرض وبرك بين يديه فخطمه وقال ما بين السماء
стр. 830
والأرض شيء إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس أي إلا كافر الثقلين، ومشفره بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء فراء أي شفته وبرك بتخفيف الراء أي ناخ، وفي رواية أنه ﵇ قال لهم إنه شكا إلى أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره. فقالوا نعم. قال بئس الجزاء. وروى أحمد والبزار بسند صحيح عن أنس دخل النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، حائط أنصاري وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار وفي الحائط غنم فسجدت له فقال أبو نكر نحن أحق بالسجود لك منها! قوله فسجدت له الظاهر أن سجودها كان بوضع الجبهة بعد القيام قاله شارحه ابن سرطان. وفي الزرقاني عن البيهقي عن جابر في قصة الجمل أنه ﵇ قال فما شأنه؟ قالوا سنونا عليه عشرين سنة فلما كبر سنة أردنا نحره فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، تبيعونه؟ قالوا هو لك يا رسول الله. فقال أحسنوا عليه حتى يأتي أجله انتهى.
(وقبضة التمر التي قد أطع ما ... منها جميع الجيش وهي نحو ما كنت بل أربى منه .. )
القبضة بالضم وتفتح ملؤ الكف بمعنى مقبوضة قال ابن سلطان مأخوذة من القبض وهو الأخذ بجميع الكف وفي القاموس القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء انتهى. وقوله قبضة مبتدأ خبره محذوف أي ومن معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، ملئ كف من التمر أطعم به جيشاً كله حتى شبعوا وبقي نحو ما كان قبل أكلهم بل أربى أي أزيد وأكثر مما كان. فقوله نحو بالرفع خبر قوله وهي بسكون الهاء أي قدر ما كانت وأشار بهذا إلى ما في الشفا عن أبي هريرة قال أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، هل من شيء؟ قلت نعم؛ شيء من التمر في المزود. قال فأتيني به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة ثم قال ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا وقال خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه فقبضت على أكثر مما جئت به
стр. 831
(الحديث). وتأتي بقيته بعد قوله (بل قد أنفقا من ذلك التمر ابن صخرا وسقا ولم يزل لديه) أي لدى أبي هريرة يأكل منه. ويطعم حياة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وحياة أبي بكر وعمر وعثمان إلى أين قتل عثمان عامر خمس وثلاثين فاستلب منه كما أشار له بقوله (حتى انتهبا) بالبناء للمجهول أي سلب منه. (مقتل) مصدر نائب عن ظرف الزمان أي وقت مقتل (ذي النورين) وهو عثمان بن عفان لقلب بذلك لتزويجه بنتي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما مر مع زيادة (فيما انتهبا) من الأموال وتمام القصة وقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان إلى أن قتل عثمان فانتهب مني. فذهب. وفي رواية لقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله . وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وأن التمر كان بضع عشرة تمرة انتهى كلام الشفا.
وقوله في أوله: هل من شيء؟ أي هل عندك من شيء؟ والتنكر للتقليل وقوله قلت نعم شيء. أي عندي شيء يسير. والمزود بكسر الميم وفتح الواو، وعاء من جلد يجعل فيه الزاد وقوله خذ ما جئت به أي مع الزيادة الحاصلة من البركة، وقوله وأدخل يدك اي فيه ولا تكبه بفتح التاء وضم الكاف وتشديد الموحدة المفتحة وقد تضم، أي لا تقلبه، وقوله وأطعمت أي غيري وانتهب بصغة المجهول أي سلب، وقوله فذهب أي استمر غائباً عني قاله العلامة ابن سلطان. وقول الناظم ابن سخر: فاعل انفق ومفعوله أوسقا جمع وسق والوسق ستون صاعاً والصاع أربعة أمداد بمده ﵇ وابن صخر هو أبو هريرة واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي المشهور أحد المكثرين أسلم أيام خيبر ومات في آخر خلافة معاوية.
(وكم من القليل قد أكسرتا)
الخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكم تكثيرية مفعول أكثرت أي ومن معجزاتك يا رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم تكثيرك
стр. 832
القليل وقد وقع ذلك منه ﵇ كثيراً بحيث لا يحصر وللجزائري بعد ذكر شيء من المعجزات:
(أما القليل وتكثير له مدد ... حدث ولا حرج عن خيرة الرسل)
ومن ذلك حديث أبي هريرة في البخاري حين أصابه الجوع فاستتبعه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أي أمره أن يتبعه فوجد لبناً أي قليلاً وأمره أن يدعو أهل الصفة قال فقلت أي في نفسي ما هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها، فدعوتهم وذكرت أمر النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، له أن يسبقهم فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروي ثم يأخذه الآخر فيشرب حتى يروى وهكذا حتى روى جميعهم، قال فأخذ النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، القدح وقال بقيت أنا وأنت أقعد فاشرب. فشربت ثم قال اشرب فما زال يقولها حتى قلت لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً فأخذ القدح وحمد الله وسمى وشرب الفضلة. ومن ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري النجاري العقبي البدري واسمه خالد بن زيد أنه صنع لرسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأبي بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما بضم الزاي أي مقدار ما يشبعهما فقال له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ادع ثلاثين من أشراف الأنصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ادع ستين فكان مثل ذلك، ثم قال ادع سبعين فأكلوا حتى تركوه وما خرج أحد منهم حتى أسلم وبايع. وقال أبو أيوب فأكل من الطعام مائة وثمانون رجلاً قال في الشفا قال ابن سلطان وكان عشرين أكلوا بعد المائة والستين ومن ذلك حديث سمرة بن جندب أتى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوماً ويقعد آخرون ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر كنا عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثلاثين ومائة وصنعت شاة، فشوى سواد بطنها قال وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة بفتح الحاء وتضم أي قطع له قطعة من سواد بطنها وسواد بطنها هو الكبد خاصة. وقيل القلب، انظر ابن سلطان. ومن ذلك حديث أبي هريرة أنه أصاب الناس في غزوة
стр. 833
تبوك مجاعة فقال عمر يا رسول الله أرى أن تأمر الناس أن يأتوا بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة قال نعم فدعا بنطع فبسط ثم دعا بفضل أزوداهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع شيء يسير قال سلمة بن الأكوع فخزرته بكريضة العنز فدعا، صلى الله تعالى عليه وسلم، عليه بالبركة ثم قال خذوا أوعيتكم قال فأكلوا حتى شبعوا ولم يبق في الجيش وعاء إلا ملئوه حتى أن الرجل ليعقد قميصه فيأخذ فيه وبقي منه فضحك، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى بدت نواجذه وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد بها غير شاك فيحجز عن الجنة. قوله نطع بكسر النون وفتح الطاء على أفصح لغاته وفتح النون والطاء وفتح النون وكسرها مع إسكان الطاء ما يتخذ من الأدم ويحجز بالنصب أي يمنع قاله الزرقاني وروى أبي عاصم وابن أبي خيثمة عن أم مالك الأنصارية أنها جاءت بعكة سمن إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بلالاً فعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة فجاءت فقالت أنزل في شيء؟ قال وما ذاك؟ قالت رددت علي هديتي. فدعا بلالاً فسأله فقال والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت فقال هنيئاً لك هذه بركة يا أم مالك، ووقع لأم سليم شبيه بهذه أخرج الطبراني عنها: كانت لي شاة فجعلت من سمنها في عكة فبعثت بها مع زينب إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال أفرغوا لها عكتها ففرغت وجاءت بها فجاءت أم سليم فرأت العكة مملوءة تقطر سمناً فقالت يا زينب ألست أمرتك أن تبلغي هذه العكة لرسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يأتدم بها قالت قد فعلت فإن لم تصدقيني فتعالي معي فذهبت معها إليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبرته فقال قد جاءت بها. فقلت والذي بعثك بالهدى إنها ممتلئة سمناً فقال أتعجبين إن الله أطعمك. نقله الزرقاني. ومن ذلك ما رواه أحمد والبيهقي بسند جيد عن علي قال جمع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بني عبد المطلب وكانوا أربعين منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق وصنع لهم مداً
стр. 834
من الطعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا وبقي كأنه لم يشرب منه. قاله في الشفا. والجذعة الشاة الداخلة في السنة الثانية وقيل المراد بها هنا الإبل كما ورد مفسراً في بعض الأحاديث والفرق بفتح الفاء والراء وتسكن مكيال يسع ثلاثة آصع بكيل الحجاز وقيل يسع اثني عشر صاعاً بصاع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، والعس بضم العين وشد الشين المهملتين قدح من خشب يروي الثلاثة والأربعة من لبن ورووا بضم الواو. قاله ابن سلطان ومن ذلك ما روي أنه في غزوة الخندق أشبع ألفاً من صاع شعير أو دون صاع وشاة صغيرة فانصرفوا وبقي بعد انصرافهم أكثر مما كان. قال العراقي:
(وأطعم الألف زمان الخندق ... من دون صاع وبهيمة بقي)
(بعد انصرافهم عن الطعام ... أكثر مما كان من طعام)
والبهيمة تصغير بهمة بالفتح ولد الضأن الذكر والأنثى. وأطعم أيضاً جيش الخندق بتمر قليل جداً أتت به جارية صغيرة السن بنت بشر بن سعد، كما رواه أبو نعيم في الدلائل وأشار له العراقي بقوله:
(كذا قد أطعمهم بتمر ... أتت به جارية في صغر)
أي صغيرة السن. وضمير أطعمهم عائد على أهل الخندق انظر المنازي. وللعراقي أيضاً:
(كذاك أقراص شعير جعلت ... من تحت إبط أنس فأكلت)
(جماعة منها ثمانون وهم ... قد شبعوا وهو كما أتى لهم)
يعني أنه بقي بعد شبعهم كأنه لم يسمه أحد والأقراص المذكورة لفتها أم سليم في خمار لها وأرسلت بها ابنها أنساً.
(وكم من الأموات قد أحييتا)
كم للتكثير مفعول أحييت والخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن ذلك ما روي عن الحسن البصري أن رجلاً أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو وامرأته فذكر الرجل أنه طرح بنية له في وادي كذا فانطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها يا فلانة أجيبي بإذن الله تعالى
стр. 835
فخرجت وهي تقول لبيك وسعديك. فقال لها إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما فقالت لا حاجة لي بهما وجدت الله خيراً لي منهما . وأخرج أبو نعيم أن جابراً ذبح شاة وطبخها وثرد في جفنته وأتى بها رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأكل القوم وكان ﵇ يقول كلوا ولا تكسروا عظمها ثم إنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا الشاة قامت تنفض ذنبها. وفي الشفا عن أنس أن شاباً من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء فسجيناه وعزيناها فقالت مات ابني؟ قلنا نعم. فقالت اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملني هذه المصيبة برحنا حتى كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا بكسر العين أي فعاش مدة فأكل وأكلنا معه وفيه إشارة إلى أن الكرامات نوع من المعجزات، قاله ابن سلطان وفي شرح المواهب للزرقاني أنه عاش إلى وفاة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وروي أنه بقي بعده وهلكت أمه في حياته. قال الزرقاني ووجه ذكره في المعجزات أنه أحي بالدعاء باسمه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وحضوره ومن ذلك ما أورده السهيلي والخطيب وغيرهما أن أبويه ﵇ أحييا له فآمنا به كما مرّ وروي عن سعيد بن المسيب أن رجلاً من الأنصار توفي فلما كفن وأتاه القوم يحملونه تكلم فقال محمد رسول الله وعن النعمان بن بشير كان زيد بن خارجة بن زيد بن سراوة الأنصاري فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة إذ خر فتوفي فاحتملوه إلى بيته وسجوه حتى إذا كان بين المغرب والعشاء سمعوا صوت قائل يقول أنصتوا أنصتوا، فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب، فحسروا عن وجهه فإذا القائل يقول على لسانه: محمد رسول الله النبي الأمي خاتم النبيئين لا نبي بعده كان ذلك في الكتب الأول، ثم قال صدق، ثم قال هذا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته. وزيد هذا شهد بدراً وابو خارجة قتل هو وابنه سعيد بن خارجة بأحد.
стр. 836
(وكم من الأشجار إذ دعوتا ... أتت مطيعة لما أمرتا)
كم مبتدأ وخبره أتت، ومطيعة منصوب على الحال في فاعل أتت، وما مصدرية أي مطيعة، لأمرك ويصح أنها موصول اسمي، أي للذي أمرتها به، ومعنى البيت أن كثيراً من الأشجار جاءت مطيعة ومنقادة لأمره ﵇ حين دعاها. فمن ذلك ما في مسلم عن جابر أنه ذهب، صلى الله تعالى عليه وسلم، يقضي حاجته، فلم ير شيئاً يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق، صلى الله تعالى عليه وسلم، إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله تعالى، فانقادت معه كالبعير المخشوش يصانع قائده وذكر أنه فعل بالأخرى كذلك، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال التئما علي بإذن الله فالتأمتا. وفي رواية قال يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى يجلس خلفكما رسول الله فرجعت حتى لحقت بصاحبتها وجلس خلفهما، فخرجت أحضر وجلست أحدث نفسي فالتفت فإذا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، مقبلاً والشجرتان قد افترقتا نقله في السفا، وقوله المخشوش بخاء وشينين معجمات أي الذي جعل في أنفه خشاش وهو بالكسر عود يربط عليه حبل ويجعل في أنفه لينقاد بسهولة وإن كان من شعر فهو خزامة وإن كان من صفر أو حديد فهو برة بضم الموحدة وتخفيف راء ويصانع يلاينه وينقاد له، والمنصف بفتح الميم وسكون الميم وفتح الصاد وتكسير الوسط والالتئام الاجتماع، والحقي بفتح الحاء وزحفت بفتح الزاء والحاء والفاء انتقلت من محلها وفي رواية فرجعت أي عن حالتها، وأحضر بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر المعجمة أي أعد أو اجر وإنما فعل ذلك ليلاً يحس ﵇ بأنه قريب منه فيتأذى بقربه. وقوله أحدث نفسي أي بهذا الأمر الغريب قاله ابن سلطان ومن ذلك حديث يعلى بن سيابة وهي أنه وأبوه مرة بن وهب الثقفي قال كنت مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في مسير فأمر وديتين فانضمتا وفي رواية اشاء تين وسيابة بسين مهملة بعدها تحتية مخففة مفتوحتين فألف فموحدة
стр. 837
ووديتين بفتح الواو وكسر الدال المهملة وشد التحتية أي نخلتين صغيرتين وأشاءتين بفتح الهمزة وشين معجمة ممدودة بمعنى وديتين وضبط بكسر الهمزة سبق فلم قاله على القاري. وللعراقي:
(وجاء مرة قضاء الحاجة ... فلم يجد سترا سوى أشاءه)
(ومثلها لكن هما بعدتا ... أمر كلا منها فأتتا)
(تخد الأرض ذي وذي حتى قضى ... حاجته أمر كلاً فمضى)
وقوله بعدتا أي بعدت كل منهما عن صاحبتها وتخد بضم الخاء المعجمة وشد الدال المهملة أي تشق وقوله أمر كلاً منهما روى أحمد والطبراني والحاكم عن يعلى بن مرة أنه ﵇ قال له اذهب إلى تلك الشجرتين فقل لهما رسول الله يأمركما أن تجتمعا فذهبت، فقلت لهما فاجتمعا فقضى حاجته، ثم رجع فقال اذهب فقل لهما افترقا، فقلت، فتفرقتا. وفي رواية فرجعت كل واحدة إلى مكانها.
وروي أن أعرابياً قال له بم أعرف أنك رسول الله؟ قال بأن تدعو هذا العرق من هذه النخلة يشهد بأني رسول الله. فدعاه فسقط إليه وشهد ثم قال ارجع فعاد فأسلم الأعرابي. انتهى من المناوي.
وفي الشفا عن يعلى أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به أي دارت حوله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم رجعت إلى منبتها فقال ﷺ إنها استأذنت أي ربها أن تسلم علي أي فأذن لها فجاءت وسلمت. انتهى. وهذا كثير.
(والجذع قد حن حنين الثكلى ... إليك حتى نال منك وصلا)
الجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة ساق النخلة والحنين بفتح المهملة ونونين بينهما تحتية ساكنة صوت كالأنين يكون عند الشوق لمن يهواه إذا فارقه وتوصف به الإبل كثيراً والثكلى بفتح المثلثة وسكون الكاف فاقدة الولد والمراد بحنين الجذع شوقه وانعطافه إليه ﷺ لأن الحنين شوق المرأة إلى ولدها فشبه شوق الجذع بشوق المرأة على ما يفهم من قصر المصباح الحنين على ذلك، لكن في الجوهري
стр. 838
الحنين الشوق وتوقان النفس وفي القاموس الحنين الشوق وشدة البكاء وانتهى. والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت فالمراد من الحنين الصوت الدال على شوقه انظر المواهب وشرحها. ومعنى البيت: ومن معجزاتك يا رسول الله اشتياق الجذع الذي هو جمادا إليك لما فارقته فلم يزل يحن إليك إلى أن نال منك وصلا أي مواصلة يعني بذلك ما روي أنه ﵇ التزامه وضمه إليه كما يأتي. (لو لم ينزله) أي لو لم ينل الجذع الوصل منك يا رسول الله (لم يزل) إلى يوم القيامة (كئيبا) أي حزيناً باكياً عليك يا رسول الله (ما لاح) أي ظهر، (سنى) أي ضوءاً أي ما ظهرت الشمس وما مصدرية ظرفية أي مدة دوام ذلك، وقوله (غريبا) أي بمنزلة الغريب وهو البعيد عن الأهل والوطن وأشار بهذا إلى ما روي أنه ﵇ قال والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل يصوت هكذا إلى يوم القيامة تحزناً على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال في المواهب قال العلامة التاج بن السبكي الصحيح أن حنين الجذع متواتر انتهى. وسبقه إلى ذلك القاضي عياض فقال في الشفا الخبر به متواتر ففي حديث أبي بن كعب كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي مستنداً إلى جذع إذ كان المسجد عريشاً اي مسقفاً بالجريد وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه وهو تميم الداري كما في أبي داوود هل لك أن تجعل منبراً تقوم عليه ويسمع الناس خطبتك؟ قال نعم. فلما صنع له المنبر من أثل الغابة كما في الصحيح وضعه ﷺ موضعه الذي هو فيه فكان إذا بدا له صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخطب تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه خار حتى تصدع وانشق. وفي رواية أنس فلما قعد على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره أي ارتعد واضطرب بأهله. وفي رواية جابر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار وفي رواية سهل بن سعد الساعدي وكثر بكاء الناس لما رأوا به أي من الحنين. وفي رواية حتى جاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فوضع يده عليه اي تسلية له فسكت. وفي رواية عن أنس والذي نفسي
стр. 839
بيده لو لم ألتزمه أي أعتنقه لم يزل هكذا أي باكياً إلى يوم القيامة تحزناً على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أي إظهاراً للحزن الزائد على الصبر على فراقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر به، صلى الله تعالى عليه وسلم، فدفن تحت المنبر وفي طريق فدفنت فأراد الخشبة، وما أحسن قول بعض أرباب الحال:
(الصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم)
وفي رواية أنه ﵇ دعاه فجاء يخرق الأرض بضم الراء وكسرها أي يشقها فالتزمه أي اعتقنه توديعاً ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفي حديث بريدة أنه ﵇ قال له إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه ينبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك خوصك وثمرك، والخوص بضم الخاء ورق النخل وإن شئت أغرسك بكسر الراء في الجنة فيأكل أولياء الله تعالى من ثمرك. ثم أصغى له النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، يستمع ما يقول، فقال بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله تعالى وأكون في مكان لا أبلى فيه بفتح الهمزة واللام أي لا افنى فسمعه أي كلام الجذع من يليه اي من يقرب من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، قيل وممن سمعه ابن عمر قال غاب الجذع فلم ير بعد ذلك. فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد فعلت. اختار دار البقاء على دار الفناء. فكان الحسن البصري إذا حدث بهذا بكا وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، شوقاً إليه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه انتهى من الشفا وشرحه.
قال القاري وما أحسن قول من قال:
(وألقي حتى في الجمادات حبه ... فكانت لإهداء السلام له تهدى)
(وفارق جذعاً كان يخطب عنده ... فأن أنين الأم إذ تجد الفقدا)
(يحن إليه الجذع يا قوم هكذا ... أما نحن أولى أن نحن له وجدا)
(إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة ... فليس وفاء أن نطيق له بعدا)
انتهى منه.
стр. 840
قال الهيثمي بعد الكلام على قصة الجذع وذلك يدل على أن الله خلق فيه الحياة والشوق لأن مذهب الأشعري أن الإدراك شرطه الحياة ولذا عامله النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، معاملة الحي بالتزامه كما يلتزم الغائب أهله انتهى.
وقال القاضي عياض اختلف أئمة النظر في هذا الباب فمن قائل يقول هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة الميتة أو الحجر أو الشجر وحروف وأصوات يحدثها الله تعالى فيها دون تغيير أشكالها عن هيآتها وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي أب بكر؛ وذهب آخرون إلى إيجاد الحياة أولاً ثم الكلام بعدها وحكى هذا عن شيخنا أبي الحسن وكل محتمل والله تعالى أعلم.
إذا لم نجعل الحياة شرطاً لوجود الحروف والأصوات إذ لا يستحيل وجودها بمجردها مع عدم الحياة، أما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي فلابد من شروط الحياة إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حي وأحال الجبائي من بين سائر الفرق وجود الحروف والأصوات إلا من حي والتزم ذلك في الحصى والذراع والجذع انتهى.
وفي المواهب والحنين صوت المتألم المشتاق عند الفراق وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة وهذا يدل على أن الله خلق فيه الحياة والعقل والشوق ولهذا حنّ وأنّ، فإن قلت مذهب الشيخ الأشعري أن الأصوات لا يستلم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل أجيب بأنه كذلك إلا أن الشوق إنما يكون شوقاً معنوياً عقلياً ومذهب الشيخ أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. ولله در القائل:
(وحن إليه الجذع شوقاً ورقة ... ورجع صوتاً كالعشار مرددا)
(فبادره ضماً فقر لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعودا)
ومردداً بفتح الدال صفة صوتاً وبكسرها حال من فاعل رجع، وقر سكن وقوله لكل امرئ الخ. يعني أنه أمر مطرد في كل من اعتاد أمراً وانقطع
стр. 841
عنه فإنه يتألم لفراقه تألم من فارقته أحبته، فلما ضمه سكن وفرح كمقيم ورد عليه أحبته المسافرون سفراً طويلاً قاله الزرقاني. والعشار جمع عشراء وفي القاموس أنها من النوق التي مضى من حملها عشرة أشهر أو ثمانية وهي كالنفساء من النساء انتهى.
فائدة:
أشبه الأقوال بالصواب أن صانع المنبر النبوي اسمه ميمون، وهو مولى امرأة من الأنصار كما في الصحيح وقيل مولى سعد بن عبادة فكأنه في الأصل مولى امرأته ونسب إليه مجازاً، أو اسمها فتيهة أسلمت وبايعت. وأما أن صانعه تميم الداري أو بأقول باللام آخره أو الميم الرومي أو صباح بفتح المهملة وخفة الموحدة أو قبيصة أو مينا بكسر الميم أو صالح مولى العباس أو إبراهيم أو كلاب مولى العباس فلا اعتداد بها لوهائها كما بسطه في فتح الباري قاله الزرقاني.
(وكم عمى وعمه اذهبتا ... عن أعين وعن قلوب حتى)
(أدركت الأبصار والبصائر ... ما لم تكن تكنه الضمائر)
العمى ذهاب البصر كله والعمه بالتحريك التردد في الضلال والبصائر جمع بصيرة وهي نور القلب والضمائر والقلب والضمير في الأصل داخل الخاطر وكم للتكثير مفعول أذهبت والخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، والأعين جمع عين وهي الباصرة والمعنى وأذهبت يا رسول الله العمى عن الأعين والتردد في الضلال عن القلوب إذهاباً كثيرا حتى أدركت الأبصار أي العيون التي كانت متصفة بالعمى من المحسوسات ما لم تكن تظن أهل العقول أنها تدركه، وأدركت أهل البصائر من العلوم والمعارف بعد أن كانت متصفة بالضلال ما لم يكن يخطر في البال أنها تدركه وهذا كله ببركتك يا رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم.
(والمرء في ميزانه اتباعه ... فاقدر إذا قدر النبي محمد)
стр. 842
روي النسائي عن عثمان بن حنيف قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال انطلق وتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في.
قال فرجع وقد كشف الله عن بصره، قاله في الشفا والنسائي بالقصر ويمد، وحنيف بالتصغير وعثمان هذا شهد أحداً وما بعده وهو أخو سهل وعبادة وهذا الحديث رواه الترمذي وصححه والبيهقي والحاكم وصححاه وابن ماجة قاله على القاري وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك ويقال فريك أن اباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئاً فنفث رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين قاله في الشفا. وحبيب بفتح المهملة وروي بضم المعجمة مصغراً وفديك بالدال المهملة والتصغير كما رواه البيهقي والطبراني وبالثاني وهو الراء المهملة رواه ابن أبي شيبة وروي أنه ﵇ سأله عما أصابه قال كنت أقود جملاً فوقعت رجلي على بيض حية فعميت. وقوله يدخل الخيط الخ .. في رواية وإن عينيه لمبيضتان، قاله علي القاري، وفي الزرقاني أن فديكاً هذا من بني سلامان وقال بعد ذكر القولين المتقدمين فيه ما نصه وقيل فويك بالواو، قاله البغوي والأزدي وابن شاهين والمستغفري وابن عبد البر وغيرهم. وقال ابن فتحون رأيته في كتب ابن أبي حاتم وابن السكن بالواو وقال الزرقاني بعد قول المواهب وإن عينيه لمبيضتان وهذا أعظم في المعجزة، انتهى.
ويناسب هذا وإن لم يكن فيه إذهاب العمى ما روي أنه ﵇ قال في غزوة خيبر لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فتشوق الناس لذلك فسأل عن علي فقيل به رمد، فدعاه فجاء وإنسان يقوده لشدة الرمد ففتح عينيه وتفل فيهما وقال خد الراية وامض بها يفتح الله عليك فبرئتا لما خالطهما ريقه الشريف الذي هو الشفاء الأكبر، فذهب بتلك الراية ففتح الله على يديه
стр. 843
وكان يضرب بعينيه المثل من حدة الإبصار ويبصر كما يبصر العقاب وفي رواية البيهقي فما رمدتا حتى مضى، والطبراني عن علي فما رمدت ولا صدعت منذ دفع المصطفى إلى الراية يوم خيبر، وسقطت عين قتادة بن النعمان يوم أحد وقيل يوم بدر وقيل الخندق فردها المصطفى بيده فكانت أصح عينيه، فكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى وقيل أصيبت عيناه معاً فسقطتا على وجنتيه فأتى بهما النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قاله الدارقطني غريب تفرد به عمار بن نضر بن مالك وهو ثقة. وأما إذهابه العمه وهو الضلال فمن المعلوم أنه لم تصل نعمة من نعم الله تعالى إلى مخلوق من هداية وغيرها إلا وهو، صلى الله تعالى عليه وسلم، أصلها ومصدرها، ومادتها.
(ما أرسل أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل)
(في ملكوت الله أو ملكه ... من كل ما يختص أو يشمل)
(إلا وطه المصطفى عبده ... نبيه مختاره المرسل)
(واسطة فيها واصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل)
وكان ﵇ كثيراً ما يأتيه الكافر يريد قتله فإذا دنا منه أو مسه أذهب الله تعالى عنه ما كان في قلبه، وألقى الإيمان في قلبه ببركته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأمل ما وقع لفضالة بفتح الفاء بن عمير يوم الفتح حين هم أن يقتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال أفضالة؟ قال نعم يا رسول الله. قال ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء. كنت أذكر الله. فضحك ﵇ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده المباركة على صدره. فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله تعالى شيئاً أحب إلي منه، وقد مر هذا.
وتأمل ما وقع لأبي محذورة حين سمعه المصطفى يحكي الأذان متلاعباً به في فتية من قريش، فناداه، فلما قام بين يديه ﵇ ألقى الله
стр. 844
تعالى الإيمان في قلبه، فتشهد ورتبه للأذان وكان حسن الصوت جداً. ومثل هذا كثير.
(وكم من الأدواء قد أبرأتا ... في الحال بالراحة إذا لمستا)
الداء المرض جمعه أدواء وأبرأه شفاه والراحة الكف، ولمسه يلمسه ويلمسه مسه بيده قاله في القاموس، يعني وأبرأت يا رسول الله كثيراً من الأمراض حين مسسته بيدك المباركة وحصل برؤه في حال لمسك له أي في وقته فهو في المعنى مؤكد بقوله بعده إذ فمن ذلك حديث ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها به جنون فمسح النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي ذكره في الشفا وثع ثعة بمثلة وعين مهملة مشددة فيهما أي قاء مرة والجرو بتثليث الجيم ولد الكلب والسبوع وشفي بصيغة المجهول أي برئ من جنونه والحديث رواه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة قاله ابن سلطان.
ومن ذلك أن خبيب بن يساق بفتح الياء وفي نسخة بكسر الهمزة ويفتح أصيب يوم بدر بضربة على عاتقه حتى مال شقه فرده، صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفث عليه حتى صح فانطلق فقتل الذي ضربه وتزوج ابنته بعد ذلك، وكانت تقول لا عدمت رجلاً وشجك هذا الوشاج، فيقول لا عدمت رجلاً عجل أباك إلى النار وخبيب بضم المعجمة مصفراً وهو خزرجي شهد بدراً وما بعده انظر الشفا وشرح القاري له ومن ذلك أن معاذ بن عمرو بن الجموح جاءه ﵇ يحمل عاتقه يوم بدر فألصقه وبصق عليه فالتصق وتقدم ذلك مبسوطاً، ومن ذلك أن شرحبيل بضم أوله ويقال شراحيل الجعفي بضم الجيم كانت في كفه سلعة بكسر السين وتفتح وسكون اللام وهي زيادة تحدث بين الجلد واللحم كالغدة وكانت تمتعه القبض على السيف وعنان الدابة، شكاها للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فمازال يطحنها بيده حتى رفعه ولم يبق لها أثر. ويطحنها بفتح الحاء أي يعالجها ورفعها أزالها من كفه انظر
стр. 845
الشفا وشرحه.
ومن ذلك أن عبد الله بن عتيك الأنصاري لم قتل أبا رافع بن أبي الحقيق نزل من درج أبي رافع قال فانتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، وفي رواية فأخبر أصحابه بقتله فحملوه فلما وصل إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسح رجله قال ابن عتيك، فكأني لم أشكها.
ومن ذلك ما وقع لعتبة بضم المهملة وسكون الفوقية ابن مرقد السلمي فإنه أصابته الشرى فأقعده النبي ﵇ بين يديه قال فألقيت ثوبي على عورتي فنفث ﵇ في يديه ثم دلك بها الأخرى ثم أمرها على ظهري وبطني فبرئ وبقي بعد ذلك بعتبة طيب عجيب وكان له ثلاث نسوة وما منهن واحدة إلا تجتهد في التطيب لتكون أطيب ريحاً من صاحبتها، وكان عتبة أطيب منهن ريحاً مع أنه لا يمس طيباً ، والشرى بفتح الشين المعجمة بعدها راء مهملة مقصورة قروح صغار حمر، حكاكة، مكربة، كما في القاموس ذكر هذه القصة جسوس في أول شرح الشمائل.
(بل فار منها الماء لما ظمئوا ... حتى ارتوى الأصحاب بل توضؤوا)
فار الماء يفور نبع وجاش وظهر مرتفعاً، وبل هنا للانتقال دون إبطال ما قبلها وظمئ كفرح، ظمئاً وظمئاناً عطش أو أشد العطش، قاله في القاموس. وارتوى وروى بمعنى وضمير منها عائد على الراحة في البيت قبله يعني أن من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، نبع الماء من راحته الشريفة حين عطش أصحابه، فشربوا حتى رووا وتوضئوا ووقع ذلك منه مراراً.
وفي المواهب قال القرطبي قصة نبع الماء بين أصابعه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد تكررت منه في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي انتهى.
وقال في الشفا هذه القصة رواها الثقاة من العدد الكثير والجم الغفير
следующие страницы →