← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عنه فإنه يتألم لفراقه تألم من فارقته أحبته، فلما ضمه سكن وفرح كمقيم ورد عليه أحبته المسافرون سفراً طويلاً قاله الزرقاني. والعشار جمع عشراء وفي القاموس أنها من النوق التي مضى من حملها عشرة أشهر أو ثمانية وهي كالنفساء من النساء انتهى. فائدة: أشبه الأقوال بالصواب أن صانع المنبر النبوي اسمه ميمون، وهو مولى امرأة من الأنصار كما في الصحيح وقيل مولى سعد بن عبادة فكأنه في الأصل مولى امرأته ونسب إليه مجازاً، أو اسمها فتيهة أسلمت وبايعت. وأما أن صانعه تميم الداري أو بأقول باللام آخره أو الميم الرومي أو صباح بفتح المهملة وخفة الموحدة أو قبيصة أو مينا بكسر الميم أو صالح مولى العباس أو إبراهيم أو كلاب مولى العباس فلا اعتداد بها لوهائها كما بسطه في فتح الباري قاله الزرقاني. (وكم عمى وعمه اذهبتا ... عن أعين وعن قلوب حتى) (أدركت الأبصار والبصائر ... ما لم تكن تكنه الضمائر) العمى ذهاب البصر كله والعمه بالتحريك التردد في الضلال والبصائر جمع بصيرة وهي نور القلب والضمائر والقلب والضمير في الأصل داخل الخاطر وكم للتكثير مفعول أذهبت والخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، والأعين جمع عين وهي الباصرة والمعنى وأذهبت يا رسول الله العمى عن الأعين والتردد في الضلال عن القلوب إذهاباً كثيرا حتى أدركت الأبصار أي العيون التي كانت متصفة بالعمى من المحسوسات ما لم تكن تظن أهل العقول أنها تدركه، وأدركت أهل البصائر من العلوم والمعارف بعد أن كانت متصفة بالضلال ما لم يكن يخطر في البال أنها تدركه وهذا كله ببركتك يا رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم. (والمرء في ميزانه اتباعه ... فاقدر إذا قدر النبي محمد)

стр. 842

روي النسائي عن عثمان بن حنيف قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال انطلق وتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في. قال فرجع وقد كشف الله عن بصره، قاله في الشفا والنسائي بالقصر ويمد، وحنيف بالتصغير وعثمان هذا شهد أحداً وما بعده وهو أخو سهل وعبادة وهذا الحديث رواه الترمذي وصححه والبيهقي والحاكم وصححاه وابن ماجة قاله على القاري وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك ويقال فريك أن اباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئاً فنفث رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين قاله في الشفا. وحبيب بفتح المهملة وروي بضم المعجمة مصغراً وفديك بالدال المهملة والتصغير كما رواه البيهقي والطبراني وبالثاني وهو الراء المهملة رواه ابن أبي شيبة وروي أنه ﵇ سأله عما أصابه قال كنت أقود جملاً فوقعت رجلي على بيض حية فعميت. وقوله يدخل الخيط الخ .. في رواية وإن عينيه لمبيضتان، قاله علي القاري، وفي الزرقاني أن فديكاً هذا من بني سلامان وقال بعد ذكر القولين المتقدمين فيه ما نصه وقيل فويك بالواو، قاله البغوي والأزدي وابن شاهين والمستغفري وابن عبد البر وغيرهم. وقال ابن فتحون رأيته في كتب ابن أبي حاتم وابن السكن بالواو وقال الزرقاني بعد قول المواهب وإن عينيه لمبيضتان وهذا أعظم في المعجزة، انتهى. ويناسب هذا وإن لم يكن فيه إذهاب العمى ما روي أنه ﵇ قال في غزوة خيبر لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فتشوق الناس لذلك فسأل عن علي فقيل به رمد، فدعاه فجاء وإنسان يقوده لشدة الرمد ففتح عينيه وتفل فيهما وقال خد الراية وامض بها يفتح الله عليك فبرئتا لما خالطهما ريقه الشريف الذي هو الشفاء الأكبر، فذهب بتلك الراية ففتح الله على يديه

стр. 843

وكان يضرب بعينيه المثل من حدة الإبصار ويبصر كما يبصر العقاب وفي رواية البيهقي فما رمدتا حتى مضى، والطبراني عن علي فما رمدت ولا صدعت منذ دفع المصطفى إلى الراية يوم خيبر، وسقطت عين قتادة بن النعمان يوم أحد وقيل يوم بدر وقيل الخندق فردها المصطفى بيده فكانت أصح عينيه، فكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى وقيل أصيبت عيناه معاً فسقطتا على وجنتيه فأتى بهما النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قاله الدارقطني غريب تفرد به عمار بن نضر بن مالك وهو ثقة. وأما إذهابه العمه وهو الضلال فمن المعلوم أنه لم تصل نعمة من نعم الله تعالى إلى مخلوق من هداية وغيرها إلا وهو، صلى الله تعالى عليه وسلم، أصلها ومصدرها، ومادتها. (ما أرسل أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل) (في ملكوت الله أو ملكه ... من كل ما يختص أو يشمل) (إلا وطه المصطفى عبده ... نبيه مختاره المرسل) (واسطة فيها واصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل) وكان ﵇ كثيراً ما يأتيه الكافر يريد قتله فإذا دنا منه أو مسه أذهب الله تعالى عنه ما كان في قلبه، وألقى الإيمان في قلبه ببركته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأمل ما وقع لفضالة بفتح الفاء بن عمير يوم الفتح حين هم أن يقتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال أفضالة؟ قال نعم يا رسول الله. قال ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء. كنت أذكر الله. فضحك ﵇ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده المباركة على صدره. فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله تعالى شيئاً أحب إلي منه، وقد مر هذا. وتأمل ما وقع لأبي محذورة حين سمعه المصطفى يحكي الأذان متلاعباً به في فتية من قريش، فناداه، فلما قام بين يديه ﵇ ألقى الله

стр. 844

تعالى الإيمان في قلبه، فتشهد ورتبه للأذان وكان حسن الصوت جداً. ومثل هذا كثير. (وكم من الأدواء قد أبرأتا ... في الحال بالراحة إذا لمستا) الداء المرض جمعه أدواء وأبرأه شفاه والراحة الكف، ولمسه يلمسه ويلمسه مسه بيده قاله في القاموس، يعني وأبرأت يا رسول الله كثيراً من الأمراض حين مسسته بيدك المباركة وحصل برؤه في حال لمسك له أي في وقته فهو في المعنى مؤكد بقوله بعده إذ فمن ذلك حديث ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها به جنون فمسح النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي ذكره في الشفا وثع ثعة بمثلة وعين مهملة مشددة فيهما أي قاء مرة والجرو بتثليث الجيم ولد الكلب والسبوع وشفي بصيغة المجهول أي برئ من جنونه والحديث رواه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة قاله ابن سلطان. ومن ذلك أن خبيب بن يساق بفتح الياء وفي نسخة بكسر الهمزة ويفتح أصيب يوم بدر بضربة على عاتقه حتى مال شقه فرده، صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفث عليه حتى صح فانطلق فقتل الذي ضربه وتزوج ابنته بعد ذلك، وكانت تقول لا عدمت رجلاً وشجك هذا الوشاج، فيقول لا عدمت رجلاً عجل أباك إلى النار وخبيب بضم المعجمة مصفراً وهو خزرجي شهد بدراً وما بعده انظر الشفا وشرح القاري له ومن ذلك أن معاذ بن عمرو بن الجموح جاءه ﵇ يحمل عاتقه يوم بدر فألصقه وبصق عليه فالتصق وتقدم ذلك مبسوطاً، ومن ذلك أن شرحبيل بضم أوله ويقال شراحيل الجعفي بضم الجيم كانت في كفه سلعة بكسر السين وتفتح وسكون اللام وهي زيادة تحدث بين الجلد واللحم كالغدة وكانت تمتعه القبض على السيف وعنان الدابة، شكاها للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فمازال يطحنها بيده حتى رفعه ولم يبق لها أثر. ويطحنها بفتح الحاء أي يعالجها ورفعها أزالها من كفه انظر

стр. 845

الشفا وشرحه. ومن ذلك أن عبد الله بن عتيك الأنصاري لم قتل أبا رافع بن أبي الحقيق نزل من درج أبي رافع قال فانتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، وفي رواية فأخبر أصحابه بقتله فحملوه فلما وصل إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسح رجله قال ابن عتيك، فكأني لم أشكها. ومن ذلك ما وقع لعتبة بضم المهملة وسكون الفوقية ابن مرقد السلمي فإنه أصابته الشرى فأقعده النبي ﵇ بين يديه قال فألقيت ثوبي على عورتي فنفث ﵇ في يديه ثم دلك بها الأخرى ثم أمرها على ظهري وبطني فبرئ وبقي بعد ذلك بعتبة طيب عجيب وكان له ثلاث نسوة وما منهن واحدة إلا تجتهد في التطيب لتكون أطيب ريحاً من صاحبتها، وكان عتبة أطيب منهن ريحاً مع أنه لا يمس طيباً ، والشرى بفتح الشين المعجمة بعدها راء مهملة مقصورة قروح صغار حمر، حكاكة، مكربة، كما في القاموس ذكر هذه القصة جسوس في أول شرح الشمائل. (بل فار منها الماء لما ظمئوا ... حتى ارتوى الأصحاب بل توضؤوا) فار الماء يفور نبع وجاش وظهر مرتفعاً، وبل هنا للانتقال دون إبطال ما قبلها وظمئ كفرح، ظمئاً وظمئاناً عطش أو أشد العطش، قاله في القاموس. وارتوى وروى بمعنى وضمير منها عائد على الراحة في البيت قبله يعني أن من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، نبع الماء من راحته الشريفة حين عطش أصحابه، فشربوا حتى رووا وتوضئوا ووقع ذلك منه مراراً. وفي المواهب قال القرطبي قصة نبع الماء بين أصابعه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد تكررت منه في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي انتهى. وقال في الشفا هذه القصة رواها الثقاة من العدد الكثير والجم الغفير

стр. 846

عن الكافة متصلة بالصحابة انتهى المراد منه. وفي المواهب لم يسمع بهذه المعجزة عن غيرها نبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه قال الملزمي ونبع الماء من بين أصابعه أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا لأن خروج الماء من الحجارة معهود قال تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منها الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾. وقال الشاعر: إن كان موسى سقي الأسباط من حجر فإن في الكف معنى ليس في الحجر وفي الصحيحين عن أنس حانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بوضوء فوضع يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع أي بتثليث الموحدة من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. وفي لفظ للبخاري كانوا ثمانين رجلاً. وفي لفظ له فقلنا لأنس كم كنتم؟ قال كنا ثلاثمائة. قال النووي من هنا بمعنى إلى وهي لغة المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر. وقوله بوضوء بفتح الواو وروي المهلب أنه قدر وضوء رجل واحد وعن أنس كنت مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في غزوة تبوك فقال المسلمون يا رسول الله عطشت دوابنا وإبلنا فقال هل من فضلة ماء فجاء رجل بشيء من ماء في شن، فقال هاتوا صحفة فصب الماء ثم وضع راحته أي كفه مع أصابعه في الماء، قال أنس فرأيتها تتخلل عيوناً بين أصابعه فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا فقال أكفيتم قلنا نعم يا رسول الله فرفع يديه فارتفع الماء والشن بفتح المعجمة والنون الثقيلة القربة البالية وعيوناً تتميز محول عن الفاعل أي تتخلل عيونها أي تنفذ والضمير في رأيتها للصحفة انظر الزرقاني. وعن سالم بن أبي الجعدي عن جابر عطش الناس يوم الحديبية وكان بين يديه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه فقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك فوضع، صلى الله تعالى عليه وسلم، يده في الركوة فجعل الماء يفور من

стр. 847

بين أصابعه كأمثال العيون، فقلت كم كنتم؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسة عشرة مائة انتهى. وعطش كفرح والحديبية بالتخفيف، وتشديد بئر بين مكة وجدة والركوة بتثليث الراء إناء من جلد يتوضأ فيه نحو الإبريق ذكره الدلجي وهو غير ملائم لوضع اليد فيه اللهم إلا أن يقال المراد به وضع اليد على فيه عند خروج الماء وفي التلمساني أنها للماء من الأدم كالتور يتوضأ منه انظر ابن سلطان، ومن ذلك حديث ابن مسعود كنا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في سفر وقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال غير واحد والحكمة في طلبه، صلى الله تعالى عليه وسلم، فضلة الماء في هذه المواطن ليلاً يظن أنه الموجد للماء، ففعل ذلك، ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدباً مع الله تعالى إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات على غير مثال سبق. فائدتان: - الأولى: اختلف في كيفية نبع الماء المذكور فذهب أكثر العلماء إلى أنه يخرج من ذات أصابعه ﵇، قال القسطلاني وهذا هو الصحيح، وذهب بعضهم إلى أن الماء كثر في ذاته فسار يفور أي ظهر مرتفعاً من بين أصابعه. - الثانية هذا الماء أشرف من جميع المياه كما قاله البلقيني وغيره. قال السيوطي: (وأفضل المياه ماء قد نبع ... بين أصابع النبي المتبع) (يليه ماء زمزم فالكوثر ... فنيل مصر ثم باقي الأنهر) انظر الزرقاني: (ومطروا سبتاً إذا استسقينا ... بها وأقلعت إذا استصحينا)

стр. 848

قوله مطروا بصيغة المجهول أي أرسل الله تعالى عليهم المطر، وهو ثلاثي وهو بمعنى الرباعي. وقال بعضهم الثلاثي في الرحمة والرباعي في الرحمة، وسبتاً بفتح المهملة وسكون الموحدة أي أسبوعاً، وإذا بالكسر لالتقاء الساكنين ظرف زمان للمضي في الموضعين والاستسقاء طلب السقي والضمير في قوله بها للراحة، ويعني بالاستسقاء بها رفعه ﵇ لها في الاستسقاء كما يأتي. وأقلعت كفت مبني للفاعل وفاعله يعود على السحاب المفهوم من السياق، والاستصحاء طلب الصحو وهو هنا انكشاف السحاب، ومعنى البيت أن من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، أن الناس لما قحطوا جاءه رجل فسأله السقي، وكان يخطب يوم الجمعة، رفع ﵇ يديه وقال ﴿اللهم اسقنا﴾ ثلاثاً، وفي رواية اللهم أغثنا وما في السماء قزعة إذ ذاك، فأرسل الله عليهم المطر من الجمعة إلى الجمعة فلم يروا الشمس سبتاً أي أسبوعاً، فلما كانت الجمعة الثانية جاءه ذلك الرجل أو غيره فسأله أن يدعو الله أن يكشفها عنهم فدعا فانكشفت عن المدينة وخرجوا يمشون في الشمس والحديث في الموطأ والبخاري وغيرهما. ففي البخاري عن أنس أن رجلاً دخل المدينة يوم الجمعة ورسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قائم يخطب ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يديه ثم قال اللهم أغثنا ثلاثاً. قال أنس فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ولما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة يعني الثانية ورسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال فرفع، صلى الله تعالى عليه وسلم، يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام

стр. 849

والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك سألت أنس بن مالك أهو الأول فقال ما أدري. قوله هلكت الأموال أي المواشي وانقطعت السبل أي الطرق، فلم تسلكها الإبل لهلاكها أو ضعفها من ثلة الكلإ أو بعدم الأقوات فلم يوجد ما يحمل عليها، ويغيثنا بضم أولها من أغاث أي أجاب وبفتحه من غاث أي انزل المطر، والسحاب المزن المجتمع، والقزعة بالتحريك وتسكن القطعة الرقيقة من السحاب، كأنها ظل إذا مرت تحت السحاب الكثير، وخصها بعضهم بزمن الخريف، وقوله من ورائه أي سلع، والترس الدرقة وسبتا بفتح السين المهملة وسكون الموحدة أي أسبوعا وفي رواية ستاً أي ستة أيام ولا تنافي بينهما فمن قال ستاً ألغى الكسر ومن قال سبتاً أضاف إلى الستة يوماً ملفقاً من الجمعتين. ولأبي ذر عن الكشميهيني سبعاً بالعين بعد الموحدة وقوله هلكت الأموال أي بسبب غير الأول وهو كثرة الماء المانعة لها من الرعي وانقطاع السبل لتعذر سلوكها من كثرة المطر وقوله يمسكها أي السحابة بالجزم جواب الأمر وحوالينا أي أنزله حولنا ولا تنزله علينا حيث نستضر به ولم يطلب رفعه بالكلية لأنه رحمة، وهذا من حسن الأدب في الدعاء، والإكام بكسر الهمزة وبفتحها مع المد جمع أكمة بالتحريك وهي ما دون الجبل وأعلى من الرابية، والظراب ككتاب جمع ظرب ككتف جبل منبسط بالأرض، أو الروابي الصغار دون الجبال، وبطون الأودية المواضع التي يستقر بها الماء ويبقى ومنابت الشجر أي المواضع التي ينبت بها الشجر، وأقلعت بفتح الهمزة أي كفت، السحابة الماطرة عن المدينة انتهى من النهر الجاري في شرح البخاري للوالد حفظ الله تعالى. (ومن عليه أوله دعوتا ... أصاب في الحالين ما سألتا) يعني أن من معجزاتك يا رسول الله أن كل من دعوت له بخير أو كل من دعوت له بشر أصاب ما سألت له من خير أو شر، لإجابة دعائك. والحال تقال للوصف وللزمن وتصح هنا إرادة كل منهما، أي نال ذلك في وقت دعائك له أو عليه، وتكون في ظرفية أو ناله كان على أي صفة من

стр. 850

كونه محبوباً مدعواً له أو مبغضاً مدعواً عليه والعياذ بالله تعالى، وتكون في للمصاحبة والأول أظهر والله تعالى أعلم قاله القاضي عياض في الشفا. وهذا باب واسع جداً وإجابة دعوته، صلى الله تعالى عليه وسلم، لجماعة بما دعا لهم أو عليهم أمر متواتر في الجملة معلوم ضرورة. وقوله في الجملة أي لا على التفصيل وفي البخاري أنه دعا لأنس بن مالك فقال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة. وفي رواية للصحيحين يدون النساء، وفي رواية وما أعلم أحداً أصاب اليوم من رخاء العيش ما أصبت. ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي، لا أقول سقطاً، ولا ولد ولد، قوله يعادون بضم الياء وشد الدال أي يعد بعضهم بعضاً ويزيدون. وفي رواية عنه دفن لصلبي مقدم الحاج البصرة عشرون ومائة، قيل وكان مقدمه سنة خمس وتسعين واستدل بعضهم بدعائه ﵇ لأنس علي تفضيل الغني على الفقر وأجيب بأنه مختص بدعائه ﵇ وبأنه قد بارك فيه فلم يكن فيه فتنة ولم يحصل بسببه مضرة انتهى من ابن سلطان. ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة ففتح الله عليه ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدي بفتح الجيم وتكسر أي تقطعت وأخذت كل زوجة من زوجاته ثمانين ألفاً وكن أربعاً، وقيل مائة ألف، وقيل بل صولحت إحداهن لأن طلقها في مرضه بنيف، بشد التحتية وسكونها وثمانين ألفاً وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله وأوصى بألف فرس في سبيل الله، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديثة بيعت بأربعمائة ألف، وأوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأخذوها وهذا مع صدقاته الفاشية في حياته: اعتق يوماً ثلاثين عبداً وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير تحمل من كل شيء وتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها، وتصدق مرة بشطر ماله أربعة آلاف ثم

стр. 851

بأربعين ألفاً، ثم تصدق بخمس مائة فرس في سبيل الله، ثم بخمس مائة راحلة، وحث ﵊ يوماً على الصدقة فجاءه بأربعة آلاف درهم، وقال يا رسول الله كان لي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة، فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، انتهى ملخصاً من الشفا وشرح القاري له. ودعا لمعاوية بالتمكين في البلاد فنال ذلك ، وروي أنه ﵇ قال اللهم علمه الكتاب ومكنه في البلاد وقه العذاب. وقال لسعد بن أبي وقاص اللهم استجب له إذا دعا، فما دعا على أحد إلا استجيب له. وفي الصحيح أن رجلاً نال من علي كرم الله وجهه بحضرته، فقال اللهم إن كان كاذباً فأرنا فيه آية. فجاء جمل فتخبطه حتى قتله. وفي البخاري أنه ﵇ دعا على أبي سعدة اللهم أطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن. قال الراوي فلقد رأيته شيخاً كبيراً سقط حاجباه علي عينيه من الكبر يتعرض للجواري يغمزهن فيقال له فيقول شيخ مفتون أصابته دعوة سعد. وقال اللهم أيد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب فاستجيب له في عمر. وروى الحاكم عن عائشة أنه قال اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة. وقال صحيح على شرط الشيخين. وأما ما يدور على الألسنة من قولهم اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين، فلا يعلم له أصل في المبنى وإن كان يصح نقله في المعنى على تغليب عمر على عمرو بن هشام وهو اسم أبي جهل وكان يكني أولاً أبا الحكم فكناه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أبا جهل فغلبت عليه قاله علي القاري. وقال لأبي قتادة أفلح وجهك، اللهم بارك له في شعره وبشره بفتحتين أي ظاهر جلده. فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة رواه البيهقي. ودعا لابن عباس كما رواه الشيخان اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فكان بعد يسمى الحبر وترجمان القرآن بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما وفتحهما أي مفسره. وقال للنابغة الجعدي لما أنشده قصيدته الرائية: لا يفضض الله

стр. 852

فاك بضم المعجمة الأولى فما سقطت له سن. وفي رواية فكان أحسن الناس ثغراً، وإذا سقطت له سن تنبت له أخرى، وعاش عشرين ومائة وقيل مائة وثمانين وقيل مائتين وأربعين، وروي أنه لما أنشده قوله فيها: (بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً) قال ﵇ إلى أين يا أبا ليلى؟ قال فقلت إلى الجنة. قال نعم إن شاء الله. ولما أنشده قوله فيها: (ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا) (ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... تأن إذا ما أورد الأمر أصدرا) قال ﵇ أجدت ودعا لعروة بن أبي الجعد بالبركة وقال فلقد كنت أقوم بالكناسة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفاً. والكناسة بضم الكاف موضع وسوق بالكوفة، وكانوا يرمون فيه كناسات دورهم. ودعا لعلي أن يكفى الحر والقر فكان يلبس في الصيف ثياب الشتاء وفي الشتاء ثياب الصيف ولا يصيبه حر ولا برد. ودعا لفاطمة ابنته بعدم الجوع، قالت فما جعت بعد. ومن دعائه ﵇ على غيره أي بالشر، دعاؤه على كسرى بأن يمزق الله ملكه لما مزق كتابه، فمزق ملكهم ولم يبق للفرس رئاسة في سائر أقطار الدنيا. ودعا على ابن أبي لهب: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد. والمشهور أنه عتيبة بالتصغير كما مر وأن المكبر هو الصحابي وكذا أخوهما معتب صحابي وسبب الدعوة أنه أراد الخروج إلى الشام فأتى المصطفى ﵇ فقال يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى بالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم وطلق ابنته فدعا عليه ورجع إلى أبيه فأخبره ثم خرج مع أبيه في نفر من قريش إلى الشام فنزلوا منزلاً فأشرف عليهم راهب من الدير فقال إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب لأصحابه غثونا يا معشر قريش إني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله وقيل أن المصغر هو الصحابي والمكبر هو قتيل

стр. 853

الأسد والله تعالى أعلم. وقد تقدمت هذه القصة. ودعا على الحكم بن أبي العاصي وكان يختلج بوجهه ويغمز عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أي يجلس خلفه ﵇ فإذا تكلم حرك هو شفته وذقنه حكاية لفعله فرآه ﵇ فقال كن كذلك فلم يزل يختلج أي يرتعد إلى أن مات، والحكم هذا أبو مروان وعم عثمان بن عفان أسلم يوم الفتح ومات في خلافة عثمان، قال بعضهم إنما فعل ما فعل من جهالة ولا يخرجه ذلك عن عداد الصحابة والله تعالى أعلم. ودعا على محلم بكسر اللام المشددة ابن جثامة بفتح الجيم وشد المثلثة فمات لسبع ودفن فلفظته الأرض ثم ووري فلفظته مرات فألقوه بين صدين ورضموا عليه بالحجارة. وقوله صدين بفتح الصاد ويضم جبلين أو واديين هذا كله من الشفا وشرح ابن سلطان له ودعا على قريش بالقحط فأصابتهم سنة هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام فجاء أبو سفيان يستعطفه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال يا محمد تامر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا فادع الله فدعا فسقوا الغيث وأطبقت عليهم سبعاً فشكوا كثرة المطر فسأل الله رفعه، فارتفع، قاله المناوي. وسبب الدعاء على محلم المتقدم أنه ﵇ بعث سرية فيها محلم فأمر عليهم عامر بن الأضبط فقتله محلم غدراً فجرى ما جرى والعياذ بالله انظر ابن سلطان. ودعا على قريش لما وضعوا السلا على رقبته وهو ساجد مع الفرث والدم، فقال اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك بأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة إلخ .. قال ابن مسعود فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر أي معظمهم لأن أشقاهم وهو عتبة بن أبي معيط الذي وضع السلا حمل من بدر أسيراً فقتله علي بعرف الظبية مقفلهم من بدر بأمره ﵇، وعمارة ابن الوليد لم يقتل ببدر أيضاً بل سحر بأرض الحبشة فصار مع الوحش وهلك على كفره بأرض الحبشة في زمن عمر انظر الشفا وشرحه.

стр. 854

(وكم من الغيوب قد نبأتا ... بها فلم تعد الذي ذكرتا) الغيوب جمع غيب وهو ما غاب عنا، ونبأ معناه أخبر، وتعد بفتح الفوقية وسكون المهملة وضم الدال مضارع عداه يعدوه إذا جاوزه جزم بحذف آخره، وكم للتكثير وهي مبتدأ وخبره نبأتا والخطاب للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، والضمير المجرور عائد على الغيوب أي وكثير من الأمور المغيبة عنا أخبرتنا بها قد أطلعك الله تعالى عليها فلم تتجاوز الوصف الذي ذكرته لأنك لا تخبر إلا بما أوحاه الله إليك فلا يكون خبرك إلا مطابقاً لما في نفس الأمر. قال تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. ولنا في هذا المعنى في عد بعض المعجزات: (وكم من المغيبات ذكرا ... فبعضها مضى وبعض سيرى) وإخباره ﵇ بالغيوب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره وقد مر في وجوه إعجاز القرآن كثير من أخباره عن الأمم الماضية والعصور الخالية ومما أخبر به ﵇ مما سيأتي أشراط الساعة كالدجال وعيسى وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة وطلوع الشمس من مغربها ومعها القمر، وخروج النار من قعرة عدن ترحل الناس إلى محشرهم تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا والنفخ في الصور عند فناء الخلق، والنفخ فيه عند بعثهم، وباليوم الآخر وما فيه من حشر ونشر وصراط وحوض وميزان وجنة ونار وغير ذلك. وأخبر بخروج المهدي وهو بفتح الميم وشد الياء كما قاله ابن سلطان وهو من ولد فاطمة، يملأ الأرض عدلاً كما ملأت جورا ويملك سبع سنين أو أكثر واسمه محمد بن عبد الله، ويبايع بين الركن والمقام وتنصره عدة أهل بدر رهبان بالليل وأسود بالنهار، ويصلي عيسى خلفه ويساعده على قتل الدجال بباب لد وقبله علامات يخسف القمر في رمضان أول ليلة منه أو ثالثه، وتخسف الشمس في نصفه وهاتان العلامتان لم تكونا منذ خلقت الدنيا ، وتظهر النار في السماء جهة المشرق ثلاث ليال قبل خروجه وقبله صوت في نصف رمضان يوقظ النائم ويفزع اليقظان

стр. 855

وقبله السفياني وهو كافر يقتل العلماء والزهاد، ويظهر الفجور والفساد. وورد أن قبل السفياني رجلاً من بني هاشم وأخبر بأن الأرض زويت له فرأى مشارقها ومغاربها وقال سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ووقع ذلك، وقال لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة أي إلى قرب قيامها، فسره علي بن المديني بالعرب لأنهم المختصون بالسقي بالغرب وهي الدلو العظيمة، وفسره غيره بأنهم أهل المغرب وقد ورد أهل المغرب، قال علي القاري يروى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، تكون بالغرب مدينة يقال لها فاس، أقوم أهل المغرب قبله وأكثرهم صلاة وهم على الحق متمسكون به لا يضرهم من خالفهم يدفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة، وقيل المراد بأهل الغرب أهل الشام. وعن حذيفة: قام فينا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، مقاماً فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، والله ما ترك من قائد فتنة إلي أن تقضى الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. وقوله قائد فتنة أي أمير لها يقود إلى المحاربة. وأخبر بأن أمته تنفق كنوز كسرى وقيصر فوقع ذلك، وبافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهذه الواحدة هم الذين قال فيهم النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي، وهم أهل السنة والجماعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لخلو مذاهبهم من البدعة. وأخبر بظهور الفتنة وكثرة الهرج بفتح الهاء وسكون الراي وهو القتل. وأخبر بملك بني أمية والمراد بهم بنو مروان وأول من ملك من بني أمية بعد الخلفاء سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه بقي تسع عشر سنة وثلاثة أشهر ثم ابنه يزيد ثلاث سنين وأشهرا ثم معاوية بن يزيد ومات بعد أربعين يوماً، ثم مروان بن الحكم ومات بعد سبعة أشهر ثم عبد الملك بن مروان ومات في شوال سنة ست وثمانين، ثم ابنه

стр. 856

الوليد ومدته تسع سنين، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك وولايته سنتان، ثم عمر بن عبد العزيز وولايته سنتان، ثم هشام بن عبد الملك بن مروان ومات سنة خمس وعشرين ومائة، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقتل سنة ست وعشرين ومائة ثم يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو المسمى يزيد الناقص وولايته خمسة أشهر، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك فخلع نفسه ومدته سبعون يوماً، ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو آخرهم قاله ابن سلطان. وأخبر بملك بني العباس وبغير هذا مما لا يكاد ينحصر: (فكل ذي علم وذي عرفان ... منك استمده سوى الرحمان) العرفان بالكسر المعرفة، والمادة أصل الشيء المأخوذ منه، يعني أن كل عالم وكل عارف بالله تعالى إنما استفاد علمه ومعرفته منه لأنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، هو أصل المخلوقات كلها وقد حجر الله تعالى نعمه أن يصل منها شيء إلى مخلوق إلا بواسطته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما قول الناظم رحمه الله تعالى: سوى الرحمن فالصواب حذفه والله تعالى أعلم، لأن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة كما هو معلوم ولأن علمه تعالى لا يوصف بأنه مستمد لقدمه حتى يحتاج إلى الاستثناء، والله تعالى أعلم. (هذا وكم من آية لا تحصى ... عدا منحتها ولا تستقصى) هذا خبر مبتدأ محذوف أي الأمر هذا، وكم تكثيرية والآية المعجزة، ومنحتها بالبناء للمجهول أي أعطيتها أي أعطاكها الله تعالى تصديقاً لك ولا تستقصى أي لا تستوفى أو هذا منصوب بمحذوف أي أعرف هذا الذي ذكرت لك من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكثير من المعجزات أعطاها الله تعالى له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا تحصى بالعد ولا تستوفى فلا نتعرض لعدها. (فالحمد لله الذي أعطاكا ... ما لم ينله أحد سواكا)

стр. 857

الحمد الوصف بكل كمال، والخطاب في أعطاكا للمصطفى، صلى الله تعالى عليه وسلم، أي الوصف بما لا يحاط به من الكمالات ثابت لله الذي أعطاك يا رسول الله من الفضائل مالم يعطه لمخلوق غيرك لا من الأنبياء ولا من الملائكة وأخرى غيرهم، وتفضيله صلى الله تعالى عليه وسلم على جميع المخلوقات قد تقدم أنه مما يجب اعتقاده كما نص عليه الزركشي ونقله الأيسي في شرح الهمزية عن العلامة البلقيني وقال الإمام السنوسي في شرح الجزائري يكاد ذلك أن يكون مما علم من الدين ضرورة انتهى. وفي المواهب في ذكر خصائصه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما نصه: ومنها أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله وقال الزرقاني بعده ما نصه: رواه البيهقي وغيره كشيخه الحاكم وصححه عن ابن عباس أوحى الله إلى عيسى أن آمن بمحمد وامر أمتك أن يأمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار الحديث وهو لا يقال رأياً فحكمه الرفع، وروى ابن عساكر لقد خلقت الدنيا وأهلها أعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا. ولما ذكر الناظم ما وفقه الله تعالى لذكره من سيرته ذكر اتمام الله تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حضرة القدس وهي الجنة دار كرامة أوليائه فقال: (ذكر وفاته صلاة ربه ... عليه ثم ءاله وصحبه) قوله ذكر خبر مبتدأ محذوف أي هذا ذكر وفاته أي موته صلى الله تعالى عليه وسلم وهي المصيبة العظمى التي لم يصب الأولون والآخرون بمثلها ولن يصابوا بمثلها أبداً ولذا قال ﵊ لتعز الناس في مصيبتهم المصيبة بي، قال في المواهب وهذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان، انتهى. اللهم اجعل نبينا لنا فرطاً وأجرا واجعله لنا سلفاً وذخراً واجعل حوضه لنا موعداً لأولنا وآخرنا ولا تحل بيننا وبينه يوم القيامة بمنك يا أرحم الراحمين، اللهم شفعه فينا بجاهه عندك، اللهم أجرنا في المصيبة به

стр. 858

أجراً يكون على قدر عظمها بجاهه الرفيع، وأحلنا في الدارين في حرزه المنيع وجنابه المريع صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه وجميع أتباعه، صلاة وسلاماً يدومان إلى يوم الدين. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه بمنه لم أطق التطويل في هذا الباب لما اشتمل عليه مما تذوب لسماعه الألباب. (توفي المختار عام أي ... وعمره صج على المرضي) قول نزفي مبني للمجهول ونائبه قوله المختار وهو من أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم ومعناه المفضل على جميع المخلوقات أي توفاه الله تعالى أي أماته، صلى الله تعالى عليه وسلم، إكراماً له. قال تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وعام منصوب على الظرفية وعامله توفي وأي مجرور بالإضافة أي توفي عام إحدى عشرة من مقدمه المدينة المنورة أي توفي بعد أن مكث فيها عشر سنين وتوفي في أول الحادية عشرة. وقوله عمره بفتح العين وضمها مبتدأ وخبره قوله صج، أي ثلاث وستون سنة، فالصاد ستون والجيم ثلاث والعمر مدة الحياة، والجملة في موضع الحال أي والحال أن عمره حين وفاته ثلاث وستون سنة على القول المرضي، أي المختار المعتمد وأشار به إلى ما في الشمائل عن عائشة وابن عباس ومعاوية أنه صلى الله تعالى عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الإمام البيجوري في شرحه: واتفق العلماء أن هذه الرواية أصح الروايات الثلاث الواردة في قدر عمره، صلى الله تعالى عليه وسلم. ومقابل قوله على المرضي أن عمره ستون سنة وأن عمره خمس وستون. قال البيجوري ورواية أنه ابن ستين محمولة على أن راويها اقتصر على العقود وألغى الكسور. ورواية خمس وستين محمولة على إدخال سنة الولادة وسنة الوفاة، قال واتفقوا على أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أقام بالمدينة عشراً بعد الهجرة كما اتفقوا على أنه أقام بمكة قبل البعثة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد البعثة

стр. 859

والصحيح أنه ثلاثة عشرة سنة فيكون عمره ثلاثاً وستين. وقيل أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، وحملت هذه الرواية على ما عدى مدة فترة الوحي وهي ثلاث سنين فتوافق رواية ثلاث عشرة انتهى. وللشيخ عبد الرحيم بن الشيخ حسين العراقي: (عاش ثلاثاً بعد ستين على ... أصحها والخلف في هذا خلا) أي سبق في عصر التابعين فمن بعدهم إلى عصرنا، قاله المناوي. (وقت الضحى في مثل يوم ولدا ... فيه عليه الله صلى أبدا) قوله وقت منصوب على الظرفية وناصبه توفي، وقوله يوم يصح إعرابه مجروراً، وبناؤه على الفتح وهو الراجح بإضافته إلى مبنى، وأبدا منصوب بصلى، ومعنى البيت أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، توفي في وقت الضحا، في مثل اليوم الذي ولد فيه من ربيع الأول وهو يوم الاثنين، وعبارة غيره حين اشتد الضحاء بالفتح والمد وهو قرب الزوال كما يأتي، والظاهر تمشية المصنف عليه فيضبط الضحا بالفتح ويكون مقصوراً للوزن على حذف مضاف فقوله وقت الضحى أي وقت اشتداد الضحاء، وكونه توفي يوم الاثنين أمر متفق عليه عند أهل العلم. وقال أكثرهم إنه في ثاني عشر ربيع. قال المناوي: قال السهيلي: اتفقوا على أنه مات يوم الاثنين، قالوا كلهم في ربيع الأول غير أنهم قالوا أو أكثرهم في ثاني عشر ولا يصح أن يكون مات يوم الاثنين إلا في ثاني الشهر أو ثلاث عشره أو خامس عشره لأن وقفة الوداع كانت يوم الجمعة بإجماع المسلمين فيكون أول ذي الحجة يوم الخميس، فيكون المحرم إما بالجمعة أو بالسبت فإن كان بالجمعة فصفر، أما أن يكون بالسبت أو بالأحد فإن كان بالسبت فيكون أول ربيع الأحد، أو الاثنين وكيفما كان فلم يكن ثاني عشر ربيع يوم الاثنين بوجه، انتهى. وإلى هذا أشار العراقي بقوله: (في يوم الاثنين لدى الجميع ... وفاته إما بثاني الشهر) (أو مستهل أو بثان عشر ... وهو الذي أورده الجمهور)

стр. 860

(لكن عليه نظر كبير) (لأن وقفة الوداع الجمعة ... فلا يصح كونها فيه معه) (وقيل بل في ثامن بالجزم ... وهو الذي صححه ابن حزم) (وكان ذاك عندما اشتد الضحا ... أو حين زاغ الشمس خلف صُرحا) وقوله وهو الذي أورده الجمهور أي هذا القول الذي هو أنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع، وقوله فلا يصح كونها أي الوقفة، فيه أي في يوم الجمعة معه، أي مع وفاته يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سواء تمت الشهور أو نقصت، أو تم بعضها ونقص بعضها. وقوله وقيل بل في ثامن، أي من ربيع الأول، والضحا بالقصر للوزن في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة وهذا قول أكثر المؤرخين، والآخر أنه حين زاغت الشمس وصححه الحاكم وخلف بضم المعجمة وسكون اللام وصرح أي به، مبني للمفعول، أي صرح به الأئمة انتهى من المناوي. وقوله الضحا بالقصر للوزن أي مع الفتح وهو قرب الزوال، ففي المواهب وقد كانت وفاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم الاثنين بلا خلاف وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء وهو كما في الزرقاني بالفتح والمد قرب الزوال انتهى وفي البيجوري جزم أهل السير بأنه مات حين اشتد الضحا بل حكى صاحب جامع الأصول عليه الاتفاق. (وخير المختار في البقاء ... في هذه الدار وفي اللقاء) (لربه فاختار أن يلقاه) يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لم تقبض روحه الكريمة حتى خيره الله تعالى بين لقائه لله تعالى بالموت عاجلاً وبين بقائه في دار الدنيا أي إلى انقضائها كما يدل عليه ما يأتي فاختار لقاء الله تعالى فحينئذ نقله الله تعالى إلى دار كرامته عن هذه الدار التي هي دار الأكدار والفناء وكذا يخير غيره صلى الله تعالى عليه وسلم من الأنبياء، ﵈. قال في المواهب: ولما كان الموت مكروهاً بالطبع،

стр. 861

لما في من الشدة والمشقة العظيمة لم يمت نبي من الأنبياء حتى يخير، انتهى. قال الزرقاني في قوله يخير بضم الياء وفتح الخاء المعجمة كما في الصحيح من حديث عائشة ويأتي في المتن انتهى. (صلى عليه الله ما أرقاه) أي ما أعلاه إلى مقام لم يحم حوله نبي مرسل ولا ملك مقرب إذ هو المختص بسيادة الأولين والآخرين وقد اعترف له بذلك جميع المقربين صلى الله تعالى وسلم عليه وعليهم أجمعين. وروي أنه ﵇ خطب الناس قبل موته بخمس فقال: "إن عبداً خيره الله بين أن يوتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد فعجبنا له. وقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، عن عبد خيره الله بين أن يوتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد فكأن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. وعن عائشة أنه ﵇ كان يقول ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخير ولأحمد من حديث أبي مويهة قال قال لي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة فخيرت بين ذلك، وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة. قوله والخلد أي البقاء في الدنيا إلى انقضائها، وقوله وبين لقاء ربي أي عاجلاً وقوله فاخترت لقاء ربي والجنة أي حباً في لقاء الله وزهداً في الدنيا مع أن الجنة معطاة له على التخييرين وعن عائشة قالت كان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو صحيح يقول أنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحي بضم التحتية وفتح الحاء المهملة وشد

стр. 862

التحتية أي يسلم إليه الأمر ويملك في أمره أو يسلم عليه تسليم الوداع أو يخير بين الدنيا والآخرة وأوشك من الراوي قاله المصنف، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه فلما أفاق شخص بفتحتين بصره نحو سقف البيت أي ارتفع ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى ، أي اجعلني في الرفيق الأعلى أو في بمعنى مع، فقلت إذا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. وفي رواية أبي موسى أسأل الله الرفيق الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل وظاهره أن الرفيق المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين أي في الآية مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين ومن الملائكة الثلاثة المذكورين في الحديث لا معهم فقط. وقال ابن الأثير الرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين وقيل المراد به الله تعالى، لأن الرفيق من أسمائه تعالى، وقيل المراد به حضرة القدس وهي الجنة وبه جزم الجوهري وابن عبد البر وغيرهما. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت دعا النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فاطمة في شكواه الذي قبض فيه وللكشميهني فيها فسارها بشيء فبكت ثم دعا فسارها بشيء فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت أي بعد وفاته سارني أنه يقبض في وجعه الذي توفى فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أنني أول أهله يتبعه فضحكت. وفي رواية للصحيحين عن مسروق عن عائشة أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لها مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها. ولأبي داوود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن عائشة قالت ما رأيت أحداً أشبه سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قام إليها وقبلها وأجلسها في محله، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض دخلت عليه فانكبت عليه فقبلته، قال القسطلاني

стр. 863

واتفقت الروايتان على أن الذي سارها به أولاً فبكت هو إعلامه إياها بأنه يموت من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارها به فضحكت ففي رواية عروة أنه اخباره إياها بأنها أول أهله لحوقاً به وفي رواية مسروق أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وجعل كونها أول أهله لحوقاً به مضموماً إلى الأول وهو الراجح، انتهى. وقولها سمتا بفتح المهملة وسكون الميم ففوقية وهديا بفتح فسكون ودلا بفتح الدال المهملة وشد اللام والثلاثة عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيبة كما في النهاية، انتهى من المواهب وشرحها. (ومدة السقم يد ( ... )) مدة مبتدأ وخبره قوله يد والسقم بضم السين المهملة وسكون القاف المرض، وفيه في غير هذا المرض التحريك أيضاً وكذلك العرب والعجم والرشد والبخل والشغل والعدم والسخط والحزن والولد فهذه الألفاظ فيها ضم الفاء مع سكون العين وفيها فتحهما معاً. ومعنى البيت أن مدة مرضه ﵇ أربعة عشر يوماً أشار له بقوله يد، فالياء عشر والدال أربعة وهذا القول حكاه ابن الجوزي كما في المناوي وحكاه في المواهب بصغة التمريض فإنه قال واختلف في مدة مرضه فالأكثر أنها ثلاثة عشر يوماً وقيل أربعة عشر وقيل أثنا عشر وقيل عشرة أيام وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح، انتهى. وقال الزرقاني أن القول الذي صدر به في المواهب هو المشهور، قال وجمع شيخنا بجواز اختلاف أحواله في ابتداء مرضه فذكر كل منهم اليوم الذي علم بحصول ما رآه من حاله وشدة مرضه التي انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة كانت سبعة أيام، انتهى. وللعراقي: (مرض في العشر الأخير من صفر ... أقام في شكواه ذاك اثني عشر) (أو عشرا أو أقام أربع عشرة ... أو بثلاث عشرة قد ذكره)

стр. 864

كذا ابن عبد البر، انتهى المراد منه. قال المناوي بعد قوله من صفر قال ابن عبد البر بداية وجعه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة ثم انتقل حين اشتد به وجعه إلى بيت عائشة انتهى. وفي البيجوري أن ابتداء مرضه كان في ثاني ربيع، انتهى. وعن عائشة أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ذات يوم من جنازة لبعض أصحابه بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول وا رأساه ... فقال بل أنا وا رأساه ... ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ... فقالت لكني بك والله لو فعلت أي لو قام بي ذلك فهو بضم التاء أو بفتحها خطاباً أي لو فعلت الغسل وما بعده لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. وقوله بل أنا وا رأساه، اضراب بمعنى دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي فإنك لن تموتي في هذه الأيام، بل تعيشين بعدي، وقد تبين أن أول مرضه ﵇ كان صداع الرأس والظاهر أنه كان مع حمى فإن الحمى اشتدت به فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحل أو كيتهن يتبرد بذلك وقد قيل أن لهذا العدد خاصية في دفع ضرر السم والسحر، وقد ثبت حديث من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر. وللنسائي في قراءة الفاتحة على المصاف سبع مرات وسنده صحيح، انتهى ملفقاً من المواهب وشرح الزرقاني. وفي شمائل الترمذي عن عائشة قالت رأيت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنى على منكرات الموت أو قال سكرات الموت ومنكرات بالنون أي شدائده فإنها أمور منكرة لا يألفها الطبع وسكراته استغراقات، وهذا إنما بحسب الظاهر للناس مما يتعلق بحاله الظاهر لأجل زيادة رفع الدرجات والترقي في أعلى

стр. 865

المقامات، أما حاله مع الملأ الأعلى فكان على خلاف ذلك، فإن جبريل أتاه في مرضه ثلاثة أيام يقول له كل يوم إن الله أرسلني إليك إكراماً وإعظاماً وتفضيلاً يسألك عما هو أعلم به منك، كيف تجدك؟ وجاءه في اليوم الثالث بملك الموت فاستأذنه في قبض روحه الشريفة فأذن له ففعل، قال البيجوري. وقال جسوس فمئال المنكرات والسكرات واحد وفي الشمائل أيضاً عن عائشة قالت لا أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأغبط بكسر الموحدة من الغبطة وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما للغير من غير أن تزول عنه، وهون الموت سهولته ومرادها بذلك إزالة ما تقرر في النفوس، من تمني سهولة الموت لأنها لما رأت شدة موته، صلى الله تعالى عليه وسلم، علمت أنها ليست علامة ردية بل مرضية فليست شدة الموت علامة على سوء حال الميت ولا سهولته علامة على حسن حاله. والحاصل أن الشدة ليست علامة على سوء ولا ضده والسهولة ليست إمارة على خير ولا ضده انتهى من البيجوري. وفي المواهب عن ابن مسعود دخلت على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يوعك وعكاً شديداً أي يحم فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت ذلك إن لك لأجرين قال أجل كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها رواه البخاري. والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة وقد تفتح الحمى وقيل ألم الحمى، وقيل ارعادها الموعك وتحريكها إياه وكان عليه صلوات الله وسلامه عليه قطيفة فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال إنا معاشر الأنبياء كذلك، يشدد علينا البلاء وتضاعف لنا الأجور. واعلم أنه ﵇ استأذن أزواجه في مرضه أن يقيم في بيت عائشة فإذن له فأقام عندها سبعاً. وفي الطبراني أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، انتهى كلام المواهب مع يسير من كلام الزرقاني.

стр. 866

وفي الشمائل عن أنس قال: لما وجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من كرب الموت أي شدة ما وجد قالت فاطمة: وا ... كرباه ... فقال النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا كرب على أبيك بعد اليوم. قال جسوس في شرحه نقلاً عن ابن سلطان بين لها أن كرب أبيها سريع الزوال منتقل إلى حسن الحال فأنت أيضاً لا تكربي فإن محن الدنيا فانية وإن العبرة بالمحن الباقية انتهى. وآخر الحديث الماضي أنه قد حضر بأبيك ما ليس بتارك منه أحداً والموافاة يوم القيامة، قال جسوس هذه تسلية أخرى سلاها أولاً بأن ذلك الكرب غير مستمر وإنما هو منقطع بالقرب وثانياً بأن هذا الأمر النازل عام لجميع الخلائق والمصيبة إذا عمت هانت فاصبري ولا تحزني والموافاة الملاقاة يوم القيامة وموت العارفين مجرد انتقال من هذه الدار الضيقة الأقطار الموسومة بالفناء ودوام الأكدار إلى دار النعيم المقيم ولذلك يتمنون الموت وهو أحب إليهم من البقاء وقد كتب سيدي رضوان عند وفاته: (قرب الرحيل إلى الحبيب فمرحبا ... أهلاً به أهلاً وسهلاً مرحباً) وينسب للإمام أبي حامد الغزالي: (قل لإخوان رأوني ميتاً ... فبكوني ورثوني حزنا) (أتخالون بأني ميتكم ... ليس ذاك الميت والله أنا) إلى أن قال: (كنت قبل الموت ميتاً بينكم ... فحييت وخلعت الكفنا) (وأنا اليوم أناجي ملكا ... وأرى الله جهارا علنا) إلى أن قال: (لا ترعكم هجمة موتي فما ... هي إلا نقلة من ها هنا) (لا تظنوا الموت موتا إنه ... لحياة هي غايات المنى)

стр. 867

وقد نص المحققون على أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وسائر الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد نقلوا قضايا تدل لذلك منها سماع رد سلامه على من سلم عليه ومنها مده يده الشريفة لسيدي أحمد الرفاعي لما أنشد تجاه الحضرة الشريفة. (في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي) (فهذه نوبة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي) وقد ورد ما يدل على دعائه لأمته واستغفاره لهم بعد موته، صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى المراد من كلام جسوس. الحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد المصطفى فهي نعمة لا يحصى شكرها ولا يستوفى. (وقد دفن ... ليلة الأربعاء خير من أمن) دفن بالبناء للمجهول أي ووري ونائبه خير وأمن مبني للمجهول أيضاً أي جعله الله أميناً وكان معروفاً بالأمانة قبل البعثة ومعنى كلامه أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، توفي يوم الاثنين قرب الزوال وتأخر دفنه ﵊ إلى ليلة الأربعاء فتم دفنه في آخرها. وفي الترمذي عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين قال قبض رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم الاثنين فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ودفن من الليل قال سفيان وغيره سمع صوت المساحي من آخر الليل قوله ودفن آخر من الليل أي ليلة الأربعاء وهذا قول الأكثر وقيل ليلة الثلاثاء وقيل يوم الثلاثاء. وقوله من آخر الليل فيه بيان لإجمال رواية الباقر، وإنما أخروا دفنه مع أن المطلوب الإسراع بالتجهيز لشدة دهشهم حتى صاروا كأجساد بلا

стр. 868

روح وأجسام بلا عقول أو لاشتغالهم بأمر الخلافة ليكون لهم إمام يرجعون إليه عند التنازع في شيء من أحواله أو لعدم اتفاقهم على موته أو على محل دفنه أو للأمن من تغيره أو ليبلغ موته النواحي القريبة فيحضروا جنازته اغتناماً للثواب، قاله جسوس. وقوله مكث بضم الكاف وفتحها وقوله سمع بصغة المجهول ومحمد الباقر من التابعين فالحديث مرسل والمساحي بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها وهي كالمجرفة إلا أنها من حديد وهي من السحو بمعنى الكشف أو الإزالة، قاله البيجوري وفي الشمائل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال توفي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء، قال أبو عيسى هذا حديث غريب انتهى. وأبو عيسى هو الترمذي ومعناه ابتدئ في مقدمات دفنه بتجهيزه يوم الثلاثاء فلا ينافي أنه فرغ من دفنه في آخر ليلة الأربعاء، وحيث آمكن الجمع فلا حاجة لما قيل أن هذا الحديث سهو من شريك، قاله البيجوري. (ودهش الأصحاب إذا مات النبي) دهش كفرح، تحير أو ذهب عقله من وله، قاله في القاموس. يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لما مات دهش أصحابه وطاشت عقولهم من عظم المصيبة التي نزلت بهم وحق لهم الدهش. قال جسوس في شرح الشمائل، قال في عيون الأثر لما توفي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، دهش الناس وطاشت عقولهم واختلفت أحوالهم في ذلك، فأما عمر رضي الله تعالى عنه فكان ممن خبل فجعل يقول والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم. وأما عثمان فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء وهو لا يتكلم وأقعد علي وأضنى عبد الله بن أنيس من الضنى وهو المرض، انتهى. وقال القشيري والسلمي سقمت البصائر عند وفاته، صلى الله تعالى

стр. 869

عليه وسلم، إلا رجل وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه. فإن الله تعالى أيده بقوة السكينة فقال أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فصار الكل مقهوراً تحت سلطان مقالته لما بسط الله تعالى عليه من نور جلالته، فالشمس بطلوعها يندرج في شعائها أنوار الكواكب، انتهى. (ولم يكن أثبت فيهم من أبي ... بكر) أثبت بالرفع اسم يكن وفيهم خبره، يعني أن أبا بكر ﵁ لما يكن في الصحابة عند وفاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، أحد أثبت منه قلباً ولا أشد جلداً، فلم يقع له عند نزول هذه المصيبة العظمى والداهية الدهياء ما وقع لغيره من أكابر الصحابة بل وجد عنده من العلم والقوة والثباة ونور اليقين المانع من استيلاء المصائب على قلبه ما لم يوجد عند غيره، ووافقه على ذلك العباس عمه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما أشار له الناظم بقوله: ( ... وعمه الرضى العباس) قوله عمه بالجر عطف على أبي بكر والرضى بالكسر والقصر المرضي نعت له والعباس بدل من عمه ومعنى كلامه أن أصحابه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس فيهم إذ ذاك من هو أثبت قلباً من أبي بكر والعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما. فروى ابن إسحاق وعبد الرزاق والطبراني أن العباس قال لعمر هل عندكم عهد من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في ذلك؟ قال لا. قال فإنه قد مات! ولم يمت حتى حارب وسالم ونكح وطلق وترككم على محجة واضحة، وهذا من موافقة العباس للصديق، قاله الزرقاني. ووافقهما أيضاً المغيرة بن شعبة ففي المواهب من رواية الإمام أحمد عن عائشة قالت سجيت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثوباً فجاء عمر والمغيرة بن شعبة واستاذنا فأذنت لهما وجذبت الحجاب فنظر إليه عمر فقال

стр. 870

واغشيناه. فقال المغيرة يا عمر مات. قال عمر كذبت! إن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يموت حتى يفنى الله المنافقين! ثم جاء أبو بكر من السنح فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون. مات رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، . ووافقهم أيضاً ابن أم مكتوم كما في مغازي أبي الأسود عن عروة قال أن ابن أم مكتوم كان يتلو: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾. والناس لا يلتفون إليه، نقله الزرقاني. (فخطب الصديق خير الناس ... وثبت القوم) خطب كنصر، أتى بخطبة، والصديق فاعل وخير الناس نعت له، أي خير من حضر من الناس بلا خوف. وقوله وثبت القوم أي سكن اضطرابهم لما خطب خطبته المشهورة فقال أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ إلى قوله ﴿الشاكرين﴾، ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾، ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾. قال ابن عباس والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله تعالى أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس كلهم منه، فما أسمع بشراً إلا يتلوها، يعني ﴿وما محمد إلا رسول﴾ (الآية). وروى الترمذي بإسناده عن سالم بن عبيد وكانت له صحبة، قال أغمي على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في مرضه فأفاق فقال حضرت الصلاة؟ فقالوا نعم. فقال مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر أن يصلي للناس أو قال بالناس. قال ثم أغمي عليه فأفاق، فقال حضرت الصلاة؟ فقالوا نعم. فقال مروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة إن أبي رجل أسيف إذا قام ذلك المقام بكى فلا يستطيع فلو أمرت غيره. قال ثم أغمي عليه فأفاق، فقال مروا بلالاً فليؤذن وأبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب أو صاحبات يوسف.

стр. 871

قال فأمر بلال فأذن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس، ثم إن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وجد خفة فقال انظروا إلى من أتكئ عليه، فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتى قضى أبو بكر صلاته، ثم أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قبض، فقال عمر والله لا أسمع أحداً يذكر أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قبض، إلا ضربته بسيفي هذا. قال وكان الناس أميين لم يكن فيهم نبي قبله؛ فأمسك الناس فقالوا يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فادعه، فأتيت أبا بكر وهو في المسجد فأتيته أبكي دهشاً فلما رآني قال أقبض رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قلت إن عمر يقول لا أسمع أحداً يذكر أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قبض إلا ضربته. قفال لي انطلق فانطلقت معه، فجاء والناس قد دخلوا على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال أيها الناس أفرجوا لي فأفرجوا له، فجاء حتى أكب عليه ومسه فقال إنك ميت وإنهم ميتون. ثم قالوا يا صاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أقبض رسول الله، صلى الله تعال عليه وسلم؟ قال نعم. فعلموا أن قد صدق. قالوا يا صاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أيصلي على رسول الله؟ قال نعم. قالوا وكيف؟ قال يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون ثم يدخل قوم، فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون حتى يدخل الناس. قالوا: يا صاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أيدفن رسول الله، صلى الله تعلى عليه وسلم، قال نعم. قالوا أين؟ قال في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أن قد صدق. ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر فقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فقال عمر بن الخطاب من له مثل هذه الثلاثة؟ ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ منهما قال ثم بسط يده

стр. 872

فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة، انتهى. قوله أغمى عليه أي لشدة ما حصل له من الضعف، وفتور الأعضاء، فالإغماء جائز على الأنبياء، لأنه من المرض، وقيده الغزالي بغير الطويل، وجزم به البلقيني بخلاف الجنون، فليس جائزاً عليهم لأنه نقصن وليس إغماؤهم كإغماء غيرهم لأنه إنما يفتر حواسهم الظاهرة دون قلوبهم، وأسيف حزين، أي يغلب الحزن فلا يطيق أن يشاهد محلك خالياً منك، وصواحب أو صاحبات يوسف صواحبات جمع صواحب فهو جمع الجمع ووجه التشبيه إظهار خلاف ما يبطن لأن زليخاً استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة وأضمرت أنهن ينظرن إلى حسن يوسف فيعذرنها في حبه وأمنا عائشة أظهرت أن سبب محبتها صرف الإمامة عن أبيها أنه رجل أسيف وأضمرت أن لا يتشاءم الناس به لأنها ظنت أنه لا يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، وبريرة بفتح الباء وكسر الراء الأولى بنت صفوان وهي قبطية أو حبشية مولاة عائشة، والرجل الآخر في رواية أنه نوبة عبد أسود وفي رواية للشيخين خرج ابن عباس ورجل آخر وهو علي وفي رواية العباس وولده الفضل وفي رواية العباس وأسامة ويمكن التوفيق بتعدد خروجه، صلى الله تعالى عليه وسلم، واتكأ عليهما: اعتمد عليهما كما يعتمد على العصي وينكص أي يرجع القهقري وفيه ضم الكاف وكسرها وقوله قبض أي وأبو بكر غائب بالعالية عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد الخزرجية بعد إذنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، في ذلك لحكمة إلهية وأكب عليه قبله وقوله وكان الناس أميين أي لا يقرؤون ولا يكتبون والمراد أنهم لم يحضروا موت نبي فقولهم لم يكن فيهم نبي قبله تفسير له وقوله فأمسك الناس، أي عن النطق بموته، خوفاً من عمر، وصاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا ينصرف إن أطلق إلا لأبي بكر وإنما دعوه لأنه قوي القلب عند الشدائد راسخ القلب عند الزلازل فهو الذي يسكن الفتنة والسنم بضم السين موضع بأدنى عوالي المدينة بينه وبين المسجد الشريف ميل، وقوله وقالت الأنصار قائل ذلك هو الحباب

стр. 873

بن المنذر, قاله على عادتهم في الجاهلية أن يكون لكل قبيلة رئيس ولما قالوا ذلك رد عليهم أبو بكر محتجا بالحديث الذي رواه نحو أربعين صحابيا الأئمة من قريش, وفي رواية الخلافة لقريش, والثلاثة التي اجتمعت لأبي بكر أحدهم ثاني اثنين إذ هما فى الغار, وثانيها إثبات الصحبة, والثالة إثبات المعية في قوله﴾ إن الله معنا ﴿, وقوله فيصل بالناس نقل الدمياطي أن أبا بكر صلى بالناس سبع عشرة صلاة أولها عشاء الجمعة وأخرها صبح الاثنين, وانتهى المراد من البيجورى. (وجاء الخضر ... معزيا لهم على ما أثروا) يعني أنه, -صلى الله تعالى عليه وسلم-, لما توفى جاء أبو العباس أحمد الخضر فسمعوا صوته من ناحية البيت معزيا لهم والتعزية هي الحمل على الصبر, ومعزيا حال من قوله الخضر, على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قوله ما أثروا أي العلماء أي علي ما نقلوه, وفي المواهب عن جعفر الصادق عن أبيه قال لما بقي من أجل رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, ثلاق ليال نزل عليه جبريل فقال يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك وتفصيلا وخاصة لك, يسألك عما هو أعلم به منك يقول لك كيف تجدك؟ فقال أجدني يا جبريل مغموما وأجدني يا جبريل مكروبا ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك, ث استاذن فيه ملك الموت فقال جبريل يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على أدمي قبلك ولا يستاذن على أدمي بعدك, قال إيذن له, فدخل ملك الموت فوقف بين يديه فقال يارسول الله إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تامر إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها وإن أمرتني أن أتركها تركتها. قال وتفعل ذلك يا ملك الموت؟ قال نعم. أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني. قال جبريل يا محمد إن الله قد اشتاق إلي لقائك, قال -صلى الله تعالى عليه وسلم-, فامض يا ملك الموت لما أمرت به, فقال جبريل يارسول الله,

стр. 874

هذا آخر موطئي من الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا فقبض روحه. فلما توقى, -صلى الله تعالى عليه وسلم-, وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته,﴾ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴿إن في الله عزاء من ل مصيبة وخلفا من كل هالك, ودركا من كل فائت, قبالله فثقوا وإياه فارجوا فإنما المصاب من حرم الثواب. فقال علي أتدرون من هذا, هو الخضر ﵇, رواه البيهقي ورواه الحاكم. ولا يح لضعف سنده ولكنه وجد في مشهور من كتب الحديث. وقالت عائشة ان من نعم الله علي أن رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري بفتح فسكون فيهما. وفي رواية بين حاقنتي وذاقنتي بذال معجمة وقاف مكسورة والنحر موضع القلادة من الصدر والسحر الصدر, وفي الأصل الرئة والحاقنة بحاء مهملة وقاف مكسورة قيل طرف الحلقوم وقيل نقرة الترقوة وقيل تحت السرة وقيل غير ذلك. والذاقنة ما علا من الحلقوم والمراد أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, توفي ورأسه بين عنقها وصدرها ولا يعارض ما سبق من أن رأسه كان علي فخذها لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلي صدرها, انتهى منها مع شرحها. وأخرج أبو نعيم عن علي قال لما قبض,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, صعد ملك الموت باكيا إلي السماء والذي بعثه بالحق نبيا لقد سمعت صوتا من السماء ينادي وا محمداه .. الحديث قاله في المواهب في محل بعد هذا وقوله عن جبريل هذا أخر موطئي من الأرض المنفي نزوله بالوحي المتجدد فلا ينافي ما ورد أنه ينزل ليلة القدر ويحضر قتال الكفار مع المسلمين ويحضر من مات على طهارة من المسلمين وياتي مكة والمدينة خروج الدجال ليمنعه منهما وينزل على عيسى لا بشرع جديد انظر الزرقاني.

стр. 875

فائدة: قال ابن حجر في فتح الباري في كتب العلم وخضر بفتح أوله وكسر ثانيه أو بكسر أوله وإسكان ثانية ثبتت بهما الرواية وبإثبات الألف واللام فيه وبحذفها, انتهي. واختلف فيه, فقيل نبي مرسل, وقيل نبي غير مرسل, وقيل ولي, قال الحافظ في الفتح في كتب أحاديث الأنبياء وذكر المنصف في هذا الباب حديث أبى هريرة إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضرا زاد عبد الرزاق في مصنفه الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه, انتهي. وواقفه الحريري وقال ابن الأعرابي الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه. وعن مجاهد أنه سمي بذلك لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله, قال الحافظ وقد اختلف في اسمه قبل ذلك, وفي اسم ابيه وفي نسبه, وفي نبوءته وفي تعميره, فقال وهب بن منبه هو ليا بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها تحتية وقيل اسمه إلياس وقيل اليسع وقيل عامر وقيل خضرون بن ملكان بن فالغ بن عامر بن سالخ بن ارفخشر بن سام بن نوح وعليه فولد قبل ابراهيم, لأنه يكون ابن عم جد إبراهيم وقد حكى الثعلبي قولين في كونه قبل الخليل أو بعده, قال وهب وكنيته أبو العباس وروى الدارقطني عن ابن عباس أنه ابن أدم لصلبه, وهو ضعيف وذكر أبو حاتم إنه ابن قابيل بن ءادم رواه عن أبي عبيدة وغيره وعن اسماعيل بن أبي أوس أنه ابن مالك بن عبد الله بن نضر بن الأزد وعن ابن لهيعة انه ابن فرعون نفسه وقيل ابن بنت فرعون وقيل ابن عابيل بن معمر بن عيصوا بن اسحاق بن إبراهيم وقيل كان أبوه فارسيا رواه الطبري. وروى ابن إسحاق أن أدم أخبر بنيه عند الموت بأمر الطوفان ودعا لمن يحفظ جسده حتى يدفنه بالتعمير فجمع نوح بنيه لما وقع الطوفان وأعلمهم بذلك فحفظوه حتى كان الذي تولى دفنه الخضر, انتهى المراد

стр. 876

من كلام ابن حجر. وفي سنن ابن ماجه انه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قال في مرضه إيها الناس إن أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري, فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي, انتهى من المواهب. وما أحسن قول القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلدي ... واعلم بأن المرء غير مخلد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وقال الأخر: تذكرت أن قد فرق الدهر بيننا ... فعزيت قلبي بالنبي محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد (وغسل المختار في الثياب) يعني أنه-صلى الله تعالى عليه وسلم- لم يجرد من ثيابه التي مات فيها ﵇, بل غسل وهي عليه والمراد بها قميصه فالمراد بالجمع المفرد والله أعلم. قال الحافظ العراقي: غسل من بيره بئر غرس ... ولم يجرد من قميص اللبس قال المناوي في شرحه اللبس بضم اللام وروي ابن إسحاق عن عائشة لما أرادوا غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قالوا ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله بثيابه؟ ! فلما اختلفوا ألقي الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو اغسلوه وعليه ثيابه فغسلوه وعليه ثيابه يصبون الماء فوق القميص, انتهى.

стр. 877

ونحوه في المواهب وعزاه للبيهقي, إلا أن لفظه فغسلوه وعليه قميصه يضعون الماء فوق القميص ويدلكونه بالمقيص, وقوله غسل من بيره إلخ أي بوصية منه, رواه ابن ماجه عن علي مرفوعا إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بيري بير غرس, وكانت بيرا لسعد بن خيثمة, وكان المصطفى,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, يشرب منها, وغرس بفتح الغين المعجمة وسكون الراء فسين مهملة, انتهى من المناوي. وذقنه هو بفتح الذال والقاف مجتمع لحييه, جمع القلة أذقان والكثرة ذقون كأسد وأسود, قاله في المصباح نقله الزرقاني وفي المواهب عن ابن ماجة فاغسلوني بسبع قرب من بير غرس, ثم قال وروى ابن النجار أنه ﵊ قال رأيت الليلة أني على بير من الجنة, فأصبح علي بير غرس فتوضأ منها وبزق فيها, انتهى المراد منها. وقوله من بيري أضافها إليه لأنه كان يشرب منها وبزق فيها وهي بقياء وحديث ابن ماجة سنده جيد, انتهى. وغسل,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, ثلاث غسلات الأولى بالماء القراح بفتح القاف أي الخالص الذي لم يخالطه كافور ولا غيره والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور وهو طيب معروف شجره بالهند والصين يظل خلقا كثيرا وتالفه النمور انظر الزرقاني. (وولي الغسل من الأصحاب ... علي والعباس ثم ابناه قثم الفضل ومولياه ... شقران مع أسامة) يعني أن الذين تولوا غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, من أصحابه هؤلاء المذكورون وهم علي بن أبي طالب وهو الذي باشر الغسل وعمه العباس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشريف وقثم بضم القاف بن العباس ومولياه ﵇ شقران بضم المعجمة وأسامة بن زيد وهؤلاء الثلاثة كانوا يصبون الماء وأعينهم مربوطة بعصابة وكان علي يدلكه بخرقة كما في العراقي, وقال ان ذلك من تحت

стр. 878

القميص ونصه بعد قوله ولم يجرد من قميص اللبس. (يدلكه بخرقة علي ... من تحته وهو له ولي) قال المناوي من تحته أي القميص, وقوله وهو له ولي أي وعلي هو الذي تولى غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, بوصية منه كما رواه الواقدي عنه. وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الحارث قال غسل رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, علي وعلى يد علي خرقة فأدخل يده تحت القميص يغسله والقميص عليه انتهى كلام المناوي. وفي المناوي وغسله علي والعباس وابنه الفضل يعينانه وقثم وأسامة وشقران مولياه يصبان الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر لحديث علي لا يغسلني إلا أنت, فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه رواه البزار والبيهقي وأخرج البيهقي عن الشعبي قال غسل علي النبي,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فكان يقول بأبي وأمي طبت حيا وميتا. وأخرج أبو داوود عنه ذهبت انظر ما يكون من الأموات فلم أر شيئآ وكان طيبا حيا وميتا, وفي رواية ابن سعد وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها وجعل على يده خرقة وأدخلها تحت القميص وذكر ابن الجوزي عن جعفر الصادق كان الماء يستنقع بكسر القاف أي يجتمع في جفونه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فكان على يحسوه أي يشربه, انتهى المراد منها. وقوله والعباس مبتدأ وابنه عطف عليه والخبر يعينانه أي في تغليب جسمه الشريف وضمير أعينهم للعباس ومن بعده لا لعلي, فإنه لم يعصب عينيه وطمست بفتح الطاء والميم زال ضوؤها وصورتها أى فإني أخشى على غيرك ان تحين منه لفتة فتطمس عيناه, وأما أنت يا علي فأعرف تحرزك عن ذلك فلا أخشى عليك. وروي أن عليا نودي وهو يغسله أن ارفع طرفك نحو السماء خوفا أن يديم النظر إليه, وقوله سطعت أي ارتفعت قاله الزرقاني, قال مؤلفه سمح الله تعالى له وانظر ما مر عن البيهقي من أنهم يصبون فوق

стр. 879

القميص ويدلكونه بالقميص هل يخالف رواية ابن سعد والحاكم, من أن عليا كان يدلك بخرقة تحت القمبص أم لا, ولم يتعرضوا لذلك. (( ... ) وذكرا ... أن ابن خولى معهم قد حضرا) فكان ينقل الماء وقيل حضر ذلك المكان ولم يل شيئا, قوله ذكرا بصيعة المجهول يعني أن بعض أهل السير كالعراقي وابن سيد الناس وغيرهم قد ذكر أن هؤلاء المذكورين حضر معهم في غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, أوس بن خولى بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ومثناة تحتية ساكنة بعد اللام وهو خزرجي سالمي من بني عوف شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها, قاله المناوي, وهذا الضبط هو الذي صدر به وعزاه للقطب الحلبي ونقل أيضا عن الشاطبي والزمخشري والعسكري أنه يفتح الخاء والواو وشدة الياء, انتهى. وللعراقي: (غسله علي والعباس ... وقثم والفضل ثم ناس) (أسامة شقران يصببان ... الما وأوس حاضر المكان) (وقيل كان ينقل الماء له ... وأن عمه لم يشاهد غسله) وأوس هو ابن خولى حاضر المكان, أي الذي غسل فيه من غير أن يلي وقيل كان ينقل الماء لغسله, روى البغوي عن ابن عباس كان الذي غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, علي والفضل فقالت الأنصار ناشدناكم الله فأدخلوا معهم رجلا يقال له أوس بن خولى وهو من أهل بدر, انتهى من المناوي. وقال جسوس, قال في عيون الأثر غسله علي والعباس, وابناه الفضل وقثم ومولياه, وأسامه وشقران وحضرهم أوس بن خولى الأنصاري, انتهى. ثم قال جسوس إلا أن الذي باشر غسله علي, انتهى المراد منه فقول الناظم قد حضرا يصح أن يفسر بكل من القولين أي حضر معهم مكان الغسل من غير أن يلي شيئا, أو حضر وولي نقل الماء كما مر والله تعالى أعلم. ولم يذكر في المواهب حضور ابن خوالى وذكر أنهم حنطوا

стр. 880

مساجده ومفاصله ووضؤوا ذراعيه ووجهه وكفيه وقديمه وجمروه أي بخروه عودا وندا بفتح النون وتكسر, وشد الدال طيب معروف أو العنبر,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, تسليما. (وكفن المختار في أثواب ... بيض ثلاثة بلا ارتياب) يعني أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, كفن في ثلاثة أثواب بيض يمينة بلا ارتياب أي بلا شك. (دون عمامة ولا قميص ... ولا خياطة على المنصوص) معنى كلامه أن الأكفان الثلاثة لم يكن فيها قميص ولا عمامة ولم تخط عليه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-,. (بل جعلت لفائفا وأدرجا فيها ( ... )) أى لف,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فيها, أي في تلك اللفائف. (( ... ) عليه الله صلى وسلم تسليما (مدرجا) بضم الميم وفتح الراء منصور على المفعولية المطلقة بأدرج أي أدرج فيها إدراجا. وفي الرسالة وقد كفن النبي,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, في ثلاثة أثواب بيض سحولية أردج فيها إدراجا,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قال أبو الحسن أي لف فيها لفا, انتهى. وما صرح به الناظم من أنها لفائف يمكن أنه ظاهر كلام الرسالة , وذكر الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح الموطإ وفي شرح المواهب ان في طبقات ابن سعد التصريج بأن الثلاثة المذكورة أزرة ورداء ولفافة, انتهى, والله تعالى أعلم. ولفظ موطإ مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة, زوج النبى,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, أن رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية وليس فيها قميص ولا عمامة, انتهي. قال الزرقاني والحديث رواه البخاري وأصحاب السنن عن مالك بهذا السند
следующие страницы →