← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

من كلام ابن حجر. وفي سنن ابن ماجه انه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قال في مرضه إيها الناس إن أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري, فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي, انتهى من المواهب. وما أحسن قول القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلدي ... واعلم بأن المرء غير مخلد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وقال الأخر: تذكرت أن قد فرق الدهر بيننا ... فعزيت قلبي بالنبي محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد (وغسل المختار في الثياب) يعني أنه-صلى الله تعالى عليه وسلم- لم يجرد من ثيابه التي مات فيها ﵇, بل غسل وهي عليه والمراد بها قميصه فالمراد بالجمع المفرد والله أعلم. قال الحافظ العراقي: غسل من بيره بئر غرس ... ولم يجرد من قميص اللبس قال المناوي في شرحه اللبس بضم اللام وروي ابن إسحاق عن عائشة لما أرادوا غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قالوا ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله بثيابه؟ ! فلما اختلفوا ألقي الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو اغسلوه وعليه ثيابه فغسلوه وعليه ثيابه يصبون الماء فوق القميص, انتهى.

стр. 877

ونحوه في المواهب وعزاه للبيهقي, إلا أن لفظه فغسلوه وعليه قميصه يضعون الماء فوق القميص ويدلكونه بالمقيص, وقوله غسل من بيره إلخ أي بوصية منه, رواه ابن ماجه عن علي مرفوعا إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بيري بير غرس, وكانت بيرا لسعد بن خيثمة, وكان المصطفى,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, يشرب منها, وغرس بفتح الغين المعجمة وسكون الراء فسين مهملة, انتهى من المناوي. وذقنه هو بفتح الذال والقاف مجتمع لحييه, جمع القلة أذقان والكثرة ذقون كأسد وأسود, قاله في المصباح نقله الزرقاني وفي المواهب عن ابن ماجة فاغسلوني بسبع قرب من بير غرس, ثم قال وروى ابن النجار أنه ﵊ قال رأيت الليلة أني على بير من الجنة, فأصبح علي بير غرس فتوضأ منها وبزق فيها, انتهى المراد منها. وقوله من بيري أضافها إليه لأنه كان يشرب منها وبزق فيها وهي بقياء وحديث ابن ماجة سنده جيد, انتهى. وغسل,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, ثلاث غسلات الأولى بالماء القراح بفتح القاف أي الخالص الذي لم يخالطه كافور ولا غيره والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور وهو طيب معروف شجره بالهند والصين يظل خلقا كثيرا وتالفه النمور انظر الزرقاني. (وولي الغسل من الأصحاب ... علي والعباس ثم ابناه قثم الفضل ومولياه ... شقران مع أسامة) يعني أن الذين تولوا غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, من أصحابه هؤلاء المذكورون وهم علي بن أبي طالب وهو الذي باشر الغسل وعمه العباس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشريف وقثم بضم القاف بن العباس ومولياه ﵇ شقران بضم المعجمة وأسامة بن زيد وهؤلاء الثلاثة كانوا يصبون الماء وأعينهم مربوطة بعصابة وكان علي يدلكه بخرقة كما في العراقي, وقال ان ذلك من تحت

стр. 878

القميص ونصه بعد قوله ولم يجرد من قميص اللبس. (يدلكه بخرقة علي ... من تحته وهو له ولي) قال المناوي من تحته أي القميص, وقوله وهو له ولي أي وعلي هو الذي تولى غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, بوصية منه كما رواه الواقدي عنه. وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الحارث قال غسل رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, علي وعلى يد علي خرقة فأدخل يده تحت القميص يغسله والقميص عليه انتهى كلام المناوي. وفي المناوي وغسله علي والعباس وابنه الفضل يعينانه وقثم وأسامة وشقران مولياه يصبان الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر لحديث علي لا يغسلني إلا أنت, فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه رواه البزار والبيهقي وأخرج البيهقي عن الشعبي قال غسل علي النبي,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فكان يقول بأبي وأمي طبت حيا وميتا. وأخرج أبو داوود عنه ذهبت انظر ما يكون من الأموات فلم أر شيئآ وكان طيبا حيا وميتا, وفي رواية ابن سعد وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها وجعل على يده خرقة وأدخلها تحت القميص وذكر ابن الجوزي عن جعفر الصادق كان الماء يستنقع بكسر القاف أي يجتمع في جفونه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فكان على يحسوه أي يشربه, انتهى المراد منها. وقوله والعباس مبتدأ وابنه عطف عليه والخبر يعينانه أي في تغليب جسمه الشريف وضمير أعينهم للعباس ومن بعده لا لعلي, فإنه لم يعصب عينيه وطمست بفتح الطاء والميم زال ضوؤها وصورتها أى فإني أخشى على غيرك ان تحين منه لفتة فتطمس عيناه, وأما أنت يا علي فأعرف تحرزك عن ذلك فلا أخشى عليك. وروي أن عليا نودي وهو يغسله أن ارفع طرفك نحو السماء خوفا أن يديم النظر إليه, وقوله سطعت أي ارتفعت قاله الزرقاني, قال مؤلفه سمح الله تعالى له وانظر ما مر عن البيهقي من أنهم يصبون فوق

стр. 879

القميص ويدلكونه بالقميص هل يخالف رواية ابن سعد والحاكم, من أن عليا كان يدلك بخرقة تحت القمبص أم لا, ولم يتعرضوا لذلك. (( ... ) وذكرا ... أن ابن خولى معهم قد حضرا) فكان ينقل الماء وقيل حضر ذلك المكان ولم يل شيئا, قوله ذكرا بصيعة المجهول يعني أن بعض أهل السير كالعراقي وابن سيد الناس وغيرهم قد ذكر أن هؤلاء المذكورين حضر معهم في غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, أوس بن خولى بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ومثناة تحتية ساكنة بعد اللام وهو خزرجي سالمي من بني عوف شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها, قاله المناوي, وهذا الضبط هو الذي صدر به وعزاه للقطب الحلبي ونقل أيضا عن الشاطبي والزمخشري والعسكري أنه يفتح الخاء والواو وشدة الياء, انتهى. وللعراقي: (غسله علي والعباس ... وقثم والفضل ثم ناس) (أسامة شقران يصببان ... الما وأوس حاضر المكان) (وقيل كان ينقل الماء له ... وأن عمه لم يشاهد غسله) وأوس هو ابن خولى حاضر المكان, أي الذي غسل فيه من غير أن يلي وقيل كان ينقل الماء لغسله, روى البغوي عن ابن عباس كان الذي غسله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, علي والفضل فقالت الأنصار ناشدناكم الله فأدخلوا معهم رجلا يقال له أوس بن خولى وهو من أهل بدر, انتهى من المناوي. وقال جسوس, قال في عيون الأثر غسله علي والعباس, وابناه الفضل وقثم ومولياه, وأسامه وشقران وحضرهم أوس بن خولى الأنصاري, انتهى. ثم قال جسوس إلا أن الذي باشر غسله علي, انتهى المراد منه فقول الناظم قد حضرا يصح أن يفسر بكل من القولين أي حضر معهم مكان الغسل من غير أن يلي شيئا, أو حضر وولي نقل الماء كما مر والله تعالى أعلم. ولم يذكر في المواهب حضور ابن خوالى وذكر أنهم حنطوا

стр. 880

مساجده ومفاصله ووضؤوا ذراعيه ووجهه وكفيه وقديمه وجمروه أي بخروه عودا وندا بفتح النون وتكسر, وشد الدال طيب معروف أو العنبر,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, تسليما. (وكفن المختار في أثواب ... بيض ثلاثة بلا ارتياب) يعني أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, كفن في ثلاثة أثواب بيض يمينة بلا ارتياب أي بلا شك. (دون عمامة ولا قميص ... ولا خياطة على المنصوص) معنى كلامه أن الأكفان الثلاثة لم يكن فيها قميص ولا عمامة ولم تخط عليه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-,. (بل جعلت لفائفا وأدرجا فيها ( ... )) أى لف,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, فيها, أي في تلك اللفائف. (( ... ) عليه الله صلى وسلم تسليما (مدرجا) بضم الميم وفتح الراء منصور على المفعولية المطلقة بأدرج أي أدرج فيها إدراجا. وفي الرسالة وقد كفن النبي,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, في ثلاثة أثواب بيض سحولية أردج فيها إدراجا,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, قال أبو الحسن أي لف فيها لفا, انتهى. وما صرح به الناظم من أنها لفائف يمكن أنه ظاهر كلام الرسالة , وذكر الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح الموطإ وفي شرح المواهب ان في طبقات ابن سعد التصريج بأن الثلاثة المذكورة أزرة ورداء ولفافة, انتهى, والله تعالى أعلم. ولفظ موطإ مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة, زوج النبى,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, أن رسول الله,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية وليس فيها قميص ولا عمامة, انتهي. قال الزرقاني والحديث رواه البخاري وأصحاب السنن عن مالك بهذا السند

стр. 881

وتابعه السفيانان ويحيى القطان وغيرهم, كلهم عن هشام, وقوله ثلاثة أثواب في طبقات ابن سعد أزرة ورداء ولفافة, زاد ابن المبارك من كرسف, أي قطن, وقوله سحولية بضم المهملتين ويروى بفتح أوله نسبه إلى سحول قرية باليمن, وقال الأزهري بالفتح المدينة وبالضم الثياب, وقوله ليس فيها قميص ولا عمامة أي ليسا معدودين من جملة الثلاثة, بل زائدان عليها فلا يخالف قول مالك وأبي حنيفة باستحبابهما ويحتمل أن معناه لم يكن مع الثلاثة غيرهم وهو قول الشافعي والجمهور بعدم استحبابهما وإنما ذلك جائز. وقالت الحنابلة بالكراهة والنفي في الحديث نحو ما قيل في قوله تعالى: ﴾ بغير عمد ترونها ﴿أي بغير عمد أصلا, أو بغير عند مرئية, وقال بعض الحنيفة معناه ليس فيها قميص جديد, انتهى منه. وقال القباب في شرحه لقواعد عياض الحديث محمول عند مالك على أنهما كانا في الكفن إلا أنهما ليسا محسوبين في ثلاثة الأثواب, انتهى. ونحوه للعدوي في حاشية الرسالة. وفي المواهب والسحولية بفتح السين وضمها قال النووي والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين, وفي النهاية تعبا للهروي بالفتح منسوب إلي السحول وهو القصار لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلي سحول وهي قرية باليمن, وأما الضم فهو جمع سحل, وهو الثوب الأبيض النقي اهـ. قال الزرقاني وفيه شذوذ لأنه نسب إلي الجمع وقيل إن اسم القرية بالضم, انتهى. ثم ذكر في المواهب أن النووي صوب تفسير الشافعي وقال إن الثاني وهو تفسير مالك ضعيف لأنه لم يثبت أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, كفن في قميص وعمامة, انتهى. قال الزرقاني وهو مشترك الإلزام إذ لم يثبت أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, لم يكفن فيهما والحديث يحتملهما, انتهى. وقال العراقي بعد أن ذكر أنه ﵇ كفن في ثلاثة:

стр. 882

(وقد روى الحاكم أن قد كفنا ... في سبعة وبالشذوذ وهنا) أي وضعف بأنه شاذ, قاله المناوي. (وفرشت للمصطفى في القبر ... قطيفة حمراء دون نكر) القطيفة بفتح القاف وكسر الطاء المهملة فتحتية ساكنة ففاء كساء له خمل وفرشت بصيغة المجهول أي بسطت ونكر بضم النون أي انكار يعني أنه,-صلى الله تعالى عليه وسلم_, فرشت له في لحده قطيفة حمراء نجرانية كان يتغطى بها ويروى كان يجلس عليها, قال الزرقاني ولا خلف بينهما لجواز أنه فعل الأمرين, فرشها له,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, مولاه شقران بضم الشين, وقال والله لا يلبسها أحد بعدك. وقولي نجرانية قال الزرقاني بفتح النون وإسكان الجيم نسبة لبلد بين اليمن وهجر, انتهى. ولم يذكر الناظم رحمه الله تعالى القول بأنها أخرجت بعد ذلك قبل إهالة التراب عليه وعزاه المناوي للواقدي, وفي المواهب ان ابن عبد البر قال ثم أخرجت من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع, انتهى. وللعراقي: وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت وظاهر العراقي ترجيح كونها أخرجت والله تعالى أعلم. وقال المناوي في شرح القول الأول روي في الإكليل عن ابن عباس كان شقران حين وضع المصطفى,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, في حفرته أخذ قطيفة كان النبي,-صلى الله تعالى عليه وسلم-, يلبسها ويفرشها ودفنها معه في القبر, وقال والله لا يلبسها أحد بعدك, انتهى. قال مؤلفة عفا الله تعالى عنه وقد صرح في هذه الرواية بأن القطيفة كان يلبسها يفرشها ﵇ أي يفعل الأمرين اللذين جمع الزرقاني بين الروايتين بجواز أنه فعلها وقوله يفرشها مقتضى القاموس أنه بضم الراء, وفي المواهب قال النووي وقد نص الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مخدة

стр. 883

ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذ البغوي من أصحابنا فقال لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهة ذلك، كما قاله الجمهور. وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه أحد من الصحابة ولا علموا بذلك، انتهى. (وكان في طيبة حافران للشق واللحد فجاء الثاني) (وألحد القبر له ... ) يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لما أرادوا حفر قبره الشريف اختلفوا في الشق واللحد فقال المهاجرون شقوا كأهل مكة وقالت الأنصار الحدوا كما نحفر بأرضنا وكان في طيبة وهي المدينة حافران أحدهما مهاجري يشق وهو أبو عبيدة بن الجراح والثاني أنصاري يلحد وهو أبو طلحة زيد بن سهل، فقالوا نبعث إليهما فأيهما جاء قبل الآخر فعل فعله، فبعثوا إليها فجاء أبو طلحة أولا فألحد له فعلموا أن اللحد هو الذي اختار الله تعالى لنبيه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه الأفضل قال في المواهب وحفر أبو طلحة لحد رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في موضع فراشه حيث قبض وقال الزرقاني في شرحه روى ابن سعد اختلفوا في الشق واللحد فقال المهاجرون شقوا كأهل مكة وقالت الأنصار ألحدوا كما نحفر بأرضنا، فقالوا ابعثوا إلي أبي عيدية وأبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله، فجاء أبو طلحة فقال والله إني لأرجو أن يكون الله قد اختار لنبيه أنه كان يرى اللحد، فيعجبه فألحد له، انتهى منه. وقوله وألحد القبر له فاعل ألحد ضمير يعود على قوله الثاني وهو أبو طلحة لأنه هو الحافر للحد، وفي القاموس لحد القبر كمنع وألحد عمل لحدا انتهى. والضمير المجرور في البيت للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فمعنى قوله ألحد القبر له أي عمله له لحدا، وفي الحديث اللحد لنا والشق لغيرنا وفي الرسالة واللحد أحب إلي أهل العلم من الشق وهو أن يحفر للميت تحت الجرف، وفي حائط قبلة القبر إذا كانت الأرض

стр. 884

صلبة لا تتهيل وتتقطع وكذلك فعل برسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال القلشاني فسر اللحد ولم يفسر الشق وهو أن يوسع القبر ثم يحفر وسطه قبر آخر قدر الميت، وجاء اللحد لنا والشق لغيرنا ولما توفى ﵇ بعث الصحابة لرجلين أحدهما يشق والآخر يلحد واتفق الصحابة على أن يحفر له السابق فسبق الذي يلحد فاختار الله تعالى لنبيه اللحد فكان هو الأفضل، انتهى منه. وفي المواهب واختلف فيمن أدخله قبره وأصح ما روى أنه نزل في قبره عمه العباس وعلي وقثم بن العباس والفضل بن العباس. ويقال دخل معهم أوس بن خولي وكان آخرهم عهدا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قثم بن العباس، انتهى. قال الزرقاني أي أنه تأخر في القبر حتى خرجوا، انتهى كلامه. وصدر العراقي بأن الذين غسلوه دخلوا قبره، صلى الله تعالى عليه وسلم، ونصه: (ودخل النفر الألى في الغسل وقيل لا أسامة وخولي) (زاد ابن سعد أيضا ابن عوف مع عقيل امنو من خوف) وقوله الألى في الغسل أي الذين مر ذكرهم في الغسل والنفر الجماعة وقيل دخلوا قبره إلا أسامة وأوس بن خولي انظر المناوي والنفر هنا بسكون الفاء قاله مؤلفه. ( .... ) وأطبقا عليه تسع لبنات مطبقا) قوله أطبق بالبناء للمفعول ونائبه تسع، ومطبقا بضم الميم وفتح الموحدة منصوب على المفعولية المطلقة، يعنى أنه لما وضع في قبره الشريف أطبق عليه تسع لبنات أطباقا. قال في المواهب وروي أنه بني في قبره تسع لبنات، انتهى. وقال الحافظ العراقي: (ولحدوا لحدا له ونصبت عليه تسع لبنات أطبقت) قال المناوي لحدوا بفتح الحاء واللحد الشق في جانب القبر وتسع بتقديم المثناة على السين واللبنة بكسر الموحدة ما ضرب من الطين قبل الطبخ، وأطبقت أي جعلت على مقداره من جميع جهاته كالغطاء، انتهى.

стр. 885

وقال في القاموس الطبق محركة غطاء كل شيء وأطبقته جعلته وطبقته فانطبق وتطبق والطبق أيضا من كل شيء ما ساواه، وقد طابقه انتهى. (في بيت عائشة) المجرور متعلق بقوله ألحد يعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، حفر قبره الشريف في بيت أمنا عائشة رضى الله تعالى عنها، أي تحت فراشه، في الموضع الذي قبض فيه، وذلك أنه لما فرغوا من الصلاة عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قالوا أين ندفنوه؟ فقال ناس عند المنبر وقال آخرون بالبقيع، فجاء أبو بكر فقال سمعت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه. فحفر له فيه، أخرج الإمام في الموطأ. قال الزرقاني في شرحه وأخرج الترمذي عن أبي بكر مرفوعا ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، قال الزرقاني هذا من خصائص الأنبياء كما ذكره غير واحد والأفضل في حق من عداهم الدفن في المقبرة ومن كل مدينة جبانة، انتهى. وقولي ولما فرغوا من الصلاة عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أعلم أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، صلى عليه الناس أفلاذا لا يؤمهم أحد كما في الموطأ وغيره وكان الناس يدخلون عليه فوجا فوجا فيصلون صفا صفا ليس لهم إمام، وروى ابن سعد أن عليا قال هو إمامكم حيا وميتا. وقال الزرقاني بعد كلام ذهب جماعة إلي أنه لم يصل عليه، وإنما كان الناس يدخلون فيدعون ويصدقون، وقال عياض الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كانت صلاة حقيقة لا مجرد الدعاء فقط، انتهى. نعم لا خلاف أنهم لا يؤمهم أحد فقيل تعبدي وقيل ليباشر كل واحد الصلاة عليه منه إليه، وقال الشافعي وذلك لعظم أمره، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه وقيل لعدم اتفاقهم على خليفة وقيل لوصيته

стр. 886

بذلك، وروى البزار والحاكم من سند فيه مجهول أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لما جمع أهله في بيت عائشة قالوا فمن يصلي عليك؟ قال إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سرير اخرجوا عني فإن أول من يصلي علي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة بأجمعهم ثم ادخلوا علي فوجا فوجا وسلموا تسليما. وفي الترمذي أن الناس قالوا لأبي بكر أنصلي على رسول الله، صل الله تعالى عليه وسلم؟ قال نعم. قالوا وكيف نصلي عليه؟ قال يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يدخل قوم ويصلون فيكبرون فيدعون فرادي انتهى المراد من كلامه. وللعراقي: (ثم أتى الرجال فوجا فوجا صلوا فرادى ومضوا خروجا) (ثم النساء بعدهم فالصبية في حديث وبه جهالة) (صلى عليه أولا جبريل ثم ميكائيل إسرافيل) (ثم يليه ملك الموت معه جنوده الملائك المجتمعة) وقوله خروجا أي خارجين ثم بعد الصبيان دخل العبيد فصلوا أفذاذا إرسالا وقوله وبه جهالة أي في إسناده، عبد الملك بن عبد الرحمان مجهول، قاله المناوي، وفي الحديث الذي أشار إليه هو ما قدمته عن الزرقاني والصديق يليه ثم حوله الفاروق الصديق مبتدأ ويليه خبره يعني أن سيدنا أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قبره هو الذي يلي قبر المصطفي صلى الله تعالى عليه وسلم وراءه وقبر سيدنا عمر وراء قبر أبي بكر رضى الله تعالى عنهما وهذا مراده بحوله والله تعالى أعلم. وروى أبو بكر الآجري من طريق إسحاق بن عيسي عن عثيم بن نسطاس قال رأيت قبر النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في إمارة عمر بن عبد العزيز ورأيته مرتفعا نحوا من أربعة أصابع ورأيت قبر

стр. 887

أبي بكر وراء قبره ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه، قال في المواهب والأجري بضم الجيم المعجمة وشد الراء المهملة نسبة إلي عمل الأجر وبيعه وعثيم بمهملة فمثله مصغر ونسطاس بكسر النون وسكون المهملة ورواه أبو نعيم بزيادة وصوره لنا قاله الزرقاني. ولمؤلفه شوقا إلي هذه الروضة الشريفة: (يا روضة طاب منها الرق والقلم ولاح نور الهدى وانجابت الظلم) (فيها النبي وأبو بكر خليفته وسيدي عمر فاروقنا العلم) (يا ليتني كنت فيها قاطنا أبدا بل ليتني زرتها بل ليتني أمم) عليه والآل والأصحاب أجمعهم أزكي صلاة وتسليم يعمهم) وفي البخاري من طريق سفيان التمار وهو من كبار التابعين أنه رأى قبر النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسنما، زاد أبو نعيم وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك، وروى أبو داوود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال دخلت على عائشة فقلت يا أمه أكشفي لي عن قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة أي لا مرتفعة كثيرا ولا لاصقة بالأرض يقال لطئ بكسر الطاء ولطا بفتحها أي لصق مبطوحة ببطحاء العرصة

стр. 888

الحمراء، قال الزرقاني وغاية ما يفيد هذا أنها لم تكن غاية في الارتفاع وهو المطلوب فكيف يتأتي احتمال أنه لم يكن مسنما، انتهى. زاد الحاكم فرأيت رسول الله أي قبره، صلى الله تعالى عليه وسلم، مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال الزرقاني قال أبو اليمن بن عساكر وهذه صفته: وفي المواهب قال رزين ورش قبره، صلى الله تعالى عليه وسلم، رشه بلال بقربة بدأ بها من قبل رأسه وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء ورفع قبره عن الأرض قدر شبر ولما دفن، صلى الله تعالى عليه وسلم، أخذت فاطمة من تراب القبر ووضعته علي عينها وأنشأت تقول: (ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا) (صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا) والغوالي بمعجمة جمع غالية أخلاط من الطيب وروي أنها قالت: (اغبر ءافاق السماء وكورت شمس النهار وأظلم العصران) (والأرض من بعد النبي كئيبة أسفا عليه كثيرة الرجفان) (فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه مضر وكل يمان) انظر الزرقاني. وقال المناوي الغالية أخلاط من الطيب مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور. وقال النووي هي عنبر ومسك مخلوطان بدهن وأول من سماها بذلك سليمان بن عبد الملك، انتهى كلام المناوي.

стр. 889

سسس

стр. 890

سسس

стр. 891

قاصر على أسماء الأجناس مع المشي على الضعيف قاله الزرقاني. وقوله الموضوع على الذات أراد به ما دل عليه اللفظ، وقوله لتعريفها كأسمائه تعالى فإن مدلولها لا يلتبس بغيره حتى يراد تمييزه والمراد منها تعريف عباده به تعالى، وقوله أو تخصيصا أي تمييزها عن غيرها كأسماء المخلوقات وقوله والمسمى هو الذات أراد به المسمى جوهرا أو عرضا كمسمي البياض وقوله إذا أطلق أي كالألفاظ الموضوعة وقوله أحس كالنقوش الدالة عليها فإذا تصورت انتقل منها إلي الألفاظ ثم منها إلي معانيها وقوله فهم منها ذلك المعنى أي للعالم بالوضع، قاله الزرقاني. وفي الزرقاني بعد هذا بنحو أربع أوراق: ونقل الغزالي الاتفاق وأقره في الفتح على أنه لا يجوز لنا أن نسميه، صلى الله تعالى عليه وسلم، باسم لم يسمه به أبوه ولا يسمي به نفسه، انتهى. أي لا يجوز لنا أن نخترع له علما وإن دل على صفة كمال ولا يرد على الاتفاق الخلاف في أسمائه تعالى لثبوت صفات الكمال كلها له تعالى، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إنما يطلق عليه الكمال اللائق بالبشر فلو جاز ما لم يرد به سماع لربما وصف بما يليق بالله دونه على سبيل الغفلة، انتهى كلامه. (وذكر بعض الوصف والثناء) ذكر بالرفع عطف على بيان أي هذا ذكر بعض أوصافه، صلى الله تعالى عليه وسلم، سواء كانت خلقية بفتح الخاء وهي الراجعة للصورة الظاهرة وتدرك بالبصر أو خلقية بضمها كالحلم والزهد ونحوها من الأوصاف المدركة بالبصيرة، وقوله الثناء أراد به هنا أوصافه التي يثني عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، بها فهو في المعنى مقارب لقوله في الوصف، (وكان أجمل الورى) الورى الخلق، يعنى أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، هو أجمل الخلق، أي أحسنهم صورة. قال البراء بن عازب ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله، صلى الله تعالى

стр. 892

عليه وسلم، رواه الشيخان. وقال أبو هريرة ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا تبسم يتلألأ الجدر، وقوله كالشمس إلخ ... أي يتوهج كتوهج الشمس بحسنه وصفائه وبهاء ضيائه، وقوله يتلألأ بهمزتين أي تلمع ثناياه كاللؤلؤ، والجدر بضمتين جمع جدار وهو حائط الدار، والحديث رواه أحمد والترمذي وابن حبان، قال ابن سلطان. وقال جابر بن سمرة وقال له رجل أكان وجهه، صلى الله تعالى عليه وسلم، مثل السيف؟ فقال لا بل مثل الشمس والقمر. وكان وجهه مستديرا، قاله في الشفا. وقوله مستديرا أي غير مستطيل فلا ينافي ميلانه إلي الطول، قاله ابن سلطان، وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به كما مر أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسته من قريب قوله وأحلاه بالإفراد أي الناس وكذا قوله وأحسنه أي تبين حلاوة ملاحته وطراوة فصاحته من قريب. وفي حديث ابن أبي هالة يتلألؤ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وخصه لأن ذاك زمان كماله وسمي بدرا لمبادرته الشمس في الغروب ليلا ومبادرتها إياه في الطلوع صباحا، وقال علي رضى الله تعالى عنه في آخر وصفه، من رآه بديهة هابه ، أي خافه، مخافة العظمة، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله تعالى عليه وسلم، والناعت الواصف والأحاديث الواردة في هذا لا تكاد تنحصر ولا يدرك قعر بحرها المنهمر انظر الشفا وشرح القارئ له. وقال الإمام التسولي لو لم يكن له، صلى الله تعالى عليه وسلم، سوى ما اشتملت عليه ذاته من المحاسن لكفاه فإن جميع الواصفين له، صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدركوا من أوصافه إلا اليسير، لأن ما حوت ذاته من المحاسن خرق عادة ولم يوجد لبشر سواه فقد قالوا أن الله تعالى أخفى عن الصحابة جل جماله لطفا بهم لأنه لو أبداه لهم لذهبت عقولهم فلا يبلغون عنه شيئا، ولذا أسلم أبو ذر رضى الله عنه عند رؤيته، انتهى. وفي مطالع المسرات أن كل واحد منهم ينظر إليه على قدر طاقته بل

стр. 893

منهم من لم يكن يملأ عينيه منه، صلى الله تعالى عليه وسلم. (( ... ) وأكملا خلقا وخلقا بل لعمري أفضلا) يعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أكمل من جميع الخلق في الخلق بفتح المعجمة وسكون اللام وهو ما يرجع إلي صورته الظاهرة وفي الخلق بضمتين وهو ما يرجع إلي الأوصاف الباطنة كالشجاعة والحلم والصبر والحياء والكرم ووفور العقل الذي هو أصل كل كمال والجود والسخاء والاحتمال أما الشجاعة فهي قوة القلب عند البأس وكان ﵇ أشجع الناس وما ولى العدو ظهره قط، وتأمل ما تقدم مما وقع له يوم حنين وهو راكب على البغلة التي لا تصلح للكر ولا للفر ومع ذلك يركضها في نحور العدو وينادي باسمه ووصفه الذي هو موجب غضبهم عليه وتكذيبهم له: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما الحلم فهو حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات للغضب الباعث على العجلة في العقوبة والصبر حبس النفس على ما تكره فهو أعم من الحلم، فالصبر يكون على العبادة وعن المعصية وفي المصيبة وأما الجود والكرم والسماحة ومعانيها متقاربة فلا شك أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كان منها بالمحل الذي لا يدركه غيره. وفرق بعضهم بين هذه الحقائق فقال الكرم الإنفاق بطيب النفس أي انبساطها فيما يعظم خطره بفتحتين ويسكن أي قدره والانتفاع به فلا يطلق على ما يقل نفعه وسموه مزية وهو ضد النذالة والسماحة التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاسة أي صعوبة الخلق والسخاء سهولة الإنفاق على الأقارب والأجانب والغني والفقير وقال بعضهم من أعطى البعض فهو سخي ومن بذل الأكثر فهو جواد، ومن بذل الكل فهو كريم. وأما الحياء فهو رقة تعترى وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته أو ما يكون تركه خيرا من فعله وكان ﵇ أشد الناس حياء، انتهى من الشقا وشرح ابن

стр. 894

سلطان له. وقوله بل لعمري أفضلا بل هنا للانتقال بغير أبطال ولعمري مبتدأ وخبره محذوف أي قسمي ولا شك أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أفضل من جميع المخلوقات. (أخطأت) يصح أنه للخطاب، أي أخطأت يا مادح، ويصح أن الضمير للمتكلم أي أخطأت أنا. (إن شبهته بالبدر في الحسن) وكأنه رحمه الله تعالى في هذه الأبيات يشير إلي الأخذ على مجلي حلبة المديح النبوي حيث قال كالزهر في ترف إلخ ... وما فعل الإمام البصيري هو الجاري على ألسنة العرب نظما ونثرا وتأمل قول ابن رواحة أو حسان على الخلاف في ذلك: (روح من النور في جسم من القمر كحلة نسجت بالأنجم الزهر) وقول حسان: (واق وماض شهاب يستضاء به بدر أنار على كل الأناجبل) وقول أمنا عائشة رضى الله عنها: وقد نظرت إليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوما فقالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنت والله أولي بقول أبي بكر الهذلي ... وإذا نظرت إلي أسرة وجهه .. برقت كبرق العارض المتهلل .. وقد مر قول ابن أبي هالة فيما تقدم يتلألؤ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، وقول أبي هريرة كأن الشمس تجري في وجهه كما مر، وقال جابر بن سمرة فيما مر أن وجهه مثل الشمس والقمر، وهذا كثير جدا. ومن أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم، النجم والشمس كما في المواهب، والسراج. (أو جعلته كالبحر في الجود) أي أخطأت إن جعلته في الجود مثل البحر وجوابه ما تقدم، (أو مثلته بالزهر، في ترف)، الزهر بالفتح النور والترف النعومة، أي وأخطأت إن قلت إنه مثل الزهر في النعومة، ترف كفرح تنعم، وترفته نعمته (أو قلت نحو الدهر في همم)، تهمم الشيء طلبه والهمة بالكسر ويفتح ما

стр. 895

هم به من أمر ليفعل والهوى قاله في القاموس أي وأخطأت أيضاً إن قلت أنه مثل الدهر في الهمم أي في أنه لا يطلب أمراً إلا أدركه كما قال البصيري كالزهر في ترف والبدر في شرف والبحر في كرم والدهر في همم، وفيه من البديع أن كلا شطريه متصارع في نفسه. وقال حسان بن ثابت: له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر والعذر للإمام البصيري كثرة ذلك في ألسن الشعراء، كقوله: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره والليالي وقوله: ألا لا أرى على الحوادث باقياً وقول ابن دريد: إن الجديدين إذا ما استوليا ... على جديد أدنياه للبلا ومن نحو تشبيهه قوله تعالى: ﴾ كأنهن بيض مكنون، كأنهن الياقوت والمرجان ﴿جرياً على لغة العرب. (( ... ) ولو عكست المثلا ... لكان عندي خطئاً بل خطلا العكس قلب الشيء والمثلا محركة الصفة ومنه مثل الجنة والخطأ ضد الصواب والخطل محركة الخفة والكلام الفاسد الكثير ومعنى كلامه ولو قلبت الصفة فشبهت هذه الأشياء المتقدمة به، ﷺ ، فيما ذكرت فقلت إن البدر كهو في الحسن إلى أخرها لكان ذلك غير صواب بل كان كلاماً فاسداً، والبدر إنما اكتسب الحسن منه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن نوره مستفاد منه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكذا جود البحر وهمة الدهر ونعومة الزهر ولينه، إنما استفيد جميع ذلك منه، ﷺ ، إذا لولا هو ﵇ ما خلق قمر ولا شمس ولا بر ولا بحر ولا جنة ولا نار، ولا إنس ولا جان ولا

стр. 896

غير ذلك. وفي الحديث القدسي خلقتك من أجلي وخلقت الخلق من أجلك أو كما قال. أي خلقت الخلق لأعرفهم كرامتك علي انظر الزرقاني. (من أين للبدر بهاء خده) البهاء الحسن. (من أين للدهر وفاء عهده)، أي من أي جهة وصل للبدر حسنه؟ ومن أي جهة وصل للدهر، إنه لا يعاهد بشيء إلا وفى به، أي لم يصل لهما ذلك إلا من جهته، صلى الله تعالى عليه وسلم، (من أين للأزهار لين عطفه؟ ) الأزهار جمع زهر وهو النور واللين بالكسر والعطف بالكسر جانب الشيء أي من أي جهة حصل للزهر لين جانبه ونعومته؟ (من أين للبحر سخاء كفه؟ ) السخاء الكرم شبه البدر بشخص والبحر بشخص وأضاف إليهما ما هو من لوازمهما وكذا ما بينهما. (لا والذي أعطاه كل الحسن ... ما إن له من مشبه في الكون) لا زائدة والذي قسم وجوابه قوله ما إلخ ... ومن زائدة ومدخولها مبتدأ وخبره المجرور قبله وإن مؤكدة لما أي وأقسم بالله الذي أعطى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كل الحسن ما له ﵇ من مشبه في الكون. أي المخلوقات المكونات وقد تقدم أن الصحابة رضوان الله عليهم منهم من لم يكن يملاً عينيه منه، صلى الله تعالى عليه وسلم، مع أن الله تعلى اخفي عنهم جل جماله لطفاً بهم لئلا تطيش عقولهم وقوله لا والذي أعطاه إلخ .. قال الشيخ البوني: .. وكثيراً وجداً. ... وجود لا زائدة قبل القسم كمثل لا أقسم، لا أفعل ذم. وزيادتها قبله وجوابه مثبت كثير نحو: ﴾ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴿(الآية)، ﴾ ولا أقسم بهذا البلد ﴿وقد تزاد قبله وجوابه منفي كبيت الناظم ونظيره قوله: أخلاني لا تنسوا مواثيق بيننا فإني لا والله مازلت ذاكراً

стр. 897

قال مؤلفه غفر الله تعالى له ولأحبابه وها أنا إن شاء الله تعالى أذكر نظم الحافظ العراقي لوصف أم معبد بنت خالد الخزاعية به، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأذكر ما يحتاج له من كلام شارحه المناوي قال العراقي: تقول فيه بلسان ناعت ... أبلج وجه ظاهر الوضاءة الخلق منه لم تعبه ثجله ... كلا ولم تزر به من صعله أدعج الأهداب فيها وطف ... من طولها أو غطف أو عطف والجيد فيه سطع وسيم ... والصوت فيه صحل قسيم قوله بلسان بالتنوين وناعت صفة له، أي بلسان واصف لمحاسنه الظاهرة هو رجل أبلج وجه أي نيره مشرقه ولم ترد بلج الحاجب لأنها وصفته بالقرن الذي هو ضده والوضاءة الحسن والجمال. قال ابن عباس لم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوءه ضوء الشمس ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوؤه ضوء السراج، رواه ابن الجوزي. والخلق بفتح المعجمة وسكون اللام وتعبه بفتح الفوقية وكسر العين وثجلة بمثلثة مضمومة وجيم ساكنة وهي عظم البطن مع استرخاء أسفله والمراد لم يوجد في بدنه شيء يعاب وروي بنون مفتوحة وحاء مهملة ساكنة أي لم تعبه رقة هزال، قال القتبي ولم أسمع بالنحل أي بنون وحاء مهملة في غير هذا الموضع إلا في العطية. وقوله كلا، ردع لمن عابه بشيء من ذلك ولم تزر بضم المثناة الفوقية وسكون الزاي من الإزراء الاستحقار والاستخفاف بالشيء والصعلة بفتح الصاد وسكون العين المهملتين صغر الرأس. وكان ﵇ عظيم الهامة وادعج شديد سواد العين والأهداب جمع هدب بضم فسكون ووطف بفتح الواو والطاء المهملة وغطف بفتح الغين المعجمة بدل الواو وهما بمعنى وهو أن يطول شعر الأجفان وينعطف. وفي رواية عطف بعين وطاء مهملتين مفتوحتين وهي بمعناهما والجيد بكسر الجيم بمعنى العنق الوارد في رواية أم معبد وسطع بمهملتين مفتوحتين أي طول ووسيم أي حسن مضيء

стр. 898

وفي حديث أبي هالة أن عنقه كان في صفاء الفضة وليس وصفه بالوسامة في حديث أم معبد وصحل بفتح الصاد والحاء المهملتين هو كالبحة أي لم يكن حاد الصوت وقسيم جميل الوجه كله أي كل موضع منه أخذ قسماً من الجمال، انتهى المراد من كلام المناوي. وللعراقي بعد ما قدمت: كثيف لحية أزج أقرن ... أحلاه من قرب له وأحسن أحمله من بعد وأبهى ... يعلوه إذ ما يتكلم البها كذاك يعلوه الوقار إن صمت ... منطقه كخرز تحدرت فصل الكلام ليس فيه هذر ... حلو المقال ما عراه نزر لا بائن طولاً ولا يقتحم ... من قصر فهو عليهم يعظم كثيف لحية أي في لحيته اجتماع والتفاف، وهو بمعنى كث اللحية، وأزج مقوس الحاجبين مع ظهور الشعر وطول في طرفه وهذا خلقه فيه وأقرن أي متصل أحد الحاجبين بالآخر، كذا وصفته أم معبد، وعورض برواية ابن هالة سوابغ في غير قرن وأجيب بأنه كان بحسب ما يبدو للناظر من بعد أو بغير تأمل وأما القريب المتأمل فيبصر بين حاجبيه فاصلاً دقيقاً فهو أبلج في الواقع أقرن بحسب ما يبدو للناظر بغير تأمل وأحلاه بالأفراد أي من تأمله من قرب رآه أحلى الناس وأحسنهم ومن رآه من بعد رآه أبهى الناس وأحسنهم ووحد الضمير حملاً على لفظه أو على الجنس أي أحلى هذا الجنس أي الناس وقوله يعلوه إذ ما يتكلم البها، لفظ أم معبد إن تكلم سماه وعلاه البهاء أي ارتفع وعلا بكلامه على جلسائه والوقار الرزانة وتحررت تساقطت وفصل الكلام أي بينه يفصل بين الحق والباطل لفظ أم معبد حلو المنطق فصل لا نزر زلا هذر أي ليس بقليل لا يفهم ولا كثير يمل، ولا بقتحم من قصر بالبناء للمفعول ولفظ أم معبد ولا تقتحمه عين من قصر بالبناء للمفعول ولفظ أم معبد ولا تقتحمه عين من قصر أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقاراً له، انتهى المراد منه ثم قال العراقي:

стр. 899

بنظرة المنظر والمقدار ... تحفه الرفقة بائتمار إن أمروا تبادروا امتثالاً ... أو قال قولاً انصتوا إجلالاً فهو لدى أصحابه محفود ... أي يسرعون طاعة محشود ليس بعابس ولا مفند ... بذاك عرفته أم معبد نضرة المنظر حسنه وهي بفتح النون وسكون المعجمة وقوله والمقدار أي وعظم مقداره وتحفه، يطوفون به؛ ويدورون حوله؛ وقوله بائتمار أي مع ائتمارهم بأمره، والمحفود المخدوم، والمحشود من يجتم الناس حوله ليمتثلوا قوله ويهتدوا بأفعاله والعابس كالح الوجه لمن يجالسه والمفند بفتح الفاء وكسر النون مشددة من يكثر اللوم أو المنسوب إلى الجهل وقلة العقل انظر المناوي. ومن نظم العراقي لوصفه هند بن أبي هالة له ﵇: مفلج الأسنان سهل الخد، أشنب بادن طويل الزند ... عنقه يرى كجيد دمية ... مع صفاء لونه كالفضة ... قال في القاموس: مفلج الثنايا منفرجها وظاهرها اختصاصه بالثنايا ويؤيده إضافته إلى الثنيتين في خبر ابن عباس وقول بعضهم يحتمل الانفراج مطلقاً يرده أن المقام مقام مدح وقد صرح جمع بأن تباعد الأسنان كلها عيب عندهم وسهل الخد أي غير مرتفع الوجنتين وهو معنى أسيل الخدين وأشنب أي لأسنانه غاية البريق واللمعان والبياض وبادن ضخم البدن لا مطلقاً بل بالنسبة لما مر، من كونه شتن الكفين والقدمين جليل المشاش والكتد، ولما كانت البدانة قد تكون من كثرة اللحم والسمن المفرط الموجب لرخاوة البدن وهو مذموم أردفه ابن أبي هالة الوصاف بنفي ذلك فقال: متماسك أي يمسك بعض أجزائه بعضاً، من غير ترجرج ولا استرخاء فهو على الخلق الأول لم يضره السمن فهو لما بلغ السن الذي شأنه استرخاء اللحم كان كالشباب والزند كفلس قال الزمخشري ما انحسر عنه اللحم من الذراع والدمية الصورة من نحو رخام او عاج والمراد الصورة التي بولغ في تحسينها فشبه عنقه بالدمية في الاستواء والاعتدال وبالفضة في اللون

стр. 900

والإشراق، انتهى من المناوي. (ما أبصر الراؤون قط مثله) ما نافية والراؤن جمع راء فاعل أبصر وقط ظرف زمان للتعميم في الزمن الماضي يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لم ير الراؤون مثله في الحسن فيما مضى ولن يروا مثله فيما يأتي لأنه لا مماثل له في الحسن أصلاً حتى يرى. وفي الترمذي عن علي كرم الله وجهه لم أر قبله ولا بعده مثله. وللعراقي: يقول من ينعته ما قبله ... أو بعده قط رأيت مثله ويشمل المثل هنا المساوي فقط أو مع زيادة والمنفي هنا عموم الشبه فلا ينافي نوعاً منه وهو المثبت للذين يشبهون به، صلى الله تعالى عليه وسلم، انظر المناوي. وقال أبو بكر نظرت إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وليلة مقمرة فجعلت انظر إليه مرة وإلى القمر أخرى، وحسن جماله يزيد على القمر، فقلت صدق الله إذ قال وسراجاً منيراً. (يا ما أحيلاه وأبهى ... شكله ( ... )) الشكل الصورة وأبهى معناه أحسن وما تعجبية أي ما أحلاه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أحسن صورته والتصغير في أحلى للتعظيم وفي الدماميني وغيره أن التصغير لم يسمع إلا في أحسن وأملح، كقوله: يا ما أمليح غزلانا شدن لنا ... من هؤلياء كن الضال والسمر وشذ تصغير أفعل مقصوراً على السماع خلافاً لابن كيسان في اطراده، انتهى المراد منهما. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه بمنه التصغير هنا وإن كان للتعظيم والمحبة فالصواب أن يصان عنه هذا الجناب الرفيع لأنه يدخل الأسماء المعظمة فكذلك المعاني المفخمة، وهذا هو الأبلغ في الأدب في حق من

стр. 901

إليه جميع من ضمه المحشر في الشفاعة يرغب، صلى الله تعالى عليه وسلم، صلاة وتسليماً منه إليه على قدر جاهه العظيم، نسأله سبحانه بمنه أن يحلنا نحن وأحبتنا بجاهه عقب الموت جنات النعيم، آمين، آمين آمين يا أرحم الراحمين. (فهو)، صلى الله تعالى عليه وسلم، (لعمري) قسم اعتراض بين المبتدأ وهو قوله فهو بسكون الهاء وخبره الذي هو قوله (مفرد) أي واحد لا ثاني له (في الحسن) أي ما أعطي له ﵇ من الحسن الذي لم يشاركه فيه غيره فلا ينافي أن غيره أعطي بعض الحسن فالمنفي إنما هو مشاركة مخلوق له في حسنه بحيث يكون مماثلاً له في الحسن. وقوله (معنى وصورة) أراد بالمعنى الأوصاف الباطنة كالسجايا من كمال العقل والحلم والصبر والزهد والكرم وغيرها وبالصورة الذات الظاهرة وأوصافها المرئية بالبصر قد أوتي ﵇ من حسن الخلق ما لم يؤته مخلوق غيره وحسن الخلق ملكة نفسانية ينشأ عنها جميل الأفعال، قال العراقي: بعثه الرحمن بالإرفاق ... كيما يتم صالح الأخلاق قال المناوي أشار به إلى ما في حديث أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق، وفي رواية للبزار مكارم بدل صالح، والمراد بذلك أن الأنبياء بعثوا بمكارم الأخلاق وبعثت منها بما بعثوا وبإتمام ما بقي، انتهى المراد منه. (ولا استثني) أحداً من الخلائق في قولي انه ﵇ أحسن من جميعها بل ذلك على عمومه بلا خلاف، وقد أوتي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كل الجمال والجلال ويوسف أعطي شطر الحسن أي شطر حسن أدم وقيل شطر حسن جدته سارة إذ كانت لا تفارق الحور إلا فيما يطرأ على الآدميات من الحيض وغيره انظر ابن سلطان، وفي الشفا عن انس ما بعث الله تعالى نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً أي من الكل فشمل صورة يوسف وصوت داوود وفي الحديث دلالة على جواز مثل هذه الإضافة إذا لم يرد بها المهانة قاله

стр. 902

على القاري. (له من الأسماء والصفات ما ... به على كل الأنام قد سما) يعني انه ﵇ له من الأسماء الحسنة والأوصاف العلية ما يدل على أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد سما أي علا وارتفع على جميع الأنام وهو كسحاب الخلق والمراد بالأسماء الألفاظ التي جعلت دالة على ذاته الشريفة وقد مر أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى والاعتناء بشأنه ولذا يكثرون أسماء الشيء الذي لهم به عناية وقد مر أن أسماءه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أعلام وأوصاف في حقه وإن كانت أعلاماً فقط في حق غيره، فمحمد علم في حقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وصفة لأنها منقولة من اسم مفعول حمد بالتشديد للتكثير فمعناه المشار لها في بيت الناظم سائر أخلاقه العلية وأوصافه السنية وآدابه الشرعية كالدين والعلم والحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع والعفة والجود والشجاعة والحياء والتوأدة والوقار والصمت والمروءة وحسن العشرة بكسر العين كما في المناوي أي الصحبة والمخالطة، وغير ذلك مما جبل عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم إن أشهر أسمائه، ﵇، كما في المواهب، زاد الشامي: وأجلها: محمد، والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالممدح. قال الأعشى: إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد وبها سماه جده عبد المطلب ليطابق ما سماه الله تعالى به، فقيل له لم سميت ابنك محمداً وليس من أسماء آبائك، وعادة العرب تسمية المولود باسم احد آبائه؟ فقال أردت أن يكون محموداً في السماء لله وفي الأرض لخلقه، فحقق الله رجاءه. وقيل سماه بها لرؤيا رآها وهي أنه رأى في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم

стр. 903

عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور قال وما رأيت نوراً أزهر منها أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفاً، وهي تزداد كل ساعة عظماً ونوراً وارتفاعاً ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وناساً من قريش تعلقوا بها وقوماً منهم يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر أحسن منه وجهاً ولا أطيب ريحاً فيكسر أظهرهم ويقلع عيونهم فرفعت يدي لأتناول منها فلن أنل فقيل لي النصيب للذين تعلقوا بها، فقصها على كاهنه قريش فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض وعق عنه عبد المطلب بجزور يوم سابعه وقيل بكبش. ويلي محمداً في الشهرة أحمد كما في الفتح قاله الزرقاني. وقال المناوي محمد وأحمد أعظم أسمائه وأشهرها وأبلغها، وإليهما ترجع جميع صفاته، قال السهيلي وغيره كان المصطفى أحمد قبل أن يكون محمداً لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب القديمة وتسمية محمد وقعت في القرآن، انتهى. ونحوه في المواهب عن السهيلي ونقل نحوه عن القاضي، قال وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس. قال الزرقاني وكذلك في الآخرة، يحمد ربه فيشفعه فيحمده الناس وأحمد معناه أحمد الحامدين لله تعالى. وقال ابن القيم اختلف في اسمه أحمد فقيل بمعنى فاعل فمعناه أحمد الحامدين، وقيل بمعنى مفعول فمعناه أحق الناس وأولاهم أن يحمد. (ماذا عسى يا فائق الأنام ... حسناً وإحساناً على التمام أن يبلغ المثنون باللسان ... طرأ ( ... )) قوله ماذا ملغاة ولا يصح أن تكون موصولة لأن جملة عسى غير خبرية كما قالوا في قوله: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق وفائق اسم فاعل من فاقه فوقاً وفواقاً، علاه بالشرف، وحسناً وإحساناً منصوب بنزع الخافض، وطرأ حال من المثنون، أي أي شيء عسى أن

стр. 904

يبلغه المثنون عليك، أي المادحون لك يا رسول الله جميعاً بألسنتهم يا من علا على جميع الخلق بالشرف ففاقهم في حسن ذاته وكمال صفاته البشرية وفاقهم في الإحسان إلى غيره أي الإنعام عليه مع تمام هذين الأمرين فيك يا رسول الله فقد بلغت مرتبة من الحسن لم يبلغها مخلوق سواك كما بلغت من الإحسان إلى الغير ما لم يبلغه مخلوق غيرك فإن الله تعالى بمحض اختياره حجر نعمه أن يصل منها شيء إلى مخلوقه إلا من تحت يده، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقوله علي التمام، على بمعنى مع، كما قررت أي يبلغ المثنون عليك مبلغاً يناسب قدرك، ولو أثنوا عليك أي مدحوك. (مدى الزمان) أي إلى منتهاه ومدى الشيء غايته والزمان اسم لليل والنهار وما اشتملا عليه من الساعات. (بعد ثناء الله في القرآن ... عليك بالخلق العظيم الشأن) أي منتهاه. وهذا مقتبس من قول لسان الدين بن الخطيب: يا مصطفى من قبل نشأة أدم ... والكون لم يفتح له أغلاق أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى على أخلاقك الخلاق وقال: وغذا كتاب الله أثنى مفصحاً ... كان القصور قصار كل فصيح أي غايته. وقال سلطان المحبين عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه ونفعنا ببركته: أرى كل مدح في النبي مقصراً ... وإن بالغ المثني عليه وأكثراً إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى وأشار الناظم بهذا إلى قوله تعالى: ﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿. قال ابن الخازن لما كانت أخلاقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كاملة وأفعاله الجميلة وافرة وصفها الله تعالى بأنها عظيمة وحسن الخلق قوة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة والآداب المرضية ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والتشديد في المعاملات والتحبب إلى

стр. 905

الناس بالقول والفعل والبذل وحسن الأدب، والمعاشرة مع الأقارب والأجانب والتساهل في جميع الأمور وترك التهاجر والتقاطع واحتمال الأذى من الأدنى والأعلى مع طلاقة الوجه وإدامة البشر، ولقد كان جميع ذلك في رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهذا وصفه الله تعالى بقوله: ﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿. وقال الحسن هو آداب القرآن. قالت عائشة كان خلقه القرآن، انتهى المراد منه. نقله الوالد حفظه الله تعالى في الريان. وقال المناوي ولما اجتمع فيه، صلى الله تعالى عليه وسلم من خصال الكمال ونعوت الجلال ما لا يحصى أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم بقوله: ﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿، وأتى بعلي المشعرة بأنه استعلى على معالي الأخلاق واستولى عليها ووصف بالعظيم دون الكريم لأن الكريم يراد به السماحة واللين وخلقه غير مقصور عليه فعنده غاية الرحمة للمؤمنين وغاية الغلظ على غيرهم فاعتدل فيه الأنعام والانتقام ولم يكن همه سوى الله تعالى ولهذا قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها، كان خلقه القرآن. أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه وغير ذلك. وإليه أشار الناظم يعني العراقي بقوله: أكرم به خلقه القرآن ... فهو لدى غضبه غضبان يرضى بما يرضى إلخ .. وضمير فهو للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولدى بمعنى عند، أي فهو، صلى الله تعالى عليه وسلم، غضبان عند غضب القرآن أي عند كل ما جاء فيه غضب الله تعالى على أحد من الكفار ويرضى بما يرضاه القرآن ويتأدب بآدابه بكل ما أثنى عليه القرآن ودعا إليه تحلى به وكلما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه. وأعلم أن كمال الخلق إنما ينشأ عن كمال العقل والحق أن أصل حسن الخلق غريزي وتمامه مكتسب، انتهى المراد منه. (صلى عليه ربنا وسلما ... والآل والأصحاب أنجم السما)

стр. 906

أي الذين هم في الاهتداء بهم إلى طريق الحق بمنزلة نجوم السماء في الاهتداء بها في البر والبحر. وفي الحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. (واغفر لعبدك الذليل الجان ... ذنوبه يا واسع الغفران ما لاذ بالبيت العتيق واحتمى ... ببابك السامي مسيء قد سما) ما مصدرية ظرفية ولاذ به لوذا ولواذا مثلثلة تحصن به واستتر، والبيت العتيق الكعبة شرفها الله تعالى قيل لأنه أول بيت وضع بالأرض، أو اعتق من الغرق أو من الجبابرة أومن الحبشة، أو لأنه حرام لم يملكه أحد، قاله في القاموس. واحتمى تمنع وقوله ببابك خطاب للنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بدليل قوله الآتي: يا أكرم من تبسما؛ وقوله قد سما صفة لقوله مسيء ومعنى سما نهض وأتى قال أمرء القيس: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال وفي القاموس سما سموا ارتفع، والقوم خرجوا للصيد، انتهى. وفسر الأعلم سموت بنهضت ويدل على هذا التفسير نسخة قدم بالقاف والدال المكسورة أي أتى. (يروم)، حال من فاعل سما أي نهض وأتى يروم أي يطلب (غفرانا) للذنوب ويروم أي طلب. (وتوفيقا لما يرضيك يا أكرم من تبسما) وذلك هو الذي فيه مرضاة الله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وأشار بهذا إلى أن غالب ضحكه التبسم وربما ضحك حتى بدت نواجزه. ظلمت نفسي وأتيت ارتجي ... ببابك الغفران ( ... ) ظلم نفسه جني عليها أي جنيت على نفسي بالمعاصي واتيت أرجو الغفران بسبب الاحتماء والوقوف ببابك يا رسول الله وعادة الكرام أن السائل إذ وقف بباب أحدهم لا يرد فكيف به، صلى الله تعالى عليه وسلم، فما سئل شيئا قط فقال لا. والباب هنا كناية عن الالتجاء إليه

стр. 907

والتعرض لنفحاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، (يا من يلتجي) لجأ إليه كمنع وفرح لاذ به أي تحصن (إليه كل الناس يوم الفزع)، الفزع الذعر والفرق والفعل كمنع وفرح فزعا ويكسر ويحرك قاله في القاموس ويوم الفزع يوم القيامة ويعني بهذا أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، هو الذي يستغيث الناس به يوم القيامة في الموقف الهائل بل حين تراكمت الأهوال عليهم وضاق بهم الخناق وطال وقوفهم وألجمهم العرق واتهم البراء أنفسهم وكشف عن ساق فيشفع هو، صلى الله تعالى عليه وسلم، الشفاعة العامة في جميع من ضمه المحشر بعدما أسلمها له أكابر الرسل وقال كل واحد منهم لست لها. وينادي يا محمد سل تعطه، واشفع تشفع، فيقول يارب أمتي أمتي. (كن لي شفيعاً) أي ضمني إليك في جاهك يا رسول الله والشفاعة لغة الضم ومنه الشفع ضد الوتر والشفعة لأنها ضم أحد الشريكين نصيب شريكه إلى نصيبه، والشفاعة ضمك للغير في جاهك كما في المفهم للقرطبي. (وأجر) أي أغذ وأنقذ شخصاً (ذا جزع) يعني نفسه والجزع نقيض الصبر قاله في القاموس (فأنت خير شافع) ولذا لا يشفع أحد إلا بعد فتحك له يا رسول الله باب الشفاعة، (وأعطف) أي أشفق شافق. ومن أسمائه ﵇ العطوف أي الشفوق لكثرة شفقته على أمته، قاله الزرقاني. (وأنت بالأمة منها أرأف)، المجرور أن يتعلقان بأرأف أي أنت أشد رأفة بأمتك منهم بأنفسهم والرأفة أشد الرحمة وأبلغها، قاله أبو عبيدة وقال بن دحية الرأفة لدفع المكاره والرحمة لطلب المحاب وقال غيره الرأفة إحسان مبدؤه شفقة المحسن والرحمة إحسان مبدؤه فاقة المحسن إليه قاله الزرقاني وروى الشيخان عن أبي هريرة رفعه إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا أخذ بحجزكم وانتم تقتحمون فيها والحجزة بضم المهملة حيث ينتهي طرف الإزار، فكأنه قال أخذ بأوساطكم لأنجيكم من النار قاله الزرقاني في محل أخر. (فلا تكلني) يا رسول الله إلى غيرك أي لا تسلمني إليه

стр. 908

ولا تتركني. وكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه وتركه (وأجرني) أي أعذني يا رسول الله أنا (وأبي والأم) بالنصب أي أمي (والأهل) أي أقاربي وفي حكمهم الزوجة (غداً) يعني به يوم القيامة قال تعالي: ﴾ ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴿(من نصبي) بالتحريك وهو التعب وذلك اليوم يوم تعب إلا من وقاه الله بمحض فضله من ذلك، قال تعالى: ﴾ وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ﴿أجارنا الله تعالى وأحبتنا وجميع المسلمين. (بجاهك الأكرم لذت سيدي) أي تحصنت بجاهك الأكرم عند الله تعالى والجاه القدر والرفعة وسيدي مناداً بحذف يا، (وما يلذ به) أي يتحصن به من مكاره الدنيا والآخرة (إلى الرشد هدى) الرشد الهدى وهو ضد الغي وهداه أرشده والمجرور متعلق بما بعده. أي ومن يتحصن بجاهك هدي في الدنيا إلى طريق الرشد وذلك علامة على نجاته في الآخرة. بجاهك الأعظم يا خير نبي ... ما يبلغ أقصى مطلب الراغب السائل وهو منصوب بيبلغ بضم التحتية وأقصى مفعوله الثاني وما مبتدأ وخبره المجرور أول البيت، ومعنى كلامه أن في جاهه، صلى الله تعالى عليه وسلم، من العظم عن الله تعالى ما يوصل كل سائل بجاهه، ﵇، إلى أقصى مطالبه، وفي الحديث توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم. للهم شفعه فينا بجاهه عندك، اللهم يا رب بجاه نبيك المصطفى ورسولك المرتضى طهر قلوبنا من كل وصف يباعدنا عن مشاهدك ومحبتك وامتنا على السنة والجماعة والشوق إلى لقائك يا ذا الجلال والإكرام. فأنت باب الله أي امرئ ... وافاه من غيرك لا يدخل يا أكرم الخلق على ربه ... يا خير من فيهم به يسأل غيره الله عظم قدر جاه محمد ... وأنا له قدراً عليه عظيماً

стр. 909

في محكم التنزيل قال لخلقه ... صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. (ومطلبي ببابك الغفران ... والعفو والتوفيق والرضوان والأمن يوم الروع والقبول ... والفوز بالمحبوب والوصول لما ذكر الناظم رحمه الله تعالى ونفعنا به أن جاهه، صلى الله تعالى عليه وسلم، من توسل به حقيق بنيل أقصى مسؤوله بين مطالبه هو وهي شريفة فقال: ومطلبي إلخ ... والخطاب لله تعالى وبابه نبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتقدم وأنت باب الله إلخ .. ودعاؤه مرجو الإجابة ففيه وصفه لنفسه بغاية الاضطرار والالتجاء والاحتماء وقرع الباب ومدح المسؤول به، صلى الله تعالى عليه وسلم، ووصفه بأنه أرأف بالأمة من أنفسهم والاعتراف بالذنب على وجه الانكسار وقد قيل من فتح له في الدعاء فتح له في الإجابة. أما الغفران فهو ستر الذنب. وقد ورد أن من العباد من ينسى الله حفظته ذنوبه والعفو عدم المؤاخذة بالذنب والتوفيق خلق القدرة على الطاعة وضده الخذلان أعاذنا الله تعالى منه. والرضوان هنا إنعام خاص وقد اختلف فيه هل هو صفة ذات فيكون معناه إرادة الأنعام الخاص أو صفة فعل فيكون معناه ما قدمته لكن السؤال إنما يتعلق بالفعل لحدوثه لا بالإرادة لقدمها كما صرحوا به وهو ظاهر. ومن مسؤوله أيضاً الأمن من المخاوف يوم القيامة وهو مراده بيوم الروع والروع الفزع وقبول أعماله، والفوز أي الظفر بكل محبوب له فهو عطف عام على خاص، وأما قوله والوصول فيحتمل أن معناه الوصول إلى ما يحب فيكون من عطف المرادف ويحتمل أن يريد به الوصول الذي هو من اصطلاح السادة الصوفية. نسأل الله تعالى النصيب الأوفر من طريقتهم بلا محنة وقد قالوا لا مسافة تقطعها فتصل منها إلى الله تعالى، إنما الوصول زوال حجابك حتى تعلم أنك

стр. 910

من الله تعالى بحيث يراك وهو أقرب إليك من حبل الوريد فيكون ذلك منتجًا لمراقبتك له بحالك كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك وهو مقام الإحسان. تنبيه: ذكر في المواهب عن ابن عبد السلام أن من خصائصه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه يجوز أن يقسم به على الله تعالى دون غيره من الأنبياء والملائكة والأولياء. قال الزرقاني وأما الاستشفاع بهم فمستحب كما استشفع عمر بالعباس، فقال اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، رواه البخاري. وكذا يستشفع بما فعله من خير يذكره في نفسه فيجعله شافعًا لأن ذلك لائق بالشدائد كما في خبر الثلاثة الذين آووا في الغار قال وتعقب ما لابن عبد السلام بأنه لا اتجاه لما ذكره لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال بل في بعض الأخبار التصريح بخلافه وذكر التستري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته إذا كان لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بي، فإني الواسطة بينكم وبينه الآن بحكم الوراثة عن المصطفى، انتهى كلامه. فيا هناء من قبلتموه ... ويا عناء من رددتموه الخطاب في الموضعين لله تعالى والهناء بالفتح والمد السرور والفرح، والعناء بالفتح والمد التعب وهذا تعجب، أي فما أشد سرور من قبلتموه وما أشد تعب من رددتموه والعياذ بالله تعالى، وضمير الجمع هنا للتعظيم. حاشى أولى الرحمة والإحسان ... من أن يردوا راجي الغفران قال أسموني الصحيح أنها يعني حاشى التنزيهية اسم مرادف

стр. 911

للتنزيه منصوب انتصاب المصدر بدلًا من اللفظ بالفعل سبحان الله وقراءة حاشا بالتنوين أي تنزيهًا لله تعالى، انتهى المراد منه. ومعنى البيت أنزه أولي الرحمة والإحسان أي الإنعام تنزيهًا أن يردوا عبدًا يرجو غفران الذنوب وهذا تذلل واستعطاف لله تعالى أن يجيب دعاءه، ثم ذكر ما يدل على التوكل وتفويض الأمر إلى الله تعالى فقال: فليس للعبد سوى مولاه ... أدناه فضلًا منه أو أقصاه أي فليس للعبد ملجأ سوى مالكه ﵎ سواه أدناه أي قربه بالإنعام عليه فضلًا منه أي بمحض فضله أو أقصاه أي أبعده عدلًا منه فعذبه لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فإن أنعم ففضل وإن عذب فعدل، لأن من تصرف في ملكه بما أراد فقد عدل. فحذف الناظم عدلًا بعد قوله أو أقصاه اكتفاء بقوله فضلًا (فما لنا) معشر العباد (في الحالتين) أي حالتي الإدناء والإقصاء نعوذ بالله تعالى من الخذلان (مذهب) أي مكان نذهب فيه (عن باب مولانا) أي ما لكنا (إلى من نذهب) أي لا أحد نذهب إليه، إذ هو المتصرف في جميع المخلوقات بلا واسطة ولا شريك له ولا معين نسأله سبحانه التوفيقا ... وكونه غدا بنا رفيقًا ..... والدفع للضراء والبلاء .... والسبق في ميدان الأصفياء ..... فهو على ما شاءه قدير وبسماع من دعا جدير أي إجابته آمين يا رب العالمين. يا رب من للهالك الغريق ... ليس له سواك من رفيق الرفق اللطف، وفي هذا البيت إظهار الفاقة والاضطرار إلى الله تعالى إذ جعل نفسه بمنزلة الغريق في البحر فلا يرى حولًا ولا قوة ولا شيئًا ينفعه إلا إعانة مولاه ولطفه. (يا رب أنقذه) الضمير منصوب للهلاك الذي عبر به الناظم عن نفسه ومعنى انقذه أعذه وأجره (من الحريق) أي الإحراق أو فعيل بمعنى مفعل فهو بمعنى محرق وهو النار وبالأول فسر

стр. 912

المحلي والضياء وذوقوا عذاب الحريق، وفسره البيضاوي بالثاني، نقله الوالد حفظه الله تعالى في الريان. (بالمصطفى الهادي إلى الطريق) أي المستقيم أي بجاه المصطفى الهادي، والمصطفى والهادي من أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم، والمصطفى المختار من جميع الخلق والمصفى من الكدر والهادي المرشد والداعي. يا رب من للمقعد الكسير ... المفرط المفرط الأسير المقعد بضم الميم وسكون القاف وفتح المهملة العاجز عن القيام والكسير فعيل بمعنى مفعول والمفرط بسكون الفاء وكسر الراء مخففة المكثر من المعاصي والمفرط بفتح وكسر الراء المهملة المقصر في فعل الطاعات والأسير من أسرته ذنوبه وهذا تواضع منه رحمه الله تعالى واستدعاء لقبول التوبة. وفي الحديث: إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله تعالى وليس عليه شاهد من الله بذنبه، وفيه التائب من الذنب كمن لا ذنب له وفيه ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفر منه قاله المنذري في الترغيب. وفي الحديث والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، رواه مسلم وغيره. اللهم أغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. بالمجتبى جرني وكن مجيري ... بوجهه من لفحة السعير المجتبى من أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعناه المختار واجرني بإسقاط همزة القطع كقوله: إذا بكيت قبلتني أربعا ... فأربعا ثم اربعا ثم اربعا أي أعذني واللفحة الإحراق، والسعير تطلق على النار وعلى الخامس من أبوابه، أعاذنا الله تعالى من جميعها بجاه سيد الأولين والآخرين علي

стр. 913

أفضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين. يا رب جاء مستجيرا ... مستشفعا بمن أتى بشيرا عبد مضاف إليه ما قبله ويعني به نفسه ومستجيرا حال أي طالبًا أن يجار ومستشفعًا أي متوسلًا ومتوجهًا والمجرور يتنازعه الحالان قبله وبشيرًا حال من فاعل أتى أي مبشرًا لمن أطاعه بالجنة وهي من أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم. له وللإخوان لأهلينا طرا قوله له يتنازعه مستجيرًا ومستشفعًا وطرا حال ومعناه جميعًا وأبدل من قوله بمن قوله (بطه المصطفى ياسينا) أما طه فعده خلائق من أسمائه ﵇ وقيل إنه هو المراد بقوله تعالى طه فقيل أراد يا طاهر من العيوب ويا هادي إلى كل خير وأما المصطفى فمعناه المختار وقد تقدم. وأما يس فذكره جماعة في أسمائه ﵇ وجاء في بعض التفاسير يس: يا سيد، حكاه السلمي وغيره انظر المناوي، وفي المواهب وأما طه فروى النقاش عنه ﵊ لي في القرآن سبعة أسماء فذكر منها طه، وقيل معناه يا رجل وقيل يا إنسان، وقيل يا طاهر يا هادي وقيل معناه يا عظيم الشفاعة للأمة انتهى المراد منه. وقوله قيل معناه يا رجل أي رجل، وحرف النداء مقدر معه وهذا بالنبطية وهي لغة سواد العراق أو عك أو عكل وقوله يا طاهر أي من كل ذنب وعيب، ويا هادي إلى كل خير وقوله يا مطمع بضم الميم وسكون الطاء اسم فاعل من أطمع قاله الزرقاني. والمعتمد أن طه من أسماء الحروف التي رجح جماعة أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه. وأما يس فقيل معناه يا إنسان بلغة طيء قاله ابن عباس والحسن وغيرهما وقيل بالحبشية قاله نقاتل وقيل بالسريانية حكاه الكلبي وعن ابن الحنفية معناه يا محمد، وعن أبي العالية يا رجل وعن أبي بكر الوراق معناه يا

стр. 914

سيد البشر، وعن جعفر الصادق يا سيد انظر المواهب. بالعبد عبد الله بالمزمل ... أجب دعاء مستغيث وجل المجرور متعلق بقوله أجب، وعبد الله معطوف بحذف العاطف والمستغيث طالب الإغاثة والوجل بكسر الجيم الخائف ويعني به نفسه والعبد وعبد الله والمزمل من أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم، فاسمه، صلى الله تعالى عليه وسلم، العبد، ذكره في المواهب، قال الزرقاني مأخوذ من نحو ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ سمي به لأنه الكامل في العبودية، انتهى. وأما عبد الله فقال في المواهب سماه الله تعالى به في أشرف مقاماته، انتهى. قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ، وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الإنس والجن اتفاقًا والملائكة على الصحيح، وقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ولو كان له اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالات العلية. ولما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية ورقاه إلى أعلى المعالي العلوية ألزمه تشريفًا له اسم العبودية ولما خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا اختار أن يكون نبيًا عبدًا وكان يقول لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ولكن قولوا عبد الله ورسوله. وتطروني بضم أوله أي لا تتجاوزوا الحد في مدحي بأن تقولوا ما لا يليق بي. وليس للعبد إلا اسم العبد ولذا كان عبد الله أحب الأسماء إليه، انتهى. قال الزرقاني فالنهي إنما هو عن ذلك وإلا فمدحه، صلى الله تعالى عليه وسلم، مطلوب من كل أحد وقد سمعه وأجاز عليه مع أن أحدًا لا يبلغه، وروى مسلم أنه ﵇ قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وللطبراني وغيره إذا سميتم فعبدوا وللطبراني بسند ضعيف مرفوعًا أحب الأسماء إلى الله ما تعبد له، انتهى. ومن أسمائه، صلى

стр. 915

الله تعالى عليه وسلم، عبد الكريم وعبد الجبار، وعبد الحميد وعبد المجيد، وعبد الوهاب، وعبد القهار، وعبد الرحيم وعبد الخالق، وعبد القادر، وعبد المهيمن، وعبد القدوس، وعبد الغياث، وعبد الرزاق، وعبد السلام، وعبد المؤمن، وعبد الغفار انظر المواهب وغيرها. وأما اسمه المزمل، صلى الله تعالى عليه وسلم تسليمًا، فأصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي وسمي به لما روي أنه ﵇ كان يفرق بفتح الراء أي يخاف من جبريل أول ما جاءه ويتزمل بالثياب وقيل سمي به لأنه أتاه وهو، صلى الله تعالى عليه وسلم، متزمل في قطيفة وقال السدي معناه يا أيها النائم، وكان متلففًا في ثياب نومه. وعن ابن عباس يعني المتزمل بالقرآن وعن عكرمة بالنبوءة وقيل من الزمل بمعنى الحمل أي المتحمل بأعباء النبوءة وقال السهيلي ليس المزمل باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مستق من حالته التي كان متلبسًا بها، حالة الخطاب والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها حال النداء كقوله ﵇ لعلي وقد نام ولصق جنبه بالتراب قم أبا تراب، قال سهل بن سعد وما كان لعلي اسم أحب إليه منه. بالحاشر العاقب بالمدثر ... يا رب عللني بحوض الكوثر الإضافة بيانية أي الحوض الذي هو الكوثر وقد قيل أن الكوثر هو الحوض وقيل نهر في الجنة يشخب منه ميزابان في الحوض وقيل الخير الكثير وقيل غير ذلك وفي القاموس العل والعلل محركة الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعًا، عله يعله ويعله علا وعللا وأعله، انتهى ولم يذكر علله بهذا المعنى بل قال بعد هذا وعلله بطعام وغيره تعليلًا، شغله به، فيصح أن معناه يا رب فاشغلني بشرب الحوض، أو يكون قاس التضعيف والله أعلم. وهذه الثلاثة من أسمائه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أما اسمع ﵇ العاقب، ففسر بأنه آخر
следующие страницы →