Полный текст (746 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الثَّامِنُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالإِضْمَارِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكثَرُ وُقُوعًا، وَالْكَثْرَةُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مُخَالفَةِ الدَّلِيلِ.
التَّاسِعُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ فِي
===
فيقول الحنفيُّ: التخصِيصُ أَوْلَى مِنَ النَّقْلِ وتقدِيرهُ ما ذُكِر.
قوله: "الثَّامِنُ: إِذا وقع التعارض بين المجاز والإِضْمارِ- فالمجازُ أولى":
مثالُه: إِذا قال السَّيِّدُ لعبدٍ مِن عبيده -وهو أكبرُ مِنْهُ سِنًّا: أَنْتَ وَالِدِي. فيحتمل الكِنَاية عن العِتْق بطريق المَجَازِ ويحتملُ التَّعْظِيم بإضمارٍ؛ لأَنَّ تقديره: أنت كوالدي فمن يوقعُ العِتْق به، يرجِّحُ المجازَ لما ذكر، وَمَنْ لم يوقعه، يرجِّح الإضمارَ؛ لأنَّ قرينته لا تزايله.
وقِيلَ: هما سواءٌ؛ لتوقفهما على القرينة مع إِمكان خفائها فيهما.
قوله: "التاسِعُ: إذا وقع التعارضُ بين المجاز والتَّخصِيص، فالتخصِيصُ أَوْلَى":
مثالُه: قولُ الحنفيِّ فِي مترُوكِ التَّسْمية عمدًا: لا يؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
стр. 107
صُورَةِ التَّخْصِيصِ: يَبْقَى اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي شَيء مِن مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ وَفِي صُورَةِ الْمَجَازِ: لَمْ يَبْقَ اللَّفْط مُسْتَعْمَلًا فِي شَيءٍ مِنْ مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ لأَن التَّغْيِيرَ فِيهِ أَكْثَرُ.
===
فيقول الشافعي: هو مجازٌ فِي ذبح عبدة الأَوْثَانِ، وما أهلَّ لغير الله تعالى لملازمته ترك التسمية.
فيقول الحنفي: المجَازُ على خلاف الأَصل.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيقول الشافعيُّ وحملُ الآيةِ على الذكر اللَّفظِيّ، يلزم منه التخصيص بالناسي بالإجْمَاع، وهو على خِلاف الأَصْل.
فيقول [الحنفي]: التخصيصُ أوْلَى من المجَازِ، وتقديره على ما ذكر.
стр. 109
الْعَاشِرُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنَ الإِضْمَارِ -كَمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ التَّخْصِيصُ خَيرًا مِنَ الإِضْمَارِ.
===
قوله: "العَاشِرُ: إِذا وقع التعارضُ بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيصُ أوْلَى":
مثالُه، قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
إذا قيل فِي تأويله المراد بالحياة: الحياة المعنوية، فإن القاتل إذا اقتص منه فِي الدنيا - زال ذنبُه، فينجو فِي دار الآخرة.
فيُقالُ: هذا التأويل يلزم منه المجازُ.
فيعارضه: أنَّه يحتمل أن يكون الخطابُ للجميع، فيكون معناه فِي شرع القِصَاص حياة؛
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن القاتل إذا علم أنَّه متى قَتَلَ قُتِلَ، انزجر؛ فتبقى الحياةُ له، وللمقتول وهو أوْلَى؛ لإبقاء الحياة علي حقيقتها.
فيقول الآخر: إلَّا أن فيه إضمارًا؛ إِذ تقريره: ولكم فِي شَرْعِ القِصَاصِ حياة.
فيقول الآخَرُ: وفيما ذكرته تخصيصٌ، لقصره على القائلين.
فيقول الخَصْمُ: التخصِيصُ خير من الإِضمار، وتقديره ما ذكر.
فروع:
الأول: إذا تعارض الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أَوْلَى؛ لأن النسخ إبطال، والاشتراك تأخير إلى غاية.
الثاني: إذا تعارض الاشتراك والتواطُؤُ، فالتواطؤ أَوْلَى؛ لأنه دال على حقيقة فرده، والكثرة فِي مواردها.
الثالث: إذا وقع التعارض بين الاشتراكِ، وبين معنيين، أو بين جِنْسين- فالمعنيين أَوْلَى؛ لقلة المحذور.
وكذلك إذا وقع بين مَعْنيينِ، وجنس، أو بَين جنسينِ، فالأول أَوْلَى؛ لقلة المحذور فِي أحد الطرفين.
"قد تقدم حَصْرُ دِلَالةِ الأَلفاظ فِي المطابقة"، وهي:
الحقيقة، والتضمن، والالتزام، وهما المجازُ، ولا بُدَّ فيهما مِنْ مُلَازمهَ، إِمَّا دَاخِلًا، أو خارجًا.
قوله: "لأنه إذا حصل لفظ يُفِيدُ معنى، فهناك أَمْرانِ: اللفظُ، ومعناه، فإذا لم يُفِدِ اللفظ ذلك المعنى الثالث، ولم يكن فهم معناه مستلزمًا لفهم ذلك الثالث- امتنع حصولُ ذلك الثالث".
يعني بالثالث: ما أردت التجوزَ فيه، فإذا لم يكن الثالث نفسَ الموضوع، ولا لَازِمَهُ -فنسبةُ اللفظِ إِليه، وإلى سائر المَعَانِي نسبة واحدة، فلَا ارْتباط، وإذا لم يكن ارتباطٌ، فلا شعور.
стр. 111
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
شَرْطُ الْمَجَازِ حُصُولُ الْمُلَازَمَةِ الذِّهْنِيَّةِ؛ لأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لَفْظٌ يُفِيدُ مَعْنًى، فَهُنَاكَ أَمْرَانِ: اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ، فَإذَا لَمْ يُفِدِ اللَّفْظُ ذلِكَ الْمَعْنَى الثَّالِثَ، وَلِمْ يَكُنْ فَهْمُ مَعْنَاهُ مُسْتَلْزِمًا لِفَهْمِ ذلِكَ الثَّالِثِ -امْتَنَعَ حُصُولُ فَهْمِ ذلِكَ الثَّالِثِ؛ فَثَبَتَ أنَّ شَرْطَ الْمَجَازِ حُصُولُ المُلَازَمَةِ الذِّهْنِيَّةِ؛ فَالْمُلَازَمَةُ الذِّهْنِيَّةُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: اسْتِلْزَامُ الْعِلَّةِ الْمَعْلُولَ.
وَثَانِيهَا: اسْتِلْزَامُ الْمَعْلُولِ الْعِلَّةَ، لَمَّا كَانَ النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الْمُلَازَمَةِ أَقْوَى مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي- كَانَ الأَوَّلُ رَاجِحًا عَلَى الثَّانِي، عِنْدَ حُصُولِ التَّعَارُضِ.
وَثَالِثُهَا: مُلَازَمَةُ الشَّيئَينِ الْمُتَسَاويينِ؛ كَمَا فِي الْمُتَضَايِفَينِ وَكَمَا فِي الضِّدَّينِ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ
===
ومعنى: قوله: "الملازمة الذِّهنية: أنَّ الذهن ينتقل مِنْ فهم إلى فهم من غير واسطة":
احتراز من اللازم البعيد؛ فإنه لا يصحُّ استعماله فيه كملازمة الجَوْهر للعرض؛ فإنه يحتاج إِلى أوساط، فلا يصِحُّ إِطلاق أحدهما لإرادة الآخر.
واشتراط المُلَازمة الذهنية متقق عليه فِي صحة المجاز.
وهل يُشترط فِي صِحّته استعمال العرب له؟
فيه خِلَافٌ:
منهم من قال: هو شَرْطٌ، والأصح إطلاقُ النخلة على الطويل من الآدميِّينَ، ولكان إِثبات اللغة بالقياس.
وأُجِيبَ: بمنع الأوَّل، وَبِمَنْعِ أن يكون قِيَاسًا، بل ذلك استقراءٌ تام، علم منه صحة الإطلاق عند وجود المصحح؛ كما علم رفع كُل فاعل، ونصب كل مفعول.
قوله: والملازمةُ على ثلاثة أَقْسام:
استلزام العِلَّة المعلول، واستلزام المعلول العلة.
مثالُ ذلك: أَنَّ النظر يطلق، ويرادُ به تقلِيبُ الحدقة نحو المرئي.
ويطلق ويراد به نفسُ الإِبْصار، والأول سَبَبٌ فِي الثاني، فإذا جُعِلَ حقيقةً فِي تقليب الحَدَقَةِ مجازًا فِي الإِبصار- كان هذا المجازُ مِنْ إطلاق السبب على المُسَبِّب، وإذا عكس كان مِن إطلاق المسبب على السبب.
قال: والأول أَوْلَى؛ لاستلزام العِلَّة المعينة المعْلُولَ المُعَيَّنَ، واستلزامُ المعلول المعين مطلق العلة؛ لجواز تحليل الواحد بالنوع بالعِلَلِ المختلفة.
قوله: "وثالثها: مُلَازمةُ الشَّيئَين المُتَساويينِ"، يعني: وليس أحدهما سببًا فِي الآخر "كما فِي المتضايِفَين" يعني: كالأُبوّة والبُنوّةِ، ومتى فُهِم أَحَدُهما، فُهِم الآخرُ.
стр. 112
الشُّعُورِ بِأَحَدِ الضِّدَّينِ -يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِالضِّدِّ الآخَرِ. وَلَمَّا كَانَ الثَّانِي أَقْوَى مِنَ الثَّالِثِ- كَانَ الثَّانِي رَاجِحًا عَلَى الثَّالِثِ، عِنْدَ حُصُولِ التَّعَارُضِ.
الْمَسْألَةُ الثَّامِنَة
الْوَاوُ
الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ لأَنَّهَا قَد تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَمْتَنِعُ حُصُولُ التَّرْتِيبِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِم: "تَقَاتَلَ زَيدٌ وَعَمْرٌو".
===
قوله: "وكما فِي الضِّدَّين" يعني: من حَيثُ هو ضده، لا مِنْ جهة خصوصه.
"الواوُ العَاطِفةُ لَا تفيد الترتيبَ"، يعني: أنها للجَمْعِ المطلق، فَلَا تفيد الترتيب، ولا
стр. 113
وَالأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَة، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي غَيرِ التَّرْتِيبِ -وَجَبَ أَلَّا تَكُونَ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ؛ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ، وَلأَنهُ لَوْ أَفَادَتِ التَّرْتِيبَ- لَكَانَ قَوْلُهُ: "رَأَيتُ زَيدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ" مُتَنَاقِضًا، وَلَكَانَ قَوْلُهُ: "رَأيتُ زَيدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ" تَكرَارًا.
===
تمنعه، فقد يكون المَعْطُوف مُرتَّبًا معها؛ كقول حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ الأنصاري: [من الوافر]
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عِنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
والإجابة مُرتَّبةٌ عَلى الهِجَاء، والجَزَاءُ مُرتَّب على الإجابة.
وقد يكون متأخرًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وقد يكونان معًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ولا يمنع الاهتمامُ بتقديم الأول، وعليه قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فقال ﵊: [ابْدَءُوا بِمَا بَدَا اللهُ تَعَالى بِهِ".
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقول عُمَرَ ﵁ للشاعر القائل: [من الطويل]
........................ ... كَفَى الشَّيبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا
هَلَّا قلتَ: كَفَى الإسلامُ والشيب ...
وأقوى ما احتجَّ به: قولُه تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف ١٦١]، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، والقصةُ واحدةٌ.
واعْتُرِض عليه: بأنَّ التقديم مجازٌ في إِحْدى الآيتينِ.
وأقربُ منه أَنْ يُقال: إِذا كان معنى قولهِ تَعَالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ حُطَّ عنا ذُنُوبَنَا، أو مقالة بين حطه للذنوب، وهي كلمة التوحيد.
والأَمْر بالاستغفار، والتَّوْحِيد دَائِمٌ مستمرٌّ، فحسَّنَ التقدِيمَ والتأخير ضرورةُ الدوام.
وأَقْوْى ما احتجَّ به من حَيثُ المعنى: وقوعها حيث يمنع الترتيب في باب المفاعلة، كما ذكر، وذلك في قولهم: سِيّان زيد وعمرو، والمالُ بين زيدٍ وعمرو.
وامتناع وقوعهما فيما يقتضي التَّرتِيبَ، وهو جوابُ الشرطِ.
واعتُرِض على الأول: بأنه مَجازٌ عينته القرينةُ العقلية.
واحتُجَّ أيضًا: بأن الواوَ في مختلفي الاسم: كألِف التثنية في متفقى الاسم؛ بدليلِ أن الشاعر رد التثنية إلى العطف، كقوله: [من الرجز].
كَأَنَّ بَينَ فَكِّهَا وَالفَكِّ ... فارَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: [من الرجز]
لَيثٌ وَلَيثٌ فِي مَجَالٍ ضَنْكِ ... كِلاهُمَا ذُو أَنَفٍ وَمَحْكِ
والألفُ لَا تقتضي الترتِيبَ، كذلك الواوُ.
ومنع، وأسند المنع بقوله ﵊ للخَطِيب القِائل: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقد اهْتَدى، ومَنْ يَعْصِهما فَقَدْ غَوَى: "بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أَنْتَ، قلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ
стр. 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَرَسُولَهُ"، فلم يسو بينهما.
ويقول القائل لزوجته غَير المدخُول بها: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَينِ، وأنت طالقٌ، وطَالِقٌ؛ لوقوع اثْنَتَينِ في الأُولَى، دُونَ الثانية.
وأجِيبَ عن الأول: بأَنَّ الإفراد دَاخِلٌ في التعظِيم لله تعالى.
وعن الثاني: أَن طلقتين في المسألة الأُولَى، تَفْسِيرٌ لقوله: أنت طالق، وقولُه: طالق: ليس بتَفْسِيرٍ، وقد بانَتْ بالأُولَى، فلا تجد الثانية محلًّا، ويلتزم الوقوع على مذهب ما.
стр. 117
الْمَسْأَلَةُ التاسِعَةُ
[إِنَّمَا]
لَفْظَةُ "إِنَّمَا" تُفِيدُ الْحَصْرَ؛ لأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ فَهِمَ الْحَصْرَ فِي قَوْلِهِ ﵇: "إِنَّما الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"، وَفَهِمَهُ الصحَابَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: "إِنَّما الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ"؛ فَنَفَى وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْ غَيرِ مَاءٍ، وَلأَنَّ كَلِمَةَ "إِنَّ" لِلإِثْبَاتِ وَ"مَا" لِلنَّفْي؛ فَوَجَبَ حَمْلُ "إِنَّمَا" عَلَى إِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ، وَنَفْي مَا عَدَاهُ.
стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"قوله لأَن ابنَ عباسٍ ﵄ فَهِمَ من قوله ﵊: "إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" الحَصْرَ.
تقرير الدليل: أنه قاله مُحْتجًّا به على الصحابة على عدم مَنْعِ رِبَا الفَضْل، وحصره في النَّسِيئة، ولم ينازعوه في الإشعار.
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإِنَّمَا عارضُوهُ بقوله ﵊: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلا مِثلًا بِمِثْلٍ ... " الحديثَ؛ فكان إِجْماعًا.
وكذلك قولُه ﵊: "إِنَّمَا المَاءُ مِنَ الْمَاءِ" حاصلُه التمسك بالإِجماع أيضًا.
وأما دليله من اللغة: فقول الأعشى: [من السريع]
....................... ... وَإِنَّمَا العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقول الفرزدق: [من الطويل]
................... وإنما ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثلِي
وقوله: "ولأَن كلمة "أَنَّ" للإِثْبات، وكلمة "ما" للنفي".
تقريرُه: "أَنَّ الأصل إِبقاء الحروف على دَلالتها عند الضمِّ، و"أَنَّ" لِلإِثْبات، و"ما" للنفي، فلا بُدَّ من نفي وإِثبات، ويمتنع عود النفي إلى نفس المثبت؛ لما فيه من التناقض، فوجب حَمْلُهُ على إِثبات المذكور، ونفي ما سِوَاهُ.
والاعْتِرَاضُ عليه: يمنع أَن "مَا" ها هنا للنفي بل إِنْ أُعْملت "أَنَّ" فَـ"ما" زائدة، وإِنْ لَمْ تعمل فـ"ما" كافةً.
стр. 121
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
" الْبَاءُ"
الْبَاءُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ؛ لأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تُفِيدَ فَائِدَةً زَائِدَةً؛ صَوْنًا لِكَلامِ الله تَعَالى عَنِ العَبَثِ، وَكُلُّ مَنْ قَال بِأَنَّهَا تُفِيدُ فَائِدَةً زَائِدَةً، قَال: إِنَّمَا هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذلِكَ البَعْضُ مُبَيَّنَ الْمِقْدَارِ -كَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيهِ الاسْمُ، أَمَّا إِيجَابُ مَسْحِ الْوَجْهِ بِتَمَامِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ - فَذلِكَ إِنَّمَا عُرِفَ مِنَ الْخَبَرِ.
===
[قوله]: "الباءُ في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة ٦] تفيد التبعيضَ":
стр. 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زعم أنَّ الباء تفيدُ التبعِيضَ، وقد قال ابنُ جِنِّي في كتاب "سر الصناعة": لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُنَا. ورُدَّ: بأَنَّها شهادةً على النَّفْيِ.
قوله: "لأنه لا بُدَّ وأَنْ تُفِيد فائدةً زائدة" يعني: لأَنَّ الفِعْل يتعدى بِنَفْسِهِ، فقد فات معنى الإلصاق الَّذي هو حقيقة فيه، فلا بُدَّ من فائدة.
قال: ولا فَائِدَةَ إلَّا التبعيض، يعني: لأَنَّ ما عداها منفي بالإِجماع، أو بالأصل، وقد منع.
وقيل: بل في الآية ضَرْبٌ من القلب؛ فإِنَّ أَصْلَ الكلام: فَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ بالمَاءِ, و"الباء" تدخل على الممسُوح به؛ كقولك: "مسحتُ يَدِي بالمنديل"، فحذف الماءُ لِلْعِلْم به، ونقلت الباء إِلى الممسُوحِ؛ تنْبيهًا على المحذُوفِ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ في "أحكام القرآن" له.
стр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قولُه: "وأما مَسْحُ الوجه في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إِنَّما عُرِفَ بالخبر" لما استشعر النقص على ما قرره بآية التَّيَمُّمِ، اعتذر بالخبر.
ويُمْكِنُ أَنْ يُقَال: إِنَّ التعميم في الوجه غيرُ لازمٍ في استعمال التراب؛ إِذْ لا يجب إيصال التراب من الوجه إِلى كُلِّ ما يجب إِيصال الماء إليه من منابت الشعور الحقيقية.
стр. 124
الْبَابُ الثَّانِي فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسأَلَةُ الأوُلَى
الأَمْرُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلاءِ.
وَهذَا التَّعْرِيفُ يَشْتَمِلُ عَلَى قُيُودٍ:
الْقَيدُ الأَوَّلُ: قَوْلُنَا: "اللَّفْظُ الدَّالُّ" فَالْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الألْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى هذَا الْمَعْنَى، بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ.
===
الأَمْرُ والنَّهْيُ قِسْمَانِ من أَقسَامِ الكلام؛ كالْخَبَرِ، والاسْتِخبَارِ، والوَعْدِ والوعيد، والتَّرَجِّي والتَّمَنِّي، والدعاء، والنِّدَاءِ، وغير ذلك مما ذكر، والْحَصْرُ اسْتِقرَائِيٌّ.
والْكَلامُ يُطلَقُ على مَعَانٍ ما بين حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، فَيُطْلَقُ على المَعْنَى القائم بالنَّفْسِ، وعلى اللَّفْظِ مُسْتَعْمَلًا كان [أَو مُهْمَلًا]، مُؤَلَّفًا كان أو غير مؤلف.
وعلى الجُمْلَةِ التَّامَّةِ في اصْطِلاحَ النُّحَاةِ، وعلى الكناية، وعلى الإشارة، وعلى دلالة الحال؛ كقوله [من الرجز]:
امْتَلأَ الحَوْضُ ................ ... .............................
وقال بعضهم: ولا خِلافَ أن إطْلاقَهُ على الكِنَايَةِ، وَالإِشَارَةِ، ودَلالةِ الحَالِ -مجاز، وأن إِطْلاقَهُ على الجُمْلَةِ التَّامَّةِ في اصْطِلاحَ النُّحَاةِ- حَقِيقةٌ عرفية خَاصَّةٌ.
стр. 125
الْقَيدُ الثَّانِي: قَوْلُنَا: "عَلَى طَلَبِ الْفعْلِ"؛ فَنَقُولُ: إِنَّ مَاهِيَّةَ الطَّلَبِ مُتَصَوَّرَةٌ لِكُلِّ العُقَلاءِ تَصَوُّرًا بَدَهِيًّا؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ شَيئًا مِنَ الصَّنَائِعِ الْعِلْمِيَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْحُدُودَ وَالرُّسُومَ -فَإِنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ الْبَدَهِيَّةَ بَينَ طَلَبِ الفِعْلِ، وَبَينَ طَلَبِ التَّرْكِ،
===
وأما إِطْلاقُهُ على المَعْنَى القَائِمِ بالنَّفْسِ: فَحَقِيقَةٌ عند الأَشْعَرِيِّ، وأما إِطْلاقُهُ على اللَّفْظ: فقد تَرَدَّدَ الأَشْعَرِيُّ في أنه حقيقة أو مجاز، والمَشْهُورُ عنه: أنه مجاز.
وقال في جواب "المَسَائل البَصْرِيَّةِ": إنه حَقِيقَةٌ، فيكون مشتركًا.
وزعمت المُعْتَزِلَةُ: أنه حَقِيقَةٌ في اللفظ؛ لمُبَادَرَتِهِ إلى الفَهْمِ، ولأنه لو علقَ عليه طَلاقًا لم يَحْنَث بما في النَّفْسِ، وإنما يَحْنَث باللفظ.
وإذا انْقَسَمَ الكَلامُ إلى النَّفْسي واللفظي، فالأمر، والنهي، والخبر ينقسم إلى ذلك، ونحتاج في تَمْيِيزِ كُل وَاحِدٍ منها إلى حَدٍّ؛ لامتناع اجتماع المتخالفات في حَدٍّ واحد، أو رَسْمٍ وَاحِدٍ.
وقد اختلف الناسُ في حد الأمر اللفظي:
стр. 126
وَبَينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبَينَ الْمَفْهُومِ مِنَ الْخَبَرِ، وَيَعْلَمُونَ بِالْبَدِيهَةِ: أَنَّ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لأَحَدِهِمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنِ الثَّانِي.
стр. 127
وَكُلْ ذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هذِهِ الْمَاهِيَّةَ مُتَصَوَّرَةٌ تَصَوُّرًا بَدهِيًّا.
===
فقال القاضي ابنُ البَاقِلانيّ: هو القولُ المقتضى طاعةَ المأمُورِ بفعل المأمورية.
وضُعِّفَ من أَوْجُهٍ:
الأول: أَنَّ القول كما يُطْلَقُ على اللفظ، يُطلَقُ على ما في النفس؛ فيكون مشتركًا، والحُدُودُ تصار على الألفاظ المشتركة.
الثَّانِي: أَن قولَه: المأمور، والمأمورِ به مشتقانِ مِنَ الأَمْر، فَمَنْ جَهِلَ الأمرَ جهل كُلَّ ما يشتقُّ منه، فتعريفهُ به يلزمُ منه الدّور، وتعريفُ الأَجْلَى بالأَخْفَى.
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثالث: أَنَّ الطاعة عنده موافقةُ الأَمْر، فيلزم المحذور المذكور.
وقال أوائل المعتزلة: الأمر قول القائل لمن دونه: "افعلْ"، أَوْ مَا يقوم مقامه.
وأُورِدَ عليهم: أَنها قد تَرِدُ من النائم، والهَاذِي، ولا تكون أمرًا.
فقالوا: مع إرادة إِحْدَاث الصيغة أمرًا.
فورد عليهم: أَنَّها ترد لِلتَّهْدِيدِ، والإِباحة.
فقالوا: وإرادَةُ جعل الصيغة أمرًا.
فورد عليهم: أنَّها قد ترد مِنَ الحَاكِي، والمُبَلِّغِ، وليسا بآمرين.
فقالوا: مع إرادة المأمور به.
واكتفى الكَعْبِيُّ بإرادة المَأمُورِ بِهِ عن إرادة جعلها أمرًا، لاستلزامها، فقال: هي تابعة للحدوث.
واعْتُرِضَ عليهم: بأنَّ تقييدَهُ عن دُونِه يمنع طرده؛ فقد قال فِرْعَوْنُ لقومه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١١٠].
وقال عمرو بن العاص لمعاوية [من الطويل]:
стр. 129
الْقَيدُ الثَّالِثُ: قَوْلُنَا: "عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلاءِ" فَالْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ طُلِبَ ذَلِكَ الْفِعْلُ عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ -سُمِّيَ ذلِكَ الطَّلَبُ دُعَاءً وَالْتِمَاسًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى أَمْرًا: إِذَا حَصَلَ ذلِكَ
===
أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا فَعَصَيتَنِي ... وَكَانَ منَ التَّوْفِيقِ قَتْلُ ابْنِ هَاشِمِ
وقد اعتذروا: بأَنَّ هذا الإِطلاق مجازٌ، وحسَّنه تنزيلُه نفسَهُ منزلةَ الملتزم إشارته.
فلمَّا استشعر المصنِّفُ هذه الاعْتراضَاتِ على الحدين أراد حده بما يسلم من ذلك كُلِّه، فقال هو: "اللَّفْظُ الدَّالُّ على طَلَبِ الفِعْل عَلَى سَبِيل الاسْتِعْلاء".
فاستعمل "اللفظ" بدل "القول"؛ ليحترز عن الاشتراك، وقولُه: "الدال" احترازٌ من المُهْمَلِ، وقوله: "على طلب"، احْتِرَازٌ مِنَ الخَبَرِ، وقولُه: "الفعل" احترازٌ من النهي والاسْتفهام، ، وقولُه: "على سَبِيل الاسْتِعْلاء" ليدخل فيه مثل قول عمرو:
أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا ... ..................... البيت
ويخرج منه الالتماسُ، والدعاء.
قوله: "والقيدُ الثَّاني: طلب الفِعْل، فنقول: مَاهِيَّةُ الطلب متصورة لِكُلِّ العقلاء تصورًا بَدَهِيًّا ... " إلى آخره.
لم يختلف العقلاءُ في أنَّ الآمر حالة أمره، يجدُ في نفسه مِعنى ما يُعَبِّرُ عنه بالصِّيغَةِ.
لكن اخْتَلَفُوا في تَعْيِين ذلك المعْنَى، فزعمت الأَشْعَرِيَّةُ: أَنَّهُ اقتضاءٌ واستدعاء مغاير لماهية الإرادة.
وأنكرتِ المعتزلةُ ذلك، وقالوا: ليس في النفس إلَّا الإِرادة، فتنحل من هذا: أَنَّ وجْدَانَ أصل المعنى ضَرُورِيٌّ، وتصوره نظري، ولا يلزم مِنْ عِلْمنا بوجُودِ الشَّيءِ بالضرورة -أن نتَصوره ضرورة؛ فإنا نعلم وجود أَرْوَاحِنا بالضرورة، ولا نتصورها بالضرورة.
стр. 130
الطَّلَبُ مَعَ الاسْتِعْلاءِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطنَا الاسْتِعْلاءَ لَا الْعُلُوَّ؛ لأَنَّ مَنْ قَال لِغَيرِهِ: "افْعَلْ" عَلَى
===
وكذلك نعلمُ بالضرورة اختصاصَ حجر المِغنَاطِيس بخاصَّةِ جَذْبِ الحَدِيد، ولا نتصورها.
فدعْوَى المُصَنِّفِ: أن تصور ماهيته بَدَهِيَّة- غير صحيح.
واحْتجاجُه على أنه بَدَهِيٌّ بأَنَّ مَنْ لم يمارس شَيئًا من الصنائع العلمية، ولم يعرف الحدود، والرسوم بأمرٍ ونَهْي ... ".
يرد عليه: أَنَّ ذلك يستدعي وُجُودَ الشعور به، لَا تَصوّر ماهيته.
قولُه: "ويدرك التفرقة بين طلب الفعل، وطلب الترك": يعني بين الأمر، والنهي.
وقولُه: "وبين كُلِّ واحدٍ منهما"، يعني: بين الأمر، والنهي، وبين الخبر- يرد عليه: أَنَّ الفرق بين الشيئين، وتمايزهما لا يتوقفُ على فهم حقيقتهما ولا بُدَّ؛ فإنا كما نفرق بين الشيئين بتباينهما في شَيءٍ من الأَوْصاف الذاتية، فقد نفرِّقُ بينهما بتباينهما في الخواص، وبأَن يعرض لأحدهما ما لا يعرض للآخر:
مثال الافتراق بالخواص في مسألتنا، أَنْ نقول: من خَاصِّيةِ الأمر تعلقه بفعل الغير، ومن خاصيَّةِ الإرادة التي تخصص أن تتعلق بفعل المريد.
وأَيضًا فإنَّ الآمر قد يأمر بما يعجز عنه؛ كالعاجز عن القيام بَأَمْر غيره، بخلاف المريد.
ومثال افتراقها بالعارض: وجودُ أَحَدِهما بدون الآخر، وقد ذكر الأصحابُ له أَمْثلةٌ:
أحدها: أَنَّ الله تعالى أمر الكُفَّارَ والعُصَاةَ، ولم يرد إِيمانهم وطاعتهم؛ لأنه لو أراد ذلك - لوقع.
والثَّانِي: أنه لو حلف ليقضِيَنَّ غريمهُ دَينَه غدًا، إِنْ شاء الله تعالى، فلم يقضهِ في الغد مع التمكن- فإِنَّه لا يَحْنَثُ مع وجود الأمر.
الثالث: السيد المُعَاقَب من جِهة السلطان على ضَرْب عَبْدِه إذا اعتذر بأنه يُخَالِفُه، وأراد تَحْقِيقَ عُذْرِه بأمره بحَضْرةِ الملك، فإِنَّه يأمره، ولا يريد امتثالهُ.
وَاعْتُرِضَ على هذا الوجْهِ: بأنَّ الوارد منه -والحالة هذه- ليس حقيقةَ الأَمْر، وإِنَّما هو إرادة الأمر، وإِظهاره، وعذره يتمهد مع التلبيس.
قالوا: ومثله واردٌ عليكم في الطلب النفسي.
الرابع: قصة إبراهيم ﵇ فإِنَّه أُمِرَ بذبح ولده، ثم نسِخَ عنه قبل الامتثالِ، ولو
стр. 131
سَبِيلِ التَّضَرُّعِ إِلَيهِ-: لَا يُقَالُ: "إِنَّهُ أَمَرَهُ" وَإِنْ كَانَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ، وَمَنْ قَال لِغَيرِهِ: "افْعَل، عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلَاءِ؛ يُقَالُ: "إِنَّهُ أَمَرَهُ" وَإِنْ كَانَ أَدْنَى رُتبَةً مِنْهُ؛ وَلذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَ مَنْ هَذَا شَأنُهُ بِالجَهْلِ وَالحُمْقِ؛ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ أَمَرَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ رُتبَةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
الأَكَثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ "افْعَل" تُفِيدُ التَّرْجِيحَ، وَهؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّهُ مُتَعيِّنٌ لِلْوُجُوبِ؛ وَهُوَ المُخْتَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّهُ دَائِرٌ بَينَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أوْجُهٍ:
الأَوَّل: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشتَرَكًا بَينَهُمَا؛ بِأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
===
كان المأمورُ به مرادَ الوقوعِ من الله تعالى، لَمَا صحَّ نسخه.
ولهم فِي هذه القاعدة مَنْعٌ، وعلى الاحْتِجاج بالآية مقاومة مذكورة فِي الكتب المطولة.
وقد نتخيَّلُ أَنَّ فِي دعواه: أَنَّ تصور الطلب بدهى، مع احْتِجَاجِه على بداهته - تناقضًا؛ فإِنَّ البدهي لا يحتج عليه.
ويُمَكِنُ أَنْ يُقال: لا يلزم مِنْ تصوُّرِ الشيء بالبديهةِ إِدْرَاكُ وصفه بالدهية.
قولُه فِي القيد الثالث: "على سبيل الاسْتِعلاء لا العُلُوْ، واضحٌ، وقد تقدم البحثُ فيه فِي حَدِّ المعتزلة.
[قوله]: "صيغة افْعَلْ تفيد الترجيحَ، وهؤلاء اختلفوا .. " إلى آخر نقل المذاهب.
قوله: تفيد الترجيح: يعني ترجيح الفِعْل على التَّرْكِ؛ وإِنَّما قيده بالأكثرين احترازًا مِنْ مذهب الواقفية، ومِنْ مذهب مَنْ يُنَزلها على الإباحة.
وبالجُمْلَةِ: فإنَّ "افعل" تَرِدُ لِسِتَّة عَشَرَ معنى:
الأول: الوُجُوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةُ﴾ [البقرة ٤٣].
стр. 132
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحْدِهِمَا، مَجَازًا فِي الثَّانِي؛ إلا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَيِّهِمَا، وَمَجَازٌ فِي أَيِّهِمَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ التَّرْجِيحِ المَانِعِ مِنَ النَّقِيضِ، وَبَينَ التَّرْجِيحِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ النَّقِيضُ، وَلَا دَلالَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ لَا عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، وَلَا عَلَى الإِذنِ فِيهِ، وَهذَا الوَجْهُ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
وَمِنْهُمُ مَنْ قَال: إِنَّهُ يُفِيدُ النَّدْبُ؛ وَهذَا القَوْلُ قَويٌّ أَيضًا.
===
الثاني: النَّدْب؛ كقولِه تَعَالى: (فَكَاتِبُوُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور ٣٣].
الثَّالث: الإِبَاحَة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢].
الرابع: التهديد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠].
الخامس: الإِرْشَاد؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة ٢٨٢] فيفارق الندب: بأنه لمصالح الدُّنْيَا.
السادس: التَّأدِيب؛ كقوله ﵊ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ... ".
ويفارق الإِرْشَادَ: بأنَّه لحقِّ الغير.
السابع: التَّسْويَة؛ كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور ١٦].
الثامن: الإِهَانَة؛ كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩].
التاسع: الاحْتِقَارُ؛ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢].
العاشر: الإِنذار؛ كقوله تَعَالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهم ٣٠].
الحادي عشر: الامْتِنان؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف ١٦٠].
الثاني عشر: الإِكرام؛ كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].
الثالِثَ عَشَر: التَّعْجِيز؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨].
стр. 133
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالوُجُوبِ بِوْجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلَهُ تَعَالى لإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وَلَيسَ المُرَادُ مِنْهُ
===
الرابعَ عَشَر: الدعاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَاغْفِر لَنَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
الخَامِسَ عَشَر: التكوين؛ كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
السَّادِسَ عَشَرَ: التمنِّي؛ كقول امرِئ القيس [الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّويلُ أَلَا انْجَلِي ... ...........................
ومنهم من لم يَعُدْ الإِنْذَارَ، واكتفى بالتهديدِ، واتفق الجميعُ على أنّ استعمالها فيما عدا الأربعة الأول بطريق المجاز.
واختلفوا فِي الأربعة الأُوَلِ: وهي الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد: فذهب الأَشْعريُّ والقاضي إلى: أَنَّها مشتركة فِي الأربعة، ومقتضاها عند عدم القَرَائِنِ الوقْفُ.
ومنهم من غَلَا فِي الوَقْفِ، فقال: يحتمل إِطْلَاقها بطريق الحَقِيقة فِي الجميع، أو فِي البعْضِ، والباقي مجازٌ، إلا أَنَّا لَا نَدرِي، فيكون الوقْفُ فِي المراد، وكيفية الوضع معًا.
ومنهم مَنْ أخرج التهديد، وزعم أنها مترددة بين الثلاثة.
ومنهم مَنْ أَخْرَج الإِباحة أَيضًا، قَال: وهي مُتَرَدِّدَةٌ بين الوجوب والندب، وهو معنى قول صاحب الكتاب: اتفق الأكثرون على أَنَّ صيغة "افْعَلْ" تُفِيدُ التَّرْجِيحَ، فتخرج الإِبَاحَة، والحِظر؛ لأنَّ الإباحةَ لا ترجيح فيها للفعل على الترك، ولا لِلتَّرْكِ على الفِعْل، والحظر ترجيحٌ لجانب الترك.
стр. 134
الاسْتِفْهَامَ؛ لأَنَّهُ عَلَى الله تَعَالى مُحَالٌ، بَلِ الذَّمَّ؛ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّرْكِ بَعْدَ وُرُودِ الأَمْرِ؛ هذَا هُوَ الْمَفهُومُ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: "مَا مَنَعَكَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ؛ إِذ أَمَرْتُكَ؟ ! " إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفْهِمًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، لَمَا ذَمَّهُ اللهُ تَعَالى عَلَى التَّرْكِ، وَلَكَانَ لإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ: "إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ، وَمَا أَوْجَبْتَهُ عَلَيَّ؛ فَكَيفَ تَلُومُنِي؟ ! ".
===
وهؤلاءِ اختلفوا على ما ذكر:
فمنهم مَنْ قَال: هي حَقِيقَةٌ فيهما، ولا تعين لأَحدهما إلا بقرينة.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّها حقيقة فِي أحدهما، مجازٌ فِي الآخر، إلا أنا لا ندري أيهما الحقيقة.
ومنهم مَنْ قال: تُفِيدُ أَصْل الترجيح، أما أنَّه مانع من النقيض، أو غير مانع، فلا يعرف إلا بقرينة.
قوله: "وهذا الوجْهُ أَحْسَنُ الوجوه" يعني: لِخُلوِّه عن الاشْتِرَاكِ، والمجاز.
ومنهم بَنْ قال: تُفِيد النَّدْبَ؛ لأَنَّهُ المتيقن، ولحوق الذم بالترك مشكوكٌ فيه.
ومذهب الفقهاء: أنها حقيقةٌ فِي الوجُوب، مجازٌ فِيمَا عداه. ثم اختلف هَؤلَاءِ:
فمنهم مَنْ قال: تفِيدُ الوُجُوبَ وضعًا، ومنهم من قال: تفيده شرعًا، والحجج تأتي على المذهبين، إِنْ شاء اللهُ تعالى.
قوله: ﴿إِذ أَمَرْتُكَ﴾ وليس المراد منه الاسْتفهامَ" يعني: أنَّ الاستفهامَ يلزم منه الاستبهام، وهو جهل، وهو على الله تعالى محالٌ، فَتَعَيَّنَ حمله على مجازه، وهو إما التقرير؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
أو التوبيخ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ﴾ [يس: ٦٠].
وهذا التوبيخ والذم على الترك مِنْ خاصية الوجوب، فدلَّ على أَن الأمر فِي الآية للوجوب.
قوله: "فإِنْ قالوا: لعل الأمر فِي تلك اللغة كان مفيدًا للوجوب":
تقريره: بأَنَّ النزاع لم يقع فِي أن الأمر يذم تاركه، وإنما النزاع فِي أن "افعل" بمجردها للوجوب، أو لا؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِن أمر الملائكة الَّذي يشمل إبليس كان بصيغة "افعل"، ولعلَّه كان بصيغة ناصة من لغةٍ أخرى، فلا تفيد ذلك المطلوب.
قوله فِي الجواب: "قلنا: الظاهر يقتضي تَرْتِيبَ الذمِّ على مخالفة الأمر بأيّ لغَةٍ كان".
يقال له: هذا لا يدفع السؤال؛ فإنَّ تلك اللغة جاز أَنْ تكون ناصَّةً؛ فلا تفيد المطلوب.
وقد أُجِيب عنه بجوابٍ آخرَ: وهو أن المطلق يُحْمَل على المقيَّد إذا اتحدت الواقعةُ؛ وقد قال الله تعالى فِي آية أخرَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة ٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَإذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدينَ﴾ [الحجر ٢٩].
стр. 135
فَإنْ قُلُتَ: "لَعَلَّ الأَمْرَ -فِي تِلْكَ اللُّغَةِ- يُفِيدُ الْوُجُوبَ؛ فَلِمَ قُلْتَ بِأَنَّهُ فِي هذِهِ اللُّغَةِ كَذلِكَ؟ ! ":
قُلْتُ: الظَّاهِرُ يَقتَضِي تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلَى مُخَالفَةِ الأَمْرِ، فَتَخْصِيصُهُ بِأمْرٍ خَاصٍّ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لُهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَا قِيلَ لَهُمْ: "افْعَلُوهُ"؛ وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ ظَاهِرَ الأَمْرِ لِلْوْجُوبِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﵊ دَعَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ فَلَمْ
===
ويرد عليه: أنَّه لا يتعين أَنْ يكونَ قد ورد الأمر بنفس هذه الصيغة، بل جاز أَنْ يكونَ ذلك ترجمةً فِي سائر قَصَصِ الأنبياءِ المحكيَّةِ عنهم فِي القرآن بألْفَاظٍ مختلفة.
ويرد على أصل الدليل أَنَّه يحتمل إِفادته الوجوبَ لاِنْضِمام قرائن.
وأُجِيبَ عنه: بأَنَّ الأصل انتفاءُ القرائن، ولو كان هذا الاحتمال ضَارًّا لسقط الاحتجاج بسائر الظواهر والأحوال، بل الظاهر مِنَ الآية: أَنَّ الذم لم يكن لمجرد الترك، بَل للترك بصفة الإِبَاءِ، والاسْتكبار، وَزَعْمِهُ أنَّ الأمر بسجود الأعلى لِلأَدْنَى خلاف الحكمة؛ ولهذا حكم بكفره، فلم يكنِ الذَّم على مُجَرَّدِ التركِ.
ومما يُنَبَّهُ له: أن المحتجَّ بهذه الحُجَّة وما بعدها إِنْ كان مطلُوبه القطع، فمجرد هذه الاحتمالاتِ قادِحٌ وكافٍ فِي ردِّها، ولا يُغْنِيه الاعتذارُ بأنَّه خلاف الظاهر، وميلُ القاضِي وأكثرِ الأُصوليِّين إلى أَن المطلوب منها القَطعُ، وإنْ كان المطلوب منها الظنَّ فهي كافِيةٌ، وإليه مَيلُ المصنف؛ لأَنَّ مآلها إلى العمل، والعملُ يكفي فيه غلبةُ الظنِّ.
стр. 136
يُجِبْهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ؛ فَقَال ﵇: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَ؛ وَقَدْ سَمِعْتَ قَؤلَهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؛ فَذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ الاسْتِجَابَةِ عِندَ وُرُودِ الأَمْرِ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَن مُجَردَ الأَمْرِ لِلْوُجُوب.
الرَّابِعُ: قَولُهُ ﵇: "لَوْلَا أَنْ أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" وَكَلِمَةُ "لَوْلَا" تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيءِ لأَجْلِ وُجُودِ غَيرِهِ؛ فَهَهُنَا: تُفِيدُ انْتِفَاءَ الأَمْرِ؛ لأَجْلِ
===
قولُه: "الثَّانِي قولُه تَعَالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات ٤٨]، ذمهم على أنهم لا يركعون".
وأُورِدَ عليه: أَنَّ الذم احتمل أَنْ يكونَ للتكذِيب ورد الأمر، لا لعدم امتثاله.
وأُجِيب: بأنَّ ظاهره لترك الأمر، فإِذَا اجتمع معه التكذيبُ، وقد ترتب عليهما الذَّمِّ والويلُ - نزل الويلُ على التكذيب والذم على الترك.
قوله: "الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﵊ دعا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وهو فِي الصلاة، فلم يُجِبْهُ، فقال ﵊: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَ، وَقَدْ سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤].
تقريرُه: أَنَّهُ وَبَّخَهُ على ترك الإِجَابة بقولِه: "ما منعك أَنْ تُجِيب".
ويرد عليه: أَنَّ قولَهُ: "مَا مَنَعَكَ" لا يتعيَّنُ للتوبِيخ، بل يحتملُ الاسْتفهامَ؛ لاعتقادِ الرسُول ﵊ اسْتِبْهَامَ الأمر عليه مِنْ حيثُ إِن الكلامَ ممنوع فِي الصلاة، والإجابة كلام؛ فأرادَ ﷺ إِفهامه أَنَّ إِجابة الرسول ﵊ ليسَتْ مِنْ جِنْس الكلام الممنُوعِ فِي الصلاة.
قوله: "الرابعُ: قوله ﵊: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ ... " إِلى آخره".
стр. 137
وُجُودِ المَشَقَّةِ؛ فَهذَا يَقْتَضِي أَنَّ السِّوَاكَ غَيرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَأَجْمَعَتِ الاُمَّةُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ مَنْدُوبٌ؛ فَوَجَبَ أَلّا يَكُونَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هذَا: ظَهَرَ أَنَّ الأَمْرَ لَا يَحْصُلُ إلا عِنْدَ الْوُجُوبِ.
الْخَامِسُ: رُويَ فِي خَبَرِ بَرِيرَةَ؛ أَنَّهَا قَالت لِرَسُولِ الله ﷺ "اتَأْمُرُنِي بِذلِكَ؟ فَقَال ﵇: "لَا؛ إِنَّمَا أَشْفَعُ" نَفَى الأَمْرَ مَعَ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّدْبِيَّةِ؛ وَذلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ غَيرُ مَأمُورٍ بِهِ.
===
تقريره: أنَّه نفى الأَمْرَ بالسواك مع ثبوت النَّدْبِ بالإِجماع، فيتعيَّنُ أنْ يكون الأمر للوجوب.
ويرد عليه: أنَّه يحتملُ أَنْ يكون المرادُ لأَمرتهم وجوبًا.
قوله: "الخامسُ: ما رُويَ فِي خبر بَرِيرَةَ: أَنَّها: قالت لرسول الله ﷺ : أَتَأمُرُنِي بِذَلِكَ؟
стр. 138
السَّادِسُ: قَوْلُهُ ﵇: "إِذَا أَمَرتُكُمْ بِشَيءٍ، فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
لَا يُقَالُ: "إِنَّ قَوْلَهُ: "فَأتُوا مِنْهُ "صِيغَةُ أَمْرٍ؛ فَالاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لِلْوُجُوبِ - إِثْبَاتُ الشَّيءِ بِنَفْسِهِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ"؛
===
فَقَال لَا، إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ".
نفى الأمر مع حُصُولِ الشفاعة الدَّالةِ على الندبية.
قصة الحال: أَنَّ بَرِيرَةَ لما عتقَتْ تحت عبدٍ فقال لها ﵊: "مَلَكتِ نَفْسَكِ فَاختَارِي"، فاختارت فِرَاقَهُ، فشقَّ عليه ذلك؛ فاسْتَشْفَعَ برسول الله ﷺ فقال لها: "كَيفَ لَوْ رَاجَعْتِهِ؟ فَإِنَّما هُوَ أَبُو وَلَدِكِ".
فلم يرد منه ﵊ صيغة أمر، وَإِنَّما ورد منه تحضيضٌ، والتَّخْضِيضُ يستلزم الطَّلَب، فتردد ذلك عندها بين أن يكون أَمْرًا فتمتثله، أو شفاعة.
وقول المصنف: "إِنَّ الشَّفاعة دالَّةٌ على الندب" - ممنوع؛ وَإِنَّما تدل على الندب إِذا كانت لغَرَضِ الآخرة، وأَمَّا غرضُ الدنيا فمحض إِرْشَادٍ! فلم يتحقق أمرٌ ألْبتَّةَ.
قوله: "السَّادِسُ: قوله ﵊: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
стр. 139
لأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الأَمْرَ الأَوَّلَ دَلَّ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ، فَلَمَّا قَال مَرَّة أُخْرَى: "فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ، "فَأتُوا مِنْهُ" أَصْلَ التَّرْجِيحِ؛ وَإِلَّا لَزِمَ التَّكرَارُ الْخَالِي عَنِ الفَّائِدَةِ؛ فَوَجَبَ حَملُهُ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ، وَتَأكِيدُ الطَّلَبِ - بِحَيثُ يَمْنَعُ مِنَ التَّرْكِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيهِ، إلا أَنْ يَذكُرَ الخَصْمُ مَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا، ثُمَّ تَأَكَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ: "مَا اسْتَطَعْتُمْ"؛ فَإنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالغَةَ التَّامَّةَ فِي الطَّلَبِ؛ وَذلِكَ يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنَ التَّرْكِ.
===
هذا الحديثُ احتجَّ به الغَزالِيُّ، وغيرُه على الندب".
تقريره: أنَّه لما قال ﵊: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمُ، وَإِذَا نَهَيتُكُمْ فَانْتَهُوا"، أمر بالانتهاءِ مُطلقًا، ورد الأمر إلى إِرَادَتنا، والمردود إِلى إِرادتنا هو المندوب.
ويرد عليهم: بأنَّه لا يُفهم مِنْ قولِه: "مَا اسْتَطَعْتُمْ" الندب؛ فإِنَّ الوُجُوبَ مُقَيَّدٌ أيضًا بالاسْتطاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
قولُه: "لَا يُقالُ: "فأتُوا، صيغة أمر، فالا سْتدلالُ به على أَنَّ الأمر للوجُوبِ - إِثباتٌ لِلشَّيءِ بنفسه".
تقريره: أَنَّ النزاعَ فِي مطلق صيفة "افعل" المجردة عن القرائن: هل تكون حقيقةً فِي الوجوب، أو لا؟ [و] قوله: "فأْتُوا" فرد مِنْ أفرادها، وصورة من صور محلِّ النزاع، وإثبات الكل بفرد منه يستلزم إِثبات الشيء بنفسه، وهو دور؛ فإِنَّه لا يثبتُ أَنْ قوله: "فأتوا" للوجوب، ما لم يثبت أَنَّ "افعل" للوجوبِ، ولا يثبت أَنَّ "افعل" للوجوب، ما لم يثبت أن "فأتوا" للوجوب.
قوله فِي الجواب: "لأَنَّا نقولُ: إِنَّ الأمر الأول دَلَّ على أَصْل الرُّجْحَانِ، فحمْلُ قوله:
стр. 140
السَّابِعُ: أَنَّ تَارِكَ المَأمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَكُلُّ عَاصٍ يَسْتَحِقُّ العِقَابَ؛ فَتَارِكُ المَأمُورِ بِهِ يَستَحِقُّ الْعِقَابَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا: "إِنَّ الأَمْرَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ، إلا هَذَا:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا أعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف ٦٩].
وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ [طه ٩٣].
وَقَوْلِهِ تَعَالى: [لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦٦].
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾.
الثَّامِنُ: أَنَّ الْعَبدَ، إِذَا لَمْ يَفْعَل مَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ، اقْتَصَرَ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ -فِي تَعْلِيلِ حُسْنِ ذَمِّهِ- عَلَى أَنْ يَقُولُوا: "أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِكَذَا، فَلَمْ يَفْعَل"؛ فَدَلَّ كَوْنُ هذَا الْمَفْهُومِ عِلَّة فِي تَعْلِيلِ حُسْنِ الذَّمْ، عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَأمُورِ بِهِ يُوجِبُ الذَّمْ.
===
"فأتوا" على الرُّجْحَانِ يكون تكرارًا، فَيَتَعيَّن حمله على فَائِدَةٍ زائدةٍ، والمنعُ من الترك فائدةٌ، فوجب حَمْلُ اللفظ عليها، ويتعين؛ لأنَّ الأصل عدم ما سواها".
والاعْتِرَاضُ عليه: بمنع حَصْر الفائدة فيما ذكر أو لزوم التكرار، بل جاز أَنْ يكُونَ المرادُ: إِذَا أمرتكم فَأتَمِرُوا؛ كما قال: "وإذَا نَهَيتُكُمْ فَانْتَهُوا" - حثًّا على طاعته، وليس فِي ذلك ما يُشعِرُ بالمنع من النقيض أو لا.
قوله: "السابع: أَنَّ تارك المأمور عاصٍ، والعَاصِي مستحقٌّ للعقاب، ولا معنى لِقولِنا: الأَمْرُ يفيدُ الوجوب إلا هذا".
والاعتراضُ عليه من ثلاثة أَوْجُه:
الأول: لا نسلِّمُ أَنَّ تارك المأمُورِ عاصٍ مطلقًا، بل تارك المأمور الواجب؛ لانعقاد الإِجْمَاعِ على أَنَّ تاركَ المندُوب ليس بعاصٍ.
الثاني: قوله: "والعاصى مستحقٌّ للعقاب" ممنوعٌ، واحتجاجُه بقولِه تَعَالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن ٢٣]- لا يسلم عمومه، بل هو خَاصٌّ بالكفار؛ لقرينةِ الخُلُودِ، والتَّأَبِيد.
الثالث: القَوْل بالمُوجبِ، فإِنَّه يدلُّ على أَنَّ الأمر للوجوب، فلم قُلْتُمْ إِنَّ مجردَ "افْعَلْ" تدل على الوجوب؟ .
قوله: "الثامن: أَن العبد إِذا لم يفعل ما أَمْرَهُ السيد به - اقتصر العُقَلاء مِنْ أهل اللغة فِي تعليل حسن ذمِّه على قولهم: أمره السيد بكذا، فلم يفعله".
ردَّ: بمنع ذلك مطلقًا، بل عند فهم الوجُوب، والحجَّة السابقةُ تدل على أَنَّ الأَمْر للوجوب في زعمه شرعًا، وهذه الحُجَّة تدل عليه لُغَةً وعُرفًا.
стр. 141
التَّاسِعُ: أَنَّ لَفْظَ "افْعَلْ" يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ؛ [كَـ "الْخَبَرِ"؛ فَإِنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى وُجُودِ الشَيءِ، كَانَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ]، وَالْجَامِعُ بَينَهُمَا: هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا وُضِعَ لإِفَادَةِ مَعْنَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ نَقِيضِ تِلْكَ الْفَائِدَةِ؛ تَكْمِيلًا لِذلِكَ الْمَقْصُودِ، وَتَقْويَةً لِحُصُولِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّ إِدْخَال الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ - أَوْلَى؟ ! ":
فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ [الأَمْرُ] كَذلِكَ، لَزِمَ أَنْ يُقَال: إِنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي وَالْمُضَارعِ لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُصُولِ؛ لأَنَّ المُشْتَقَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ والأَمْرِ - وَاحِدٌ.
العَاشِرُ: أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيهِ؛ وَذلِكَ صَوْنًا لِلنَّفْسِ عَنْ ضَرَرِ الْخَطَرِ؛ [فـ] بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْوُجُوبِ-: كَانَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ نَدْبًا - جَهْلًا، وَبِالضِّدِّ: فَالْحَظْرُ قَائِمٌ فِي الاعْتِقَادِ عَلَى كِلا التَّقْدِيرَينِ.
وَأَمَّا فِي الْفِعْلِ: فَحَمْلُهُ عَلَى الوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ لأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ خَالِيًا عَنِ الْخَطَرِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ مُتَعَيِّنًا؛ فَثَبَتَ: أَنَّ هَذَا أَحْوَطُ.
احْتَجَّ القَائِلُونَ بِالنَّدْبِ بِوُجُوهٍ:
===
قوله: "التاسع: أَنَّ لفظ "افعل" يدلُّ على طلب الفعل، فوجب أَنْ يَكُون مانعًا من عدمه كالخبر ... " إِلى آخره.
تقريره: أَنَّ أَمْثلة الأَفْعال الخمسة اشتركت في الدَّلالةِ على الحَدَثِ، والزمان الخاص، واختص: "فعل"، و"يفعل"، و"سيفعل" بالخبر، واختص "افعل"، و"لا تفعل" بِالطَّلب، وكما أَنَّ الخبر الصادق مانعٌ مِنْ نقِيضه، وجب أَنْ يكون الطلب جَازِمًا مانعًا مِنْ نقيضه، لإِطْبَاقِهِمْ على أنه لَا فَرْقَ بينهما سوى الخبر والطلب.
والاعتراضُ عليه: أنه لو سلم الجامع، فهو كقياس في اللغة، وجنسه ممنوع.
قوله: "العاشر: أَنَّ حمل اللفظ على الوُجُوبِ أحوطُ؛ فوجب المصير إِليه صونًا للنفس عن ضرر الخطر".
والاعتراضُ: أَنَّا لا نسلم اندِرَاج الندْبِ في حقيقة الوجوب؛ لِئَلَّا يلزم مِنَ الإِتيان بالواجب الإِتيانُ بالمندُوب، بل هما حَقِيقتَان متناقِضَتان؛ فإِنَّه يدخل في ماهِيَّة الندب جوازُ الترك، ويدخلُ في مَاهِيَّة الوجوب المنعُ مِنَ التَّرْك.
قوله: "احتج القائلون بالندب بوجوهٍ:
стр. 142
الأَوَّلُ: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ حَيثُ صَدَقَ فِيهِ الْوُجُوبُ تَارَةٌ، وَحَيثُ صَدَقَ فِيهِ النَّدْبُ أُخْرَى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهمَا؛ وَإِلَّا لَزِمَ الاشْتِرَاكُ؛ وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الآخَرِ؛ لأَنَّ الْمَجَازَ خِلافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ وَهُوَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ؛ لأَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَينَ التَّرْجِيحِ الْمَانِعِ مِنَ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ، وَبَينَ التَّرْجِيحِ الَّذِي
===
أحدها: أَنَّ هذه الصيغةَ وردت حَيثُ صدق فِيهِ الوجوبُ تارةً، وحيث صدق فِيهِ الندبُ أُخْرَى. . ." إلى قوله: "وما به المشاركة" يعني: هو أصلُ الترجِيح "غير ما به المخالفة" يعني: المنع من النَّقِيضَينِ أو عدم المنع.
وقوله: "وهو غير مستلزم له" يعني: لأَنَّ اللفظ إذا كانَ مَدْلُوله المعنى العام، فلا يَدُلُّ على الخاص، لَا مَطَابقةً، ولا تضمنًا، ولا التزامًا؛ فَيَتَعَيَّنُ أَن يكون مقولًا عيه بالتواطؤ، يعني: فيكون مدلولُهُ تَرْجِيحَ جانب الفعل على ما صرح به، وفيه مناقشة؛ فإنَّ القدر المشترك عند الفقهاء هو الطلب، وعند المعتزلة: إرادة المأْمُورِ به، وترجيح الفعل لازِمٌ لأحد الأمرين، فجعله حقيقة في اللازم، لم يقل به أحدٌ من الفريقين.
وقوله: "وَفي هذا المقام إِنْ أَردْنَا نُصْرَةَ مَنْ يقولُ الصيغة محتملة للوجوب، والنَّدْبِ -يعني: بطريق التواطؤ- اكتفينا بهذا القَدْرِ، وإِنْ أردْنا نُصْرَةَ من يقول إِنَّها للندب، قلنا: لما ثبت أَنَّ هذه الصيغةَ دلَّتْ على أصل الرُّجْحانِ، وقد كان جواز الترك ثابتًا بمقتضى البراءة الأصلية، فحينئذٍ يحصُلُ من اللفظ والبراءة الأصلية الإِشعار بالندب".
والاعتراضُ عليه: أَنَّ إِثباتَ اللغة بالاستصحاب العقلي لا يصِحُّ؛ فإنها إِمَّا توقِيفيَّة، أَو اصْطِلاحِيَّة.
стр. 143
يَجُوزُ مَعَهُ التَّرْكُ، الَّذِي هُوَ الْمَنْدُوبُ؛ وَمَا بِه الْمُشَارَكَةُ غَيرُ مَا بِه الْمُخَالفَةُ، وَغَيرُ مُسْتَلْزِمٍ
стр. 144
لَهُ؛ فَهذَا اللَّفْظُ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَصْلَ الرُّجْحَانِ. وَفِي هذَا الْمَقَامِ: إِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّ هذِهِ الصِّيغَةِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ" -اكْتَفَينَا بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّها تُفِيدُ النَّدْبَ"- قُلْنَا: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ دَلَّتْ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ، وَقَدْ كَانَ جَوَازُ التَّرْكِ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ فَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ الظَّنُّ أَنَّ طَرَفَ الْفِعْلِ رَاجِحٌ، وَأَنَّ التَّرْكَ غَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ؛ وَذلِكَ هُوَ النَّدْبُ.
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ جَعَلْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ -لَكَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكًا لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ قُلْنْا: "إِنَّهُ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ الَّذِي هُوَ القَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَإِنَّ جَوَازَ التَّرْكِ يَثْبُتُ بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ"- كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوُجُوبِ إِثْبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَمْ يَكُنْ رَفْعًا لِمُقْتَضَاهُ؛ وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَوْلَى؛ فَكَانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيهِ أَوْلَى.
===
قولُهُ: "الحُجَّة الثانيةُ: لو جعلنا هذه الصِّيغةَ حقيقة في الوجوب - لكانَ استعمالُها في الندب تركًا لمقتضى اللفظ. . ." إلى آخره.
حاصله: أنها لو كانت حَقِيقةً في الوُجُوبِ، وقد استعملت في النّدْبِ - لكان استعمالُها فيه مخالفًا للأصل.
وبتقدير جَعْلِها حقيقةً في الندب، لا يكُونُ استعمالُها في الوُجُوب مخالفًا لِلأَصل؛ وهذا يعارضه.
أما إِذا جعلناها حَقِيقةً في الندب، وقد استعملت في الوجُوبِ كانت مشتركةً، والاشتراكُ على خِلافِ الأَصْل، والندْب أعم مِنَ الوجُوبِ، فيكون إِطلاقًا للعام، وإرادة للخاص، وهو لا يشعر به، ولا يستلزمه على ما ذكر.
والحقُّ أنَّه أضعف لزومًا، فالأول أَوْلَى.
стр. 145
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: النَّافِي لِلْوُجُوبِ، قَائِمٌ؛ لأَنَّهُ حَرَجٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وَأَيضًا: [هُوَ] عُسْرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وَأَيضًا: [هُوَ] إِثْبَاتُ السَّبِيلِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وَضَرَرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ ﵊: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ":
===
والحجة الثالثةُ: ظاهرةٌ، والرابعةُ كذلك.
قولُه في الجواب عن حُجَجِ الندب: "لمَّا تعارضت الدلائِلُ، كان الترجيح معنا؛ لأنه أحوطُ" قد تقدَّم القولُ في منع استلزام الوجوب للندب.
قوله: "ولأنه أَوْفَقُ لعمل الصحابة ﵃":
следующие страницы →