Полный текст (746 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التَّاسِعُ: أَنَّ لَفْظَ "افْعَلْ" يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ؛ [كَـ "الْخَبَرِ"؛ فَإِنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى وُجُودِ الشَيءِ، كَانَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ]، وَالْجَامِعُ بَينَهُمَا: هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا وُضِعَ لإِفَادَةِ مَعْنَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ نَقِيضِ تِلْكَ الْفَائِدَةِ؛ تَكْمِيلًا لِذلِكَ الْمَقْصُودِ، وَتَقْويَةً لِحُصُولِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّ إِدْخَال الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ - أَوْلَى؟ ! ":
فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ [الأَمْرُ] كَذلِكَ، لَزِمَ أَنْ يُقَال: إِنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي وَالْمُضَارعِ لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُصُولِ؛ لأَنَّ المُشْتَقَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ والأَمْرِ - وَاحِدٌ.
العَاشِرُ: أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيهِ؛ وَذلِكَ صَوْنًا لِلنَّفْسِ عَنْ ضَرَرِ الْخَطَرِ؛ [فـ] بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْوُجُوبِ-: كَانَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ نَدْبًا - جَهْلًا، وَبِالضِّدِّ: فَالْحَظْرُ قَائِمٌ فِي الاعْتِقَادِ عَلَى كِلا التَّقْدِيرَينِ.
وَأَمَّا فِي الْفِعْلِ: فَحَمْلُهُ عَلَى الوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ لأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ خَالِيًا عَنِ الْخَطَرِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ مُتَعَيِّنًا؛ فَثَبَتَ: أَنَّ هَذَا أَحْوَطُ.
احْتَجَّ القَائِلُونَ بِالنَّدْبِ بِوُجُوهٍ:
===
قوله: "التاسع: أَنَّ لفظ "افعل" يدلُّ على طلب الفعل، فوجب أَنْ يَكُون مانعًا من عدمه كالخبر ... " إِلى آخره.
تقريره: أَنَّ أَمْثلة الأَفْعال الخمسة اشتركت في الدَّلالةِ على الحَدَثِ، والزمان الخاص، واختص: "فعل"، و"يفعل"، و"سيفعل" بالخبر، واختص "افعل"، و"لا تفعل" بِالطَّلب، وكما أَنَّ الخبر الصادق مانعٌ مِنْ نقِيضه، وجب أَنْ يكون الطلب جَازِمًا مانعًا مِنْ نقيضه، لإِطْبَاقِهِمْ على أنه لَا فَرْقَ بينهما سوى الخبر والطلب.
والاعتراضُ عليه: أنه لو سلم الجامع، فهو كقياس في اللغة، وجنسه ممنوع.
قوله: "العاشر: أَنَّ حمل اللفظ على الوُجُوبِ أحوطُ؛ فوجب المصير إِليه صونًا للنفس عن ضرر الخطر".
والاعتراضُ: أَنَّا لا نسلم اندِرَاج الندْبِ في حقيقة الوجوب؛ لِئَلَّا يلزم مِنَ الإِتيان بالواجب الإِتيانُ بالمندُوب، بل هما حَقِيقتَان متناقِضَتان؛ فإِنَّه يدخل في ماهِيَّة الندب جوازُ الترك، ويدخلُ في مَاهِيَّة الوجوب المنعُ مِنَ التَّرْك.
قوله: "احتج القائلون بالندب بوجوهٍ:
стр. 142
الأَوَّلُ: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ حَيثُ صَدَقَ فِيهِ الْوُجُوبُ تَارَةٌ، وَحَيثُ صَدَقَ فِيهِ النَّدْبُ أُخْرَى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهمَا؛ وَإِلَّا لَزِمَ الاشْتِرَاكُ؛ وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الآخَرِ؛ لأَنَّ الْمَجَازَ خِلافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ وَهُوَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ؛ لأَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَينَ التَّرْجِيحِ الْمَانِعِ مِنَ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ، وَبَينَ التَّرْجِيحِ الَّذِي
===
أحدها: أَنَّ هذه الصيغةَ وردت حَيثُ صدق فِيهِ الوجوبُ تارةً، وحيث صدق فِيهِ الندبُ أُخْرَى. . ." إلى قوله: "وما به المشاركة" يعني: هو أصلُ الترجِيح "غير ما به المخالفة" يعني: المنع من النَّقِيضَينِ أو عدم المنع.
وقوله: "وهو غير مستلزم له" يعني: لأَنَّ اللفظ إذا كانَ مَدْلُوله المعنى العام، فلا يَدُلُّ على الخاص، لَا مَطَابقةً، ولا تضمنًا، ولا التزامًا؛ فَيَتَعَيَّنُ أَن يكون مقولًا عيه بالتواطؤ، يعني: فيكون مدلولُهُ تَرْجِيحَ جانب الفعل على ما صرح به، وفيه مناقشة؛ فإنَّ القدر المشترك عند الفقهاء هو الطلب، وعند المعتزلة: إرادة المأْمُورِ به، وترجيح الفعل لازِمٌ لأحد الأمرين، فجعله حقيقة في اللازم، لم يقل به أحدٌ من الفريقين.
وقوله: "وَفي هذا المقام إِنْ أَردْنَا نُصْرَةَ مَنْ يقولُ الصيغة محتملة للوجوب، والنَّدْبِ -يعني: بطريق التواطؤ- اكتفينا بهذا القَدْرِ، وإِنْ أردْنا نُصْرَةَ من يقول إِنَّها للندب، قلنا: لما ثبت أَنَّ هذه الصيغةَ دلَّتْ على أصل الرُّجْحانِ، وقد كان جواز الترك ثابتًا بمقتضى البراءة الأصلية، فحينئذٍ يحصُلُ من اللفظ والبراءة الأصلية الإِشعار بالندب".
والاعتراضُ عليه: أَنَّ إِثباتَ اللغة بالاستصحاب العقلي لا يصِحُّ؛ فإنها إِمَّا توقِيفيَّة، أَو اصْطِلاحِيَّة.
стр. 143
يَجُوزُ مَعَهُ التَّرْكُ، الَّذِي هُوَ الْمَنْدُوبُ؛ وَمَا بِه الْمُشَارَكَةُ غَيرُ مَا بِه الْمُخَالفَةُ، وَغَيرُ مُسْتَلْزِمٍ
стр. 144
لَهُ؛ فَهذَا اللَّفْظُ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَصْلَ الرُّجْحَانِ. وَفِي هذَا الْمَقَامِ: إِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّ هذِهِ الصِّيغَةِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ" -اكْتَفَينَا بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّها تُفِيدُ النَّدْبَ"- قُلْنَا: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ دَلَّتْ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ، وَقَدْ كَانَ جَوَازُ التَّرْكِ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ فَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ الظَّنُّ أَنَّ طَرَفَ الْفِعْلِ رَاجِحٌ، وَأَنَّ التَّرْكَ غَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ؛ وَذلِكَ هُوَ النَّدْبُ.
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ جَعَلْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ -لَكَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكًا لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ قُلْنْا: "إِنَّهُ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ الَّذِي هُوَ القَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَإِنَّ جَوَازَ التَّرْكِ يَثْبُتُ بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ"- كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوُجُوبِ إِثْبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَمْ يَكُنْ رَفْعًا لِمُقْتَضَاهُ؛ وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَوْلَى؛ فَكَانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيهِ أَوْلَى.
===
قولُهُ: "الحُجَّة الثانيةُ: لو جعلنا هذه الصِّيغةَ حقيقة في الوجوب - لكانَ استعمالُها في الندب تركًا لمقتضى اللفظ. . ." إلى آخره.
حاصله: أنها لو كانت حَقِيقةً في الوُجُوبِ، وقد استعملت في النّدْبِ - لكان استعمالُها فيه مخالفًا للأصل.
وبتقدير جَعْلِها حقيقةً في الندب، لا يكُونُ استعمالُها في الوُجُوب مخالفًا لِلأَصل؛ وهذا يعارضه.
أما إِذا جعلناها حَقِيقةً في الندب، وقد استعملت في الوجُوبِ كانت مشتركةً، والاشتراكُ على خِلافِ الأَصْل، والندْب أعم مِنَ الوجُوبِ، فيكون إِطلاقًا للعام، وإرادة للخاص، وهو لا يشعر به، ولا يستلزمه على ما ذكر.
والحقُّ أنَّه أضعف لزومًا، فالأول أَوْلَى.
стр. 145
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: النَّافِي لِلْوُجُوبِ، قَائِمٌ؛ لأَنَّهُ حَرَجٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وَأَيضًا: [هُوَ] عُسْرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وَأَيضًا: [هُوَ] إِثْبَاتُ السَّبِيلِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وَضَرَرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ ﵊: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ":
===
والحجة الثالثةُ: ظاهرةٌ، والرابعةُ كذلك.
قولُه في الجواب عن حُجَجِ الندب: "لمَّا تعارضت الدلائِلُ، كان الترجيح معنا؛ لأنه أحوطُ" قد تقدَّم القولُ في منع استلزام الوجوب للندب.
قوله: "ولأنه أَوْفَقُ لعمل الصحابة ﵃":
стр. 146
تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِهذِهِ الْعُمُومَاتِ الْخَارِجَةِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالإِيجَابِ: إِمَّا بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْقَرَائِنِ الْخَالِيَةِ؛ فَيَبْقَى عِنْدَ الاقْتِصَارِ عَلَى هذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى وَفْقِ الأَصْلِ.
стр. 147
الحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: مُقْتَضَى البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ عَدَمُ التَّكَالِيفِ:
خَالفْنَا هذَا الدَّلِيلَ عِنْدَ وُرُودِ هذِه الصِّيغَةِ فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الرُّجْحَانِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُفِيدَ الإِيجَابَ؛ لأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْمُخَالفَةِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْمُخَالفَةُ أَقَلَّ كَانَ أَوْلَى.
стр. 148
الْجَوَابُ: لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ كَانَ التَّرْجِيحُ مَعَنَا؛ لأَنَّه أَحْوَطُ، وَلأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَلأَنَّهُ أَوْفَقُ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ، وَلأَنَّهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى أَهَمِّ الْمَطَالِبِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الأَمْرُ الْوَارِدُ عَقِيبَ الْحَظْرِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ
وَقَال بَعْضُ مَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الأَمْرِ لِلْوُجُوبِ: إِنَّهُ إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الحَظْرِ أَفَادَ الإِبَاحَةَ.
لَنَا:
أَنَّ المُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِمٌ؛ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ ظَاهِرَ الأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَقَيدُ كَوْنِهِ وَارِدًا بَعْدَ
===
يرد عليه: المنع لعموم عملهم إِلَّا عند ظهور القَرَائِن.
وتتمةُ البحْثِ في هذه المسأَلةِ: بذكر مُسْتند الواقفية، والقَائِلين بالإِباحة، وقد احتجت الواقفية: بأَنَّ دعوى أَنَّ الصِّيغةَ للوجوب: إِمَّا أن تعلم بالعقل، ولا مَجال له في إِثبات اللغة، أو بالنَّقْلِ: وهو ما لم يتواتر، ولا وُجودَ له؛ لأَنَّه لو وُجِد لاسْتَوى في العلم به طبقات الباحثين.
وإِمَّا آحادٌ: ولا يُفِيدُ؛ لأنَّ المسألة علمية.
ويرد عليهم: منع الحَصْر؛ فإِنَّ مِنَ الأدلة الاستقراءَ التام، وبه علمنا سائر اللغات.
أو بالمركَّبِ مِنَ العقل، والنَّقْلِ، أَعْنِي: الاسْتدلال بلازم النقلين كما تقدم الاسْتِدلالُ بأَنَّ تارك المأمور به عاصٍ، وأَنَّ العاصِي مستحقٌّ للعقاب ونحوه.
أو بأَخْبار الآحادِ، ومنع أَنَّ المسألةَ علمية، بل يكفي فيها الظنُّ؛ لأنَّ مآلها إِلى العمل، كما سبق.
واحتجَّ مَنْ زعم أَنَّها لِلإباحة؛ وعنى بها رفع الحَرَجِ، بأَنَّه القدر المشترك بين الوجوب، والندب، والتخيير.
стр. 149
الْحَظْرِ - لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذلِكَ الْمُقْتَضِى؛ لأَنَّهُ كَمَا جَازَ الانْتِقَالُ مِنَ الْمَنْعِ إِلَى الإِذْنِ، فَقَدْ يَجُوزُ -أَيضًا- الانْتِقَالُ مِنَ الْمَنْعِ إِلَى الإِيجَابِ.
===
ورُدَّ: بأَنَّ علماء العربية قَاطِبةً: البصريين، والكُوفِيِّين أَجْمعوا على تقسيمهم الكلام إِلى: الخبر، والاسْتخبار، والأمر، والنهي.
وقالوا: الخبرُ: فَعَلَ، وَيَفْعَلُ، والاسْتخبار: "أَتَفْعَلُ"، والأَمْرُ: "افْعَلْ"، والنَّهْيُ: "لَا تَفْعَلْ"، ، وهذه حُجَّةٌ صالحة للتمسك بها على الوُجُوبِ في أَصْلِ المسألة من حَيثُ اللغة.
وقد اعتمد عليها بعضُ الأُصُوليِّين، وكان شَيخُنا تقي الدين ﵀ يَسْتَصْوبُهَا.
[قوله]: "الأَمْرُ الوارد عَقِيبَ الحظر يفيد الوُجوبَ، وقال بعضُ من يُسَلّم أَنَّ أصل الأمر يفيدُ
стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
==
الوجوب: إِنه إِذَا ورد بعد الحظر، أفاد الإِباحة".
هذه المسألةُ مفرعةٌ على أَنَّ صِيغة "افعل" المجردة عن القَرَائِنِ ظاهرة في الوجوب، فلو قُدْرَ سبق حَظْرِ عليها، فهل يكون ذلك قَرِينةً صارِفةً لها إلى الإباحة.
اختلفوا فيه:
فصار كثيرٌ من الأصوليِّينَ: إِلى أَنَّها صارفةً، ونُقِلَ عن الشافعي ﵀ واختار بعضُهم أنها ليست صارفةً، ، والصيغةُ بحالها للوجُوبِ، وهو اختيار المصنف والقاضي.
احتجَّ مَنْ صار إلى الإِباحة: بأَنَّ هذه الصيغةَ غلب استعمالها بعد الحَظْر في رَفْعِ الحَرَجِ لُغَةً وشرعًا:
أَمَّا اللُّغةُ: فإِنَّ السيد إذا قال لعبدٍ: لَا تَفْعَلْ كذا؛ فإِنَّه يقتصِرُ في رفع الحَرَج عنه على قوله: "افعل".
وأما شرعًا: فبدَلالةِ الاسْتقراءِ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال ﵊: "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنِ ادِّخارِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا".
стр. 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوُله ﵊: "كُتتُ نَهَيتُكُم عَنْ زَيارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا"، إلى غير ذلك.
واحتجَّ القائِلُون بالوجوب: بَأَنَّ سبق الحظر لو كان قَرِينةً صارفةً، لكانت إِمَّا مقالِيَّةً، أو حَالِيَّةً.
والمقالية: لَا بُدَّ أَنْ تكون مفسرة مطابقة لما اقترنت به، ولا مُطَابقة بين الإِذن والمَنْعِ.
والحَالِيَّةُ: شرطُها المقارنة، والسابق غيرُ مُقارنٍ.
وأُجِيبَ: بأنَّ العِلْمَ بسبقها مقارن، كالقرينة العَهْدِيَّةِ فِي الألف واللام، فإنها تُعَيِّنُ وتخصِّصُ مع سبقها للعلم المقارن.
قوله: لنا أنَّ المقتضى للوجوب قَائِمٌ. قلنا: ممنوعٌ.
قوله: فإنَّا بيَّنا أَنَّ ظاهر الأمر للوجوب.
قُلْنَا: مع عدم القَرَائِنِ، أَمَّا مع القرينة، فَلَا نُسَلِّم تقرير الدلائل على هذا التقدير.
قوله: "لأنه لَمَّا جاز الانتقالُ مِنَ المنْعِ إِلَى الإذْنِ، فقد يجوزُ الانتقالُ من المنعِ إِلى الإِيجاز".
تقديرُه: أنَّ الحَظْر أحدُ أَنواع الحُكم الشرعي، وهي خمسةٌ، فرفعه لا يستلزِمُ نوعًا مخصُوصًا، بل كما جازَ رقعُه بالإِباحة، جاز رَفْعُه بالوجوب، وغيرِه؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
والجَوابُ: أننا لا ننازعُ فِي الجوازِ، وإنَّما ندعي ظُهورَ الرفع بالإباحَةِ؛ لما تَقرَّرَ مِنْ عرف الاستعمال لُغة وشرعًا، ولأنَّ الإِذْنَ هو المحقق، وما سواه مِن وُجوَب أَوْ ندبٍ مشكوكٌ فيه، والحملُ على المتيقن أَوْلَى؛ لأَن الأَصْلَ فِي الأَفْعال رفعُ الحرج.
وقد ورد الحَظرُ رافعًا لحكم البراءة الأصلِيَّةِ، فورود ما يرفعه يَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِه، لا يُقَالُ: قد يرِدُ للوجوب بِغَيرِ المنع؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
لأَنَّا نقولُ: إِنما حمل -ها هنا- على الوجوب لما تقرر مِنْ فَرضِ الجهاد، وأنَّ الأَشْهُر الحرم مانعة، فإذا زال المانِعُ رجع إِلى الأَصْل.
стр. 152
الْمَسْألَةُ الرَّابِعَةُ الأَمْرُ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ
بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفِيدُ أَصْلَ الطَّلَبِ، الَّذِي هُوَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَبَينَ التَّكْرَارِ؛ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لأَحَدِهِمَا بِعَينِهِ إلا أنَّا لَا نَعْرِفُهُ.
وَقَال قَوْمٌ: إِنَّهُ يُفِيدُ التَّكْرَارَ.
===
وكذلك قوله ﵊: فَإذَا أَدْبَرَتِ الْحَيضَةُ، فَاغْتَسِلِي، وَصُومِي، وَصَلِّي"؛ لأَنَّ الأصل وجوبُ الصوم والصلاة، وتركها لعارضٍ، فإذا زال العارضُ عاد الوجُوبُ، ومثل هذا قَلِيلٌ من ثبوت الحكم على خِلَافِ الأَصْل، وما ذكرناه على وَقْقِه: أعني البراءة الأَصْلِيَّة.
قوله: "الأمْرُ لَا يُفِيد التكرار ... " إلى آخر المذاهب.
стр. 153
لَنا وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ فِي مَوَارِدِ التَّكرَارِ مَرَّةَ، وَفِي مَوَارِدِ الْوَحْدَةِ أُخْرَى،
стр. 154
وَالأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ؛ فَوَجَبَ جَعْلُهَا حَقِيقَةً فِي الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَبَينَ التَّكْرَارِ، وَالدَّالُّ عَلَى مَا بِهِ الا شْتِرَاكُ غَيرُ دَالٍّ عَلَى مَا بِه الامْتِيَازُ: لَا بِالْوَضْعِ، وَلَا بِالالْتِزَامِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَكُون فِي هذَا اللَّفْظِ دَلالةٌ عَلَى التَّكْرَارِ.
الثَّانِي: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ، لَوْ دَلَّتْ عَلَى التَّكْرَارِ -لَدَلَّتْ: إِمَّا عَلَى التَّكْرَارِ الدَّائِمِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ، أَوْ عَلَى التَّكْرَارِ بِحَسَبِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَذَا -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى تَعَيُّنِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ [فَوَجَبَ] أَلَّا يَدُلَّ عَلَى التَّكرَارِ.
===
الَّذي ذهب إليه المحصِّلُون مِنَ الفقهاء، وعلماءِ الأُصُولِ أَنَّ صيغةَ الأمْرِ إِذا وردت عَرْيَّةً عن قَيد التكرار، والوحدة، والمرار- لا تُشْعِرُ بشيء من ذلك، وإِنَّما عدّ الآتي بالمرة مُمْتَثِلًا؛ ضرورة أَنَّ حصول المستدعى لا يتصور بدونها؛ لأَنَّ اللفظ مُشْعِرٌ بها، وسر ذلك أَنَّ مدلولاتِ الأفعال أجناسٌ، والأجْناسُ لا تشعِرُ بالوَحْدَةِ الشخصية، ولا بقِلَّةٍ ولا بكَثْرةٍ؛ ومِنْ ثَمَّ لم تُثَنَّ ولم تُجْمَعْ، وحسن استعمالها فِي القليل والكثير بلفظ واحد؛
فقيل لمَنْ أوقع القِيَام مَرَّةً، أو مِرَارًا: قائم؛ لاشتراكها فِي الحقيقة الشاملة، وكُلُّ ما ثبت مع المتقابلين، فليس له من ذاته أحدهما.
وصار بعضُهم: إِلى أنها ظاهرة فِي المرار، وستأتي حُجَجُهُمْ.
وصارت الواقفية: إِلى الوقْفِ على المَذْهَبَينِ فيه، على ما مرَّ مِن وقف الاشتراك والخيرة.
احتجَّ القائلون بوقف الاشْتِرَاكِ: بأنه أُطْلِقَ تارةً وتارة، والأَصْلُ فِي الإِطلاق الحقيقةُ، وبحسن الاسْتفهام.
ودفع الأول: بأنَّ الاشْتراك على خِلَاف الأصْل.
والثاني: بأنَّه قد يحسُن الاستفهام لرفع المجاز أيضًا، ولأسباب وأَغْرَاض أُخْرَى.
واحتجَّ الفريقانِ مِنَ الواقفية بأَنَّ: دَعْوى أَن الصيغةَ للتَّكْرارِ، أو للمرَّةِ، إِمَّا أَنْ يعلمَ بالعقل، أو بالنَّقْلِ ... " إلى آخره على ما مَرّ، وجوابهُ على ما سبق.
وقطع القاضي بإِشْعارِها بالمرَّةِ، وتوقف فِيمَا زَادَ.
ونُوقِشَ: بأَنَّهُ مِنَ الواقفيَّةِ فِي أَصْلِ الصِّيغَةِ: وهَلْ تدلُّ على الوجوب، أو لا؟ فكيف يحسنُ منه الكلامُ فِي كيفية دِلَالتها عليه؟ .
واعتذر عنه: بأَنَّه تفريغٌ على مَذْهب غيره، أو بتقدير قرينة تدلُّ على أصل الأمر فَقَط.
قوله: "لنا وجوه: الأول: أن هذه الصيغة وردت للتكرار تارة" يعني: كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
стр. 155
الثَّالِثُ: لَوْ قَال: "افْعَل دَائِمًا أَوْ لَا دَائِمًا"- لَمْ يَكُنِ الأَوَّلُ تَكرَارًا، وَلَا الثَّانِي نَقضًا.
الرَّابعُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلأَمْرِ إلا طَلَبُ إِدْخَالِ الْمَصْدَرِ فِي الوُجُودِ، وَلَا مَعْنَى لِصِيغَةِ الْمَاضِي إلا الإِخْبَارُ عَن حُصُولِ الْمَصْدَرِ فِي الزَّمَانِ المَاضِي، ثُمَّ الْمَصْدَرُ لَا دَلَالةَ فِيهِ عَلَى التَّكرَارِ؛ وَإِلَّا لَمَا صَدَقَتْ صِيغَةُ الْمَاضِي إلا عِنْدَ التَّكرَارِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُفِيدَ الأَمْرُ التَّكْرَارَ.
===
قوله "وللوَحْدة أُخرى" يعني: كقوله ﵊: "حُجُّوا". قولُه: "والأَصْلُ عدم الاشْتراكِ والمجاز"، يعني: لافْتقارهما إِلى القرينة.
قوله: "والدَّالُّ على الاشْترَاكِ غيرُ دالٍّ على ما به الامْتياز، لا بالوضْعِ ولا بالاسْتِلْزَامِ "- لا
يعني بالاستلزام: اللَّازم الخَارِجي، بل اللازم مُطلقًا؛ ليعم به أقسام الدَّلالات الثلاث، ويعني: أن العام لا يدلُّ على الخاصِّ لَا حَقِيقةً ولا مجازًا.
قوله: "الثاني: أَنَّ هذه الصيغة لو دَلَّت على التكرار -لَدلَّت: إما على التَّكْرَار الدائم، وهو باطل بالإِجماع" -يعني: لما فيه مِن تكليفِ المحال ولزوم نسخ الأمر الأول عند توجه الأمر الثاني.
قولُه: "أو على التَّكْرَارِ بحسب الوقْتِ المعين، وهو باطِلٌ " -يعني؛ لأنه ترجيحٌ بلا مرجِّح.
وما ذكره لا يُعَيِّنُ دعواه؛ لأَنَّهُ لم يدلَّ على إِبطال الموحدة، وإِنما ينتج له إِبطال مذهب الخَصْم بالتكرار فقط.
ورد: بأَنَّها تقتضي التكرارَ بحسب الإِمكان؛ كما لو وردت مُقَيَّدةً بالتكرار.
قوله: "الثَّالِثُ: لو قال: "افعل دائمًا، أو لا دائمًا" لم يكن الأول تكرارًا ولا الثاني نقضًا". وردَّ: بأَنَّ الأول تاكِيدٌ، والثاني لتعيين المجَازِ.
قوله: "الرابعُ: اتفقوا على أَنَّهُ لا معنى للأمر إلَّا طلبُ إدْخال المصدر فِي الوجود، ولا مَعْنى لصيغة الماضي إلا الإِخبارُ عن حصول المصدر فِي الزمان ... " إِلى آخره.
حاصله: أَنَّ أمثلةَ الأفعال الخمسة اشتركَت فِي الدَّلالةِ على المصدر، والزمان المعين، ولا فَارِقَ بين "فعل"، و"افعل" فِي الزمان إلَّا المضي، والاسْتقبال، والماضي لا يُشْعِرُ بالتكرار،
стр. 156
[الْخَامِسُ: لَوْ قُلْنَا: "إِنَّ الأَمْرَ يُفِيدُ التَّكْرَارَ"؛ فَحَيثُ لَا يُفِيدُهُ -لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَوْ قُلْنَا: "إِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ"؛ فَحَيثُ حَصَل التَّكرَارُ- حَصَلَتْ زِيَادَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ اللَّفْظُ بِهَا: لَا ثُبُوتًا، وَلَا عَدَمًا؛ وَلَا شَك أَنَّ هذَا أَوْلَى.
السَّادِسُ: أَنَّ الإِيجَابَ حَرَجٌ، وَعُسْرٌ، وَضَرَرٌ؛ فَكَانَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ تَقْلِيلٌ لَهُ؛ فَكَانَ أَوْلَى].
===
فكذلك المستقبلُ وأكد ذلك بالإِجماع على بر من حلف "لَيَفْعَلَنَّ كذا بالمرَّةِ وكذلك لو نَذَرَهُ".
ورُدَّ: بأَنَّ ذلك يرجع إلى أحكام الشرع، والبحْثُ فِي مقتضى اللسان.
وأُجِيبَ: بأَنَّ حكم الشرع فِي هذه المواضع مَبْنِيٌّ على المفهوم مِنْ إِشعار اللفظ، وإنما يَرُدُّ على هذه الحُجَّةِ قولُه: "لا تفعل" إن سلم أنَّه يقتضي التَّكْرار، وسيأتي الفرقُ بينهما إِنْ شاء الله تعالى.
قوله: "الخامس: لو قلنا: إِنَّ الأَمر يُفِيدُ التَّكْرَارَ، فحيثُ لا يفيد، يلزمُ ترك العمل بمقتضى اللَّفْظِ:
ولو قلنا: إِنَّهُ لا يفيد فحيث حصل التكرار، لم يحصلْ منه مُخَالفَةٌ".
تمام هذه الحُجَّةِ أَنْ يُقال: ولو قلنا: إِنه يفيد المرة، فحيثُ يفيد التكرار، لزم منه مُخَالفَةُ الأَصْلِ، فيجعل حقيقةً فِي القدْرِ المشترك، وهي قريبةٌ من الحُجَّة الأولى.
قوله: : السادس: التكرار حَرَجٌ وعُسْرٌ وضَرَرٌ ... " إِلى آخرها - واضِحٌ.
قوله: "حجة المُخَالِف": يعني القائِل بالتَّكْرارِ فقط؛ فإِنَّا قدَّمنا فِي أول المسْألةِ أَنَّ المخالفين فِرَقٌ:
الفِرْقَةُ الحامِلَةُ لها على المرة لفظًا، والفِرْقةُ الواقفية على اخْتِلَاقِها فِي الوقف، وأشرنا إِلَى حُجَجِهم، والاعتراض عليها؛ لإِعْرَاضِ المصنِّف عنها، ولم يبق إلا الاحْتِجَاجُ للقائلين بالتَّكرَارِ.
قوله: "النَّهْيُ يفيد التكرارَ، وكذلك الأَمْرُ".
اعْتُرِضَ عليه: بأنَّ هذا قياسٌ فِي اللغة، ولا يَصِحُّ.
وأُجِيبَ عنه: بأنَّ القياسَ الممتنِعَ فِي اللغة -على رأى- أَنْ نَجِدَ مُسَمَّى باعتبارِ معنى، ويتحقق ذلك المعنى فِي غيره، فهل يكون مُسَمَّى بذلك الاسم أو لَا؟ والخِلَافُ ها هنا فِي لَوَازِم مَدْلُولات الأَلفاظ المعنوية؛ فإنَّ البحث فِي لازم الأمر فِي كُلِّ لغة.
قوله فِي الجمع: "لأنَّ كلَّ واحدٍ من الضدين يجب أَنْ يكون حُكْمه مثل حكم ضده".
هذا ضَعِيفٌ جدًّا؛ فإنَّه لا يلزم مِنِ اشْتراك المختلفين فِي حُكْمٍ عام، اشتراكها فِي سائر الأَحْكام.
وأَقْرَبُ ما يقرر به الجمع أَنَّ العرب قد تحمل الشَّيءَ على نقيضه، كما تحمله على نظيره؛
стр. 157
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ أُمُورٌ:
الأَوَّلُ: النَّهْيُ يُفِيدُ التَّكْرَارَ؛ فَكَذَا الأَمْرُ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الضِّدَّينِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكمُهُ مِثْلَ حُكْم الآخَرِ.
الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "صَلِّ إلا فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ"، وَالاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ؛ وَذلِكَ لَا يَتِمُّ إلا إِذَا كَانَتْ هذِهِ الصِّيغَةُ مُتَنَاولَةً لِكُلِّ الأَوْقَاتِ.
===
كحمْلِهم "لَا" الداخلة على النكرة فِي عملها علي "إِنْ"، و "كم" الخبرية على "رُبَّ".
ومنهم مَنْ قرر الجمعَ بأَنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّه، والنهي للتكرار، والنهي يعم؛ فكذلك الأَمْرُ.
ورُدَّ: بأَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضِدِّه، ثم لو سلَّم، فَلَا نُسَلِّم أَنَّ مطلق النهي للتكرار، ثم لو سلم إشعاره بالتكرار، فإِنما يسلم فِي النهي الابْتدائي، أما المتضمِّنُ التابع لِلأَمْر، فهو بحسب مَتْبُوعه، إن عَمَّ عَمَّ، وإنْ خَصَّ خَصَّ؛ كما نقول فِي النهي المقيد بالمرة.
والحَاصِلُ: أنَّه استدلالٌ بفرع مَحَلِّ النزاع.
ومنهم مَنْ قَدَّر الجمع بأنَّه لَا مَعْنى للنهي إلَّا الأمر بالترك، وقد عَمَّ النَّهْيُ؛ فيعم.
قوله: "وعن الثاني: أنَّ الاستثناء يخرح مِنَ الكلام ما لولاه لصلح"- هذا منه مقابلة دَعْوَى بدعوى، ولم يحقق ها هنا أَن الاسْتثناء حقيقة فِي إِخراج الداخل، أو الصالح للدخول، ولا شكَّ فِي استعماله بالاعتبارين معًا.
أمَّا فِي استعماله فِي إخراج الداخل، فكقولك: له عليَّ عشرة إلَّا دِرْهمًا، وأما الصَّالِحُ، فكَاسْتِثناء ما زاد على العشرة مِنَ العشرة عَلَى وَجْهِ البدل من جموع القِلَّة.
وإذا استعمل فيهما فيحتمل أنْ يكون بالاشْتِرَاك إلا أنَّه على خِلَاف الأصل، ويحتملُ أنْ يكون بالحقيقة والمجاز، فإِمَّا يكون حقيقةً فِي إخراج الداخل، مجازًا فِي إخراج الصالح، أو بالعكس.
ولا جائز أنْ يكونَ حقيقةً فِي إخراج الصالح؛ لئلَّا يلزمَ مِنِ اسْتعماله مجازًا فِي إِخراج الداخل عدمُ المصحح بخلاف عكسه، كما قرر.
والأَقْربُ مِن ذلك كُلِّه أَنْ يكون مقولًا عليهما باعتبار قَدْر مشترك، فيكون مُتَواطِئًا، ويكون حقيقة الاسْتثناء: إخراج الثاني مِنْ حكم الأول بـ "إلا وأخواتها" مع قَطْعِ النظر عن الخصوصيتين؛ وحينئذ تسقطُ الحُجَّةُ، والجوابُ عنها.
قوله: "ولَئنْ سَلَّمنا ذلك، لكنْ لِمَ لا يجوزُ أَنْ يكون هذا الاستثناء قرينةً دالَّة عَلَى الأَمْرِ؟ " والجوابُ عنه بالفرق، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.
قوله: "الثاني: أنَّه يصح أن يقال: "صلوا إلَّا فِي الوقت الفلاني"، والاسْتثناء يُخْرِجُ من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك لا يتم إلَّا إذا كانت هذه الصيغة مُتَناولةً لكُلِّ الأوقات" وقوله:
стр. 158
الثَّالِثُ: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى التَّكْرَارِ أَحْوَطُ؛ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ، إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّرْكَ الْمُسْتَمِرَّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ بِالاتِّفَاقِ، وَالأَمْرُ لَا يُوجِبُ الفِعْلَ المُسْتَمِرَّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ مَنْعٌ مِنْ تَكْوينِ المَاهِيَّةِ، وَالامْتِنَاعُ عَنْهَا فِي الْوُجُودِ لَا يَتَحَقَّقُ إلا بِالامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ.
أَمَّا الأَمْرُ: فَهُوَ حَمْلُ المُكَلَّفِ عَلَى إِدْخَالِ الماهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ، وَذلِكَ يَكْفِي فِي العَمَلِ بِهِ إِدْخَالُهُا فِي الْوُجُودِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، يَجْرِيَانِ مَجْرَى الإِيجَابِ وَالسَّلْبِ، فَكَمَا أَنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ الدَّائِمَةَ يَكفِي فِي ارْتِفَاعِهَا حُصُولُ الْمُوجَبَةِ الْجَزئِيَّةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ فَكَذلِكَ النَّهْيُ كَالسَّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ الدَّائِمَةِ، وَالأَمْرُ كَالْمُوجَبَةِ الْجُزئِيَّةِ.
وَعنِ الثَّانِي: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، لَا مَا يَجِبُ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذلِكَ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: حُصُولُ هذِهِ الاسْتِثنَاءَاتِ، صَارَ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى مَعْنَى التَّكرَارِ؟ !
===
"الثالث أَنَّ حملَه على التكرار أحوطُ"- وَاضِحُ المراد.
وقوله: "والجواب عن الأول مِن وجوهٍ: الأول: أنَّ النهيَ يُوجِب الانْتِهاء المستمر بخلاف الأمر".
ويرد عليه: أنَّه يجب أَنْ يثبت بحسب الإِمْكَان؛ كما لو قيده بالتكرار لَفْظًا.
قوله: "الثاني: أن النهي مَنْعٌ من تكوين الماهية ... " إلى آخره؛ يعني: أَنَّ النهي المطلق لا يتصور امتثاله إلا بالامْتناع عن كُلِّ أشخاصه، والأمرُ يقتضي مُطْلَقَ الوجود، وأنه يتحقق بالمرة.
قوله: "الثالث: أن الأمر والنهي يجريان مجرى الإِيجاب والسَّلْب" يعني: والنهي قد عم بالاتِّفاقِ من الخَصْم، والأمر يقابله.
فكما يكفي فِي رفع السالبة الكلية الموجبة الجُزئِيَّة- يكفي فِي رَفْعِ النهي العام الأمر الجزئي! فلا دَلَالة على التكرار تثبت. ومما احتجَّ به القائلون بالتَّكْرَارِ: أنَّه أتى بشاربِ خَمْرٍ إِلى رسول الله ﷺ فأمَرَ بضربه إِلَى أن كفهم عنه، ففهموا مِن أمره ﷺ التكرار.
وأُجِيبَ عنه بأَنَّ فهم التكرار لم يَكُن مِن مُجَرَّدِ الأمر، وإنَّما فُهِمَ من قرينة الزَّجْرِ، وأَنَّ المرة لا تصلح للزجر غالبًا.
стр. 159
فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ هذِهِ الْقَرِينَةُ، لَمْ يَحْصُلِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ التَّكْرَارِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ تَرْكَ التَّكرَارِ قَدْ يَكُونُ أَحْوَطَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا قَال السَّيِّدُ لِمَمْلُوكِهِ: "ادْخُلِ الدَّارَ"، فَلَوْ أَنَّهُ أَخَذَ يَدْخُلُ الدَّارَ فِي كُل الأَوقَاتِ، رُبَّمَا اسْتَوْجَبَ اللَّوْمَ؛ وَهذَا الكَلامُ يَصْلُحُ لأن يُسْتَدَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْمَسَأَلَةِ.
===
واحتَجَّ الأُسْتاذُ بأَنَّ الشارع إِذا قال: قُمْ، مثلًا, فللصيغة مُقْتضَياتٌ ثلاثةٌ: اعتقادُ الوُجُوبِ، والعَزمُ على الفعل، والعزم على التكرار؛ فكذلك الفِعْلُ.
وأُجِيبَ بأنَّا لا نُسَلِّمُ اقتضاءَ كُل الأوامر كذلك، ولو سلم فبدليلٍ خَارجٍ عن اللفظِ؛ إِمَّا لأنَّ وجوبَ اعتقاده مِنْ قواعد الإِيمان، وهو على التكرار، أو لاسْتحالة العَزمِ عند الذكر عَنِ اعتقادِ الوُجُوبِ؛ أَوْ لَا وُجُوبَ:
والثَّانِي مُمْتَنِعٌ، فيجب الأولُ، وكذلك العَزْمُ، ، وما ذكره منقوضٌ بالأمر المقيد بالمرَّةِ؛ كالحج؛ فإِن وجوبَ الاعتقاد، والعزْم عليه لِلتكرار دُونَ الفعل.
فَرْعٌ على هذه المسألة:
إذا قُلْنا: إِن الأَمر يقتضي التكرارَ، فإِذا عُلِّق على صِفَةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور ٢]، أو على شرطٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦].
قال قومٌ: يقتضي التكرار؛ مُحْتَجِّينَ بمثل هذه الآيةِ؛ فإِنها للتكرار بالإِجْمَاع.
وقال قومٌ: لا يقتضيه؛ مُحْتَجِّينَ بما إذا قال السيِّدُ لعبده: إِذا دخلتَ السُّوقَ فَاشتَرِ اللَّحْمَ؛ فإِنه لا يقتضي التكرار.
والحقُّ أنه لا يقتضيه بحسب الوضْعِ؛ فإِنَّ الصيغةَ لم تُشعِرْ بالتكرار على ما تقرر، والشَّرْطُ إِنما يفيد تعليق ما أشعر اللفظ به.
وكذلك لو قال للمدخُولِ بِهَا: إِنْ دخلتِ الدارَ فأنْتِ طالقٌ- لم يتكرر، والتكرارُ فِيمَا ذكرنا إِنَّما كان مِنْ شرعية القياس الشرعي، وأن الحُكمَ يتكرر بتكرار علته شَرْعًا.
стр. 160
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الأمرُ لَا يَفِيدُ الْفَوْرَ، خِلافًا لِقَوْمٍ
لَنَا وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ وَرَدَتْ تَارَةً مَعَ الْفَوْرِ، وَأُخرَى مَعَ التَّرَاخِي؛ فَوَجَبَ جَعْلُهَا حَقِيقَةً فِي القَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ أَلَّا تُفِيدَ الفَوْرِيَّةَ الَّتِي بِهَا الامْتِيَازُ، دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ.
===
قولُه: "الأمر لا يُفِيد الفورَ خِلافًا لقوم"، هذه المسألة مفرَّعةً على أَنَّ مطلق الأمر لا يقتضي التَّكْرَارَ، فإِنَّ مِنْ ضرورةِ استيعابه الأوقات بحسب الإِمكان- المبادرةَ والفور.
стр. 161
الثَّانِي: أَنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ لَا تُفِيدُ إلا طَلَبَ إِدْخَالِ الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ، فَأَمَّا تَعْيِينُ الْوَقْتِ، فَلَا دَلالةَ لِلْمَصْدَرِ عَلَيهِ؛ وَإِلَّا لَجُعِلَتْ تِلْكَ الدَّلالةُ فِي صِيغَةِ المَاضِي وَالمُضَارعِ.
===
وقد اختلفَ الأَئِمَّةُ في ذلك:
فذهب بعضُ الأصوليِّينَ، والحنفية، والحنابلة إِلى اقتضائها الفَوْرَ.
وتوقَّفَ الواقفية على المذهبينِ، خِلَافًا للقاضي؛ فإِنَّه زعم أنه مخير في أول الوقت بين الفِعْل والعزم، إِلى أنَّ يغلب على ظَنِّه أنه لو أَخَّره لفات.
فحينئذٍ يَتَعَيَّنُ بحكم الحَالِ، كالواجب الموسَّعِ بالنسبة إِلى العُمر إلى آخر وَقتِه المُتَعَيِّنِ له.
واختيار الشافعي ﵀ أنها لا تُشْعِرُ بالفور، ولا بالتَّراخِي، ومتى أوقعه عد ممتثلًا، ، وهو اختيار المصنِّفِ.
وقد احتجَّ عليه بخمسة أوجهٍ، ذُكِرَ جميعُها في الاحْتِجاج على أنها لا تُفِيدُ التكرارَ، وقد مَضَى تقريرُها، والتنبيه على ما يرد عليها، فلا حاجة إِلى إعادته.
стр. 162
الثَّالِثُ: لَوْ قَال: "افْعَل عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي"- لَمْ يَكُنِ الأَوَّلُ تَكرَارًا، وَلَا الثَّانِي نَقْضًا.
الرَّابِعُ: لَوْ قُلْنَا: هذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ الطَّلَبَ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشتَرَكُ بَينَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي -لَمْ يَكُنْ عَدَمُ حُصُولِ الفَوْرِيَّةِ، تَرْكًا لِلْعَمَلِ بِمُقتَضَى اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ قُلْنَا: إِنَّهَا وُضِعَت لِلْفَوْرِيَّةِ- كَانَ عَدَمُ حُصُولِ الْفَوْرِيَّةِ، تَرْكًا لِلْعَمَلِ بمُقْتَضَى اللَّفْظِ؛ فَكَانَ الأَوَّلُ أَوْلَى.
الْخَامِسُ: ذَكَرْنَا أَنَّ النَّافِيَ لِحُصُولِ الإِيجَابِ قَائِمٌ، وَالإِيجَابُ عَلَى الْفَوْرِ يَقتَضِي حُصُولَ الْجَانِبَينِ: أَحَدُهُمَا: إِيجَابُ أَصْلِ الفِعْلِ، وَالثَّانِي: إِيجَابُ الْفَوْرَّيةِ، وَأَمَّا إِثبَاتُ الْوُجُوبِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْفَوْرِيَّةِ- فَتَعْلِيلٌ لِمُخَالفَةِ ذلِكَ النَّافِي؛ فَكَانَ أَوْلَى.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: الْمَأمُورُ بِهِ مِنَ الْخَيرَاتِ، وَيَتَعيَّنُ فِيهِ الْفَوْرِيَّةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. [آل عمران ١٣٣].
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى لإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف ١٢] ذَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأمُورِ بهِ فِي الحَالِ؛ فَلَوْ لَمْ يَدُلَّ الأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ -لَكَانَ لإِبْلِيسَ أَنْ
===
قولُه: "حُجَّة المخالف وجوه" يعني: القائلين بالفور.
قولُه: " (الأول: المأمور به مِنَ الخيراتِ، فيتعيَّنُ فيه الفورُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨].
أورد عليه: إنْ سلمت الدلالة على الوجوب ها هنا، فإنه ليس مِنْ مقتضى الصيغة، بل من دَلِيلٍ خارجٍ.
وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ١٣٣].
أَورِدَ عليه: أنه لا يعم إلَّ بدلالة الاقتضاء، وَالاقْتِضَاءُ لا عموم له؛ لأنَّ دلالته ضرورية، والضرورةُ تقدر بقدر الحاجة.
وبيانُه: أَنَّ المسارعة إنما هي إلى سبب المغفِرة، والتوبةُ مِنْ أسباب المغفرة: إِمَّا من الشرك، أو مِنَ المَعَاصِي، وكلاهما على الفور، فلا دَلالةَ لها على ما سواها.
قوله: "الثاني: قوله تعالى لإِبليسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف ١٢].
أُورِدَ عليه: أن أمر الملائكة كان على الفَوْر؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص: ٧٢].
стр. 163
يَقُولَ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ، وَمَا أَمَرْتَنِي بِهِ فِي الْحَالِ؛ فَكَيفَ تَذُمُّنِي عَلَى تَرْكِهِ فِي الْحَالِ؟ !
الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ: إِمَّا إِلَى بَدَلٍ، أَوْ لَا إِلَى بَدَلٍ، وَالْقِسْمَانِ بَاطِلانِ؛ فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ بَاطِلٌ:
أَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الأَوَّلِ: فَهُوَ: أَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْمُبدَلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ؛
===
وقوله: "الثالثُ: لو جازَ التَّأْخِير لجاز إما إلى بَدَلٍ، أَوْ لَا إِلَى بدلٍ، والقِسْمان باطلان؛ فالقول بجواز التأخير باطل:
أما فسادُ الأول؛ فلأنَّ البدلَ يقومُ مقامَ المُبدل منه مِنْ كُلِّ وجه".
ظاهر هذا اللفظ فيه مناقشة؛ فإِنَّ التيمم بدلٌ عن الماء، ولا يَقُوم مقامه مِنْ كُلِّ وجه؛
стр. 164
فَإِذَا أَتَى بِذلِكَ الْبَدَلِ، وَجَبَ أَن يَسْقُطَ عَنْهُ ذلِكَ التَّكْلِيفُ؛ وَبِالاتِّفَاقِ لَيسَ كَذلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "الْبَدَلُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي ذلِكَ الْوَقتِ، لَا مُطْلَقًا":
فَنَقُولُ: لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الأَمْرِ لَيسَ إلا الْمَرَّةَ الْوَاحِدَة -وَهذَا الْبَدَلُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي
===
فإنه لا يرفع الحدث، وكذلك الكنايات تقوم مقامَ الصريح في إِفادة الحُكم، لَا مِنْ كلِّ وجه، بل مع النية.
ومرادُه: أنه إذا خُيِّرَ في أول الوقت بين الفعل والعزم، فقد ينزل ذلك منزلة التخيير في خصال الكفارة، ومتى أتى بخَصْلةٍ منها كفاه الإِتيان بها في إِسقاط الباقي، فنظره ها هنا سقوط العزم فقط.
قوله: "فإِن قالوا: لِمَ لا يجوز أَنْ يُقال: البدل قائم مَقام المبدل في ذلك الوقت لا مطلقًا"؟
وجوابه: أن مقتضى الأمر ليس إلا المرة، وهذا البدل قائم مقامه، فوجب أن يكون كافيًا
стр. 165
الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ- وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الأَمْرِ.
وَأَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الثَّانِي -وَهُوَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لَا إِلَى بَدَلٍ-: فَهَذَا يَقدَحُ فِي وُجُوبِهِ؛ لأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا: "إِنَّهُ لَيسَ بِوَاجِبٍ"- إلا أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا إِلَى بَدَلٍ.
الرَّابعُ: لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ: إِمَّا إِلَى غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ بِحَيثُ إِذَا وَصَلَ المُكَلَّفُ إِلَيهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّأْخِيرُ، أَوْ لَيسَ كَذلِكَ؛ بَل يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ أَبَدًا، وَالْقِسمَانِ بَاطِلانِ؛ فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ بَاطِلٌ:
===
في سُقُوطِه.
والتحقِيقُ: أن البدل ليس مجرد العَزْم، والتَّخْيِير إنما وقع بين أن يفعل في أول الوقت، وبين أن يفعل في غيره مع العزم؛ كما نقول في المسافر: إنه مخير بين أن يصلي الظهر، أو المغرب في وقتها، أو بين أن يفعلهما في وقت الثانية، بشرط العزم، فليس العزمُ وحدَهُ بدلًا ليكتفى به.
وقد أبطل القسم الأول، وهو التأخير ببدلٍ، وهو العزمُ، بأنَّ إيجاب العزم إيجابُ ما لا دَلِيلَ عليه، فإنَّ الكلام مفروضٌ إذا لم يرد سوى طلب الماهية، فلا إشعار للفظ به، ولا دليل عليه.
وأجاب القاضي: بأنه وإن لم يشعر به لفظًا، فقد أشعر به من جهة الاقتضاء والضرورة، فإِنه إِذا لم يفعل في أول الوقت، وكان ذاكرًا للفِعْل، ولم يعزم على الفعل -كان عازمًا على الترك؛ لاسْتِحالةِ الخلو عن النقيضين، والعزمُ على الترك حرامٌ، وترك الحرام واجبٌ، ولا يتأتَّى تركه إلا بالعزم على الفِعْل، وما لا يتأَتَّى فعلُ الواجب إلا به فهو واجبٌ؛ فالعزمُ على الفعل واجب.
ورُدَّ: بأنَّ نقيض العزم على الفعل: لا عزم على الفعل، وهو أَعَمُّ من العزم على الترك.
وأُجِيبَ: بأَنَّ الترك فِعْلُ الضدُ، وفيه بَحْثٌ.
وأَمَّا فسادُ القسم الثاني: وهو جواز التأخير لا إلى بدلٍ، فلما ذكر [من] أن ذلك يقدح في وجُوبِه؛ يعني: أَنَّ الواجب ما طلب فعله على وجه لا يسوغُ تركه، أَمَّا ما يسوغ تركه، فهو المندوبُ.
وأُجِيب عنه: بأنَّ هذا لا يسوغُ تركه بالنسبة إِلى جملة الوقت، فيتحقق فيه معنى الوجوب بخلاف الندب؛ فإِنه يسوغ تركه بالنسبة إلى جملة الوقت، لا إلى بدل.
قوله: "الرابع: لو جاز التأخيرُ لجاز؛ إِمَّا إلى غاية معينة ... " إلى آخره.
تقريره: أنه لو جاز التأخير لجاز إِما مطلقًا وإما إلى غايةٍ معيَّنةٍ، والإطلاق ينافي الوُجوبَ، والغايةُ إِمَّا مجهولةٌ للمكلف، أو معلومةٌ له، والتعليق بغاية مجهولةٍ للمكلف من تكليف المُحَالِ.
والمعلومة إِمَّا بأمارة، أو لَا بأمارة، وبدون الأمارة وسواس، ولا أمارة بالإجماع إلّا ظن
стр. 166
أَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الأَوَّلِ: فَلأَنَّ تِلْكَ الْغَايَةَ المُعَيَّنَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُكَلَّفِ؛ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِأَلَّا يُؤَخِّرَ ذلِكَ الفِعْلَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقتِ بِعَينِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ وَذَلِكَ تَكلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، [وَ] كُلُّ مَن قَال: "إِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَأخِيرُ الفِعْلِ إِلَى غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ" -[قَال]: وَإِنَّ تِلْكَ الغَايَةَ هِيَ الْوَقْتُ الَّذِي يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَغِل بأَدَائِهِ فِيهَا- فَاتَهُ ذلِكَ الفِعْلُ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْغَايَةُ هِيَ هَذَا الْوَقْتَ؛ وَإِلَّا لَكَانَ ذلِكَ قَوْلًا ثَالِثًا خَارِقًا لِلإِجْمَاعِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: حُصُولُ ذلِكَ الظَّنِّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَاءَ عَلَى أَمَارَةٍ أُخْرَى -كَانَ ذلِكَ جَارِيًا مَجْرَى [ظَنِّ] السَّوْدَاويِّ؛ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بنَاءً عَلَى أَمَارَةٍ، فَكُلُّ مَنْ قَال بِهَذَا الْقِسْمِ- قَال: إِنَّ [تِلْكَ] الأَمَارَةَ: إِمَّا الْمَرَضُ الشَّدِيدُ، أَوْ عُلُوُّ السِّنِّ؛ وَهُوَ -أَيضًا- بَاطِلٌ.
===
الفوات؛ لكبر السِّنِّ، أو مرضٍ مَخُوفٍ، ولا يصلح [واحد] منهما أن يكون أمارة؛ لعدم الارتباط لتحقق الموت فجأة بدون واحدٍ منهما.
والجواب عن قوله: الغايةُ إِمَّا مجهولة، أو معلومة بدعوى أنها مَظنُونةٌ، وأكثر الأَحْكام مبنيةٌ على غلبات الظنون.
قوله: "إنَّ عُلُوَّ السن، والمرض المخوف ينقل الموت عنهما":
قلنا: موت الفَجْأَةِ نادر، والأسباب الشرعية لا يشترط فيها الملازمة بحكمتها الشرعية قطعًا، بل تكفي فيها الملازمةُ بالأكثر ظنًّا، وموت الفجأة نادر، ولا يمتنع نصب "ظن الفوات" أمارة.
قوله في الجواب: لا شَكَّ أنه حصل في الشريعَةِ أوامرُ متراخية كأداء الكفارات، وكل ما يقولونه فهو جوابنا، يعني أنه إذا تقرر أن لنا واجبًا مُوَسَّعًا، وقد يتقيد بالعمر كأداء الكفَّارَاتِ، وقضاء بعض الفَوَائِت -فالمطلق مِنَ الأمر يكون حُكمه كذلك، وما ذكروه من الإشْكَالين يرد في الواجب الموسع، وقد قُلْتُم به، وجوابُكم عنه جوابنا هنا.
стр. 167
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
الأَمْرُ المُعَلَّقُ عَلَى الشَّيءِ بِكَلِمَةِ "إِنْ" عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذلِكَ الشَّيءِ؛ وَيَدُلُ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
===
هذ المسألةُ والتي تليها مِنْ مسائل "المفهوم"، وقد نُوقِشَ في إِيرادهما نعتًا، والعذر له أَنَّ البحْثَ في الأمر يتعلق بطرفين:
أحدهما: المسائل اللفظية، والثاني: المعنوية، ، ولمَّا كان الأَمْرُ يرد مطلقًا أو مقيَّدًا، والشرطُ، والصفة مِنَ المقيدات- ساغَ ذكرهما فيه.
وبالجملة، فالمفهُومُ ينقسِمُ إِلى مَفْهُوم موافقةٍ، وإلى مفهومٍ مُخَالفَةٍ، وهو: ما يفهم منه
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نقيض الحكم في المسكوت عنه.
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وينقسم هذا إِلى: مَفْهُومِ الشرطِ، والصِّفَةِ، والزمان، والمكان، والغاية، والعدد، واللقب: أما مفهومُ الشرط؛ فقد قال به الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى- ..................
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ونفاه مالكٌ، وأبو حنيفة، رحمهما الله.
стр. 171
الأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَةِ كَلِمَةِ "إِنْ" بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِي الحُكمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْوُضُوءَ شَرْطًا لِلصَّلاةِ؛ وذلِكَ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
===
واحتج صاحب الكتاب على إثباته بوجهين:
الأول: أن أهل اللغة اتفقُوا على أنَّ "إِنْ" للشرط، قال: والشرطُ هو الذي يتفي الحكم بانتِفائه، بِدليل أنهم يسمون الوضُوءَ شرطًا في الصلاة؛ وذلك يفيد المطلوب.
وقد غلط في هذه الحُجَّة؛ فَإِنَّهُ أخذ الشرط بالاشتراك؛
والشرط ينقسم إلى شرطٍ لُغَويٍّ: وهو ما دخل عليه "إِنْ"، وما يقوم مقامها من أسماء وظروف.
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإلَى عَقْلِيٍّ: كالحياة بالنسبة إِلى العلم.
وشَرْعِيّ: كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، وحدُّها واحدٌ: وهو ما يلزم مِنِ انْتفائه انتفاء الشيء، ولا يلزم مِنْ ثُبوته ثبوته.
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وليس بمفهوم احترازٌ من الجزء، وما يدخل عليه حرف الشرط حُكمه بالعكس من ذلك؛ فإِنَّه يلزم من ثُبوتِ الشرط ثبوت المَشرُوطِ، ولا يلزمُ مِن نَفيِه نفيُه؛ كقوله ﵊: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً، فَهِيَ لَهُ".
стр. 174
الثانِي: رُويَ أَن يَعلَى بنَ أُمَيَّةَ قَال لِعُمَرَ بنِ الخَطابِ ﵁: "مَا بَالُنَا نَقصُرُ، وَقَد أَمِنَّا؟ ! فَقَال: هذِهِ صَدَقَة تَصدَّقَ الله بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛ فَلَولا أَنَّ
===
فالَّلازِمُ مِنْ ثبوت الإِحياء ثبوتُ الملك، ولا يلزَمُ مِن نَفْي الإِحياء نفي الملك؛ لتعدد أسباب الملك.
وكذلك إِذا قُلنَا: إِذا كان هذا إِنسانًا، فهو حيوان، فيما يسميه المنطِقيون شرطًا مُتصِلًا، واللَّازم عنه ثبوت الثاني لثبوت الأول ونفي الأول لنفي الثاني، ولا يلزم مِنْ نفي الأول، نَفْيُ الثاني؛ لجواز أَن يكونَ المشروط أعمَّ؛ كما في المثال المذكور.
وإذا انقسم مسمى الشرط إلى معنَيَينِ، فإنَّما ينتج المطلوب إذا أريد به في المقدمة الثانية عَينَ ما أريد به في المقدمة الأولى، وإلَّا كان جمعًا بمجرد اللفظ فلا ينتج.
وقد يعتذر عنه: بأن لا تنازع في أن ما ذكرتموه ثمرةُ مقتضى الكلام من حيث المنطوق، ولكن ندعي أنه يُشعر مع ذلك إشعارًا ظاهرًا، لا قطعًا بالانتفاء عند الانتفاء؛ فإِنه لو قال: أنتِ طَالِقٌ، وأطلق - كان مقتضاه تحقق الطلاق لتحقق السبب، ، وإذا قال: إِن دخلتِ الدارَ، فليس أثره في وقُوع الطلاق، وإنما أَثَرُهُ في نفي الحكم بدُون ما علق عليه، فلم يظهر أَثَرُ الشرط إلَّا في النفي.
فأما وقوعُ الطلاق بسبب آخرَ، أو الملك بسبب غير الإِحياء - فليس ذلك هو المعلق بالشرط، بل غيره.
قوله: "الوجه الثاني: رُويَ عن يَعْلَى بنِ أُمَيةَ، قال لعُمَرَ بنِ الخطاب ﵁: ما بَالُنَا نَقصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ ! فقال عُمَرُ ﵁ عَجِنتُ مِمَّا عَجِنتَ مِنْهُ، فَسَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم؛ فَأقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
стр. 175
الْمُعَلَّقَ عَلَى الشَّيءِ بِكَلِمَةِ "إن" عَدَمٌ عِندَ عَدَمِ ذلِكَ الشَّيءِ؛ وَإلَّا لَم يَبقَ لِلتعَجبِ مَعنى.
وَاحْتَجَّ الخَصْمُ بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وَيَجُوزُ الرَّهْنُ عِندَ وجدَانِ الكَاتِبِ. وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] وَذلِكَ النَّهْيُ قَائِمٌ، سَواءٌ حَصَلَتْ إِرَادَةُ التَّحَصُّنِ أَوْ لَم تَحصُل. وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] وَالأَمرُ بِالشُّكْرِ قَائِمٌ، سَوَاءْ حَصَلَ الاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
[وَ] الجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ، فَقَوْلُنَا أَولَى؛ لأَنهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
===
ولولا أن الأمرَ المعلَّقَ على الشي بكلمة "إِن" يعدم عند عدم ذلك [الشيء]- وإلَّا لم يبق للتعجب مَعنى.
وقد عُورِضَ: بأن التعجب لا يتعينُ أن يكون لإشعارِ بالانتفاء، وترك؛ بل لما تقرر في الشرع أنَّ الأصلَ في الصلاة الإِتمامُ، وأن القَصرَ إِنما يكون لعارض، فإذا زال العارِضُ، فكان يجب الرجوعُ إِلى الأصل، لا مِن مجرد اللفظ، والذي يدل على أنَّ الأصل المستقر الإِتمامُ - قولُه تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
قولُه: "احتجَّ الخَصمُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وبقولِه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ولا مفهوم لشيء منها.
وأجاب: بأنه لما تعارضت الدَّلائِلُ، فقولنا أَوْلَى؛ لأنه أكثرُ فائدة، [و] لا معنى لإشعاره بالنفي والإِثبات معًا.
والحق في الجواب: أَنَّا لا ندعي أَنَّ الشرط يدلُّ على الانتفاء قَطعًا، وإنما يدل عليه ظاهرًا بطريق الالتزام، والدليلُ الظاهر لا يمتنع تركُه؛ لامتِناعِ إجرَائِه على ظاهره، أو لدليل أرجح منه؛ كما في العموم، وهو أظهر دَلالة على ما يخرج منه من المفرادات، وهذا جواب جملي.
وأما التفْصِيليُّ: فالآية الأولَى ترك العمل بالمفهوم فيها؛ لخروجها مخرجَ الغالِبِ.
والثانيةُ لامتناع إكراه المختارات؛ لأنهن إذا لم يُرِدنَ تحصنًا فهن مريدات للبغاء، ولا إكراه مع الإرادة، وفيه بَحثٌ.
وأما الثالثةُ: فهو قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] فليس جَارِيًا على الشرط الحَقِيقيِّ، وإِنما المرادُ التنبيه على المعنى المقتضى للشكر؛ كما يقول الرجلُ لولده: إِن كُنتَ ولدي فبرَّنِي، وليس شَاكًّا في البُنُوَّةِ، وإنما مرادُه أَنَّ مِن صفة الابن أن يَبَرَّ والده، ، ومثل ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة
стр. 176
الْمَسْألةُ السَّابِعَةُ
الأَمرُ المُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ، أَوْ الْخَبَرُ المُقَيَّدُ بِالصَّفَةِ: هَل يَدُل عَلَى نَفي الحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ أَو لَا؟
===
٢٧٨]، يعني: أن من صفة المؤمن تركَ الرِّبَا، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ونظائرهُ كثيرةَ، وبعضُهم يُسَمَّي هذا خطابَ التهيج والإلهاب.
[قوله: "المسألة السابعة"]
الأمر المُقَيَّدُ بالصِّفة هل يدُل على نَفي الحكم عَمَّا عداه؟ مثال ما إذا قال: زكُّوا عنِ الغنم السائمة، فهل يدلُّ على نفي الحكم عن غير السائمة؟
стр. 177
مِثَالُهُ إِذَا قَال: "زَكوا عَنِ الغَنَمِ السائِمَةِ"- فَهَل يَدُلُّ عَلَى نَفيِ الزَّكَاةِ عَن غَيرِ السَّائِمَةِ؟ :
стр. 178
قَال الشَّافِعِيُّ ﵁: يَدُلُّ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِك ﵄: لَا يَدُلُّ.
===
وقد قال به الشافِعِي ﵀ وجمهورُ الصحابة، وخالف ابنُ سريج، وأَبُو حَنِيفة، والقاضي ابنُ البَاقِلانِي ﵏ وقال به إمام الحرمين: إذا كانت الصفةُ مناسبة؛ كتعليق الزكاة على السوم - فإنه يُشيرُ بنوع من الرفق، وهو مُعتَبَرٌ في الزكاة، ولأجله اعتُبِرَ الحولُ والنصاب والنمو، ولم يقل به إذا علق على صفة غير المناسبة؛ بل زعم أنها تجري مجرى اللقب، ولا مفهومَ للقب عنده، ولا عند الشافعي، رحمه الله تعالى.
ونقل المصنف عن مالك -رحمه الله تعالى- أنه لا يقول به.
ونقل الشيرازِيُّ عنه أنه يقول به، ولعلهما ينقلانِ عنه بالتخريج من مسائل.
стр. 179
وَالْمُخْتَارُ: أَنهُ لَا يَدُلُّ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ؛ لَكِنَّهُ -عِندِي- يَدُلُّ بِحَسَبِ الْعُرفِ:
أَمَّا الأَوَّلُ- فَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الصِّيغَةَ مَا دَلَّت إِلَّا عَلَى ثُبُوتِ الحُكْمِ في تِلكَ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَالثُّبُوتُ في تِلكَ الصُّورَةِ مُغَايِرٌ لانْتِفَاءِ الحُكمِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَغَيرُ مُستَلْزِم لَهُ؛ لأَنَّهُ [يَثْبُتُ] في بَدِيهَةِ الْعَقْلِ: أنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ في الصَّورَةِ الأُولَى قَد لَا يَحصُلُ مَعَ ثُبُوتِهِ في الصورَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْلا ذلِكَ، لَمَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ الكُلِّيَّةُ [مُمكِنَةً] عَلَى الانْتِفَاءِ في الصُّورَةِ الثانِيَةِ: لَا بِحَسَبِ الْوَضعِ اللُّغَويِّ، وَلَا بِحَسَبِ الاستِلْزَامِ الْعَقْلِيِّ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
واختار المصنف أنه لا يَدُلُّ عليه بحسب اللغة، ويدل عليه بحسب العُرفِ.
قوله: أَمَّا الأَوَّلُ، يعني: عَدَمَ الدلالة لُغَة: فيدل عليه وجوه:
الأول: أن الصيغةَ ما دَلَّتْ إلَّا على ثُبُوتِ الحكم في تلك الصورة المُقَيَّدَةِ بتلك الصفة، والثبوتُ في تلك الصورة [مُغَايرٌ] للانتفاءِ في الصورة الثانية، وغيرُ مُستلْزِم له، وقرر بصدق القضية الكُلِّيةِ الممكنة.
وحاصله: نفيُ الدَّلالاتِ الثلاثِ؛ فإنه إذا لم يُشعِر به من حيثُ الوضع له ولا جزء له - انتفتِ المُطَابَقَةُ، والتَّضَمُّنُ، وإذا انتفتِ الملازمة انتفتْ دلالةُ الالتزامِ أيضًا؛ فإن شرطها اللزومُ، ومعنى قوله: "ولولا ذاك لما كانتِ القضيةُ الكلية ممكنةٌ"، يعني: كقولنا: كُل إنسان كاتب بالإمكان، فإن اللازِمَ فيها صِدقُ الجُزئيَّةِ، والحكمُ للباقي جائزٌ ثبوتُهُ وانتفاؤُهُ، وهي صادقة على التقديرينِ معًا.
ولو استلزم الحكمُ على الجزءِ نفى الحكم عن الجزءِ الآخرِ- لكان إثباتُهُ للجزء الثاني مُنَاقِضًا.
والاعتراضُ عليه: أَنا لا نُسَلِّمُ انتفاءَ الإِشعارِ من جهة الإفرادِ، ولا نسلم انتفاءَهُ من جهة التركيب التقييدِيِّ، وظاهِرٌ أنهُ يُشعِرُ به فإن وَضعَ الصفة للتخصيص، والتخصيصُ يستلزم التمييزَ عنِ المُخَالِفِ، والتمييزُ يستدعي إثباتًا ونفيًا، وعرف الاستعمال مُقَدَّرٌ لذلك، فإن مَنْ قال لغيره:
стр. 180
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالصِّفَةِ: يَرِدُ تَارَة مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكمِ عَن غَيرِ الْمَذكُورِ؛ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَتَارَةً مَعَ ثُبُوتِهِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء ٣١] مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ -أَيضًا- عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الخَشيَةِ، وَقَال فِي قَتْلِ الصَّيدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥]، ثُمَّ أَجْمَعنَا عَلَى أَنَّ قَتلَهُ -خَطَأ- يُوجِبُ الْجَزَاءَ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: الاشتِرَاكُ وَالمَجَازُ، خِلَافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ جَعْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَينَ الصُّورَتَينِ، وَهُوَ ثُبُوتُ انحُكْمِ فِي المَذكُورِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَر عَن ثُبُوتِهِ فِي غَيرِ الْمَذكُور، وَانْتِفَائِهِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكم عَن غَيرِ الْمَذكُورِ، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ فِيهِ هذَا الانْتِفَاءُ - يَلْزَمُ تَرْكُ العَمَلِ بالدَّلِيلِ. أَمَّا لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الانْتِفَاءِ، فَفِي المَوضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الانْتِفَاءُ - يَكُونُ ذلِكَ إِثبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مَفْهُومِ اللَّفْظِ؛ لَا تَعَلُّقَ لِذلِكَ اللَّفْظِ بِهِ: لَا نَفْيًا وَلَا إِثبَاتًا؛ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيهِ فِي العُرْفِ - فَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَا قَال: "الإِنْسَانُ الطَّويلُ لَا يَطِيرُ، وَالْمَيِّتُ اليَهُودِيُّ لَا يُبْصِرُ" - ضَحِكَ مِنْهُ كُل أَحَدٍ، وَيَقُولُ: إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ القَصِيرُ -أَيضًا- لَا يَطِيرُ، وَالمَيِّتُ المُسْلِمُ -
===
اشترِ لي ثوبًا قطنًا أو كتانًا، أو اشترِ لي عبدًا حبشيًّا، أو هنديًّا - لم يُرِدْ بالوصف سوى إخراج غيرِ الموصوفِ بالصفاتِ المُعَيَّنَةِ من مُطلَقِ إذنه فِي شراءِ المُسَمَّى من ذلك الجنس، وكُلُّ مَنْ توهَّم انتقاضَ حَدٍّ، فَأراد إخراجَ صورة النقض زاد وصفًا، والنقل على خلاف الأصل.
ولا يكفي فِي بيانِ انتفاءِ دَلالة الالتزام الانفكاكُ العقليُّ؛ فإنَّ الخصمَ لا يَدَّعِيهِ؛ وإنما يَدَّعي اللزومَ ظاهرًا.
وقد يُترَكُ الظاهرُ لدليل أرجحَ منه؛ وبهذا يُعْتَرَضُ على الوجه الثاني، وهو احتجاجُهُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوَا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمُ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥].
فَإنَّا نقول: إِن هذا خرج مخرجَ الغالب، فظهرَ للتخصيص؛ فإنه سوى نفي الحكمِ، أمَّا إذا لم يظهر غيرُها كانت هي المُتَبَادِرَة إلى الفهمَ، وما ذَكَرَ من الوجه الثاني والثالث - واضِحُ المُرَادِ.
قوله: "وأما أنَّه يدل عليه فِي العُرْفِ فيدل عليه وجهان:
الأول: أَنَّ الرجل إذا قال: الإنسانُ الطويلُ لا يطيرُ، واليهودِيُّ المَيِّتُ لا يبصرُ - يضحكُ منهُ كُلُّ واحد، ويقول: والقصير كذلك، والميت المسلم كذلك".
следующие страницы →