Полный текст (746 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
لأَنَّا نُجِيبُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ الأمرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ - لَوَجَبَ أَلَّا يَحْصُلَ الْفَهْمُ إلا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ المُتكَلِّمُ: إِنَّ مُرَادِي مِن كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ كَذَا وَكَذَا؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُتَوَقَّفُ عَلَيهِ.
===
المَحَلَّ لا يخْلُو عن نَجِسٍ أو متنجِّسٍ.
الثاني: أَنْ يُرَادَ بـ "الأَصْل": القاعدَةُ المستمرَّةُ؛ فما خَرَجَ عَنْها يَكُونُ على خلافِ الأَصْلِ؛ كقولهم: إِبَاحَةُ المَيتَةِ للمضطَرِّ علَى خلافِ الأَصْلِ.
الثالث: أن يراد بـ "الأَصْل": الأغلبُ الأكثرُ: فمَا خَرَجَ عنه يكُونُ عَلى خلافِ الأَصْلِ؛ كما يقال: العقلُ فِي النِّسَاءِ عَلى خلافِ الأَصْلِ، أي: للأَكْثَرِ. وما ذكره مِنْ أَنَّ الاشتراك على خلافِ الأَصْلِ، يحتملُ المعانِيَ الثلاثةَ؛
أما الأوَّل والثَّاني؛ فلأنَّ الألفاظ وُضعت للإفهام، ولازمُ الاشتراكِ الإجْمَالُ، وهو محلٌّ بمقصودِ الوضع، فكان عَلى خلافِ الدَّلِيلِ والقاعدةِ. وأما الثالث: وهو أنَّه خلافُ الغالِب فظاهرٌ بدلالةِ الاستقراءِ.
قوله: "إن احتمال الاشتراكِ لو كانَ مساويًا لاحتمالِ الانفرادِ - لما حصل الفهْمُ فِي شيء من هذه الألفاظِ حالةَ التخاطُب"، هذا الدليلُ لا يفيده المطلوبُ؛ فإِنا اجْمعْنا على أنَّ لنا ألفاظًا نعلم نصَّها، وَألفاظًا نعلم ظهورها، وألفاظًا نعلمُ اشتراكها، وألفاظًا نتردَّد فِي اشتراكِهَا وظهورِهَا؛ فلا نزاع أَنَّا نحمِلُ القسمين الأَوَّلَينِ عند الإطلاقِ على معانِيهِمَا من غير تَوَقُّفٍ، وأنَّا نقف فِي الْمُشْتَرَكِ عند مَنْ لا يَرَى التعميم.
وإنما يلزم الوقْفُ فيما يتردَّد فيه، ونحنُ نقول به، فما ذكره مِنْ لزومِ الوقف عند الإطلاق فِي جميع الألفاظ - غيرُ لازمٍ.
قوله: "لا يُقال: لِمَ لا يجوز إذا يتعيَّن بَسَببِ التصْريحِ بالتعيينِ؛ لأنا نجيبُ عنه من وجهين:
стр. 72
الثانِي: أَنَّ ذَلِكَ التَّعْيِين وَالبَيَانَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَة، أَوْ كِتَابَةٍ؛ وَإِذَا كَانَ احْتِمَالُ الاشْتِرَاكِ وَالانْفِرَادِ وَاقِعًا عَلَى التَّسَاوي - كَانَ ذَلِكَ الاحْتِمَالُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَلْفَاظِ المَذكُورَةِ لِلْبَيَانِ: قَائِمًا؛ فَاحْتَاجَت إِلَى مَا يُعَيِّنُ مَدْلُولَاتِهَا؛ وَلَزِمَ: إِمَّا الدُّوْرُ، وَإِمَّا التَّسَلْسُلُ؛ وَهُمَا مُحَالانِ.
===
الأول لو كان الأمر كما ذكرتم - لوجب أَلَّا يَحْصُلَ الفهم إلَّا بعد أن يبيِّن المتكلِّم: إن مرادِي مِنْ كُلِّ واحدٍ من هذه الألفاظ كذا وكذا، ومعلوم أنَّه لا يتوقَّف عليه" يَرِدُ عليه ما تقدَّمَ مِنْ عدم لُزومِ الوقْفِ فِي جميع الألفاظِ.
قوله: "والثاني: أَنَّ ذلك التعيينَ، والبيان إنما يحصُلُ بلفظٍ أو إشارةٍ، أو كتابة
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وغايةُ الإِشارةِ, والكتابةِ أَنْ تُنَزَّلَا منزلةَ اللفظِ الَّذي أقيمتا مُقَامَهُ، ولو صرَّح به، لكان علي هذا التقدير؛ فالقَائمُ مقامه؛ مِنْ إِشارة أو كتابةٍ -أولَى".
قوله: "واحتاجَت إِلى ما يُعَيِّنُ مدلولَها؛ ويلزم التَّسلْسُلُ".
يجابُ عنه من وجْهينِ:
أحدهما: مَنْعُ حَصْرِ المفسِّر فيما ذكره؛ فإِن من المفسِّرات القرائن الحالِيَّة، ثم لو
стр. 74
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ الاشتِرَاكُ مَرْجُوحًا - لَمَا أَفَادَتِ الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ الظَّنَّ، فَضلًا عَنِ اليَقِينِ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يُقَال: هذِهِ الأَلْفَاظُ مُشتَرِكَةٌ بَينَ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا نَفْهَمُهَا وَبَينَ غَيرِهَا؛ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارعِ غَيرَ مَا ظَهَرَ لَنَا؛ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالإِجْمَاعِ.
===
سُلِّمَ، فقد يكون المفسِّر ألفاظًا ناصَّةً، أو ظاهرةً؛ فلا يلزمُ التَّسَلْسُلُ.
قوله: "الوجه الثَّاني -يعني: على أصْلِ المطلُوبِ- أنَّ الاشتراك لولمْ يكُنْ مرجوحًا - لما أفادَتِ الدلائلُ السَّمْعِيَّةُ الظَّنَّ، فضْلًا عن اليقينِ؛ لاحتمالِ أن يقال: هذه الألفاظُ مُشْتَرَكةٌ بين هذه المعاني التي نَفْهَمُهَا وبَينَ غيرها؛ وعلى هذا التقدير: يحتملُ أن يكُونَ مُرَادُ الشارع غَيرَ ما ظَهَرَ لنا".
ظاهرُ كلامه: أنَّ الدليلَ الثانيَ فُرِضَ فِي صورةٍ مِنْ صُوَرِ الدَّليل الأَوَّل؛ فإنه إِذا امْتَنع الفهْم مطلقًا، امتنع فِي كلامِ الشَّارع؛ فلا فائِدَةَ فِي ذكرِ الدليلِ الثاني، ووجْهُ الفرْق بين المسْلَكَين: أن اللازِمَ مِنَ الأَوَّلِ: خلافُ العُرْف، واللازِمَ من الثاني: خِلَافُ الإِجماع؛ وهما مُحَالان.
ومما يَجِبُ تقديمه: أنَّ الاشتراك جائزٌ وواقعٌ لغةً وشرعًا: أما لغة: فقولُهُم للخطير: الحقير، وأَمَّا شرعًا: فالقُرْء.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومَنَعَهُ قومٌ؛ واحتجُّوا بأنه يُخِلُّ بالتفاهم، وبأَنَّ استعمالهُ شَرْعًا بدُونِ القرينةِ - تكليفٌ بما لا يُطاقُ، ومع القَرِينَةِ: إِن قارنته أغْنتْ عن المشْتَرَكِ، وصار لَغْوًا، وإن تَأَخَّرَت فتجهيلٌ.
стр. 76
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
فِي بَيَانِ أَنَّ الأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْقَرِينَةِ: فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ وَهُوَ الْمَطلُوبُ. أَوْ عَلَى مَجَازِهِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ مَجَازًا: أَلَّا يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيهِ إلا لِقَرِينَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ أَمَرَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيهِ -عِنْدَ تَجَرُّدِهِ- عَلى ذَلِكَ المَعْنَى، لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيهِ؛ إذ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلا ذَلِكَ. أَوْ عَلَيهِمَا، مَعًا؛ وَهُوَ -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ قَال: "احْمِلُوا هَذَا اللَّفْظَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَلَيهِمَا مَعًا" -لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ قَال: "احْمِلُوهُ: إِمَّا عَلَى هَذَا أَوْ عَلَى ذَاكَ"- لَكَانَ ذَلِكَ مُشتَرَكًا بَينَهُمَا، أَوْ لَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْبتَّةَ؛ وَحِيَنئِذٍ: يَصِيرُ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ: مِنَ المُهْمَلَاتِ لَا مِنَ المُسْتَعْمَلَاتِ.
فَلَمَّا بَطَلَت هَذِهِ الأَقْسَامُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الأَوَّلُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَقَطْ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الحَقُّ.
===
وأُجِيبَ عن الأَوَّل بأَنَّ فائدته البيان الإِجماليُّ، وهو مقصُودٌ فِي بعْضِ الأحوالِ؛ كقول أبي بكرِ الصِّدِّيق ﵁ لَمَّا سُئِلَ عن النبيِّ ﷺ ، فقيل له: مَنْ هَذَا؟ وَهُوَ مَطلُوبٌ، فقال: "هَادٍ يهْدِينِي إِلَى الطَّرِيق".
стр. 77
الثانِي: أن وَاضِعَ اللَّفْظِ لِلْمَعنَى، إِنمَا يَضَعُهُ لَهُ لِيُكتَفى بِهِ فِي الدلالةِ عَلَيهِ؛ فَصَارَ كَأنهُ قَال: "إِذَا سَمِعتُمُونِي تَكلمتُ بِهذَا اللفْظِ، فَاعلَمُوا أَنِّي عَنَيتُ بِهِ هذَا الْمعنى، وَكُل مَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتي، فَلْيَعنِ بِهِ هذَا الْمعنَى"؛ فكُل مَنْ تكلمَ بِلُغَتِهِ، وَجَبَ أَن يُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ المَعنى.
===
وينتقضُ ما ذَكَرُوهُ [باستعمال] أسماء الأجناسِ.
وعن الثاني: قوله: "إن القرينَةَ إِن، قارنته أغنتْ عنه"- غَيرُ لازمٍ؛ لأن القرينةَ قَد تَكُونُ حالية.
قولهم: "ومع تأَخُّرها تجهيلٌ بالمراد"- لَا يُسلَّم؛ فإن غايته تأخيرُ البَيَانِ إلَى وقت الحاجةِ عِنْدَنَا، عَلَى ما سيأتِي إِن شاء الله تعالى.
حَدُّ الحقيقةِ: هو اللفظُ المستعملُ في موضوعِهِ الأولِ، والمجازُ: هو اللفظُ المستعمَلُ في غَيرِ موضوعِهِ الأولِ؛ لِضَرب من المناسبة.
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقولنا: "لِضَربٍ مِنَ المُنَاسَبَة": يخرج ما نُقِلَ لغير مناسَبَةٍ، وجعل لَقَبًا؛ كالتسمية بـ"أسيد"، "وثور".
وقيلَ: الحقيقةُ: هو اللفْظُ المستعمَلُ في معناه الأولِ في وضع التخاطُب، والمجازُ: عَكسُهُ.
"فعلى الأول: تكون الأسمَاءُ الشرعيةُ؛ كالصلاةِ، والزَّكَاةِ، والعرفيَّةُ العامةُ؛ كالدَّابة، والغائِطِ، والخاصَّةُ أيضًا- مجازاتٍ راجحة".
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعلَى الثاني: تكونُ حقائقَ؛ فتنقسم الحقيقةُ عَلَى هذا إلى: لُغَويةٍ، وشرعية وعرفية، والخلافُ لفظِيٍّ، وإذا فُهِمَ المجازُ، فهو جائز وواقعٌ لغة وشرعًا.
ومَنَعَ الأُستَاذُ أبو إسحاق وقوعه لُغَةً، قال: لأن "الأسد" إِذا استعملَتهُ العَرَبُ
стр. 80
الثالِثُ: أَنا نَجِدُ بِالضرُورَةِ مِنْ أَنفُسِنَا: أَنَّ مُبَادَرَةَ الذهنِ إِلَى فَهمِ الحَقِيقَةِ، أَقوَى مِنْ مُبَادَرَتِهِ إِلَى فهمِ المَجَازِ؛ وَذَلِكَ يَدُل عَلَى مَا قُلنَاهُ مِنْ الرُّجحَانِ.
===
لـ "البهيمة" بدُون القرينَةِ، ولـ "الشجاع" مع القرينة- كانا حَقِيقَتَينِ، وهذا نزاعٌ لفظيٌّ؛ فإنا لا نعني بالمجازِ إلا ما تتوقف دلالتُهُ على القَرِينَةِ منهُما.
ولا يلزم أن تكُونَ القرينةُ بالوضحِ؛ فإنها قد تكونُ حالِيةً، وهو واقعٌ في القرآنِ أيضًا؛ خلافًا لأهل الظاهر، والشيعة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
[الإسراء ٢٤]، [وقوله تعالى]: ﴿وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣].
وقولهم: إِنه يلزمُ منه إِبهامُ الكَذِبِ: غَيرُ لازم؛ بعد قيامِ القاطِعِ على وجوبِ الصدْقِ للهِ -تعالى- ولرسوله.
وقولُهُم: إنه يلزم أن يُسمَّى البارئُ بسبحانه وتعالى تَجَوُّزًا -: غيرُ لازم؛ فإن أسماءَ الله -تعالى- توقيفية.
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: "الأصلُ في الكلامِ الحَقِيقَة".-: يحتمل تفسيرُ الأصلِ بما مضَى من الوجوهِ الثلاثةِ؛ لأنا إِن قُلْنا: إن الأصلَ هو الدليلُ، أو القاعدةُ المستمرة، وقد تقرَّر أن وضعَ الألفاظِ للتفاهُمِ، فتوقف المجاز على قرينة قد تخفَى منحل بذلك، وإن قُلْنَا: إن الأصلَ بمعنى الغَالِبِ- فَلا يخفى أن الحقيقةَ أغْلَب؛ لأن لكلِّ مجازٍ حقيقة، ولا يَنْعَكِسُ.
ومن زعم أَنه يتصور المجاز بدُونِ الحقيقة؛ لأن شَرطَ الحقيقةِ الوضعُ، لا الاستعمال، فقد يُوضَع اللفظُ لمعنى، ولا يستعمَلُ فيه، ثم يُنقَلُ لغيره، لضرب من المناسبَةِ؛ فيكون مجازًا لا حقيقَةَ له:
يقالُ له: هذا تجويز عقلي، والبحثُ في الواقع، ونحن لا نَعلَمُ دلالاتِ الألفاظ إلا باستقراءِ استعمالِها؛ فإِنا لم نعلَم عَينَ الواضِع مِنْ مُوَقف، أو مُصطَلِح، فينقَلَ عنه. وأما الأدلَّة الثلاثة التي ذَكَرها، فظاهِرٌ الاعتراضُ عليها.
وحاصلُ الأول: راجع إلى تعيين الحَقيقَة بعَدَم إرادة ما سِوَاها؛ لأنها لو لم تَكُنْ مُرادَة -لزم: إما ثبوتُ المشرُوطِ بدونِ الشرطِ، أو تغييرُ الوضْع، أو الإِهمَالُ؛ والكل محال.
وحاصلُ الثاني: تعيينُ الحقيقةِ بِحدِّها.
وحاصلُ الثالِثِ: تعيينُ الحقيقةِ بخاصتها؛ وهو السبقُ إِلى الفهمِ، والله أعلَمُ.
وَأعلَم: أنه لا بُد في صِحة المجازِ من مناسبة وارتباطٍ:
فمِن ذلك: إطلاقُ السبَب على المسبَّب؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، والمسبَّب على السبب؛ كتسمية المَرَضِ مَؤتًا، والكُل على البَعضِ؛ كإطلاق العام وإرادَةِ الخَاصِّ، والبعض على الكُل؛ كتسميةِ الزنجِي أسوَد، مع بياضِ عينيهِ وأسنانِهِ، أو تسميةِ الشيء بما كان علَيهِ؛ كتسمية الضارِب أمس ضاربًا، أو بما يصيرُ إليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، أو بزيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: فبرحمة من الله، وَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ على رأْي من زعم أن الكافَ زائدةٌ أو بالنقصان؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
стр. 83
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَةُ
إِذَا دَارَ اللفظُ بَينَ الْحَقِيقَةِ المرجُوحَةِ وَبَينَ المَجَازِ الرَّاجِحِ -لَم يَتَعَيَّنْ لأَحَدِهِمَا إلا بِالنيةِ؛ وَذَلِكَ لأن كَوْنَهُ حَقِيقَة يُوجِبُ الْقوةَ، وَكَوْنَهُ مرجُوحًا يُوجِبُ الضعفَ وَأَمَّا الْمَجَازُ الراجِحُ: فَكَوْنُهُ مَجَازًا يُوجِبُ الضعفَ، وَكَوْنُهُ رَاجِحًا يُوجِبُ الْقُوةَ؛ فَيَحصُلُ التعَارُضُ بَينَهُمَا؛ فَلَا يَتَعينُ لاحَدِهِمَا إلا بِالنيةِ.
===
أو المقابلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أَوْ إطلاقُ المتعلّق على المتعلق، كقولك: "اللهم اغفر لَنَا عِلْمَكَ فِينَا"، أي: معلُومَكَ، و"انظُر إِلى قُدَرةِ الله"، أي: مَقدُورِ الله تعالى، وإطلاقُ ما بالفعلِ على ما بالقُوةِ؛ كقولهم للسيف: قاطع، وهو في غِمدِهِ.
ومن المجاز أيضًا: إطلاقُ اللفظِ على ما يشابِهُ مسمَّاهُ سورة، أو معنى؛ كإطلاقِ "الأسدِ" على ما يماثله في الصُّورة، وعلى الشجَاع؛ لمشابهته في المعنَى؛ ويسمى هذا بالمستَعَارِ. وَمِنَ المجازِ تَسمِيةُ الشيءِ بِضدهِ؛ كتسمية المهلكةِ مفازَةً.
وهذا الحصر استقرائي.
[قوله]: "إذا دَارَ اللفظُ بَينَ الحقيقةِ المرجُوحَة، والمَجَازِ الراجحِ -لم يتعين لأحدهما إلا بالنيةِ". هذه المسألةُ لم يحرر صورتَها، ولم يحسن تمثيلَها، وبالجُملةِ فاللفظُ إذا كان له حقيقةٌ واحدة لغوية، ومجازٌ، أو مَجَازَانِ فصاعدًا، ولم يَكثُرِ استعمالُهُ في شيء من مجازاته- فلا خِلافَ أنه عندَ إطلاقه لا يُحمَلُ على أحدهما إلَّا بنية أو قرينة، وأنه لا يُحمَلُ علَى مجازه إلا بنية أو قرينة.
وإنْ كان له حقيقتان لُغَويَّتَانِ فصاعدًا، ولم يَكثُرِ استعمالُهُ في -شيءِ مِنْ مجازه- فلا خلافَ أنه عِندَ إِطلاقه لا يحمَلُ على أحَدِهِما إلَّا بنية أو قرينة. كان أكثر استعمالُ اللفظِ في شَيءٍ من مجازاته، سواء كانَت له حقيقة واحدة أو حقيقتان -فلا يخلو: إِما أن يَربُوَ على الحقيقة إلى حَدّ يصيرُ هو السابِق إلى الفهمِ عند الإِطلاق، وهو المسمى بالحقيقة الشرعية، أو العرفية- انعكس الحُكمُ ولا يحمل على حقيقته اللغوية، إلا بنية أو قرينة، ولا يحتاجُ في حَملِهِ على مجازه الشرعي أو العرفي إلى نية أو قرينة. وإن كان قد كَثُرَ استعمالُهُ حتَّى ساوى الحقيقةَ اللغويةَ، ولم
стр. 84
مِثالة: قول الشافِعي ﵁: إِذَا قَال الرجُلُ لأَمَتِهِ: "أنتِ طَالِق"، وَنَوَى بِهِ العِتقَ- صَحَّ بِالنيةِ؛ لأَن تركِيبَ لَفظِ "الطاءِ وَالَّلامِ والْقَافِ"، لإِزَالةِ الْقَيدِ؛ يُقَالُ: لَفظٌ مُطْلَقٌ، وَأُطلِقَ فُلانٌ مِنَ الْحَبسِ، وَانطَلَقَ بَطنُهُ، ويقَالُ: حَلال طِلق، وَوَجهٌ طَلْقٌ.
===
يَسبِق إِلى الفهم عند الإطلاقِ -فهذه صورةُ المسألة- لأنها إِجمالٌ عارِضٌ، والمُجمَلُ لا يتعين لأحد مَحمَلَيهِ إلَّا بنيَّة أو قرينةٍ.
وقال أبو حنيفة ﵀: يُحمَلُ على الحقيقة.
وقال أبو يُوسُفَ ﵀: يُحمَلُ على المَجازِ.
ولفظُ المُصَنف يوهِمُ أَن سورة المسألةِ هو القِسمُ الذي قبل هذا، أو أنَّه مُنْدَرجٌ في صورة المسألة.
وأما تمثيلُه بلفظِ "الطلاق" فبعيدٌ أيضًا؛ فإنه لا خلافَ أن لَفظَ "الطلاقِ" صريح في إزالة
стр. 85
وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَحَدُ أنواعِ القَيدِ، فَإذَا قَال: "أَنْتِ طَالِقٌ"، وَنَوَى بِهِ إِزَالةَ الْقَيدِ -فَقَد
===
قيد النكاحِ لغة وشَرعًا، وأن الصريحَ لا يحتاجُ فيه بمعنَى احتياجه إلى نية أو قرينةٍ.
ولا خلافَ عند الشافعية أن استعمالهُ في العتقِ كنايةٌ، وأن الكنايةَ لا تؤثِّر إِلا مع النيَّة،
стр. 86
استَعمَلَهُ فِي حَقِيقَتِهِ الأصلِيةِ؛ إلا أَن هذِهِ الحَقِيقَةَ صَارَت مَرجُوحَةً فِي العرفِ، وَاختَص
===
فلم يطابِق تمثيلُهُ المسألَةَ.
وإِنما يَقْرُب تمثيلُها بلفظِ "النكاح"، فإنه حقيقةٌ في الوطْءِ؛ لأنه مأخوذٌ من التَّضَامِّ،
стр. 87
لَفظُ "الطلاقِ" -في العُرفِ- بِإزَالةِ قَيدِ النِّكَاحِ؛ فَصَارَ لَفظُ "الطلاقِ" دَائِرًا بَينَ الْحَقِيقَةِ الْمَرجُوحَةِ وَبَينَ المَجَاز الرَّاجِحِ؛ فَلَا يَنصَرِفُ إِلَى حَقِيقَتِهِ الْمَرْجُوحَةِ إلا بِسَبَبِ النيَّةِ.
стр. 88
فَإِن قالُوا: "وَجَبَ أَلَّا يَنصَرِفَ إِلَى المَجَازِ الرَّاجِحِ، وَهُوَ إزَالةُ قَيدِ النِّكَاحِ إلا بِالنِّيَّةِ؛ وَلَيسَ كَذَلِكَ! ":
قُلْنَا: هُوَ غَيرُ لازِمٍ؛ لأَنَّهُ إِذَا قَال لِمَنكُوحَتِهِ: "أَنتِ طَالِقٌ": فَإنْ عَنَى بِهَذا اللَّفْظِ الْحَقِيقَةَ الْمَرجُوحَةَ -وَهُوَ: إِزَالةُ مُطْلَقِ الْقَيدِ- وَجَبَ أَن يَزُولَ مُسَمَّى القَيدِ، وَإذَا زَال هَذَا المُسَمَّى، فَقَد زَال الْقَيدُ الْمَخْصُوصُ.
وَإِن عَنَى بِهِ: الْمَجَازَ الرَّاجِحَ - فَقَدْ زَال قَيدُ النِّكَاحِ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى كِلا التَّقدِيرَينِ يُفيدُ الزَّوَال- لَا جَرَمَ اسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ، بِخِلافِ الْجانِبِ الآخَرِ؛ لأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَجَازِهِ الرَّاجِحِ- لَمْ يُفِدِ الحُكْمَ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ أَفَادَ؛ فَلَا جَرَمَ افتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّعيِينِ.
===
والتداخُلِ، يقالُ: تَنَاكَحَتِ الأشجَارُ؛ إذا تضامَّت، وتداخَلَت أغصَانُهَا بَعضُها في بعضٍ، وقد استُعمِلَ في "العَقْدِ" الذي هو سَبَبٌ له؛ فكان مجازًا.
وكَثُرَ استعمالُهُ مِنَ الشَّرع فيه، إِلا أنَّه لم يَبلُغ إلى حَدٍّ يكون هو السَابِق إلى الفَهمِ، فإذا أُطلِقَ، لم يتعيَّن للوطء، ولا للعقدِ، إلَّا بقرينةٍ.
قوله: "فإِن قالوا: فوجَب ألَّا يُصرَفَ إلى المجازِ الراجِحِ إلَّا بالنِّيَّةِ"- هذا السؤالُ لازمٌ.
قوله: "إنه غَيرُ لازم؛ لأنَّه إذا قال لمنكوحته: أنتِ طالقٌ؛ فإن عَنَى بهذا اللفظِ الحقيقةَ المرجُوحَةَ، وهي إِزالةُ مُطلَقِ القيدِ -وجَبَ أنْ يَزُولَ مسمَّى القيدِ، وإذا زال هذا المسمَّى فقد زال المسمى المخصُوصُ.
وإن عنى به المجازَ الرَّاجِحَ -فقد زَال قَيدُ النكاحِ، فَلَمَّا كَانَ يفيدُ الزَّوَال على التقديرينِ- استغنى عَنِ النيَّة":
يُقالُ له: الكَلامُ مفْرُوضٌ فيما إِذا ذَكَرَهُ، ولم ينو شيئًا؛ ولا خلاف أَنَّه يُحمَلُ على الطَّلاقِ.
فَقولُهُ: "إِن نوى ... وإن نوى ... ". حَيْدٌ عن السُّؤالِ.
стр. 89
الْمَسْألَةُ الْخَامِسَةُ
لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ المُشتَرك فِي مَفْهُومَيهِ مَعًا:
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الوَاضِعَ، إِذَا وَضَعَ لَفْظًا لِلْمَفْهُومَينِ مَعًا عَلَى سَبِيلِ الانْفِرَادِ: فَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ قَدْ وَضَعَهُ -مَعَ ذَلِكَ- لِمَجْمُوعِهِمَا، أَوْ وَضَعَهُ لِذَلِكَ الْمَجْمُوعِ:
فَإن كَانَ الأَوَّل: امْتَنَعَ استِعمَالُهُ في إِفادَةِ ذَلِكَ الْمَجمُوعِ، عِندَ فَرْضِ كَونِهِ مُتَكَلِّمًا بِتِلْكَ اللُّغَةِ.
وَإنْ كانَ الثَّانِي: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفظُ مُشتَرَكًا بالنِّسبَةِ إِلَى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: لِهَذَا
===
اعلَم أن اللَّفظَ المُشتَرَك لا خِلافَ أنَّه لا يتعيَّن لأحَدِ مسمَّياته إلَّا بقرينةٍ، وعندَ عَدَمِ القرائِنِ- اختلفُوا فيه:
فذهب بعضهم: إلى الوقفِ، وهو مذهبُ المصنف.
وقال بعضُهم: يَعُمُّ فيها، إن أمكن الجَمعُ؛ ويُعْزَى إلى الشَّافعي ﵀ والقاضي
стр. 90
وَحْدَهُ، وَلِذَلِكَ وَحدَهُ، وَلِمَجْمُوعِهِمَا؛ وَحِينَئِذٍ: لا يَكُونُ استِعمَال اللَّفظِ فِي إِفَادَةِ المَجمُوعِ استِعْمالًا لِلَّفظِ المُشْتَرَكِ فِي كُلِّ مَفْهُومَاتِهِ، بَل فِي أحَدِ مَفهُومَاتِهِ.
===
ابنِ البَاقِلاني، وجماعةٍ من المعتزلَةِ.
واختلف المعمِّمون: فمنهم من قال: يَعُمُّ فيها بطريق الحَقِيقةِ؛ ويُعْزَى إلى الشافعيّ ﵀ وهو بعيد.
ومنهم من قال: يعمُّ بطريق المجازِ، وإليه صَغْوُ إِمام الحرمين ﵀.
واحتجَّ المعمِّمون: بأنه لو لم يَعُمَّ:
فإِما أنْ يحمَلَ على أحدها بعينِهِ، وهو ترجيح بغَيرِ مُرَجَّح، أوْ لا يُحمَلَ عَلى شيء منها؛ وفيه إهمالٌ لِلَّفْظِ، وتعطيلٌ له، وهو على خلافِ الأصلِ؛ فتعيَّن التعميمُ.
وَاحتجَّ لهم: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] والصلاةُ من الله -تعالى-: الرحمَةُ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ؛ فقد عمَّ فيهما، وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ... ﴾ الآية [الحج: ١٨] فقد عَمَّ السجودَ الاختياري والجبريّ.
قالوا: وقد نُقِلَ عن سيبويه، أنَّه قال: "ويلٌ": خبرٌ ودعاءٌ، ولا حُجَّة في
стр. 91
بَقِيَ أَنْ يُقَال: إِنهُ مُسْتَعمَلٌ فِي المَجمُوعِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِن ذَيْنِكَ المُفرَدَينِ؛ إلا أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ؛ لأنَّ إِفَادَتَهُ لِلْمَجْمُوعِ تُفِيدُ أَن الاكْتَفَاءِ لَا يَحْصلُ إلا بِهِمَا، وإفَادَتَهُ لِكُلِّ وَاحدٍ مِن الْمُفرَدَينِ تُفِيدُ حُصُولَ الاكْتِفَاءِ بِكُل وَاحِدٍ مِنهُمَا؛ وَذَلِكَ يُوجِبُ الجَمْعَ بَينَ النَّقِيضَينِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
===
الاثنين؛ فإنَّه يمكنُ التعميمُ فيهما بقدرٍ مُشْتَرَكٍ؛ فيكونُ مِن باب التواطُؤِ، لا من بابِ الاشتراكِ؛ فَيَعمُّ الصلاةَ؛ بمعنى التعظيمِ والتوقير، ويعمُّ السجودَ؛ بمعنى الخُضُوعِ.
وسيبويهِ وإن قال في "ويل": إِنه خَبَرٌ ودعاءٌ- فلم يَقُل: إِنه يعمُّ فيهما؛ وهو محلُّ النزاع.
وقوله: "الدليل عليه: أنَّ الواضع ... " إلى قوله: "عند فرض كونه متكلِّمًا بتلك اللغةِ"-: يقال له: إِنه يمتنعُ استعمالُهُ حقيقة، أو مجازًا؟ :
الأوَّلُ مسلَّم؛ فإِنه إِذا وضع لمعنيين فَقَط، فاستعماله في الثالث لا يكُونُ حقيقة. وإن قلتَ: إنه يمتنعُ استعمالُهُ مجازًا، فلا يسلَّم، وظاهرٌ أنَّه مجاز يتعيَّنُ الرجوعُ إِليه عند تعذُّر الحمل على الحقيقة؛ لأنَّ مِنْ لازِمِ استعمالِهِ في كُلِّ واحدٍ بعينه- استعمالهُ فيهما؛ إذ يلزمُ مِنْ صِدقِ الأوَّلِ صِدقُ الثَّاني.
ولا مَعْنَى للمجازِ إلَّا استعمالُ اللَّفْظِ في لازِمِ المسمَّى، داخلًا أو خارجًا.
قوله: "فحينئذٍ؛ يكونُ مُشتَرَكًا بالنِّسبَةِ إِلى أمورِ ثلاثةٍ ... إِلى آخرِهِ".
واعتُرِضَ عليه، وأجابَ عن السؤالِ: بأنه يلزم منهُ التناقُضُ؛ فإنَّ وضعَه لأحدهما يدلُّ على الاكتفاءِ به، وَوَضْعَهُ لهما يدُلُّ على عَدَمٍ الاكتفاءِ؛ فالتعميمُ على هذا القدر يلزم منه التناقُضُ.
يُقَالُ عليه: إِن الواحد إِذا أخذَ مِن حيثُ هُوَ هُوَ -لا بقيد التجرُّد- فلا مانِعَ أن يكونَ جزءًا من الاثنين، وإن أُخِذَ بقيد التجرُّد- امتنع أن يكُونَ جزءًا من الاثنين.
والفَرْقُ بين إرادة المُطلَقِ بقيدٍ، أو بلا قيد ظاهر، والثاني صالحٌ للإرادة.
ولا نسلِّم أنَّه حيثُ وُضِعَ للواحِد أُخِذَ في مسمَّاه سَلبُ وَضعِهِ لغيره؛ ليلْزَمَ التناقض.
وللمسألة فرعان:
الأوَّل: القائِلُونَ بِمَنعِ التعميم في المُشتَرَكِ في طَرَفِ الإثباتِ -اختَلَفُوا في التعميمِ في طَرَفِ النَّفْي؛ كقوله: "لَا عَينَ لي".
فمنهم: مَن عَمَّمَ، ومنهم: مَن لم يُعَمِّم.
قالوا: لأنَّ النفيَ داخِلٌ على الإثباتِ، وإذا لم يُشعِرِ الإثباتُ بكثرةٍ -لَم يُشعِر بها النفيُ، وفيه نظرٌ.
الفرع الثَّاني: اختلفوا في جَمعِهِ؛ كقوله: "اعْتَدِّي بالأقرَاءِ".
стр. 92
[المَسْألةُ السَّادِسَة]
فِي التَّعَارُضِ الحَاصِلِ بَينَ أحوَالِ اللَّفظِ:
اعْلَم: أَن الْخَلَلَ الْحَاصِلَ فِي فَهمِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ؛ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِنَاء عَلَى خَمْسَةِ احْتِمَالاتٍ فِي اللَّفظِ، وَهِيَ:
===
فمنهم مَنْ عَمَّمَ في الجمعِ. وقيل: لَا يَعُمُّ؛ لأنَّ الجَمعَ تكثيرُ المُفرَدِ؛ فإذا لم يُشْعِرِ المفردُ بالتعمِيمِ- فلا يُشْعِرُ به الجَمعُ؛ وفيه نَظَرَ أيضًا.
[قوله]: "اعلم أَنَّ الخَلَل في فهم مُرادِ المتكلِّم؛ إِنَّما يحصل بناءً على خَمسِة احتمالات ... "
أورد عليه: بأنَّ الخَلَل قد يعرض بِاعتبار الزيادة؛ كقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فإنَّ ظاهره نفي مِثْل المِثل بالتقدِيم والتَّأخِير؛ كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥] وبالقلب؛ كقولِكَ: "أدخلتُ القَلَنسُوةَ في رأسي".
وأُجيب عنه: بأنَّ هذه الوجُوهَ ترجع إلى المجاز؛ فإنَّ حاصلها يرجِعُ إلى التركيب في الإسناد، فإنَّ المجازَ تارةً يكون في الإفراد فقط؛ كإطلاق الأَسَدِ على الشجاع، وتارة في
стр. 93
احتِمَالُ الاشتِرَاكِ، وَالنَّقْلِ، وَالْمَجَازِ، وَالإِضْمَارِ، وَالتَّخْصِيصِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ: أَنَّهُ إِذَا انتَفَى احْتِمَالُ الاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ -كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعنَى وَاحِدٍ. وإذَا انتَفَى احْتِمَالُ الْمَجَازِ وَالإِضمَارِ- كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا وُضِع
===
الإِسناد؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، والمنبتُ هو الله، وتارةً بهما؛ كقولِ القَائِل: أَحيانِي اكْتِحَالي بطلْعتِكَ، فإِنَّه أوقع "أحياني" موقع سَرَّني، و "اكتحالي" موقِع رؤيتي، وأسند الإِحياءَ إلى الاكْتِحال، وهو مجازٌ في الإِسناد، والأوَّلانِ مَجَازَان في الإفرَادِ.
لَا يُقَالُ: والإِضْمارُ -أيضًا- راجعٌ إلى المجاز في التركِيب، فلمَ عده؟ ؛ لأَنَّا نقولُ: إِنما أفرده لاخْتصاصه بمزيدِ غرضٍ في التَّرجِيح؛ فإنَّ الحذْفَ إنَّما يحسُنُ مع القرِينَةِ المقالية أو الحالية؛ كقَوْلِهم للقادِمِ: أَهْلًا وسَهلًا، أَي: صادفتَ أهلًا؛ لأنَّ الدعاء يطلب الفعل، ولمن سدَّدَ سَهمًا: القِرطَاسَ، أَي؛ أصبتَ القِرطاس، لقرينة التَّسدِيد، وقرينتُه لا تزايله، بخلافِ غيره من المجازات.
وقد يُقالُ مِثْلُ ذلك في التَّخصِيص؛ فإنَّه مِن إطلاق الكُلّ، وإرادة البعض، وهو من المجاز أيضًا، فلم أفْردَهُ؟
стр. 94
لَهُ. وَإِذَا انتَفَى احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ- كَانَ المُرَادُ بِاللَّفْظِ جَمِيعَ مَا وُضِعَ لَهُ؛ وَعِنْدَ ذلِكَ: لَا يَبْقَى خَلَلٌ أَلبَتَّةَ فِي الْفَهْمِ.
===
فنقولُ: إِنه اختصَّ بمزيد قُوَّةٍ من حيثُ إن استعماله في اللَّازم الداخل، فإشعاره من دَلالةِ التضمن، وهي أَقوى من دلالة الالتِزَام.
ولا يناقِضُ ما ذكره ها هنا، ما عدّه من شُرُوطِ الدَّلالةِ السمعيةِ في كَثِيرٍ من كُتُبه مضافًا إلى هذه الخمسة، وهي نَفْيُ النَّسخِ، والمعارض العقلِي، والتَّقدِيم والتَّأخِير، وصِحَّة النَّقل، ومَعرِفَة العربية؛ لأنَّ انتفاءَ النسْخِ، والمعارض العَقلِي، وصِحَّة النقل- شَرطٌ في العمل لَا فِي إشعار اللفظ.
والخَلَلُ مِنْ عدم فَهم العربية راجِعٌ إلى السامع لا إلى اللفظ؛ لأنَّه إذا قِيل: "ذَكاةُ الجنِينِ
стр. 95
ثُمَّ اعْلَمْ: أنَّ التَّعَارُضَ الحَاصِلَ بَينَ هذِهِ الجِهَاتِ الخَمْسِ يَقَعُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ؛
стр. 96
لأَنَّهُ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَبَينَ الأربَعَةِ البَاقِيَةِ، ثُمَّ بَينَ النَّقْلِ وَبَينَ الثَّلاثَةِ البَاقِيَةِ، ثُمَّ
===
ذكاةُ أمِّهِ" برفع الثَّاني -لم يحتج إلى ذكاة في الجنين، وبنصبه على معنى أَنَّه يذكى ذكاة مِثْل ذكاةِ أُمِّه؛ فيحتاج في حلِّه إلى ذكاة تخصه.
стр. 97
بَينَ الْمَجَازِ وَبَينَ الْوَجْهَينِ البَاقِيَينِ، ثُمَّ بَينَ الإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ عَشَرَةً:
стр. 98
الأَوَّلُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الاشتِرَاكِ وَالنَّقْلِ، فَالنَّقْلُ أَوْلَي؛ لأَنَّ عِنْدَ النَّقْلِ يُكُونُ اللَّفْظُ لِحَقِيقَةٍ مُفْرَدَةٍ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ؛ أَمَّا قَبْلَ النَّقْلِ: فَلِلْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَ النَّقْلِ: فَلِلْمَنْقُولِ إِلَيهِ، وَأَمَّا الاشْتِرَاكُ: فَإِنَّهُ يُخِلُّ بِالفَهْمِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ؛ فَكَانَ النَّقْلُ أَوْلَى.
الثَّانِي: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَي؛ لأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي لَهُ مَجَازٌ؛ إِنْ تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ حَصَلَتِ الْقَرِينَةُ، وَجَبَ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ؛ وحِينَئِذٍ: يُفِيدُ عَلَي كِلا التَّقْدِيرَينِ؛ بِخِلافِ الاشْتِرَاكِ.
===
وَأمَّا التقدِيمُ، والتَّأْخِيرُ: فقد بَيَّنَّا رجوعهما إلى المجاز في التركيب.
وقولُه: "فاعلم أَنَّ التعارض بين هذه الجهات الخمس يقعُ مِنْ عشَرةِ أَوْجُهٍ"، أصل هذه العشرة التّي ذكرها مِنْ عِشْرِينَ، ولكنه أسقط المتكرر؛ لأنا إذا أخرنا كلَّ واحد من هذه الخَمْسة، قابلناها بالأرْبَعةِ الباقية، فتكون أربعةً في خَمْسَةٍ: فهي عِشُرون، إلّا أَنَّ ما عارض الشيء فقد عارضه الآخر، فَلَا فائِدَةَ في عَدّه ثَانِيًا؛ فلهذا كلُّ ما عَدَّهُ في درجة لم يعده في الثانية.
قوله: "الأول: إذا وقع التعارض بين الاشْتراك والنَّقْل، فالنقل أَوْلَي".
مثاله لفظ "الزَّكَاةِ" في اللُّغَةِ موضوعٌ للنَّماءِ، وقد استعمله الشّرْعُ في الجزء المخرج، فاستعماله دَارَ بينَ الاشتراك والنقل، والنقلُ أوْلَي، لما ذكره.
وقد عُورضَ ما ذكره بأَنَّ النقل يتوقَّفُ على مُنَاسبةٍ، ووضع ثان، وغلبةِ استعماله في الثاني، والاشْتراكُ لا يتوقف إلا على وضع ثان، فكان المحذور فيه أَدْنَى.
وأُجِيبَ: بأَنَّا لا نعينه للنقل إلَّا مع كثرة الاسْتعمال، وحِينَئِذٍ تزول المفاسِدُ المذكورةُ.
قوله: "الثاني: إذا وقع التعارض بين الاشْتِرَاكِ، والمجاز، فالمجازُ أولى".
مثالُه: إطلاقُ لفظ الأَمْر على القول المخصُوصِ حقيقة.
واختُلِف في إِطلاقه على الفِعل، فقِيلَ: هو حقيقة أيضًا، فيكون مُشْتركًا، وقيل: مجازٌ؛ وهو الأَوْلَى لِمَا ذُكِرَ.
وقد عُورِضَ ما ذكره بأنَّ المجاز يتوقَّفُ على العَلاقةِ والاسْتعمال؛ بخلاف الاشْتراك؛ فإنَّه
стр. 99
الثَّالِثُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشتِرَاكِ وَبَينَ الإِضْمَارِ، فَالإضْمَارُ أَوْلَي، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن الإِضْمَارَ إِنَّمَا يَحْسُنُ، حَيثُ يَكُونُ الْمَضمَرُ مُتَعَيِّنًا بِالضَّرُورَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالي: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادُ مِنْهُ: "وَاسْأل أَهْلَ الْقَرْيَةِ"؛ وَعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَالْفَهْمُ غَيرُ مُخْتَلٍّ؛ بِخِلافِ الاشتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَهْمَ فِيهِ مُخْتَلٌّ.
===
لا يتوقف إلَّا على أحدهما، وبأن استِعمال الاشتراكِ في معنييه حقيقة.
وأُجِيبَ: بمعارضة ذلك بكثرة فَوَائِد المجاز مِنْ خفَّة الوزْن، وعُذُوبة اللفظ وصَلاحِيَّته لأنواع البديع أو لعظم الحقيقة؛ كقولهم: تخدُم المقام أو للتحقير، كالغائط.
قوله: "الثالث: وإذا وقع التعارض بين الاشْتراك، والإِضمار، فالإضمارُ أَوْلَى" فَمِثَالُهُ: قوله ﵊: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" فإِنَّ لفظة "في"حقيقة في الظَّرْفِيَّةِ، فإذا
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تلف النصاب بعد الحَوْل، والتَّمكُّنِ، وقبل الأداءِ، فمقتضى اللفظ سقوط الزكاة , لزوال المظروف.
стр. 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيُعَارَضُ: بأَنَّ "في" تقع لِلسَّببيَّة؛ كقوله ﵊: "فِي النَّفْسِ المُؤمِنَةِ مائَةٌ مِنَ الإِبلِ".
فيقول الخَصْمُ: هذا يَلْزَمُ منه الاشْتراك.
فيعارضه: بأنَّ حَمْلَهُ على الظَّرْفِ يلزم منه الإِضمار؛ إذْ تَقدِيره: في مِقدَار أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ.
فيقول: الإِضمارُ الأولى مِنَ الاشتراك، وتقديرهُ ما ذكره.
стр. 102
الرَّابِعُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَالتَّخصِيصِ - فَالتَّخصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ، عَلَي مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْمَجَازُ خَيرٌ مِن الاشْتِرَاكِ عَلى مَا تَقَدَّمَ.
===
قولُه "الرابع إذا وقع التعارضُ بين الاشتراك والتخصيص، فالتَّخْصِيصُ أَوْلَى".
مثالُه: الاسْتدلالُ على أنَّ الوطْءَ في النكاح الفاسد يُثبِتُ حرمَة المصاهرة: بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] والنِّكاحُ حَقِيقةٌ في الوطْء.
стр. 103
الْخَامِسُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ النَّقْلِ وَالْمَجَازِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لأَنَّ النَّقْلَ لَا يَحْصُلُ إلا عِنْدَ اتِّفَاقِ أَرْبَابِ اللِّسَانِ عَلَي تَغْيِيرِ الْوَضْعِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَأَمَّا الْمَجَازُ، فَيَكفِي فِيهِ حُصُولُ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَي حَقِيقَتِهِ، وَهِيَ سَهْلَةُ الْوُجُودِ.
السَّادِسُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الإِضمَارِ وَالنَّقْلِ، فالإِضْمَارُ أَوْلَى؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ
===
فيقول المعترضُ أحْمِلُه على العَقْد؛ فإِنه موضعٌ له أيضًا.
فيقول الخَصْمُ: يلزم منه التَّخصِيصُ؛ فَإِنَّ حَمْلَهُ على العَقْدِ يقتضي تخصِيصَه بالعقد الصحيح، فيخرج النكاح الفاسد.
فيقول الخَصْمُ: التخصِيصُ أولى من الاشتراك؛ وتقريرهُ ما ذكر.
قولُه: "الخامس: إِذَا وقع التعارضُ بين النقل والمجاز، فالمجازُ أولى":
مثالُه: إطلاقُ لفظ "الصَّلاةِ" على الدُّعَاء حقيقةً، واستعمالُه في الأَفْعال المخصوصة إِمَّا بالمجاز عند قوم، أو بالنقل، والمجازُ أَوْلَى.
قوله: "السَّادِسُ: إذا وقع التعارضُ بين النقل والإضمار، فالإضمارُ أَولَى":
مثالُه: قولُ الحَنَفِيِّ في بيع الدِّرْهَم بالدرهمينِ: إِنَّ المُحَرَّم أخذُ الزيادة، فإذا تَوافَقا على إِسْقاطها، فيحكم بصِحَّة العَقْد؛ احتجاجًا بأنَّ الرِّبَا في اللغة: الزيادة. فيقول الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الرِّبَا
стр. 104
عَينُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ النَّقلِ.
===
على لسان الشَّرْع عبارةٌ عن: عَقْدٍ مَخصُوصٍ فقولُه تعالي: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، نَهْيٌ عن نَفْسِ العقْدِ، فيكون فاسدًا، اتفقا على حَطِّ الزيادة، أو لم يتفقا.
فيقول الحَنَفِيُّ: حَمْلُ الرِّبَا على العَقْدِ يستلزم النَّقْلَ، وهو على خِلافِ الأَصْل.
فيقولُ الشَّافِعِيُّ: والإضمارُ -أيضًا- على خلاف الأَصْل؛ إِذْ تقديرهُ على زعمك: وحَرَّمَ أَخذَ الرِّبَا.
فيقول الحنفيُّ: الإضمارُ أَوْلَى مِنَ النقْلِ، وتقديره ما ذُكِر.
стр. 105
السَّابِعُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ النَّقْلِ والتَّخْصِيصِ؛ فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأَن التخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالمَجَازُ خَيرٌ مِنَ النَّقْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
===
قوله: "السابعُ إذا وقع التعارضُ بين النقل، والتخصِيصِ- فالتخصيصُ أولى": مثالُه؛ قَوْل الحَنَفِيِّ: يجوزُ بيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ مُتَسَاويًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فيقولُ الشَّافِعِي: البيعُ في لِسَانِ الشرْع عبارة عن: مُقَابلةِ مَالٍ بمَالٍ عن تراضٍ، على أَوْضَاع قدَّرها الشرعُ.
فيقول الحَنَفِيُّ: هذا يقتَضي النقلَ، وهو خِلافُ الأَصْل.
فيقول الشَّافِعِي: وحملُه على الوضْعِ اللُّغَويّ يلزم منه تخصيص البيعِ، وقَصْره على كُلِّ بيعٍ غَيرِ مَنْهِيٍّ عنه نهيَ فسادٍ.
стр. 106
الثَّامِنُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالإِضْمَارِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكثَرُ وُقُوعًا، وَالْكَثْرَةُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مُخَالفَةِ الدَّلِيلِ.
التَّاسِعُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ فِي
===
فيقول الحنفيُّ: التخصِيصُ أَوْلَى مِنَ النَّقْلِ وتقدِيرهُ ما ذُكِر.
قوله: "الثَّامِنُ: إِذا وقع التعارض بين المجاز والإِضْمارِ- فالمجازُ أولى":
مثالُه: إِذا قال السَّيِّدُ لعبدٍ مِن عبيده -وهو أكبرُ مِنْهُ سِنًّا: أَنْتَ وَالِدِي. فيحتمل الكِنَاية عن العِتْق بطريق المَجَازِ ويحتملُ التَّعْظِيم بإضمارٍ؛ لأَنَّ تقديره: أنت كوالدي فمن يوقعُ العِتْق به، يرجِّحُ المجازَ لما ذكر، وَمَنْ لم يوقعه، يرجِّح الإضمارَ؛ لأنَّ قرينته لا تزايله.
وقِيلَ: هما سواءٌ؛ لتوقفهما على القرينة مع إِمكان خفائها فيهما.
قوله: "التاسِعُ: إذا وقع التعارضُ بين المجاز والتَّخصِيص، فالتخصِيصُ أَوْلَى":
مثالُه: قولُ الحنفيِّ فِي مترُوكِ التَّسْمية عمدًا: لا يؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
стр. 107
صُورَةِ التَّخْصِيصِ: يَبْقَى اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي شَيء مِن مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ وَفِي صُورَةِ الْمَجَازِ: لَمْ يَبْقَ اللَّفْط مُسْتَعْمَلًا فِي شَيءٍ مِنْ مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ لأَن التَّغْيِيرَ فِيهِ أَكْثَرُ.
===
فيقول الشافعي: هو مجازٌ فِي ذبح عبدة الأَوْثَانِ، وما أهلَّ لغير الله تعالى لملازمته ترك التسمية.
فيقول الحنفي: المجَازُ على خلاف الأَصل.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيقول الشافعيُّ وحملُ الآيةِ على الذكر اللَّفظِيّ، يلزم منه التخصيص بالناسي بالإجْمَاع، وهو على خِلاف الأَصْل.
فيقول [الحنفي]: التخصيصُ أوْلَى من المجَازِ، وتقديره على ما ذكر.
стр. 109
الْعَاشِرُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنَ الإِضْمَارِ -كَمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ التَّخْصِيصُ خَيرًا مِنَ الإِضْمَارِ.
===
قوله: "العَاشِرُ: إِذا وقع التعارضُ بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيصُ أوْلَى":
مثالُه، قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
إذا قيل فِي تأويله المراد بالحياة: الحياة المعنوية، فإن القاتل إذا اقتص منه فِي الدنيا - زال ذنبُه، فينجو فِي دار الآخرة.
فيُقالُ: هذا التأويل يلزم منه المجازُ.
فيعارضه: أنَّه يحتمل أن يكون الخطابُ للجميع، فيكون معناه فِي شرع القِصَاص حياة؛
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن القاتل إذا علم أنَّه متى قَتَلَ قُتِلَ، انزجر؛ فتبقى الحياةُ له، وللمقتول وهو أوْلَى؛ لإبقاء الحياة علي حقيقتها.
فيقول الآخر: إلَّا أن فيه إضمارًا؛ إِذ تقريره: ولكم فِي شَرْعِ القِصَاصِ حياة.
فيقول الآخَرُ: وفيما ذكرته تخصيصٌ، لقصره على القائلين.
فيقول الخَصْمُ: التخصِيصُ خير من الإِضمار، وتقديره ما ذكر.
فروع:
الأول: إذا تعارض الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أَوْلَى؛ لأن النسخ إبطال، والاشتراك تأخير إلى غاية.
الثاني: إذا تعارض الاشتراك والتواطُؤُ، فالتواطؤ أَوْلَى؛ لأنه دال على حقيقة فرده، والكثرة فِي مواردها.
الثالث: إذا وقع التعارض بين الاشتراكِ، وبين معنيين، أو بين جِنْسين- فالمعنيين أَوْلَى؛ لقلة المحذور.
وكذلك إذا وقع بين مَعْنيينِ، وجنس، أو بَين جنسينِ، فالأول أَوْلَى؛ لقلة المحذور فِي أحد الطرفين.
"قد تقدم حَصْرُ دِلَالةِ الأَلفاظ فِي المطابقة"، وهي:
الحقيقة، والتضمن، والالتزام، وهما المجازُ، ولا بُدَّ فيهما مِنْ مُلَازمهَ، إِمَّا دَاخِلًا، أو خارجًا.
قوله: "لأنه إذا حصل لفظ يُفِيدُ معنى، فهناك أَمْرانِ: اللفظُ، ومعناه، فإذا لم يُفِدِ اللفظ ذلك المعنى الثالث، ولم يكن فهم معناه مستلزمًا لفهم ذلك الثالث- امتنع حصولُ ذلك الثالث".
يعني بالثالث: ما أردت التجوزَ فيه، فإذا لم يكن الثالث نفسَ الموضوع، ولا لَازِمَهُ -فنسبةُ اللفظِ إِليه، وإلى سائر المَعَانِي نسبة واحدة، فلَا ارْتباط، وإذا لم يكن ارتباطٌ، فلا شعور.
следующие страницы →