Полный текст (746 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْمَسْألةُ السَّابِعَةُ
الأَمرُ المُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ، أَوْ الْخَبَرُ المُقَيَّدُ بِالصَّفَةِ: هَل يَدُل عَلَى نَفي الحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ أَو لَا؟
===
٢٧٨]، يعني: أن من صفة المؤمن تركَ الرِّبَا، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ونظائرهُ كثيرةَ، وبعضُهم يُسَمَّي هذا خطابَ التهيج والإلهاب.
[قوله: "المسألة السابعة"]
الأمر المُقَيَّدُ بالصِّفة هل يدُل على نَفي الحكم عَمَّا عداه؟ مثال ما إذا قال: زكُّوا عنِ الغنم السائمة، فهل يدلُّ على نفي الحكم عن غير السائمة؟
стр. 177
مِثَالُهُ إِذَا قَال: "زَكوا عَنِ الغَنَمِ السائِمَةِ"- فَهَل يَدُلُّ عَلَى نَفيِ الزَّكَاةِ عَن غَيرِ السَّائِمَةِ؟ :
стр. 178
قَال الشَّافِعِيُّ ﵁: يَدُلُّ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِك ﵄: لَا يَدُلُّ.
===
وقد قال به الشافِعِي ﵀ وجمهورُ الصحابة، وخالف ابنُ سريج، وأَبُو حَنِيفة، والقاضي ابنُ البَاقِلانِي ﵏ وقال به إمام الحرمين: إذا كانت الصفةُ مناسبة؛ كتعليق الزكاة على السوم - فإنه يُشيرُ بنوع من الرفق، وهو مُعتَبَرٌ في الزكاة، ولأجله اعتُبِرَ الحولُ والنصاب والنمو، ولم يقل به إذا علق على صفة غير المناسبة؛ بل زعم أنها تجري مجرى اللقب، ولا مفهومَ للقب عنده، ولا عند الشافعي، رحمه الله تعالى.
ونقل المصنف عن مالك -رحمه الله تعالى- أنه لا يقول به.
ونقل الشيرازِيُّ عنه أنه يقول به، ولعلهما ينقلانِ عنه بالتخريج من مسائل.
стр. 179
وَالْمُخْتَارُ: أَنهُ لَا يَدُلُّ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ؛ لَكِنَّهُ -عِندِي- يَدُلُّ بِحَسَبِ الْعُرفِ:
أَمَّا الأَوَّلُ- فَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الصِّيغَةَ مَا دَلَّت إِلَّا عَلَى ثُبُوتِ الحُكْمِ في تِلكَ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَالثُّبُوتُ في تِلكَ الصُّورَةِ مُغَايِرٌ لانْتِفَاءِ الحُكمِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَغَيرُ مُستَلْزِم لَهُ؛ لأَنَّهُ [يَثْبُتُ] في بَدِيهَةِ الْعَقْلِ: أنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ في الصَّورَةِ الأُولَى قَد لَا يَحصُلُ مَعَ ثُبُوتِهِ في الصورَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْلا ذلِكَ، لَمَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ الكُلِّيَّةُ [مُمكِنَةً] عَلَى الانْتِفَاءِ في الصُّورَةِ الثانِيَةِ: لَا بِحَسَبِ الْوَضعِ اللُّغَويِّ، وَلَا بِحَسَبِ الاستِلْزَامِ الْعَقْلِيِّ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
واختار المصنف أنه لا يَدُلُّ عليه بحسب اللغة، ويدل عليه بحسب العُرفِ.
قوله: أَمَّا الأَوَّلُ، يعني: عَدَمَ الدلالة لُغَة: فيدل عليه وجوه:
الأول: أن الصيغةَ ما دَلَّتْ إلَّا على ثُبُوتِ الحكم في تلك الصورة المُقَيَّدَةِ بتلك الصفة، والثبوتُ في تلك الصورة [مُغَايرٌ] للانتفاءِ في الصورة الثانية، وغيرُ مُستلْزِم له، وقرر بصدق القضية الكُلِّيةِ الممكنة.
وحاصله: نفيُ الدَّلالاتِ الثلاثِ؛ فإنه إذا لم يُشعِر به من حيثُ الوضع له ولا جزء له - انتفتِ المُطَابَقَةُ، والتَّضَمُّنُ، وإذا انتفتِ الملازمة انتفتْ دلالةُ الالتزامِ أيضًا؛ فإن شرطها اللزومُ، ومعنى قوله: "ولولا ذاك لما كانتِ القضيةُ الكلية ممكنةٌ"، يعني: كقولنا: كُل إنسان كاتب بالإمكان، فإن اللازِمَ فيها صِدقُ الجُزئيَّةِ، والحكمُ للباقي جائزٌ ثبوتُهُ وانتفاؤُهُ، وهي صادقة على التقديرينِ معًا.
ولو استلزم الحكمُ على الجزءِ نفى الحكم عن الجزءِ الآخرِ- لكان إثباتُهُ للجزء الثاني مُنَاقِضًا.
والاعتراضُ عليه: أَنا لا نُسَلِّمُ انتفاءَ الإِشعارِ من جهة الإفرادِ، ولا نسلم انتفاءَهُ من جهة التركيب التقييدِيِّ، وظاهِرٌ أنهُ يُشعِرُ به فإن وَضعَ الصفة للتخصيص، والتخصيصُ يستلزم التمييزَ عنِ المُخَالِفِ، والتمييزُ يستدعي إثباتًا ونفيًا، وعرف الاستعمال مُقَدَّرٌ لذلك، فإن مَنْ قال لغيره:
стр. 180
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالصِّفَةِ: يَرِدُ تَارَة مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكمِ عَن غَيرِ الْمَذكُورِ؛ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَتَارَةً مَعَ ثُبُوتِهِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء ٣١] مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ -أَيضًا- عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الخَشيَةِ، وَقَال فِي قَتْلِ الصَّيدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥]، ثُمَّ أَجْمَعنَا عَلَى أَنَّ قَتلَهُ -خَطَأ- يُوجِبُ الْجَزَاءَ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: الاشتِرَاكُ وَالمَجَازُ، خِلَافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ جَعْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَينَ الصُّورَتَينِ، وَهُوَ ثُبُوتُ انحُكْمِ فِي المَذكُورِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَر عَن ثُبُوتِهِ فِي غَيرِ الْمَذكُور، وَانْتِفَائِهِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكم عَن غَيرِ الْمَذكُورِ، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ فِيهِ هذَا الانْتِفَاءُ - يَلْزَمُ تَرْكُ العَمَلِ بالدَّلِيلِ. أَمَّا لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الانْتِفَاءِ، فَفِي المَوضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الانْتِفَاءُ - يَكُونُ ذلِكَ إِثبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مَفْهُومِ اللَّفْظِ؛ لَا تَعَلُّقَ لِذلِكَ اللَّفْظِ بِهِ: لَا نَفْيًا وَلَا إِثبَاتًا؛ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيهِ فِي العُرْفِ - فَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَا قَال: "الإِنْسَانُ الطَّويلُ لَا يَطِيرُ، وَالْمَيِّتُ اليَهُودِيُّ لَا يُبْصِرُ" - ضَحِكَ مِنْهُ كُل أَحَدٍ، وَيَقُولُ: إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ القَصِيرُ -أَيضًا- لَا يَطِيرُ، وَالمَيِّتُ المُسْلِمُ -
===
اشترِ لي ثوبًا قطنًا أو كتانًا، أو اشترِ لي عبدًا حبشيًّا، أو هنديًّا - لم يُرِدْ بالوصف سوى إخراج غيرِ الموصوفِ بالصفاتِ المُعَيَّنَةِ من مُطلَقِ إذنه فِي شراءِ المُسَمَّى من ذلك الجنس، وكُلُّ مَنْ توهَّم انتقاضَ حَدٍّ، فَأراد إخراجَ صورة النقض زاد وصفًا، والنقل على خلاف الأصل.
ولا يكفي فِي بيانِ انتفاءِ دَلالة الالتزام الانفكاكُ العقليُّ؛ فإنَّ الخصمَ لا يَدَّعِيهِ؛ وإنما يَدَّعي اللزومَ ظاهرًا.
وقد يُترَكُ الظاهرُ لدليل أرجحَ منه؛ وبهذا يُعْتَرَضُ على الوجه الثاني، وهو احتجاجُهُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوَا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمُ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥].
فَإنَّا نقول: إِن هذا خرج مخرجَ الغالب، فظهرَ للتخصيص؛ فإنه سوى نفي الحكمِ، أمَّا إذا لم يظهر غيرُها كانت هي المُتَبَادِرَة إلى الفهمَ، وما ذَكَرَ من الوجه الثاني والثالث - واضِحُ المُرَادِ.
قوله: "وأما أنَّه يدل عليه فِي العُرْفِ فيدل عليه وجهان:
الأول: أَنَّ الرجل إذا قال: الإنسانُ الطويلُ لا يطيرُ، واليهودِيُّ المَيِّتُ لا يبصرُ - يضحكُ منهُ كُلُّ واحد، ويقول: والقصير كذلك، والميت المسلم كذلك".
стр. 181
أَيضًا -لَا يُبْصِرُ-: كَانَ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ طَويلًا، وَبِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا -عَبَثًا، فَلَمَّا اتَفَقُوا عَلَى هَذَا الاسْتِقْبَاحِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَعْلِيلِ هَذَا الاسْتِقْبَاحِ بِهَذَا المَعْنَى-: ثَبَتَ لَكَ أَنَّ هَذَا الاسْتِقْبَاحِ حَاصِل فِي العُرْفِ العَامْ، وَفِي كُلِّ اللُّغَاتِ.
الثَّانِي: التَّخصِيصُ بِالصِّفَةِ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ؛ وَانتِفَاءُ الحُكْمِ عَنْ غَيرِ تِلْكَ الصُّورَةِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةً؛ بِدَلِيلِ أَنَّ المُتَبَادِرَ إِلَى الفَهْمِ فِي العُرْفِ العَام - لَيسَ إلا هذَا؛
===
يرد عليه: بأنه: لَا يَتَعَيَّنُ الاستقباحُ لأجل ذلك، بل يعارِضُهُ احتمالُ الإِخبارِ عنِ المعلوم.
قوله: "الثاني: أنَّ التخصيصَ بالصفة لا بُدَّ له من فائدة ... " إلى آخرهِ، الحُجَّةُ عَوَّلَ عليها الشافعي ﵀ وهو أَنَّ التخصيصَ من العالِمِ بمواقِعِ الخطاب، ونزولُهُ من الأَعَمِّ إلى الأَخَصِّ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن قَصْدٍ، فلا بُدَّ له من فائدة، ويتعين حَمْلُهُ من الشارع على فائدة شرعِيَّةٍ ما أمكن، واختصاصُ الحكم من الفوائد الشرعية، فيحمل عليه.
واعتُرِضَ عليه: بمنع حَصْرِ الفائدة؛ فإنَّ من فوائد التخصيص العنايَةَ بالمذكورِ، أو التنبيه بالأدنى على الأعلى، مع موافقة الحكم، وكذلك عكسُهُ، وهو التنبيهُ بالأعلى على الأدنى، أو لأَنَّ المذكورَ فِي مَظِنَّةِ الخفاءِ، أو اختصاصه بسؤال سائل، أو ترك النَّظَرِ فيه إلى المُجْتَهِدِ؛ لِيَبذُلَ جُهْدَهُ فِي إلحاقه؛ فيثاب عليه، أو لخروجِهِ مخرجَ الغالب، فتعيينُ فائدة التخصيص تحكم به.
وأجاب صاحب الكتاب: بأنها المتبادِرَةُ إلى الفهمِ، والخَصْمُ لا يُسَلِّمَ ذلك؛ بل الحق: أنَّه إنْ لم يظهر سواها، فتتعين.
وإنِ احتمل غيرَ ذلك اعتبر الراجحَ وَإِلَّا كان مجملًا، وقدِ اعتمد بعضُ الأئمةِ فِي إثبات مسألة دلالةِ المفهوم على أنَّه قال به كثيرٌ من أئمة العربية كـ "أبي عبيدة" وغيرِهِ.
قال: والشافعيُّ ﵀ منهم، وقد احتجَّ الأصمعيُّ بقوله، وصَحَّحَ عليه ديوان
стр. 182
فَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا التَّخْصِيصِ عَلَى هذِهِ الْفَائِدَةِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْفَوَائِدِ -وَإِنْ كَانَت مُحْتَمَلَةً- إلا أَنَّ الْفَائِدَةَ التِي ذَكَرْنَاهَا أَرْجَحُ؛ بِدَلِيلِ مُبَادَرَةِ الْفَهْمِ إِلَيهَا.
===
الهذليين.
قالوا: وإذا كُنَّا نقبلُ قول أعرابيٍّ جلْفٍ، فلأنْ نَعْتَبِرَ قولَ أئمة العربية بطريق الأولى.
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ورُدَّ عليهم: بأنَّ العربيَّ ينطقُ بطبعه، وأئمةَ العربية يقولون عنِ استدلالٍ ونظر واجتهاد، فيقابله اجتهادُ غيرهم.
فقد قال محمد بن الحسن ﵀ بنفيه، وهو من علماء العربية إلا أنْ ينقلوا ذلك فنقلهم مقبول، والله أعلم.
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يلحق بمفهوم الصفة:
مفهوم الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة ١٩٧]، احتجَّ به الشافعيُّ ﵀ على أنَّه لو أَحْرَمَ بالحجِّ فِي غير أشهرِه لم يَنْعَقِدْ حَجًّا، ويتحلل منه بعمرةٍ.
ومفهوم المكان كذلك؛ ومثاله قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
واحتج به على أنَّه لا يَصِحُّ الاعتكافُ فِي غير المسجد، وقربُهما من الصفة أنهما يُقَيِّدانِ المُطْلَقَ كتقييد الصفة، والخلافُ فيهما كالخلافِ فِي الصفة.
وَيَقْرُبُ من مفهوم الشرط مفهومُ الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غيره﴾ [البقرة ٢٣٠] وكقوله ﵊: "أُمِرت أن أُقَاتِلَ الناسَ حَتى يَقولُوا: لَا إِلَه إِلا الله".
стр. 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن أنواع المفهم مفهوم العدد؛ كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقوله -
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵊: "إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكم فَلِيَغسِله سَبعًا" يُفهمُ منه نفيُ الزائد والناقصِ، وَرَدَّهُ الإمامُ والقاضي إلى الصفة أيضًا.
واحتج قوم على إفادته كذلك بقوله ﵊ لَما نزل قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]: "لأزيدن على السبعين".
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واستُبْعِد من جهة النقل ومن جهة المعنى أيضًا؛ فإن المفهومَ منه المُبَالغَةُ في اليأسِ فيما زاد على السبعين.
وقد ذكر المُصَنِّفُ فيه تفصيلًا طويلًا، فَمَنْ أحَبه فليراجعه في "المحصول".
وَمن أنواع المفهوم: "مفهوم اللقب"، وهو تعليق الحُكْمِ والخبر على اسيم غيرِ مُشتَقٍّ؛
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كقوله ﵊: "وَاغسِلِيهِ بِالمَاءِ"، "صُبُّوا عَلَيهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاء".
стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يَقُل به سوى الدَّقاقِ من أصحابِ الشافعي ﵀ وبعضُ الحنابلة.
واحتج؛ بِأَن التخصيصَ لا بد له من فائدة، ولا فائدةَ سوى نفي الحكم عَما عداهُ، كاحتجاجِ الشافعي ﵀ على مفهوم الصفة.
وفَرقَ بينهما بأَن الاسمَ يُذكَرُ لبيانِ محل الحكم، والصفةَ تُذكر للتخصيص وضعًا وعُرفًا، ولأنَّه لو أُسقِطَ الاسمُ من اللفظ من غير مُسوِّغٍ للإضمارِ- لاختل الكلامُ، بخلافِ الصفة.
واحتجَّ مَنْ مَنَعَ: بأنه لو دَل لكان الظاهِرُ من مثل قول القائل: زيد موجود، وعيسى بن مريم رسولُ الله - كفرًا؛ لما يلزمُ من نفي الوجودِ عنِ الله تعالى، ونفي الرسالةِ عن غيرِ عيسى ﵇ من المرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
ويمكنُ أن يجابَ عنه: بأنه إشعارٌ ظاهر على خلاف القاطع فيسقط.
واحتج أيضًا: بأنه لو دَل لمنع القياس، فإنه إذا قال: "لَا تَبِيعوا البر بالبر، والشعِيرَ بِالشعِيرِ، والتمرَ بِالتمْرِ، وَالمِلحَ بِالمِلحِ، إلا سَوَاء بسواء"، وَدَل بمنطوقه على منع التفاضُل، فلو دَل بمفهومه على جواز التفاضل فيما سواها - لكان القياسُ على خلف مقتضى النص، ومن شرط الحكم المستَفَادِ من القياس أن يكونَ مستفادًا من النقل.
ويمكن أنْ يجابَ عنه: بأن دلالةَ المفهومِ دَلالةَ تابعة، ولا مانِعَ من تركها بدليل أقوى منها، كما يُخصص العام بالقياس، وإشعارُه بالمُخَصصِ أقوى.
ومِما عُدَّ من المفهوم الحصر؛ كقوله ﵊: "إِنما المَاءُ مِنَ الماءِ"، و: "إنمَا الوَلاءُ لَمِن أَعتَق"، وكقولنا: "لا إله إلَّا الله"، والألف واللام في مثل قوله -
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵊: "الشفْعَةُ فِيمَا لم يُقْسَم"؛ لأن تقديره: كُلُّ الشفعة فيما لم يقسم.
وتقديم الخبر؛ كقوله ﵊: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحلِيلُها التَّسلِيمُ".
стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكقولك: صديقي زيد، والعالم عمرو والرجل بكر.
وزعم الإمام: أن جميع ذلك خارجٌ عن المفهوم، ورَدَّهُ إلى المنطوق.
هذا تمامُ القول في مفهوم المُخَالفَةِ، ويسَمَّى دليلَ الخطاب، ونقيضُهُ مفهومُ الموافقة، وهو: فهم مثل الحكم المنطوق به في المسكوت عنه.
وينقسم إلى: قَطْعِيٍّ، وظَنِّيٍّ، فالقطعيُّ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، [الإسراء ٢٣]، وإنما يحصُل عند فهم المقصود من السياق، وإلّا فلا يمتنع أن يقول السلطان لعبده: أَقِرَّ بِعتْقِ هذا الملك، ولا تقل له: أف.
ومن حيث تَوَقَّفَ فهمُ المقصود منه على القرائن- ظَنَّ قوم أنه من قياس الأولى، والحَقُّ أنه ليس كذلك؛ لفهمه وإن لم يشعر القياس.
والظني كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، ومنه قال الشافعي ﵀: إنه يُشعِرُ بإيجابها في العهد بطريق الأولى، وبالتنبيه بالأدنى على الأعلى.
стр. 193
المَسْأَلَة الثَّامِنَةُ
اعْلَم: أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَال لِعَبدِهِ: "افْعَل هَذَا أَوْ هَذَا"- كَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيهِ تَركَ الكُلِّ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيهِ الإِتيَانَ بِالكُلِّ، وَجَوَّزَ لَهُ أَن يَأتِيَ بِكُل وَاحِدِ مِنهُمَا بَدَلًا عَنِ الآخَرِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ الكُلِّ إِلَّا أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن قَال: إِنَّ وَاحِدًا مِنهُمَا بِعَينِهِ
===
[قوله: "المسألة الثامنة ... "]
قد تَقَدَّمَ أن هذا الباب يشتمل على مسائِلَ لفظية، وقد مضى ما قُصِدَ ذكره منها، وعلى مسائِلَ معنوية، وهذه أولها:
اعلَم أنَّ الواجب ينقسم باعتبار المأمور به إلى مُعَيَّن ومُخَيَّر، وباعتبارِ وقته إِلى مُضَيَّق، ومُوَسَّع، وباعتبار المأمورين إلى عين وكفاية، ، ولا إشكال في المُعَيَّنِ في الثلاثة، وإنما مَحَلُّ النظر غيرُ المعين.
стр. 194
هُو الوَاجِبُ فِي نَفْسِ الأمْرِ وَفِي عِلمِ الله تَعَالى، إِلَّا أَنَّهُ غَيرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ -عِنْدَنَا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ أَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ الإِتْيَانِ بِغَيرِهِ؛ وَذلِكَ
стр. 195
يَقْتَضِي كَونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزَ التَّرْكِ عَلَى بَعْضِ التَّقْدِيرَاتِ، وَوُجُوبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَينِهِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَمْنُوعَ الترْكِ عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ؛ وَالْجَمْعُ بَينَهُمَا مُتَنَاقِضٌ.
стр. 196
وَاحتَجَّ المُخَالِفُ بِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا أَتَى الْمُكَلَّفُ بِجَمِيعِهَا: فَإِمَّا أَلَّا يَستَحِقَّ ثَوابَ الوَاجِبِ عَلَى شَيءٍ مِنهَا؛ وَذلِكَ يَقْدَحُ فِي وُجُوبِهَا، أَوْ يَسْتَحِقَّ ثَوَابَ الوَاجِبِ عَلَى كُلِّهَا؛ وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَجمُوعِ وَاجِبًا، أَوْ يَسْتَحِقَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى وَاحِدٍ، لَا بِعَينِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ، فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ؛ فَمَا لَا يَكُونُ مُتَعَيِّنًا فِي نَفسِهِ، لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي نَفْسِهِ، وَمَا لَا يَكُونُ مَوجُودًا فِي نَفْسِهِ، يَمْتَنِعُ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِهِ.
وَلَمَّا بَطَلَتْ هذِهِ الأَقْسَامُ بِأسْرِهَا، لَمْ يَبْقَ إلا قَوْلُنَا: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ ثَوَابَ الوَاجِبِ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فِي نَفسِهِ، وإِنْ كَانَ غَيرَ مُعَيَّنٍ عِندَنَا؛ فَيَثْبُتُ أَنَّ ذلِكَ هُوَ الحَقُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْكُلِّ، فَالْفَرضُ: إِمَّا أَنْ يَسْقُطَ بِالْكُلِّ، أَو بِوَاحِدٍ بِعَينِهِ، أَوْ بِوَاحِدٍ لَا بِعَينِهِ، وَيَعُودُ التَّقسِيمُ الأَوَّلُ فِيهِ.
===
ورد بأن إيجابَ الجميع مخاِلفٌ لصريح النص، ولا يمكن طَردُهُ في جميع الصور؛ فإن من صور التخيير عَقْدَ الإمامة لأحد الشخصين المتساويين، والتزويجَ من أحدِ الكفئين، وطلاقَ أحد الزوجتين، وعِتقَ أحد العبدين.
ويلزم عليه: أنَّ مَنْ وجب عليه إخراجُ مُدٍّ من طعام، وفي ملكه عشرة آلافِ مُدٍّ -وُجُوبُ الجميع، ومَن وجب عليه شراء رقبة، وقَدِرَ على شراء رقاب- يجبُ عليه شراءُ الجميع، وأكثر ذلك خلاف الإجماع.
قالوا: لو صَحَّ التكليف بأحد الفعلين لا بعينه لَصَحَّ تكليفُ أحد الشخصين لا بعينه، وذلك مُحَال، بخلاف تعليق الطلب بأحد الفعلين لا بعينه؛ فإنه جائز؛ لأنه راجع إلى القول النفسي أوِ اللفظي، وكلاهما يتعلَّقُ ولا يؤثر، فلا يَمتَنِعُ تعلُّقُهما بالمطلقات كالعلم، وبالمعين يخرج من عهدة المطلق لاشتماله عليه.
فإن قالوا: الاتفاقُ واقِعٌ على الأحكام، فإنَّا اتفقنا على أنه يَحرُمُ تركُ الجميع، ويكفي الإتيان بواحد، فالخلاف لفظي.
قلنا: قد بَيَّنَّا عَوْدَ الخلاف إلى المعنى، ولَمَّا اعتقد صاحبُ الكتاب أن الخلافَ لفظيٌّ - عَدَلَ عن إبطال هذا المذهب، وعنِ الاحتجاج لأصحابنا.
وأخذ في إبطالِ قولِ مَنْ زعم أن الواجب مُعَيَّنٌ في نفس الأَمر وعند الله تعالى، وغيرُ معين عند المُكَلَّفِ.
стр. 197
الثَّالِثُ: إِذَا تَرَكَ الْكُلَّ: فَإِمَّا أَلَّا يَسْتَحِقَّ العِقَابَ أَصْلًا؛ وَذلِكَ يَقدَحُ فِي وُجُوبِهَا، أَو يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِ الْكُلِّ؛ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ وَاجِبًا؛ وَهُوَ بَاطِلٌ، أَوْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِ وَاحِدِ لَا بِعَينِهِ؛ وَهُوَ بَاطِل؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ السَّابِقِ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ بِعَينِهِ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْجَوَابُ عَنِ الأوَّلِ: أَنهُ -عِندَنَا- يَسْتَحِقُّ عَلَى فِعلِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ لَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ؛ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى فِعْلِهَا ثَوَابَ أُمُورِ كَانَ لَهُ تَرْكُ كُلِّ وَاحِدِ مِنْهَا بِشَرْطِ الإِتْيَانِ بِالآخَرِ، لَا ثَوَابَ أُمُورٍ كَانَ يَجِبُ عَلَيهِ الإِتْيانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا
===
ودعواه الاتفاقَ على أنه لا يجبُ عليه الإتيانُ بالكُل -غَيرُ مُسَلَّمٍ قَبلَ الوقوعِ عند المعتزلة، وفيه وقع النزاع.
قوله: إلا أن من الناس مَنْ قال: إن واحدًا منهما هو الواجبُ في نفس الأمر وفي علم الله تعالى، إلا أنه غير معلوم لنا.
إنما قال: "من الناس" لأن الأشعرِيَّةَ تعزو هذا المذهبَ إلى بعض المعتزلة، والمعتزلةَ تعزوه إلى بعض الأشعرية.
وَتَتِمَّةُ هذا الى مذهب أنه إن أوقع ما علمه الله تعالى واجبًا فذاكَ، وإن أوقع غيره كان نفلًا دافعًا للوجوب رخصة.
قوله: "وهذا القول عندنا باطل .. " إلى آخره، حاصِلُهُ لزومُ التناقض، وما خُيِّرَ فيه جائزُ الترك على بعض التقديراتِ، والمُعَيَّنُ ممنوعُ الترك على كُلِّ التقديرات؛ فلا يجتمعان.
ويمكن أن يقال: إنما يلزمُ التناقضُ أنْ لو كان التعيينُ والتخييرُ باعتبارِ جهة واحدة.
أما إذا كان التعيينُ بالنسبة إلى الله تعالى، والتخييرُ بالنسبة إلى العبد -فلا يسلم التناقض، بلِ الدليلُ على إبطالِ هذا المذهب أن التكليفَ بِمُعَيَّن عند الله تعالي غَيْرُ معينٍ للعبد، ولا طريقَ له إلى معرفة تعيينه- من تكليف الَمُحَالِ.
فإن قيل: المانع من أن العبدَ لا يأتي إلَّا بما عَلِمَ الله تعالى. فجوابه: أن اللَّه تعالى لا يُوجِبُ عليه إِلا بما يُعَيِّنُهُ العبد، أو أنه إذا أتى كان سببًا لإسقاط المُعَيَّنِ.
قلنا: الجوالب عن الأول: أنَّ المأمورَ به لا بُدَّ وأن يكون معلومًا للمُكَلَّفِ؛ ليصحَّ قصدُه إلى الإتيانِ به، وإذا لم يعلمه إلا بعد الإتيانِ به - تَقَدَّمَ المشروطُ على الشرطِ، وهو محال.
وعن الثاني: أنَّ الإِجماعَ مُنعَقِدٌ على تحقق الإيجاب قبل الامتثال.
وعن الثالث: أن الإجماع منعقد على أن العبد ممتثل بعين ما أتى به.
قوله: "احتجَّ الخصمُ بوجوه" وذكر وجوهًا ثلاثة، حاصل الجمع يئُول إلى حرف واحد، وهو أَن للواجب أحكامًا وخواصَّ تتعلق بفعله وتركه:
فَمِمَّا يتعلق بفعله استحقاقُ ثواب الواجبِ، والخروجُ عن العهدة، ومِمَّا يتعلق بتركِه استحقاقُ العقابِ واللومِ.
стр. 198
عَلَى التَّعيِينِ؛ وَعَلَى هَذَا التقْدِيرِ: يَسْقُطُ السُّؤَالُ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنهُ يَسْقُطُ الفَرْضُ -عِنْدَنَا- بِكُلِّ وَاحِدٍ.
فَإِن قَالُوا: يَلْزَمُ أنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الأَثَرِ الْوَاحِدِ مُؤَثِّرَانِ مُستَقِلَّانِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ:
===
وهذه الأحكامُ مُعَلَّلَة بالإتيانِ بالمأمورِ به وبتركه، فإذا أتى بجميع الخصال في الصورة المفروضة، أو تَرَكَ الجميعَ- فحصولُ ثواب الواجب والخروجُ عن عهدته بتقدير الفعل، والعقابُ واللومُ بتقدير التركِ:
إمَّا أن يُعَلَّلَ بالجميع: بمعنى أن كل واحد منهما جزء العِلَّة، فيلزم أن يكونَ الجميع واجبًا، وينتفي التخيير، أو بكُلِّ واحد بعينه؛ فيلزمُ اجتماعُ المُؤَثِّراتِ العديدة على أثر واحد، وهو محال، أو واحدٍ لا على التعيين، والتعليل به يستدعي وجودَه، وغيرُ المُعَيَّنِ لا وجودَ له.
وتقريره: بأنَّ كُل موجود مُتَعيِّنٌ، وعكس نقيضه، وكُلَّ ما ليس بِمُتَعَيَّنٍ لا يكون موجودًا، وما لا يقبلُ الوجودَ غيرُ مُمكِنٍ، وما ليس بممكن لا يكون مقدورًا، وما ليس بمقدورٍ لا يتعلَّقُ به طَلَبٌ، لا بالفعل ولا بالترك؛ فلا يكونُ سببًا في الثواب ولا في العقاب.
أو بِمُعَيَّنٍ عندنا: وهو خلاف الفَرضِ، فيتعينُ أن يكونَ معينًا عند الله تعالى، غيرَ معينٍ عندنا، وهو المطلوب.
والجواب الحق: أن قوله: "إنَّ غيرَ المعين لا وُجُودَ له"، إن عَنَى أنَّه لا وجودَ له متجرِّدًا فَمُسلَّمٌ، ولا ندعى وقوع التكليف به على هذا الوجه؛ فإنه محال، وإن عَنَى به أنه لا وجودَ له مع ما يُمَيِّزُه، فليس الأمر كذلك؛ فإنَّ هذا الإنسانَ المعين إنسانٌ، وهذا الدينارَ المعين دينارٌ.
وإذا تقرر أَنَّ له وجودًا بهذا الاعتبار، فلا مانع من تَعَلُّقِ الطلب والتكليف به، من جهة ما شارك به غَيرهُ، لا من جهة ما تَمَيَّزَ به، وعلى هذا وجوبُ سائر المُطلَقَاتِ في الشرع؛ كوجوب دينارٍ أو درهم أو شاة أو صاع أو ضمانِ مِثل، أو قيمة مُتْلَفٍ، أو عِتقِ رقبة، ويخرجُ من جميع ذلك بالمعين؛ لما فيه من الوجه الذي يكون به مطلقًا.
قوله: "والجواب عن الأول: أن عندنا أنه يستحق على فعل كل واحد منهما ثواب الواجب المخير لا المعين".
حاصل كلامه: أن يقول: إنَّ الواجب المُخَيَّرَ رُتبَةٌ بين النَّدْبِ والواجب المعين؛ فإن الحكمة تقتضي أن يترتبَ على كل مرتبة ما يناسبها، فإذا وجب أن يُقَابَلَ المندوبُ بخُمسِ درجة من الثواب مثلًا، وأن يقابلَ الواجبَ المعين منه ضِعفَاهُ - اقتضى أَن يقابلَ المُخَيَّرَ ضِعفُهُ مثلًا، وهي مرتبة بين المرتبتين.
والجواب الحَقُّ: أنه لا يخلو إِمَّا أن يأتيَ بالجميع على جهة الترتيب أو المَعِيَّةِ، فإن أتى بها على الترتيب، كان ثوابُ الواجب مرتبًا على الأول، وما عداه نفل؛ لأنه يَسُوغُ تركُه حينئذٍ مطلقًا.
وإن أتى بها معًا فيضافُ ثوابُ الواجب إلى أعلاها إن تفاوتت؛ لأنه لو اقتصر عليه لاستَحقَّ
стр. 199
فَنَقُولُ: هذِهِ الأَسبَابُ -عِنْدَنَا- مُعَرِّفَات، لَا مُوجِبَاتٌ، وَلَا يَمتَنِعُ أَن يَجتَمِعَ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ دَلائِلُ كَثِيرَة.
===
عليه ثوابَ الواجب، فإضافةُ غيره إليه لَا يُنْقِصُهُ، وإن تساوت فإلى أحدها. وإِن تَرَكَ الجميعَ عُوقِبَ على أَقَلِّها؛ لأنه لو اقتصر عليه لأجزأهُ.
وقد ضَعَّفَ صاحب الكتابِ هذا الجوابَ، وَعَدَل إلى الجواب المذكور في الكتاب، وما ذكره غيرُ لازم؛ فإنه لا يلزم من تَعَيُّنِهِ في حالة -بحكم الحال- تَعَيُّنُهُ في أَصلِ التكليف.
ومما يُنَبَّهُ له: أنه ذكر في هذه الحجج أن مِن لازِمِ الواجبِ استحقاقَ الثواب على فعله، واستحقاقَ العقاب على تركه، وهذا اللفظُ يوهم بمذهب المعتزلة، وهو أنه يجب على الله تعالى إثابَةُ المطيع؛ لأن العقولَ تقتضي ترتيبَ الإحسانِ على فعل المُحسِن، ولا يَحسُنُ من الله تعالى تَركُ ذلك؛ لأنه نقيضُ الحِكمَة، وكذلك يقتضي ترتيبَ العقوبة على إِساءَة المُسِيءِ عند عدم التوبة؛ لأن تركه إغراءٌ بالمخالفة، وهذه أصول باطلة؛ لأنها مبنية على التحسين والتقبيح العقليِّ.
стр. 200
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقَابَ عَلَى تَرْكِ الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِ الْمَجْمُوع الْمَنْعُ مِنْ تَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمَجْمُوعِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ غَنِيٌّ عَنِ الْبَيَانِ.
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَةُ
الْفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ، يَقَعُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ زَائِدًا عَنِ الْوَقْتِ، وَالتَّكلِيفُ بِهِ لَا يَجُوزُ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّز تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، أَوْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إِيجَابَ الْقَضَاءِ؛ كَمَا إِذَا طَهُرَتِ الحَائِضُ أَوْ بَلَغَ الْغُلامُ، وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا لَا يَسَعُ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةَ، أَوْ أَقَلَّ.
===
وإن عَنَى أنه يستحق الثوابَ وعدًا من الله فهو حق، وكذلك استحقاق العقابِ بالوعيد، وهو مُتَعَلِّقٌ عندنا بمشيئة الله تعالى، وقد ورد أنه لا يعفو عن الكُفَّارِ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
[المسألة التاسعة]
في هذه المسألة ثلاثة أوجه: -
أحدها: أن الجميع يكون قضاء.
стр. 201
ثَانِيهَا: أَلَّا يَكُونَ أَزيَدَ وَلَا أَنْقَصَ؛ وَهُوَ كَالأَمْرِ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ فَاضِلًا عَنِ الْفِعْلِ؛ وَهذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ؛ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُنم مَنْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُم مَنْ جَوَّزَهُ:
أَمَّا الأَوَّلُونَ- فَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ وُجُوبَ الصَّلاةِ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا أَتَى بِهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ- كَانَ قَضَاءً.
===
ثانيها: أنَّ الجميع يكون أداء.
ثالثها: أنَّ ما أوقعه في الوقت أداءٌ، وما أوقعه خارج الوقت قضاءٌ.
قوله: "وثانيها أَلَّا يكون أزيد، ولا أنقص، وهو كالأمر بصوم يوم واحد".
قوله: "وثالثها أن يكون الوقت فاضلًا، وهذا هو الواجب الموسع".
ومثاله: إضافة وجوب صلاة الظهر من الزوال إلى مقدار القامة.
قوله: "واختلف الناس فيه: فمنهم من أنكره" والمنكرون له اختلفوا في تخريج ما ادعى وجوبه على التوسيع على أوجه:
قوله: "الأول: قول بعض الشافعية إنَّ وجوبَ الصلاة يختص بأول الوقت، فإذا أتى بها في آخر الوقت كان قضاء".
هذا الوجه لا يُعْرَفُ من مذهب الشافِعِيِّ ﵀ ولعلَّهُ التبس عليه بوجه الإصطخريِّ: أَن ما يُفْعَلُ فيما زاد على بيانِ جبريلَ ﵇ في العصر، والصبح مثلًا- يُعَدُّ
стр. 202
وَالثَّانِي: قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ: أَنَّ الْوُجُوبَ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا أَتَى بِالْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ- كَانَ ذلِكَ مُعَجَّلًا؛ كَمَا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ قَبْلَ حَوَلانِ الْحَوْلِ.
وَثَالِثُهَا: مَا حُكِيَ عَنِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ: أَنَّ الصَّلاةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَوْقُوفَةٌ: فَإِنْ أَدْرَكَ الْمُصَلِّى آخِرَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّهُ لَيسَ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ- كَانَ [مَا] فَعَلَهُ نَفْلًا، وَإِنْ أَدْرَكَهُ عَلَى صفَةِ الْمُكَلَّفِينَ- كَانَ [مَا] فَعَلَهُ وَاجِبًا.
وَأَمَّا الْمُعْتَرِفُونَ بِثُبُوتِ الوَاجِبِ الْموَسَّعِ -وَهَمُ الجُمْهُورُ- فلَهُمْ قَوْلانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلَقٌ بِكُلِّ الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ
===
قضاءً، وهو لا ينكر التوسعةَ، وإنما قصرها على بيانِ جبريل ﵇.
قوله: "والثاني: قول بعض الحنفية: إن الوجوبَ إنما يَحْصُلُ في آخرِ الوقت، فإذا أتى المُكَلَّفُ بالفعل في أول الوقت، كان بذلك مُعَجَّلًا، كما لو أَدَّى الزكاة قبل تمام الحول".
قالوا: ووجه ذلك أن الصلاة في أول الوقت يسوغُ تركُها، وهذه حقيقة المندوبِ، أو المُسْتَعْجَلِ، وفي آخره لا يسوغ تركُها، وهذه حقيقة الواجِبِ فيتعين أن ما يفعله المكلف في أول الوقت يكون نفلًا أو استعجالًا، وهذا باطل؛ لأنه لو كان مستعجلًا لَصَحَّ بِنِيَّةِ التعجيل، ولا يصحُّ بالإجماع، وبهذا يَبْطُلُ قول مَنْ قال: إنها نَفْلٌ يدفع الفرض ولم ينفله؛ لأنها لو كانت نفلًا لصح بنية النفل.
قوله: "وثالثها ما حكى عن الكرخي أنها موقوفة، فإن أدرك آخر الوقت وليس على صفة المكلفين- كان نفلًا وإن أدركه على صفة المُكَلَّفِينَ كان واجبًا".
قال الغزالي ﵀ في "المستصفى": "وهذا باطل بالإجماع، على أَنَّ من صلَّى في أول الوقت ومات عَقِيبَهُ، فإنه يكون مُؤَدِّيًا للفرض.
قوله: وأما المعترفون بِثُبُوت الواجب المُوَسَّعِ، وهم الجمهور- فلهم قولان:
стр. 203
إِلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا.
==
الأول: أَن الوجوب تعلق بكل الوقت.
ووجهوه بأن النَّبيَّ ﷺ وَجِبْرِيلَ ﵇ صَلَّيَا فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَفي آخِرِهِ، وَقَالا: "مَا بَينَ هَذَينِ وَقْتٌ".
стр. 204
وَالثانِي: لَا حَاجَةَ أَلْبَتَّةَ إِلَى هَذَا الْبَدَلِ؛ وَهُوَ الْمُختَارُ.
===
قوله: إلا أنه إنما يجوز التركُ في أول الوقت إلى بَدَلٍ، وهو العَزْمُ.
هذا مذهب أكثر الفقهاء، والقاضي منا، وأبي علي، . ..
стр. 205
وَأعْلَمْ: أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، يَرْجِعُ -عِنْدَ التَّحْقِيقِ- إِلَى الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ فَإِنَّ الشَّارعَ إِذَا قَال: "أَفْعَلْ هَذَا الفِعْلَ: إِمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، وَإِذَا لَم يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلَّا قَدْرُ مَا لَا يَفْضُلُ عَلَيهِ، فَافْعَلْهُ لَا مَحَالةَ، وَلَا تَتْرُكْهُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ"؛ فَقَوْلُهُ: "يَجِبُ عَلَيكَ إِيقَاعُ هَذَا الفِعْلِ: إِمَّا فِي هَذَا الْوَقتِ، أَوْ فِي ذلِكَ" - يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ: "إِنَّ الْوَاجِبَ: إِمَّا هَذَا، أَوْ ذَاكَ"؛ وَكمَا أَنَّا نَصِفُهَا
===
وأبي هاشم من المعتزلة.
قوله: "والثاني: أنه لا حاجةَ إلى هذا البَدَلِ، وهو المختارُ" وهذا مذهب بعضِ الفقهاء، واختيارُ أبي الحسين من المعتزلة.
واحتجَّ مَنْ أوجب العزم: بأنه إنما يَتَمَيَّزُ تركُ الواجب في أول الوقت عن تركِ النَّفْلِ- بشرط البدل.
واحتجوا على أن البَدَلَ هو العزم، وعلى وجوبه بما تقدم في مسألة الفور.
ومَنْ لم يوجبه قال: البَدَلُ فِعْلُهُ في الوقت الثاني، والتخييرُ في صُوَرِ الصلاة المنسوبة إلى أول الوقت، ووسطه، وآخره، كالتخيير في تعيين الرقبة.
وقالوا: الواجب المُوَسَّعُ يرجِعُ حاصله إلى الواجب المُخَيَّرِ كما ذُكِرَ.
قال المصنف: "ثم إذا ضاق هذا الوقتُ، ولم يبق إلَّا مقدارُ ما يكونُ مساويًا للفعل- يضيق التكليفُ؛ فهذا هو المختارُ في هذا البابِ، وبه تزول جميع الإشكالاتُ".
ومما أُورِدَ على القول بالمُوَسَّعِ: أن المُكَلَّفَ إذا أَخَّرَ ومات في أثناء الوقت، فهل يَلْقَى الله عاصيًا أوْ لا؟ فإنْ لم يعصِ، لم يبقَ للوجوب معنى معقول، وإنْ عصى فكيف يعصى، وقد فعل ماله أَنْ يفعلَه؟
وأُجِيبَ عنه: باختيار أنه يعصى، وإنما جُوِّزَ له التأخيرُ؛ بشرط سلامة العاقبة.
стр. 206
بِالْوُجُوبِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الإِخْلالُ بِجَمِيعِهَا، وَلَا يَجِبُ الإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا، وَالأَمْرُ فِي اخْتِيَارِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، كَانَ مُفَوَّضًا إِلَى رَأْي الْمُكَلَّفِ-: فَكَذَا هَهُنَا: لَا يَجوزُ لِلْمُكَلَّفِ إِخْلاءُ جَمِيعِ أجْزَاءِ الْوَقْتِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ إِيقَاعُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ هَذَا الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ لَهُ إِيقَاعُهُ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ هذَا الْوَقْتِ بَدَلًا عَنِ الآخَرِ، ثُمَّ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يَكُونُ مُسَاويًا لِلْفِعْلِ- يُضَيَّقُ التَّكْلِيفُ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي هَذَا البَابِ؛ وَبِهِ تَزُولُ جَمِيعُ الإِشْكَالاتِ.
===
وأُورِدَ عليه: أَنَّ في اشتراط سلامة العاقبة رَبْطَ التكليف بلَبْسٍ وَعَمَايَةٍ.
وأُجِيبَ عنه: بأن التكليفَ مُتَحَتَّمٌ، والمشروطَ بسلامة العاقبة جوازُ التأخير، والجواز ليس من التكليف؛ وهو كما أُبِيحَ للإمامِ، والمُؤَدِّبِ، والزوجِ- التأديبُ؛ بشرط سلامة العاقبة.
والمنقولُ في الصلاة: لا يعصى على أَصَحِّ الوجهين، وفي الحج: أنه يَعْصِي على أصح الوجهين؛ لعِظم الخطر بطول الزمان.
فرع: إِذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أنه لو لم يفعل لفات فَأَخَّرَ- عَصى بالإجماع. فإنْ بقي وأتى به يُعَدُّ ذلك الوقتُ في وقتِ التوسعة، فهل يكونُ قضاءً أو أداءً؟
قال القاضي: يكون قضاءً؛ لأنه أَخَّرَهُ عن الوقت المعين له.
وقال الغزالي، والأكثرون: يكون أداء، والظن الكاذب لا أثرَ له، وعصيانه بالتأخر لا يخرجُه عن كونه وقتًا له، كما غلب على ظنه دخولُ الوقت المعين له، وأخره ثم تبين بقاء الوقت؛ فإنه يكون أداء بالإجماع.
وقد تقدم: أنَّ الوجوب ينقسم بالنسبة إلى المأمور به إلى مُعَيَّنٍ ومُخَيَّر، وبالنسبة إلى وقته إلى مضيق ومُوَسَّعٍ، وبالنسبة إلى المأمورين به إلى عَينٍ وكفاية، وقد مَرَّ البحثُ في القسمين الأولين.
وبقي البحث في الثالث، وهو الواجب على الكفاية ولم يذكره والحاجة ماسَّةٌ إلى تعيينه ولا شك أن الخطاب المتوجه على الجميع تارةً يتوجَّه على كُلِّ واحد، وتارة لا يتوجه على كل واحد.
والأول ينقسم إلى: ما يكون فعلُ البعض شرطًا في فعل الآخر، كصلاة الجمعة، وإلى ما [لا] يكون كذلك، كالصلوات الخمس.
والثاني: وهو المتوجه على الكل لا باعتبار كل واحد.
قال المصنف وجماعة: هو فرض الكفاية، ومثلوه بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
стр. 207
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
الكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَمَا يُعَاقَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَرْكِ الإِيمَانِ؛ فَكَذلِكَ يُعَاقَبُونَ -أَيضًا- عَلَى عَدَمِ إِتْيَانِهِمْ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ.
===
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية بالإجماع؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وغيرِ ذلك.
وقال قوم: معنى فرض الكفاية توجُّهُ الخطاب على كُلِّ واحد، وسقوطُهُ بفعل البعض، وبهذا فارق المعين.
واحتجوا: بأنه لو لم يكن الخطاب لكل واحد- لما عصى بالتركِ كُلُّ واحد.
وعُورِضُوا: بأنه لو كان الخطابُ لكل واحد لما سَقَطَ بفعل البعض، فبهذا فارق المعين.
وأُجِيبَ: بأنه لا يُعَدُّ في سقوط الخطاب به غير الامتثالِ، كما يسقط بالنسخ والعجز، والسرُّ في سقوطه: أنهم إذا أُمِرُوا بغسل ميت، وتكفينه مثلًا، وفَعَلَ ذلك البعضُ- فقد حصل المطلوب، فبقاءُ الطلب على الباقين يكون تحصيل الحاصل؛ وهو محال.
واحتج الأولون: بأنه إذا صَحَّ الأمرُ بغير المعين، فليصح أمر غير المعين.
وفَرقَ الآخرون: بأن تَعَلُّقَ الأمر بالمأمور به راجع إلى الذكر، وأقول: ولا مانعَ من تعلقهما بالمطلق المُبْهَمِ، ويخرج عن عهدته بالمعين؛ لاشتماله عليه.
وأمَّا المأمور به فلازمه لُحُوقُ العقابِ، أو اللوم على تركه، وَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُهُمَا بغير المعين، وهو كخلق البياض، أو السواد في محل غير معين.
قالوا: فظاهر الخطاب في الآية دَالٌّ على ما ذكرنا.
أُجِيبوا: بأن ما ذكرناه قطعيٌّ، وما ذكرتموه ظنيٌّ، فيتعين تأويلُه؛ جمعًا بين الأدلة.
وزاد المصنف فقال: والتكليف به مَنُوطٌ بغلبة الظن، فَإِنْ غلب على ظن البعض أن البعض الآخر أتى به- سقط عن الجميع.
وهذا ضعيف؛ فإنه يُؤَدِّي إلى التواكل، وتضييع الواجب، ولا شك أنه يكفي في التوجه وُرُودُ الخطاب، وإنما البحث في المسقط، والأمر فيه منقسم، فما يُتَصَوَّرُ العلمُ بحصوله، كَمَيِّتٍ حاضر، خُوطِبَ بتغسيله وتكفينه ودفنه- فلا يسقطُ إلَّا بالعلم بالامتثال.
وما يتقرر العلم به يكفي في إسقاطه الظن، كما في قيام طائفة بالجهاد لإعلاء كلمة الدين.
[المسألة العاشرة]
اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة أَقوال:
فذهب الأَشعريُّ، والقاضي، وأكثرُ أصحاب الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- إلى أنهم
стр. 208
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ المُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ هذِهِ الأعَمَالِ عَلَى الكُفَّارِ- قَائِمٌ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَالْكُفْرُ غَيرُ مَانِعٍ مِنْهَا؛ لأَنَّ الْكَافِرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِاللِه، ثُمَّ بَعْدَ الإِيمَانِ
===
مُخَاطَبُون بالفروع.
وصار أبو هاشم، وأكثر الحنفية إلى أنهم غيرُ مخاطبين، وغلا أبو هاشم فقال: إنَّ المُحْدِثَ لا يُخاطَبُ بالصلاة إلا بعد إزالة حدثه، ونُسِبَ إلى خرق الإجماع.
وفرق قوم بين الأمر والنهي، فقالوا: يجوز التكليف بالمنهى، لأنَّ المقصودَ منه الترك، وهو حاصل بدون نِيَّة التقرُّبِ، بخلاف المأمور، وهو لا يلزمهم جواز الأمر بالمأمورات التي لا يشترط فيها نية التقرب.
وهذه المسألة لا يظهر فيها أثرُ الخلاف في الدنيا؛ فإن الكافر لا يصح منه العبادة مع كفره، وإذا آمن لا يُخَاطَبُ بقضاء ما فات؛ لأنَّ "الإسْلامَ يجُبُّ مَا قَبْلَهُ"، ولأن إيجابَ القضاء تنفيرٌ من الدخول فيه، وإنما أثره في تَضعيف العقاب في الآخرة.
وهذه مسألة فرعية، وإنما فرضها العلماءُ مثالًا لأصل، وهو أَنَّ التكليف بالمشروط حالةَ عدم الشرط هل يصح أو لا؟
وحرف المسألة: ينبيء على أن الإمكانَ المشروط هل يُشتَرَطُ فيه التمكن الناجِزُ أم لا؟
فَمَنِ اشترطه مَنَعَ ذلك، ومنِ اعتقد أَنَّ الشرطَ التَّمَكُّنُ على الجملة -وهو الحَقُّ- جَوَّزَ التكليفَ به؛ فإنه يمكنه الإتيان بالمشروط، والتوسل إليه بالإتيان بالشرط.
وتحقيقه بالإجماعِ على تكليف الدَّهْرِيِّ بالإيمان بالرسولِ، المشروطِ بتقديم الإيمانِ بالله تعالى، والإجماعِ على أَمْرِ المُحْدِثِ بالصلاة بشرط تقديمِ الطهارة.
стр. 209
يَأْتِي بِهذِهِ الأَعْمَالِ؛ كَمَا أَنَّ الدَّهْرِيَّ مُكَلَّفٌ بِالإِيمَانِ بِالرَّسُولِ؛ عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالإِيمَانِ بِالله أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِالإِيمَانِ بِالرَّسُولِ، وَالْمُحْدِثُ مَأْمُورٌ بِالصَّلاةِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِيَ بِالصَّلاةِ ثَانِيًا.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: لَوْ وُجِّهَتِ الصَّلاةُ عَلَى الكَافِرِ- لَوَجَبَتْ: إِمَّا فِي حَالِ الكُفْرِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ حَال الْكُفْرِ: لَا يَصِحُّ صُدُورُهَا مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ الْكُفْرِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ بَعْدَ الكُفْرِ: تَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ السَّالِفَةِ؛ بِالإِجْمَاعِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ".
الْجَوَابُ: أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ شَيءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ، وَعُوقِبَ عَلَى الْكُفْرِ: فَهَلْ يُعَاقَبُ -أَيضًا- عَلَى تَرْكِ هذِهِ الأَفْعَالِ؟ ! وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يُبْطِلُ ذلِكَ.
===
ولو شُرِطَ التمكنُ الناجزُ- لما صَحَّ التكليفُ بعبادة ذاتِ أجزاء جُمْلَة، كالصلاة مثلًا.
هذا هو البحثُ في طَرَفِ الجواز، وهو حظ الأصوليين، وأما الوقوع فهو من مباحث الفروع، ويكْتَفَى فيه بغلبات الظنون.
ويدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] وغيره.
قوله: "والدليل عليه: أَنَّ المُقْتَضِي لوجوب هذه الأعمال على الكافر قائم، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، يعني: وظاهِرُ "الناس" يَعُمُّ المؤمنين والكافرين، وهذا استدلال على الوقوع.
وقوله: "والكفرُ غيرُ مانع" وقَرَّرَهُ بالقياس على أَنَّ الدَّهْرِيَّ مُخَاطَبٌ بالإيمانِ بالرسول، والمُحْدِثَ مُخَاطَبٌ بالصلاة- هذا بحث في الجواز، وقد تقدم تقريرُه.
وقوله: "واحتجَّ المُخَالِفُ بأنه لو وجبتِ الصلاة على الكافر لوجبت: إما في حال الكفر وهو محال، أو بعده، وهو محال؛ لأن إيمانه يسقط عنه جميع الكاليف" -يعني أنه لا يُؤمَرُ بالقضاءِ، فأشبه الحائِضَ من حيثُ إنها لم تُؤمَرْ بالصلاة في حال الحيض، ولم تؤمر بالقضاءِ بعد زواله؛ فلم تكن مُخَاطَبَةً بالصلاة.
وجوابه: أنَّ محل النزاع شيء آخر يعني في تضعيف العذابِ في الآخرة، هذا مع أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
стр. 210
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ
الأَمْرُ بِالشَّيءِ أَمْرٌ بِمَا لَا يَتِمُّ ذلِكَ الشَّيءُ إلَّا بِهِ؛ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ الأَمْرُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ الشَّرْطُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ.
===
وقوله ﵊: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبلَهُ" - مُشْعِرٌ بتوجه الخطاب؛ إذْ لا معنى لسقوط ما لم يَثْبُتْ.
[المسألة الحادية عشرة]
ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلّا به أقسام:
стр. 211
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الأَمْرَ اقْتَضَى إيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ [وَ] لَوْ لَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، لَكَانَ قَدْ كُلِّفَ بِالْفِعْلِ حَال عَدَمِ شَرْطِهِ؛ وَهذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ أَمَرَنَا بِفِعْلٍ بِشَرْطِ حُصُولِ ذلِكَ الشَّرْطِ؛ غَايَةُ مَا فِي البَابِ أَنْ يُقَال: هَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي إِيجَابَ الْفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانِ حُصُولِ الشَّرْطِ- خِلافُ الظَّاهِرِ؛ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذَا لازِمٌ عَلَيكُمْ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى إِيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ، وَلَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، فَإِيجَابُ ذلِكَ الشَّرْطِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ فَلِمَ كَانَ مُخَالفَةُ الدَّلِيلِ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَينِ أَوْلَى مِنْ مُخَالفَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي؟ !
الْجَوَابُ: أَنَّ مُخَالفَةَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ نَفْيُ مَا يُثْبِتُهُ اللَّفْظُ.
===
أحدها: ما يكون رُكْنًا فيه، ولا خلافَ أن الأمر بالشيء أمر بجميع أركانه.
الثاني: ما هو خارج عنه، ومنه شرعيٌّ، وعقليٌّ، وعادِيٌّ:
أما الشرعي: [فـ] كاشْتِرَاط الطهارة؛ لقوله ﵊: "لَا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ"؛ فالأمر بالصلاةِ أَمْرٌ بها.
وأما العقليُّ: فما يتوقف عليه عقلًا، كالانكفاف عن الضد حال فعل ضده.
وأما العادي: فما يتوقف عليه عادةً؛ كإمساك جزء من الليل لوجوب إمساك اليوم، وهما مَحَلُّ النزاع، ولا شك في وجوبهما عقلًا، أو عادةً، وإنما النزاع في وجوبهما شرعًا لوجوبِ مُسْتَلْزِمِهِمَا.
стр. 212
فَأَمَّا إِثْبَاتُ مَا لَا يَتَعَرَّضُ اللَّفْظُ لَهُ؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتٍ -فَلَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُهُ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَلَيسَ كَذلِكَ إِذَا خَصَّصْنَا إِيجَابَ الْفِعْلِ بِحَالِ حُصُولِ الشَّرْطِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا اقْتَضَى إيجَابَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ-: كَانَ تَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ -دُونَ مَا سِوَاهُ- مُخَالفَةً لِلظَّاهِرِ.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: أَنَّ صُدُورَ الإِيمَانِ مِنْ أَبِي جَهْلٍ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ اللهِ تَعَالى عَالِمًا بِصُدُورِ الإِيمَانِ مِنْهُ، وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الكُفْرِ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُقَال: الأَمْرُ بِالإِيمَانِ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ هَذَا الشَّرْطِ، أَوْ لَا [يَكُونُ]؛ وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا - لَزِمَ [أَنْ يَكُونَ الكَافِرُ مَأْمُورًا
===
قولهُ: "بشرط أن يكون ذلك الأمر مطلقًا"؛ يعني: أنه واجب على كل حال، كالأمر بعتق رقبة؛ فإنَّ الوجوبَ يتعلق بها، سواءٌ كانت حاصلةً في ملكه، أو لم تكن، إذا كان قادرًا على تحصيلها.
قوله: "ويُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ ذلك الشَّرْطُ مقدورًا للمكلف" احتراز عن سلامة البنية وخلق القدرة على الفعل.
وقد احتج القاضي على الوجوب: بأنه لو لم يكن واجبًا، لكان إما محظورًا أو مندوبًا، أو مكروهًا، أو مباحًا؛ لانحصارِ الأحكام في الخمسة، ولا جائز أن يكون محظورًا؛ لأن الأمر بالمتوسل إليه، مع منع الوسيلة، تكليفٌ بالمُحَالِ، ولا جائز أن يكون مباحًا أو مندوبًا، أو مكروهًا؛ لأنَّ جميعَ ذلك يَسُوغُ تركُهُ، وفي تجويزِ تَرْكِهِ تجويزُ تركِ الواجب.
والاعتراضُ عليه: أن شرط التكليف إمكانُ الفعل، وإمكانُ الفعل يَتَحَقَّقُ بعدم المنْع من الوسيلة، ولا يتوقف على إيجابها، ولو صرَّح بذلك وقال: أوجبت عليك غسلَ الوجه، ولا أوجب عليك أَخْذَ جزءٍ من الرأس، ولا أمنعك منه، فإنْ فعلتَ أَثَبْتُكَ على غسل الوجهِ فقط، وإن تركتَ عاقبتُك على تركه فقط- لم يكنْ متناقضًا.
قوله: "والدليل عليه أن الأمر يقتضي إيجاب الفعل على كل حال"؛ لأنَّ الكلام فيه، وإيجاب الفعل على كل حال لو لم يقتض إيجاب شرطه لكان قد كلف بالفعل حال عدم شرطه مع عدم منعه منه؛ وأنه تكليف بالمحال.
والاعتراضُ عليه: أن التكليفَ بالفعل، حال عدمِ شرطه مع عدم منعه منه- لا نُسَلِّمُ أنه تكليف بالمحال.
قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أَنْ يقال: إِنَّه أمر بالفعل بشرط حصول ذلك الشرط"؟ هذا الاعتراضُ إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا تحقق الوجوب، وكان لا يحصل ذلك الفعل إِلَّا بفعل آخر، كالأمر بالمعرفة التي لا يتأتى حصولها عادةً إلّا بتقديم النظر.
فقوله: "إنه لا تجب المعرفة إلّا بعد حصول النظر" - إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الشروط تنقسم إلى قسمين:
стр. 213
بِتَغْيِير صِفَةِ الله تَعَالى؛ وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنِ الْتَزَمْتُمْ] جَوَازَ الأَمْرِ بِهِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ-: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ أُمِرَ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُؤمَرْ بشَرْطِهِ"؟ ! فَلُزُومُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمَّا كَانَ وَارِدًا عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ- امْتَنَعَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ!
===
شرطُ إيجاب: كملك النصاب في إيجاب الزكاة، فهذا لا نزاعَ في عدم وجوبِهِ.
وشرط أداءٍ: كالإيمان في العبادات، وهو محل النزاع.
قوله: "غاية ما في الباب أنْ يُقَال: هذا عدول عن الظاهر"، يعني أنه تقييدٌ للمُطْلَقِ، وتقييدُ المطلق على خلاف الظاهر.
قوله: "إلّا أَنَّا نقول: هذا لازم عليكم؛ لأن اللفظ اقتضى إيجاب ذلك الفعل، ولم يقتض إيجاب شرطه، فإيجابُ ذلك الشرط عدولٌ عن الظاهر.
وجوابه: بأنَّ مُخَالفَةَ الظاهر إثباتُ ما ينفيه اللفظ، أو نفى ما يثبته ... " إلى آخره- ظاهر.
قوله: "حجة المخالف: أن صدورَ الإيمانِ من أبي جهل مشروط بكون الله تعالى عالمًا بصدور الإيمان منه، وبعدم علمه بصدور الكفر"، يعني بعدم علمه تعالى بالنقيض؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما يَعْلَمُ خِلافَهُ.
وما ذكره من الاعتراض غيرُ لازم؛ لأن هذا الشرطَ غيرُ مقدورٍ عليه، فليس هو من محل النزاع.
قوله: إن غاية ما فيه تكليف المحال، والأمر بالمشروط بدون الشرط تكليف المحال، فلم قلتم: إِنَّ أحد الاحتمالين أولى؟ .
والاعتراض عليه: أن يقال: البحثُ في هذه المسائل كُلِّها مُفَرَّعٌ على امتناع التكليف؛ فلا يجاب بالتزامه.
стр. 214
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الأَمْرُ بِالشَّيءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ؛ خِلافًا لِلأَكَثْرِينَ
لَنَا: [أَنَّ] مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّيءِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، إِذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ؛ لَكِنَّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ الْمَنْعُ مِنْ تَرْكِهِ، فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى
===
[قوله: "المسألة الثانية عشرة] الأَمْرُ بالشَّيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ، خلافًا للأكثرين": المَذَاهِبُ في هذه المسألة ثلاثة:
أَحَدُهَا: أَنَّ الأَمْرَ بالشَّيءِ عَينُ النَّهْيِ عن ضِدِّهِ، فَإِذَا قَال مثلًا: تَحَرَّكْ، فمعناه: لَا تَسْكُنْ.
الثانِي: أنه يَتَضَمَّنُهُ وَيَسْتَلْزِمُهُ، وهو اختيار صَاحِبِ الكتاب.
الثالث: أنه ليس عَينَهُ، ولا يستلزمه؛ وهو مذهب الإِمام، والغزالي، ومِنَ المعلوم أَنَّ قول
стр. 215
الطَّلَبِ الْجَازِم يَكُونُ دَالًّا عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيءِ حَال غَفْلَتِهِ عَنْ ضِد الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْغَافِلُ عَنِ الشَّيءِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ نَاهِيًا عَنْهُ.
===
القائل: "تَحَرَّكْ" ليس هو عَينَ قَوْلِهِ لا تَسْكُنْ، فليس الخلاف إلّا أَنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَاهُ، أَوْ لَا.
واحْتَجَّ القاضي: على أنه عَينُهُ باشتمالِ القَضِيَّتَينِ على الطَّلَبِ، والطَّلَبُ لا يَتَحَقَّقُ بدون المَطْلُوبِ، فمطلوب "لا تسكن": إما أن يكون سَلْبَ الحركة، ولا يَصِحُّ التكليف به؛ لأَنَّ العَدَمَ غَيرُ مَقْدُورِ الحَرَكَةِ، أو السكون؛ لانْحِصَارِ الأَمْرِ في ذلك ضرورةً، ولا يَتَعَلَّقُ بفعل السُّكُونِ؛ لأن الأمر بالسكون يُنَاقِضُ الأَمْرَ بالحركة.
وقوله: "لا تَسْكُنْ" لا يُنَاقِضُ الأَمْرَ بالحركة، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُهُ نَفْسَ الحَرَكَةِ، ونظره بالحركة؛ فإنها مَعْنى واحد.
وحَقِيقَتُهَا: تفريغُ حَيِّزٍ، وشَغْلُ غَيرِهِ، والكَوْنُ واحد [و] هو تفريغ وشغل بالنسبة إلى مَحَلَّينِ، فلم يلزمْ من تَعَدُّدِهِما بالإضافة تعدُّدُ المَعْنَى الحَاصِلِ؛ كذلك تَعَدُّدُ الأمرِ والنهي.
وَالاعْتِرَاضُ عليه: أَن الفِعْلَ والتَّرْكَ متقابلانِ، والتحريكَ والتسكينَ كذلك، ، وَشَرْطُ تَحَقُّقِ أَحدِ المتقابلين سَلْبُ ما يقابله، فلو كان التَّرْكُ عَينَ الفِعْلِ، لكان الشيءُ شَرْطًا في نفسه، فهو إذن غيرُهُ، لا عَينُهُ.
وتنظيرُهُ بالحَرَكَةِ أنها مَعْنى واحد هو تَفْرِيغٌ وشَغْلٌ- حُجَّةٌ عليه؛ فإنه وإن كان مَعْنى وَاحِدًا فله اعْتِبَارَانِ في العَقْلِ يختلفان باخْتِلافِ مَقَاصِدِ الآمرين، فقد يكون مَقْصُودُ الطالب الحصول في الحيز الثاني؛ فيكون الطلب المتوجه إليه أمرًا، وقد يكون مقصوده إخلاء الحيز الأول؛ فيكون الطلب المتوجه إليه نَهْيًا، فاخْتَلَفَ الطَّلَبُ باختلاف المتعلق؛ وهو قَوْلُ القاضي في الجَدِيدِ.
وقَرَّرَهُ: بأنه لو لم يَكُنْ مَنْهِيًّا عنه، لَصَحَّ الأمرُ به، والأَمر به جَمْعٌ بين النقيضين.
والاعْتِرَاضُ عليه: بِأَنَّ اللُّزُومَ في الوجود مُسَلَّمٌ، فَلِمَ قلتَ: إنَّه يلزم مِنْ تَلازُمِهِمَا في الوجود تلازُمُهُمَا في الطلب؟ فرجع القَوْلُ فيه إلى البَحْثِ في أَنَّ ما لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلّا به هل هو واجب أم لا؟
وقد بَيَّنَّا في المَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ أَنه غَيرُ لازِمٍ، وصاحبُ الكتاب بَنَى دليلَه على أَنَّ ما كان من ضَرُورَاتِ الشيء، فإنه وَاجِبٌ.
وقَوْلُ القاضي: "إنه لو لم يَكُنْ مَنْهِيًّا عنه، لَصَحَّ الأَمْرُ به"- غيرُ لازم؛ فإنه إذا انْتَفَى المَعْنَى، جاز وجودُ خلافِهِ، بشرط أَلّا يُضَادَّهُ معنى في المَحَلِّ، فإذا انتفى النهي جاز ثُبُوتُ خلاف لا يُضَادُّ الأمرَ؛ كَإِطْلاقِ الفِعْلِ مثلًا للأمر به، فإنه يضادُّ الأمرَ بضده الثابتِ في المَحَلِّ.
قوله: "حُجَّةُ المُخَالِفِ أَن الإنسان قد يَأْمُرُ بالشيء حَال غَفْلَتِهِ عن ضِدِّ المأمور به، والغافل عن الشيء يَمْتَنِعُ كونه نَاهيًا عنه"- هذا مُسْتَنَدُ مَنْ يَدَّعِي المُفَارَقَةَ؛ وهو اختيار الإمام، والغزالي.
следующие страницы →