Полный текст (746 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الأَمْرَ اقْتَضَى إيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ [وَ] لَوْ لَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، لَكَانَ قَدْ كُلِّفَ بِالْفِعْلِ حَال عَدَمِ شَرْطِهِ؛ وَهذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ أَمَرَنَا بِفِعْلٍ بِشَرْطِ حُصُولِ ذلِكَ الشَّرْطِ؛ غَايَةُ مَا فِي البَابِ أَنْ يُقَال: هَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي إِيجَابَ الْفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانِ حُصُولِ الشَّرْطِ- خِلافُ الظَّاهِرِ؛ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذَا لازِمٌ عَلَيكُمْ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى إِيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ، وَلَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، فَإِيجَابُ ذلِكَ الشَّرْطِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ فَلِمَ كَانَ مُخَالفَةُ الدَّلِيلِ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَينِ أَوْلَى مِنْ مُخَالفَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي؟ !
الْجَوَابُ: أَنَّ مُخَالفَةَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ نَفْيُ مَا يُثْبِتُهُ اللَّفْظُ.
===
أحدها: ما يكون رُكْنًا فيه، ولا خلافَ أن الأمر بالشيء أمر بجميع أركانه.
الثاني: ما هو خارج عنه، ومنه شرعيٌّ، وعقليٌّ، وعادِيٌّ:
أما الشرعي: [فـ] كاشْتِرَاط الطهارة؛ لقوله ﵊: "لَا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ"؛ فالأمر بالصلاةِ أَمْرٌ بها.
وأما العقليُّ: فما يتوقف عليه عقلًا، كالانكفاف عن الضد حال فعل ضده.
وأما العادي: فما يتوقف عليه عادةً؛ كإمساك جزء من الليل لوجوب إمساك اليوم، وهما مَحَلُّ النزاع، ولا شك في وجوبهما عقلًا، أو عادةً، وإنما النزاع في وجوبهما شرعًا لوجوبِ مُسْتَلْزِمِهِمَا.
стр. 212
فَأَمَّا إِثْبَاتُ مَا لَا يَتَعَرَّضُ اللَّفْظُ لَهُ؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتٍ -فَلَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُهُ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَلَيسَ كَذلِكَ إِذَا خَصَّصْنَا إِيجَابَ الْفِعْلِ بِحَالِ حُصُولِ الشَّرْطِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا اقْتَضَى إيجَابَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ-: كَانَ تَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ -دُونَ مَا سِوَاهُ- مُخَالفَةً لِلظَّاهِرِ.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: أَنَّ صُدُورَ الإِيمَانِ مِنْ أَبِي جَهْلٍ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ اللهِ تَعَالى عَالِمًا بِصُدُورِ الإِيمَانِ مِنْهُ، وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الكُفْرِ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُقَال: الأَمْرُ بِالإِيمَانِ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ هَذَا الشَّرْطِ، أَوْ لَا [يَكُونُ]؛ وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا - لَزِمَ [أَنْ يَكُونَ الكَافِرُ مَأْمُورًا
===
قولهُ: "بشرط أن يكون ذلك الأمر مطلقًا"؛ يعني: أنه واجب على كل حال، كالأمر بعتق رقبة؛ فإنَّ الوجوبَ يتعلق بها، سواءٌ كانت حاصلةً في ملكه، أو لم تكن، إذا كان قادرًا على تحصيلها.
قوله: "ويُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ ذلك الشَّرْطُ مقدورًا للمكلف" احتراز عن سلامة البنية وخلق القدرة على الفعل.
وقد احتج القاضي على الوجوب: بأنه لو لم يكن واجبًا، لكان إما محظورًا أو مندوبًا، أو مكروهًا، أو مباحًا؛ لانحصارِ الأحكام في الخمسة، ولا جائز أن يكون محظورًا؛ لأن الأمر بالمتوسل إليه، مع منع الوسيلة، تكليفٌ بالمُحَالِ، ولا جائز أن يكون مباحًا أو مندوبًا، أو مكروهًا؛ لأنَّ جميعَ ذلك يَسُوغُ تركُهُ، وفي تجويزِ تَرْكِهِ تجويزُ تركِ الواجب.
والاعتراضُ عليه: أن شرط التكليف إمكانُ الفعل، وإمكانُ الفعل يَتَحَقَّقُ بعدم المنْع من الوسيلة، ولا يتوقف على إيجابها، ولو صرَّح بذلك وقال: أوجبت عليك غسلَ الوجه، ولا أوجب عليك أَخْذَ جزءٍ من الرأس، ولا أمنعك منه، فإنْ فعلتَ أَثَبْتُكَ على غسل الوجهِ فقط، وإن تركتَ عاقبتُك على تركه فقط- لم يكنْ متناقضًا.
قوله: "والدليل عليه أن الأمر يقتضي إيجاب الفعل على كل حال"؛ لأنَّ الكلام فيه، وإيجاب الفعل على كل حال لو لم يقتض إيجاب شرطه لكان قد كلف بالفعل حال عدم شرطه مع عدم منعه منه؛ وأنه تكليف بالمحال.
والاعتراضُ عليه: أن التكليفَ بالفعل، حال عدمِ شرطه مع عدم منعه منه- لا نُسَلِّمُ أنه تكليف بالمحال.
قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أَنْ يقال: إِنَّه أمر بالفعل بشرط حصول ذلك الشرط"؟ هذا الاعتراضُ إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا تحقق الوجوب، وكان لا يحصل ذلك الفعل إِلَّا بفعل آخر، كالأمر بالمعرفة التي لا يتأتى حصولها عادةً إلّا بتقديم النظر.
فقوله: "إنه لا تجب المعرفة إلّا بعد حصول النظر" - إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الشروط تنقسم إلى قسمين:
стр. 213
بِتَغْيِير صِفَةِ الله تَعَالى؛ وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنِ الْتَزَمْتُمْ] جَوَازَ الأَمْرِ بِهِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ-: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ أُمِرَ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُؤمَرْ بشَرْطِهِ"؟ ! فَلُزُومُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمَّا كَانَ وَارِدًا عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ- امْتَنَعَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ!
===
شرطُ إيجاب: كملك النصاب في إيجاب الزكاة، فهذا لا نزاعَ في عدم وجوبِهِ.
وشرط أداءٍ: كالإيمان في العبادات، وهو محل النزاع.
قوله: "غاية ما في الباب أنْ يُقَال: هذا عدول عن الظاهر"، يعني أنه تقييدٌ للمُطْلَقِ، وتقييدُ المطلق على خلاف الظاهر.
قوله: "إلّا أَنَّا نقول: هذا لازم عليكم؛ لأن اللفظ اقتضى إيجاب ذلك الفعل، ولم يقتض إيجاب شرطه، فإيجابُ ذلك الشرط عدولٌ عن الظاهر.
وجوابه: بأنَّ مُخَالفَةَ الظاهر إثباتُ ما ينفيه اللفظ، أو نفى ما يثبته ... " إلى آخره- ظاهر.
قوله: "حجة المخالف: أن صدورَ الإيمانِ من أبي جهل مشروط بكون الله تعالى عالمًا بصدور الإيمان منه، وبعدم علمه بصدور الكفر"، يعني بعدم علمه تعالى بالنقيض؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما يَعْلَمُ خِلافَهُ.
وما ذكره من الاعتراض غيرُ لازم؛ لأن هذا الشرطَ غيرُ مقدورٍ عليه، فليس هو من محل النزاع.
قوله: إن غاية ما فيه تكليف المحال، والأمر بالمشروط بدون الشرط تكليف المحال، فلم قلتم: إِنَّ أحد الاحتمالين أولى؟ .
والاعتراض عليه: أن يقال: البحثُ في هذه المسائل كُلِّها مُفَرَّعٌ على امتناع التكليف؛ فلا يجاب بالتزامه.
стр. 214
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الأَمْرُ بِالشَّيءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ؛ خِلافًا لِلأَكَثْرِينَ
لَنَا: [أَنَّ] مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّيءِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، إِذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ؛ لَكِنَّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ الْمَنْعُ مِنْ تَرْكِهِ، فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى
===
[قوله: "المسألة الثانية عشرة] الأَمْرُ بالشَّيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ، خلافًا للأكثرين": المَذَاهِبُ في هذه المسألة ثلاثة:
أَحَدُهَا: أَنَّ الأَمْرَ بالشَّيءِ عَينُ النَّهْيِ عن ضِدِّهِ، فَإِذَا قَال مثلًا: تَحَرَّكْ، فمعناه: لَا تَسْكُنْ.
الثانِي: أنه يَتَضَمَّنُهُ وَيَسْتَلْزِمُهُ، وهو اختيار صَاحِبِ الكتاب.
الثالث: أنه ليس عَينَهُ، ولا يستلزمه؛ وهو مذهب الإِمام، والغزالي، ومِنَ المعلوم أَنَّ قول
стр. 215
الطَّلَبِ الْجَازِم يَكُونُ دَالًّا عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيءِ حَال غَفْلَتِهِ عَنْ ضِد الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْغَافِلُ عَنِ الشَّيءِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ نَاهِيًا عَنْهُ.
===
القائل: "تَحَرَّكْ" ليس هو عَينَ قَوْلِهِ لا تَسْكُنْ، فليس الخلاف إلّا أَنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَاهُ، أَوْ لَا.
واحْتَجَّ القاضي: على أنه عَينُهُ باشتمالِ القَضِيَّتَينِ على الطَّلَبِ، والطَّلَبُ لا يَتَحَقَّقُ بدون المَطْلُوبِ، فمطلوب "لا تسكن": إما أن يكون سَلْبَ الحركة، ولا يَصِحُّ التكليف به؛ لأَنَّ العَدَمَ غَيرُ مَقْدُورِ الحَرَكَةِ، أو السكون؛ لانْحِصَارِ الأَمْرِ في ذلك ضرورةً، ولا يَتَعَلَّقُ بفعل السُّكُونِ؛ لأن الأمر بالسكون يُنَاقِضُ الأَمْرَ بالحركة.
وقوله: "لا تَسْكُنْ" لا يُنَاقِضُ الأَمْرَ بالحركة، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُهُ نَفْسَ الحَرَكَةِ، ونظره بالحركة؛ فإنها مَعْنى واحد.
وحَقِيقَتُهَا: تفريغُ حَيِّزٍ، وشَغْلُ غَيرِهِ، والكَوْنُ واحد [و] هو تفريغ وشغل بالنسبة إلى مَحَلَّينِ، فلم يلزمْ من تَعَدُّدِهِما بالإضافة تعدُّدُ المَعْنَى الحَاصِلِ؛ كذلك تَعَدُّدُ الأمرِ والنهي.
وَالاعْتِرَاضُ عليه: أَن الفِعْلَ والتَّرْكَ متقابلانِ، والتحريكَ والتسكينَ كذلك، ، وَشَرْطُ تَحَقُّقِ أَحدِ المتقابلين سَلْبُ ما يقابله، فلو كان التَّرْكُ عَينَ الفِعْلِ، لكان الشيءُ شَرْطًا في نفسه، فهو إذن غيرُهُ، لا عَينُهُ.
وتنظيرُهُ بالحَرَكَةِ أنها مَعْنى واحد هو تَفْرِيغٌ وشَغْلٌ- حُجَّةٌ عليه؛ فإنه وإن كان مَعْنى وَاحِدًا فله اعْتِبَارَانِ في العَقْلِ يختلفان باخْتِلافِ مَقَاصِدِ الآمرين، فقد يكون مَقْصُودُ الطالب الحصول في الحيز الثاني؛ فيكون الطلب المتوجه إليه أمرًا، وقد يكون مقصوده إخلاء الحيز الأول؛ فيكون الطلب المتوجه إليه نَهْيًا، فاخْتَلَفَ الطَّلَبُ باختلاف المتعلق؛ وهو قَوْلُ القاضي في الجَدِيدِ.
وقَرَّرَهُ: بأنه لو لم يَكُنْ مَنْهِيًّا عنه، لَصَحَّ الأمرُ به، والأَمر به جَمْعٌ بين النقيضين.
والاعْتِرَاضُ عليه: بِأَنَّ اللُّزُومَ في الوجود مُسَلَّمٌ، فَلِمَ قلتَ: إنَّه يلزم مِنْ تَلازُمِهِمَا في الوجود تلازُمُهُمَا في الطلب؟ فرجع القَوْلُ فيه إلى البَحْثِ في أَنَّ ما لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلّا به هل هو واجب أم لا؟
وقد بَيَّنَّا في المَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ أَنه غَيرُ لازِمٍ، وصاحبُ الكتاب بَنَى دليلَه على أَنَّ ما كان من ضَرُورَاتِ الشيء، فإنه وَاجِبٌ.
وقَوْلُ القاضي: "إنه لو لم يَكُنْ مَنْهِيًّا عنه، لَصَحَّ الأَمْرُ به"- غيرُ لازم؛ فإنه إذا انْتَفَى المَعْنَى، جاز وجودُ خلافِهِ، بشرط أَلّا يُضَادَّهُ معنى في المَحَلِّ، فإذا انتفى النهي جاز ثُبُوتُ خلاف لا يُضَادُّ الأمرَ؛ كَإِطْلاقِ الفِعْلِ مثلًا للأمر به، فإنه يضادُّ الأمرَ بضده الثابتِ في المَحَلِّ.
قوله: "حُجَّةُ المُخَالِفِ أَن الإنسان قد يَأْمُرُ بالشيء حَال غَفْلَتِهِ عن ضِدِّ المأمور به، والغافل عن الشيء يَمْتَنِعُ كونه نَاهيًا عنه"- هذا مُسْتَنَدُ مَنْ يَدَّعِي المُفَارَقَةَ؛ وهو اختيار الإمام، والغزالي.
стр. 216
الْجَوَابُ: لَمَّا جَازَ أَنْ يُقَال: "الأَمْرُ بِالشَّيءِ أَمْرٌ بِمُقَدِّمَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ الآمِرُ غَافِلًا عَنْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ"- فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ الآمِرَ بِالشَّيءِ نَاهٍ عَنْ ضِدِّهِ؛ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِلْزَامِ.
===
وأجاب صَاحِبُ الكتاب عنه في غير هذا الكتابِ بمنع عَدَم الحُضُورِ؛ فإن الأمر الجازِمَ يستلزم المَنْعَ من الترك؛ فكيف يُتَصَوَّرُ الذهولُ عنه، وهو جزءُ ماهِيَّةِ الوجوب؟
نعم، ما يقع به التَّرْكُ قد يذهل عن تفاصيله.
وهذا يُعْتَرَضُ عليه: بأن نَفْسَ التَّرْكِ المُجَرَّدِ هو النَّقِيضُ، وهو سَلْبٌ غير مقدور، فيمتنع التكليف به.
قوله في الكتاب: "لَمَّا جَازَ أَنْ يُقَال: الأمر بالشيء أَمْرٌ بمقدماته الضرورية، وإنْ كان غافلًا عن تلك المُقَدِّمَاتِ، فَلِمَ لا يجوزُ أَنْ يَكُونَ الآمِرُ بالشَّيءِ نَاهِيًا عن ضِدِّهِ على سبيل الاستلْزَام له؟ " وهذا غَيرُ سَدِيدٍ؛ فَإِنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يمنعَ الأَمْرَ بالمُقَدِّمَاتِ مع الغَفْلَةِ عنها.
ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بهذه المَسأَلَةِ: أن بعض الأئمة زَعَمَ أَنَّ هذا الخِلافَ لا يَجْرِي على قواعِدِ المعتزلة؛ فإنهم أنكروا كَلامَ النَّفْسِ، وَرَدُّوا الأَمْرَ والنهي إلى الصِّيَغِ.
ومعلومٌ أَنَّ "لا تفعل" ليس هو عَينَ "افعل"، ولا لازِمَهُ، ، وقد نفل عنهم الخلاف في المسألة.
والحَقُّ صِحَّةُ جريانه؛ فإنهم شَرَطُوا مع العبادات أماراتٍ، فلا مانِعَ أن يقولوا: إن كون صيغة "افعل" أمرًا بشرط إرادة الفعل، وإرادَةُ الفعل مستلزمة لكراهة الضد.
وقال بعض مَنْ يَنْتَهِي إلى التحقيق: إنه لا يجري في كلام الله تعالى؛ فإنه معنى واحد، وهو بعينه أمر، ونهيٌ، وخبر، واستخبار، فَعَينُ ما أَمَرَ به هو عَينُ ما نهى عنه.
وهذا أيضًا غير صحيح؛ فإنه وإنِ اتحد الكلامُ في نفسه إلّا أنَّ الأمر والنهي يختلفان بجهات التعليق.
وإذا حصل الاختلاف، لزم التعدد بالوجوه، فأمكن أَنْ يقال: هل يلازم طلبُ هذا الوجه طلبَ الوجه الآخر أم لا؟ .
стр. 217
الْمَسْألةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْوُجُوبُ إِذَا نُسِخَ بَقِيَ الْجَوَازُ؛ خِلافًا لِقَوْمٍ
لَنَا: أَنَّ الْمقْتَضِيَ لِحُصُولِ الْجَوَازِ قَائِمٌ، وَالْمُعَارِضُ الْمَوْجُودُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لَهُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَبقَى الْجَوَازُ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أَنَّ جَوَازَ الْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ؛ لأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَيَمْتَنِعُ تَرْكُهُ، وَالْمُقْتَضِي لِلْمَجْمُوعِ مُقْتَضٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمُفْرَدَاتِ؛ فَالْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ مُقْتَضٍ لِلْجَوَازِ.
===
[المسألة الثالثة عشرة]
الوجوب إذا نُسِخَ بقي الجواز، خلافًا للغزالي.
اعلم: أن أكثر الباحثين يَرُدُّونَ الخلافَ في هذه المسألة إلى خلافٍ لفظيٍّ؛ لأن المتباحثين فيها لم يتواردوا على مورد واحد.
فإنَّ الغزالي عَنَى بالجوازِ -الذي لا يبقى بعد رفع الوجوب- التخييرَ، ولا شَكَّ أنه ليس جُزْءًا للوجوب، بل هو قَسِيمُهُ، ومُقَابِلُهُ، فإذا ارتفع الوجوب بمطلق النسخ؛ كقوله: نسختُ الفعلَ مثلًا، فلا يتعين ثبوتُ التخيير؛ لعدم انحصار التقابل فيه لبقاء الأحكام الأربعة.
ومَنْ قال: يبقى، لم يَعْنِ بالجوازِ التخييرَ؛ وإنما عَنَى به رفعَ الحرج، ولا شك أنه جزءٌ من الواجب.
стр. 218
بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ الْوُجُوبَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَازِ الفِعْلِ، وَمِنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، وَالْمُرَكَّبُ يَكْفِي فِي ارْتِفَاعِهِ ارْتِفَاعُ حَدٍّ قُيِّدَ بِهِ؛ فَيَكْفِي فِي نَسْخِ الْوُجُوبِ ارْتِفَاعُ الْمَنْعِ مِنَ
===
فاحتج صاحب الكتاب على هذا التقدير فقال: "إن المقتضى للجواز قائم" لأنَّ المقتضى للوجوب قائم؛ إِذْ الفَرْضُ فيه؛ وإذا كان الوجوب ثابتًا، والجوازُ جُزْؤُهُ، وجزءُ الثابت ثابتٌ- كان الجوازُ ثابتًا.
قوله: "والمعارض الموجود لا يصلح أن يكونَ معارضًا"، يعني أنَّ الموجود هو النسخ، والنسخ يقتضي إبطال الحقيقة، وحقيقة الوجوب مُرَكَّبَةٌ من قيدين، كما ذكر من جواز الفعل، والمنع من الترك.
والمُرَكَّبُ كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه، فإنه ينتفي أيضًا بانتفاءِ بعضها، ويكفي في رفع الوجوب رَفْعُ المنع من الترك، ورفعُ الجواز مُحْتَمَلٌ، والأصل بقاؤه؛ لأنَّ المُقْتَضي لثبوته قائم، والمُعَارِضَ مشكوكٌ فيه.
واعتُرِضَ عليه: بأنَّا لا نُسَلِّمُ تفسيرَ الجواز برفع الحَرَجِ؛ فإنه ثابت في أفعال البهائم والصبيان، ولا تُوصَفُ بالجواز؛ بل معناه: التخييرُ، والتخييرُ ليس جزءًا من الواجب. سلمناه، لكن لا نُسَلِّمُ أنه ثابت بالشرع، بل من البراءة الأصلية، والشرعُ لم يَدُلَّ إلَّا على العمل على الفعل. سلمناه، ولكن لا نسلم بَقَاءَهُ؛ فإنه تابع فينتفي لانتفاءِ المتبوعِ.
فإن قلتم: إنه أَعَمُّ، ولا يلزمُ من انتفاءِ الأَخَصِّ انتفاءُ الأعم- قلنا: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ انتفائه مطلقًا، بل إنما يتقرر ذلك إذا اختصَّ كُلُّ واحد من الأعم والأخص بوجودٍ يَخُصُّهُ؛ كالجسم والنمو.
أما إذا كان العمومُ، والخصوصُ راجعينِ إلى وجوه واعتباراب في العقل، واتَّحَدَا في الوجود الخارِجِيِّ كاللونية والسَّوادِيَّةِ في السواد- فإنه يلزمُ من إبطالِ السوادية إبطالُ اللَّونية المُخْتَصَّةِ بها؛ بل إنْ وُجِدَتْ لونِيَّةُ البياضِ في المحلِّ فهي لونيةٌ أخرى؛ لاتحادهما في الوجود.
فإن قلتم: إنَّ الأمر هنا ليس كذلك، سلمناه، لكن لِمَ قلتم: إنَّ الرافعَ يتعين عند الإطلاق بالأخص؟
والجواب عن الأول: أنه لا خلافَ في صحة إطلاق الجواز بمعنى رفع الحَرَجِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨].
وعن الثاني: أَنَّ دَلالةَ العقل لا تمنع دلالةَ الشرع.
وعن الثالث: أنه يكفي في انتفاءِ الماهِيَّةِ انتفاءُ الأخص.
قوله: إنه لا يلزم من انتفاءِ الأخص انتفاءُ الأعم مطلقًا؛ لجواز أن يكونا اعتبارين في العقل- قلنا: ولو سُلِّمَ ذلك لم يَضُرَّ ها هنا؛ فإنَّ الحكم الشرعي راجع إلى القول والذكر النفسي، ولا يمنع تَعَلُّقُهُما بالوجوه والاعتباراتِ، كما يَصِحُّ طلب المُطْلَقَاتِ، وإن كانت لا تؤخذ إلَّا مُعَيَّنَةً.
стр. 219
التَّرْكِ؛ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِبَقَاءِ الْجَوَازِ قَائِمٌ، وَيَثْبُتُ أَنَّ نَسْخَ الْوُجُوبِ- لَا يُوجِبُ نَسْخَ الْجَوَازِ؛ فَيُوجِبُ الْقَوْلَ بِبَقاءِ ذلِكَ الْجَوازِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ
تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَاقِعٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَنَزِيدُهُ ههُنَا وَجْهَينِ آخَرَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّكْلِيفَ: إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ حَال اسْتِوَاءِ الدَّاعِي إِلَى الفِعْلِ وَالتَّرْكِ، أَوْ حَال رُجْحَانِ أَحَدِ الْجَانِبَينِ عَلَى الآخَرِ:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ التَّرْجِيحِ حَال حُصُولِ الاسْتِوَاءِ؛ وَهَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
===
وعن الرابع: إنما تعين نفي الأخص؛ لأن المنع على خلاف الدليل، وبتقدير نفي الأخص فقط تكونُ المخالفةُ أَقَلَّ؛ فوجب المصير إليه، والله أعلم.
[قوله: "المسألة الرابعة عشرة]: تَكْلِيفُ مَا لا يُطَاقُ وَاقِعٌ" الخِلَافُ في هذه المَسْأَلَةِ في طريقين: في الجَوَازِ، والوُقُوعِ. وقدِ اختار صَاحِبُ الكِتَابِ: أنه واقع، وفي ضمنه اختيار الجَوَازِ.
ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وإمامِ الحرمين، والغزاليِّ: أنه لا يَجُوزُ.
ومذهب الأَشْعَرِيِّ: جوازه، ، وقد تردد النَّقَلَةُ عنه في وقوع ما جَوَّزَهُ.
قال الإمام: وهذا سوء معرفة بمذهبه؛ فإن التكاليف كُلَّهَا واقعةٌ على خلاف الاستطاعة.
وَبَيَّنَهُ من وجهينِ:
أولًا: أن قدرة العبد لا تأثيرَ لها في وقوع المَقدُورِ عنده، فهذا كُلَّفَ بالفعل فقد كُلَّفَ بفعل غيره.
ثانيًا: أن القدرة عنده لا تبقى زمانينِ، ولا توجد إلَّا مُقَارِنَةً للامتثال والتكليف بالفعل مُتَوَجِّهٌ قبل الامتثال، فقد كُلِّفَ بما لا قدرةَ له عليه. وما ذكره الإمام من الالتزام لا يمنع من تردد النقلة؛ فإن ما تئول إليه المذاهب لا يلزم أن يكونَ مذهبًا لقائله.
وهذه المسألة تذكر في أصلي الدِّين والفقه معًا؛ لِتَعَلُّقِهَا بهما: أما تعلُّقُها بأصول الدين: فإنَّ الأشعرية إذا أثبتوا عمومَ الصفات لله تعالى، وبيّنوا أن كل حادثٍ واقعَ فهو بمشيئة الله تعالى وقدرته.
قالت المعتزلة: هذا يلزم منه التكليف بالمحال؛ لأنه تعالى إذا أخبر بفعل، وهو مِن خلقه كان حاصِلُ التكليف به: افعلْ يا مَنْ لا فِعْلَ له، أو افعلْ ما أنا فاعل، وهذا عَينُ التكليف بالمحال.
стр. 220
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَالرَّاجِحُ وَاجِبٌ، والْمَرْجُوحُ مُمْتَنِعٌ، فَإِنْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ -كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ وَقَعَ الأَمْرُ بِتَحْصِيلِ المَرْجُوحِ- كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْمُمْتَنِعِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
===
وأجاب الأصحاب بوجهين:
أحدهما: التزامه والتزامهم مِثْلَهُ على قواعدهم؛ فإن اختلافَ المعلوم مُكَلَّفٌ به، وفعله مُتَوَقِّفٌ على خَلْقِ داعٍ من الله تعالى، دفعًا للتسلسل، فقد كَلَّفَهُ، ولم يَخْلُقْهُ له، وطَلَبَ الفعلَ لاستصلاح مَنْ عَلِمَ أنه لا ينصلح، ، إلى غيرِ ذلك مما يقررونه في محله.
الثاني: قالوا: إنْ أثبتنا عمومَ القدرة والإرادة لله تعالى، وقلنا: إِن كُلَّ حادث باختراعه ومشيئته، إلا أَنَّ للعباد في بعض الأفعال كَسْبًا؛ على ما نطق به القرآن المجيد: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والكسب فعل فاعل بمعين فلا نقول بالاستقلال ولا بالجبر فإنا نفرق بالضرورة بين حركة المرتعش والمسحور والمختار، والتكليف إنما يتعلق بالمكسوب.
وأمَّا تَعَلُّقُها بأصول الفقه: فلأنَّ أُصولَ الفقه عبارة عن: العِلْمِ بِأَدِلَّةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَيثُ الإِجْمَال.
وذلك يستدعي البحثَ في طرفينِ: طرف الأَدِلَّةِ، وطرف الحُكْم، والبحثُ في طرف الحكم يستدعي البحثَ في تعيين الحاكم، وهو الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠].
والمحكومِ عليه: وهو البالغ العاقل، الفاهِمُ للخطاب.
والمحكومِ فيه: وهو فعل المُكَلَّفِ، وله شروط منها: أنْ يكونَ مقدورًا لمنْ كُلِّفَ به، فَمِنْ ثَمَّ استدعي البحثَ في تكليف ما لا يُطَاقُ، وقدْ اتَّفَقَ الجميعُ أن التكليفَ بخلاف المعلومِ واقِعٌ، وقد احتج به على جواز التكليف بما لا يُطاقُ ووقوعِهِ.
قالوا: لأنه إذا كُلِّفَ بفعل، مع علمه تعالى أنه لا يوقعه -فوقوعُهُ مُحَالٌ؛ لأَنَّه لو وقع لانقلب العلمُ جهلًا.
قالوا: ولا فرقَ بين المستحيلِ لغيرِهِ، والمستحيلِ لنفسه.
قالوا: ولأن الله تعالى أخبر عن قوم كَلَّفَهُم بالإيمان أنهم لا يؤمنون، فلو وقع لَلَزِمَ الخُلْفُ في كلامه؛ وهو محال.
قالوا: ولأنَّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى انتفاءَ وقوعِهِ، فهو لا يريدُهُ، ووقوعُ خلافِ المُرَادِ مُحَالٌ.
وأجاب المانعون: بأنَّ تَعَلُّقَ العلم بعدمِ وقوعِ الفعل لا يُخرِجُهُ عن الإمكانِ؛ فإنَّ العلمَ يَتَعَلَّقُ بالشيءِ، ولا يُؤَثِّرُ فيه؛ بدليل صِحَّة تَعَلُّقِهِ بِالواجب والمستحيل، وإذا لم يُؤَثِّرْ، لم يخرجْ المُمْكِن عن إمكانه؛ ولذلك كان مقدورًا لله تعالى، وإلَّا لم تَعُمَّ صفاتُهُ تعالى.
قالوا: والشرط في التكليفِ إمكانُ الفعل عادةً بالنسبة لِمَنْ كُلِّفَ به، فَمَنْ كُلِّفَ بالطيران
стр. 221
فَإِنْ قَالُوا: "إِنَّهُ -حَال الاسْتِوَاءِ- مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ التَّرْجِيحِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي":
فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: أَنَّهُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي، أَوْ المُرَادُ مِنْهُ: أَنَّهُ عِنْدَ مَجِيءِ الزَّمَنِ الثَّانِي يَصِيرُ مَأْمُورًا بِتَحْصِيل الْفِعْلِ فِيهِ:
===
فقد كُلِّفَ بما لا طاقَةَ له به، بخلاف تكليفِه بالمشي.
ثم ما لا يطاق ينقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: المستحيل في نفسه؛ كقلبِ الأجناسِ، والكونِ في مَحَلَّينِ في زمانٍ واحدٍ، وهذا لا تَتَعَلَّقُ به قُدْرَةٌ ألْبَتَّةَ، لا قديمةٌ، ولا حادِثَةٌ.
الثاني: المستحيل بالنسبة إلى العبدِ خَاصَّةً؛ كخلق الأجسامِ، وبعضِ الأعراضِ كالطُّعُومِ، والروائح.
الثالث: ما لا تجري العادَةُ بِخَلْقِ القدرة على مِثْلِهِ، وإنْ جاز خَلْقُهَا؛ كالمشي على الماءِ والطَّيَرَانِ في الهواءِ.
الرابع: ما لا قدرةَ للعبد عليه حَال التكليفِ، وله قُدْرَةٌ عليه حال الامتثالِ.
الخامس: ما هُوَ من جِنْسٍ مقدورٍ للبشر، لكنْ في الحمل عليه مَشَقَّةٌ عظيمة؛ كالأمر في التوبة بقتلِ النفس، وثُبُوتِ الواحد للعشرةِ، وعليه يُحْمَلُ قولُهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذْ لا معنى للابتهالِ في دفعِ ما لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ.
والخامِسُ واقع بالاتفاقِ.
والرابع أيضًا واقعٌ على أصل أَبِي الحَسَنِ، وهو لا يَعُدُّهُ مِن تكليف ما لا يُطاقُ؛ لأنه لا يَشتَرِطُ التمكُّنَ إلَّا على حالِ الوقوع، فلا يَضُرُّ عَدَمُهُ قبل ذلك.
والثلاثة الباقية جَوَّزها أبو الحسن، والتردُّدُ المنقولُ عنه إِنَّما هو في وقوعها.
وقد احتج صاحب الكتابِ على وقوعه ها هنا بوجهين:
الأَوَّلُ: أَنَّ الأمر: إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ حَال استواءِ الدَّاعِي، أَوْ تَرَجُّحِهِ، ووقوعُ الفعل مع الاستواءِ مُحَالٌ، ومع الترجيح للفعل واجب، والتَّرْكُ مُمْتَنِعٌ والتكليفُ به تكليفٌ بالواجبِ، أو المستحيلِ.
وَرُدَّ: بأن تَعَلُّقَ الدَّاعِي لا يُصَيِّرُهُ واجبًا، فإنَّهُ واقع باختياره وقُدْرَتِهِ، ، ولُزُومُ وقوعِ الجائِزِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ لا يُصَيِّرُهُ واجبًا، وإلَّا لكان البارِي تعالى موجبًا بالذَّاتِ لا فاعلًا بالاختيار؛ فإنَّ ما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ وإرادَتُهُ وقدرتُهُ بوقوعه فهو لازم الوقوعِ؛ فعدمُه واجبٌ بالتفسير الذي ذكره.
قوله في الاعتراض: "فإن قالوا إنَّهُ حَال الاستواءِ مأْمُورٌ بتحصيلِ الترجيح في الزمان الثاني.
فنقول في الجواب: إمَّا أَنْ يكونَ المرادُ منه أنه في الزَّمَنِ الأَوَّلِ مأمورٌ بتحصيلِ الفعل فيه، أو المُرَادُ منه أنه عند مَجِيءِ الزمن الثَّاني يصيرُ مأمورًا بتحصيل الفعل فيه، فَالأَوَّلُ تكليفُ ما لا
стр. 222
وَالأَوَّلُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؛ لأَنَّ تَحْصِيلَ الفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي مَوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ الزَّمَنِ الثَّانِي، وَحُصُولُ الزَّمَنِ الثَّانِي -عِنْدَ وُجُودِ الزَّمَنِ الأَوَّلِ- مُحَالٌ؛ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ.
===
يُطَاقُ -أي: في الزمن الثاني- لأنه تحصيلٌ للفعل في الزمن الثاني، وهو موقوف على حصولِ الزمن الثاني، وحصولُ الزمنِ الثَّانِي عند وُجُود الزمن الأَوَّلِ مُحَالٌ".
والاعتراض عليه: أَنْ يقال: المُرَادُ منه: أنه في الزمن الأَوَّلِ مأمورٌ بإِيقاع الفعل في الزمن الثاني، والموقوفُ على وُجُودِ الزمن الثَّاني وقوعُ المأمورِ به، لا الأَمْرُ؛ فإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ، ولم يُؤْمَرْ بإِيقاعِهِ في الزمن الأوَّلِ بشرط حُصُولِ الزمن الثاني؛ فإنه مُحَالٌ.
والقسم الثاني: ظاهر البُطْلَانِ؛ فلا نقولُ به.
قوله: "الوجه الثاني: أَنَّ الأمر بمعرفةِ اللهِ تعالى حَاصِلٌ" يعني بالإجماع على الجملة.
قوله: "فهذا الأمر: إمَّا أنْ يَتَوَجَّهَ على المُكَلَّفِ حَال كونِهِ عارفًا باللهِ تعالى، فيكون أمرًا بتحصيلِ حاصِلٌ" يعني: وهو من التكليف بالمحال.
قوله: "أو قبل كونه عارفًا بربه وقبل كونه عارفًا بربه لا يكون عارفًا بأمر ربه" يعني: فقد كُلِّف بالمشروط بدونِ شَرْطِهِ.
والجواب عنه: اختيار الثاني، ولا يلزم منه التكليفُ بالمشروط مع عدم الشَّرْطِ؛ فإنَّ شرطَ التكليفِ به تَصَوُّرُ أَنَّ له رَبًّا يَأْمُرُهُ، لا عِلْمُهُ بأنَّ له ربًّا يأمره، والتَّصَوُّرُ حاصِلٌ بقول الرسول ﷺ : "إِنَّ لَكَ رَبًّا يأمُرُكَ، فَإنْ شَكَرْتَهُ أَثَابَكَ، وَإِنْ كَفَرْتَهُ عَاقَبَكَ".
وقدِ احتجَّ الإِمامُ والغزاليُّ على امتناعِ التكليف بما لا يُطَاقُ: بأنَّ التكليفَ طَلَبٌ واستدعاءٌ، والطَّلَبُ يستدعي مطلوبًا، وشَرْطُهُ أَنْ يكونَ معلومًا للطالبِ، والمستحيلُ وُقُوعُهُ غَيرُ معلومِ الوقوع؛ فلا يكونُ مطلوبًا؛ لاستحالةِ تَحَقُّقِ المشروطِ بدونِ الشرط.
وَاعْتُرِضَ عليه: بأنَّ المستحيلَ محكومٌ عليه بالاستحالةِ، والحُكْمُ على الشيءِ موقوفٌ على تَصَوُّرِهِ، فالمستحيلُ مُتَصَوَّرٌ.
وَأُجِيبَ: بأنه محكومٌ عليه بالنفي، فَيَتَوقَّفُ على تَصَوُّرِهِ منفيًّا. أمَّا الحُكْمُ عليه بالطلب، فيتوقفُ على تَصَوُّرِهِ مثبتًا تَصَوُّرَ الشيءِ على خلافِ ما هو به، ولا يَقَعُ الأمر به إلا من جاهلٍ أو مَقْدُورٍ، والجَهْلُ على الله تعالى مُحَالٌ؛ لأَنَّهُ نَقْصٌ، والتقديرُ لا يكونُ إلَّا حادثًا، ولا يَتَّصِفُ سبحانه بحادِثٍ.
ويمكن أن يُقَال: الحُكْمُ عليه بأنه لا يُتَصَوَّرُ طَلَبُهُ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ، فهو متناقض، والحَقُّ أَنَّ قوله في الفَرْقِ: إنَّ الحكم عليه بالنفي يَتَوَقَّفُ على تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا، والحُكْمَ عليه بالطَّلَبِ يتوقف على تصوره مُثْبَتًا -مُغَالطَةٌ؛ فإنَّ فيه أَخْذَ الحكمِ في المَحْكُومِ عليه، وجَعْلَ التَّصَوُّرِ تصديقًا.
ومعنى الحكم على الشيء بالاستحالة: أَنَّ بعضَ التَصَوُّرَاتِ الثابتةِ في الذِّهْنِ إِذا عُرِضَتْ على العقل، قَضَى عليها بأَنَّها لا تَقْبَلُ الوجودَ الخارِجِيَّ بوجه ما، فإِذا فُرِضَ جَوْهَرٌ ما في
стр. 223
وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ أَنَّهُ عِنْدَ مَجِيءِ الزَّمَنِ الثَّانِي يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِذلِكَ الْفِعَلِ-: فَنَقُولُ: إِنَّ عِنْدَ مَجِيءِ ذلِكَ الزَّمَانِ- يَعُودُ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَهُوَ: أَنَّ عِنْدَ ذلِكَ الزَّمَنِ، الْمُكَلَّفُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَسَاويَ الدَّوَاعِي، أَوْ مَا كَانَ كَذلِكَ:
===
مَحَلَّينِ، في زمانٍ واحد، قَضَى بذلك، وما لا حُصُولَ له في الذِّهْنِ يكونُ غَيرَ مشعورٍ به، ومغفولًا عنه؛ فلا يُتَصَوَّرُ القضاءُ عليه بإمكانٍ ولا وجوبٍ ولا استحالة.
وتشكيك صاحب الكتاب على هذا: بأن الثَّابِتَ في الذهن، إن لم يكنْ له ثُبُوتٌ مِنْ خارجٍ، فهو جَهْلٌ ومغالطة أيضًا- إنما يكونُ جهلًا مع اعتقادِ أنه ثابِتٌ من خارجٍ؛ فإنَّ التصور الساذَجَ -أعني: الحصول في الذهن- أَعَمُّ.
والحَقُّ أيضًا: جوازُ التكليف بِمَا لا يُطَاقُ؛ فإِنَّ الطَّلَبَ راجِعٌ إلى القول والذِّكْرِ النفسيِّ، وهما الصفاتُ التي تتَعَلَّقُ ولا تُؤَثِّرُ، فلا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُهَا بالممتنعِ، كما يتعلق بالمعدوم، والمُطْلَقِ.
واشتراطُه إِمكانَ الفعل إنما يلزمُ لِصِحَّةِ القصد إلى امتثال المأمور به؛ لحصول حِكْمَةِ الفعل، ولا يَنْحصِرُ مقصودُ التكليف في ذلك؛ بل قد يكونُ لِمَحْضِ الابتلاء؛ كأمرِ إِبراهيمَ ﵇ بذبحِ وَلَدِهِ، ونَسْخِهِ قبلَ الامتثالِ، ولم يكنْ الأمرُ لحكمةٍ تَنْشَأُ من نفس وقوع الفعل.
وإذا تَقَرَّرَ ذلك: تَبَيَّنَ أَنَّ التكليفَ يكونُ عِلْمًا لِلشَّقَاوَةِ، أو للسَّعَادَةِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] , وإذا كان ذلك فلا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْمَرَ العَبْدُ بما لا قُدْرَةَ له عليه؛ علمًا لشقاوته.
وأمَّا الوقوعُ: فالأقربَ عَدَمُهُ، وقد دَلَّتْ آيَةٌ ظاهِرَةٌ على نفيه؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧] , وقولِهِ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] , وما احْتَجَّ به على وُقُوعِهِ من الابتهالِ فقد تَقَدَّمَ تَأْويلُهُ على الأَثْقَالِ المُمْكِنَةِ التي كُلِّفَ بها مَنْ قبلنا.
ومِمَّا احتج به على وقوعه: أَنَّ اللهَ تعالى كلَّفَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يُصَدِّقَ رسولَهُ ﵇ في جميع ما أَخْبَرَ به، ومن جملة ما أَخْبَرَ به: أنه لا يُصَدِّقُهُ، فقد كَلَّفَهُ بأنْ يُصَدِّقَهُ بأنه لا يصدقه، والتكليفُ به: تكليفٌ بالجمع بين النقيضين.
واعتُرِضَ عليه: بمنع ورود التكليفِ له على هذا الوجه، وَيَفْتَقِرُ إلى نَقْلٍ قاطع.
стр. 224
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الأَمْرَ بِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالى حَاصِلٌ، وهذَا الأَمْرُ: إمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُكَلَّفِ، حَال كَوْنِهِ عَارِفًا بِرَبِّهِ؛ فَيَكُونُ هذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، أَوْ قَبْلَ كَوْنِهِ
===
قالوا: إنما كُلِّفَ بِأَنْ يُؤْمِنَ به، وهو ممكن، وَأَعْلَمَ اللهُ نَبِيَّهُ ﵇ بأنه لا يؤمن.
ومنهم من قال بالامتناع ها هنا، وإنْ جَوَّزَ التكليفَ بالمُحَالِ، وفَرقَ بِأَنَّ التكليفَ بالمحال إنما جُوِّزَ؛ علمًا للمحنة، وخطابُ مَنْ لا يَفْهَمُ كخطابِ الجمادِ، فيمتنع ها هنا وإن جاز ثمَّ.
والقولان منقولان عن الأشعري، والحق هو الثاني.
قال ابنُ العربيِّ: وَفَرْقٌ بين التَّكْلِيفِ بالمُحَالِ، وتكليفِ المحال، يعني أَنَّ التكليف بالمحالِ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى خَلَلٍ في المأمور به، وتكليفُ المحال مما يرجع إلى خلل في المأمورِ.
واحتجَّ المُجَوِّزُونَ: بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] , وبقوله ﵊: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ. ولا معنى لِلَّرفْعِ فيما يستحيل تَصَوُّرُهُ.
стр. 225
عَارفًا بِرَبِّهِ، وَقَبْلَ كَوْنِهِ عَارِفًا بِرَبِّهِ: لَا يَكُونُ عَارِفًا بِأَمْرِ رَبِّهِ؛ فَتَوَجُّهُ ذلِكَ الأَمْرِ إِلَيهِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
стр. 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأُجِيبَ عن الآيةِ بوجهينِ:
الأول: أنه خطابٌ مع المستثنى، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣] أي حتى تستكملوا العلم.
الثاني: أَنَّ الآيةَ نزلت قبل تحريم الخمر، والمقصودُ منها النهيُ عن الإكثارِ في الشُّرْب إِلى حَد يَمْنَعُ من الصلاة، فَأُضِيفَ إلىَ الصلاة مجازًا، أي: لا تَسْكَرُوا فتمتنعوا من الصلاةِ؛ كما يُقَالُ: لا تَقْرَب التَّهَجُّدَ، وَأَنتَ شَبْعَانُ، أي: لا تَشْبَعْ فَيَمْنَعَكَ الشِّبَعُ من التهجدِ.
وأما الحديثُ فأجابوا عنه: بأنه لا يَلْزَمُ من الحُكْمِ على ذي صِفَةٍ أَلَّا يكونَ الحُكْمُ عليه باعتبارِ تلك الصِّفَةَ، وإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يقال: تَحَرَّكَ السَّاكِنُ، وَسَكَنَ الْمُتَحَرِّكُ.
[القَولُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ في المَحْكُومِ فِيهِ]
ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بالبحثِ في المحكومِ فيه مسألة:
قال أصحابنا: يَصِحُّ التكليفُ بِعَينِ المُكْرَهِ عليه وَنقِيضِهِ، خلافًا للمعتزلة في العَينِ دونَ النقيضِ.
стр. 227
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الأَمْرُ يَقْتَضِي الإِجْزَاءَ؛ خِلافًا لأبَي هَاشِمٍ
وَالمُرادُ مِنْ كَوْنِ الْمَأْمُورِ [بِهِ] مُجْزِئًا: أَنَّهُ كَافٍ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ.
===
والمُكْرَهُ على قسمينِ:
مُكْرَهٌ انتهى الإكراهُ به إلى سَلْبِ الْقُدَرةِ والاختيار، فإذا لا نِزَاعَ بيننا ولن المعتزلة أَنْهُ غَيرُ مُكَلَّفٍ.
ومُكْرَهٌ له قُدْرَةً وإرادَةٌ، لَكِنَّهُ لم يُخَلَّ وَدَوَاعِيَهُ، فهذهِ مسألة النزاع.
واحتجَّ أصحابُنَا على جوازِ تكليفه بأنَّ الفعل مُمْكِنٌ، والفاعلَ مُتَمَكِّنٌ، وشَرْطُ الاستصلاح قد أبطلناه.
وألزم القاضِي المُعْتَزِلَةَ المكره على القتل؛ فإنه مَنْهِيٌ عنه بالإجماع.
قال الإمامُ: وهذه هفوة من القاضي؛ فإن المعتزلة تشترط في المأمور به. أن يكونَ بحال يُثَابٍ على فعله، وإذا أُكْرِهَ على عَينِ المَأْمُورِ بِهِ، فالإتيانُ بِهِ لِداعِي الإكراهِ، لا لداعي الشرع، فلا يُثَابُ عليه، بخلاف ما إذا أتى بنقيض المُكْرَهِ عليه لداعي الشرْعِ؛ فإِنَّه أبلغُ في إجابة داعي الشرع، وما ذكره الإمامُ حَقٌّ من هذا الوجه، ولم يورده القاضي على هذا المأخذ، إنما أورده على منعهم أَنَّ المُكْرَهَ قادِرٌ، فَبَيَّنَ أنه قادِرٌ بتكليفه بالضِّدِّ، وعندهم أن الله -تعالى- لا يُكَلِّفُ العبدَ إلَّا بعد خَلْقِ القُدْرَةِ له، وهي عندهم من الأعراض الباقية.
والقُدْرَةُ عندهم على الشَّيءِ قُدْرَةٌ على ضِدِّهِ، فإذا كان قادرًا على تَرْكِ القَتْلِ، فهو قادِرٌ على الفعل المُكرَهِ على عَينِهِ.
وقال الغزاليُّ: الآتي بالفعل مع الإكراهِ، إنْ أتى به لداعي الشَّرع - فهو صحيحِ.
وإنْ أتى به لداعي الإكراه فليس بصحيح، يعني كمن أُكرِهَ على أداءِ الزكاةِ، فَأدَّاهَا.
قال بعضُ المتأخرين: وهذا الذي ذكره إنما هو في العباداتِ المُشتَرَطِ فيها النِّيَّةُ.
أَمَّا مَا لا يُشْتَرَطُ فيه النيةُ، كَمَنْ يجبُ عليه رَدُّ المغصوباتِ، والودائعِ، وتسليمُ المَبِيع وحَبْسُ المُعْتَدَّةِ - فالمقصودُ منه واقع، قُصِدَ أو لم يُقْصَدْ، فيخرجُ عن عُهْدَة التكليف به مع الإكراه.
وَبَحْثُ صاحبِ الكتابِ في هذه المسألة حَائِدٌ عن مأخذ الفريقين جِدًّا، والله أعلم.
[قوله: المسألة الخامسة عشرة]:
"الأَمْرُ يَقْتَضِي الإجْزَاءَ، خلافًا لأبي هَاشِمٍ، والمرادُ من كون المَأْمُورِ مُجْزيًا: أنه كَافٍ في الخروج عن العُهْدَةِ".
تفسيرُ الإجزاءِ: بأنه الكَافِي في الخُرُوج عَن العُهْدَةِ -يعني به عُهْدَةَ الأمرِ، وهذا مَذْهَبُ المتكلمين.
стр. 228
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن بَعْدَ الإِتْيَانِ بِالْمَأمُورِ بِهِ، لَوْ بَقِيَ الأمْرُ -لَبَقِيَ: إِمَّا مُتَنَاولًا لِذلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي الْوُجُودِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ عَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: كَانَ ذلِكَ الأَمْرُ مُتَنَاولًا لِطَلَبِ ذلِكَ الْفِعْلِ مَرَّتَينِ؛ فَلَا يَكُونُ الإِتْيَانُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً إِتْيَانًا بِتَمَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ فَرَضنَاهُ كَذلِكَ؛ هذَا خُلْفٌ.
===
ومذهبُ الفقهاءِ: أنه الأَدَاءُ الكافِي في إِسْقَاطِ القَضَاءِ.
والخلاف فيه مَبْنِيٌّ على أَنَّ القضاءَ؛ حيثُ شرع استدراكًا للفائت، هل هو من مُقْتَضَيَاتِ الأمر الأول، أو بأمر جديد؟ :
فالمتكلمونَ يَعْتَقِدُونَ: أنه بأمرٍ جديد، فَحَدُّوا الإِجْزَاءَ بما ذُكِرَ.
والفُقَهَاءُ يزعمون أنه من مقتضيات الأمر الأَوْلِ، فأضافوا إلى الإتيانِ بالمأمور به إسقاطَ القضاءِ.
قوله: "والدليل عليه أنه بعد الإتيان بالمأمور به": يعني: بما أَشْعَرَ اللَّفْظُ به.
قوله: "لو بقي الأَمْرُ لبقي إما: مُتَنَاولًا لطلب ذلك الفعل .. " إلى آخره، يعني: إمَّا أَنْ يكون متناولًا للمأتِيَّ به، أو غيرِهِ، والأَوَّلُ: طَلَبُ تحصيلِ الحاصلِ، والثَّاني: خلاف الفرض؛ إذِ التقدير: أنه أتى جميعِ ما أَشْعَرَ اللَّفْظُ به.
واحتجَّ الفقهاءُ: بأنَّ امتثال المأمورِ به، لو كان مُقتَضِيًا للإجْزَاءِ؛ لَمَا أُمِرَ مَنْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، وصَلَّى على حسب حالِهِ -بالقضاءِ؛ وكذا مَنْ ظَنَّ أنهُ مُتَطَهَّرٌ وصَلَّى على حَسَبِ حاله، ثُمَّ تَبَيَّنَ الحَدَثَ، وكذا مَن أَفْسَدَ حجَّهُ بالمُضِيِّ في فاسِدِهِ، أو صَوْمَهُ بِإِمْسَاكِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ وجوبَ القضاءِ في مسألة العازِم بأمر جديدٍ، وأَمَّا مَنْ ظَنَّ أنه مُتَطَهِّرٌ، فَإِمَّا [أن] يَعْتَقِد أَنَّ كُلَّ مجتهدٍ مصيبٌ أو لا: فإن اعتقدَ أن كل مجتهد مصيب، فقد خرج عن عهدة الأمر بما فعله أولًا، وهذا أمر ثانٍ بالقضاء، وَإِن اعتقد أنه واحِدٌ فالخطابُ بصلاةٍ بطهارَةٍ باقٍ في ذِمَّتِهِ، ولم يأتِ به، والخطابُ الأَوَّلُ: كان بحسب حالِهِ.
ومن أفسد حجَّهُ، أو صَوْمَهُ، فَالأَمْرُ الأَوَّلُ باقٍ عليه، والأمرُ بالمُضِيِّ فيه أَمْرٌ ثانٍ؛ مُعَاقَبَةً له، أو تشبهًا بالصائمين لِحُرْمَةِ الوقت، وهو مُمْتَثِلٌ للأمر الثاني.
قوله: "حجة المخالف: أَنَّ النهي إذا كان لا يَدُلُّ على الفسادِ، فكذلك الأمر لا يَدُلُّ على الإجزاءِ".
وَوَجْهُ الملازمة: أَن كُلَّ مُخزِئٍ صحيح، والصحيمُ نَقِيضُ الفاسِدِ؛ فالمجزئُ نقيضُ الفاسد.
فإذا كان المُجْزِئُ عِبَارَةً عن المُوَافِقِ لِلطَّلَبِ -كان الفاسِدُ هو المُخَالِف له، فإذا لم تَسْتَلْزِمِ المخالفَةُ الفسادَ، وجب أَلَّا تستلزمَ الموافقةُ الصِّحَّةَ والإِجْزَاءَ.
стр. 229
حُجَّةُ المُخَالِفِ: أَنَّ النَّهْيَ إِذَا كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ, فكَذلِكَ الأَمْرُ لَا يدُلُّ عَلَى الإِجْزَاءِ.
===
تقرير الثانية: أَنَّ النهيَ لا يَدُلُّ على الفسادِ؛ لِصِحَّةِ الصلاةِ في الدَّارِ
стр. 230
الْجَوَابُ: الْفَرْقُ أَنَّ النَّهْيَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْمَنْعَ مِنَ الفِعْلِ، وَذلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يُقَال لَهُ: "إِنَّكَ لَوْ أَتَيتَ بِهِ، جَعَلْتَهُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الْفُلانِيِّ"، أَمَّا الأَمْرُ فَلَا دَلالةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى اقْتِضَاءِ
===
المغصوَبةِ، ونُفُوذِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، وغير ذلك.
والجواب: مَنْعُ أَنَّ النهي: لا يَدُلُّ على الفسادِ، لا سيما في العباداتِ؛ فإنَّ الآتيَ بالمنهِيِّ لم يأتِ بالمأمورِ، فَيَتَعَيَّنُ القولُ بالفسادِ.
وبتقديرِ التسليم بالجمع بين الأمرِ والنهي، باعتبار الجهتين، وصرفِ النهي إلى أَمْر خارِجٍ مُفَارِقٍ، وَمَتَى تَحَقَّقَ رُجُوعه إلى عينِ الشيء، أو شَرْطِهِ، أو لازِمٍ غَيرِ مُنْفَكِّ -فَلا بُد من الحكم بالفساد.
قوله: "إن النهي لا يُفِيدُ إِلَّا المَنْعَ من الفعل، وذلك لا ينافي أن يُقَال له: إِنَّكَ لو أتيت به جعلتَه سَبَبًا للحكم الفُلانِيِّ".
هذا الجوابُ إنما يَتَحَقَّقُ في النهي المُتَعَلِّقِ بغير العباداتِ من العُقُودِ والتَّصَرُّفَاتِ؛ لأنَّ معنى الصحيح فيها هو المُسْتَمِرٌ، ولا مانِعَ أَنْ يُنْهَى الأَبُ عن وَطءِ أَمَةِ ابنهِ، وإِذَا وَطِئَ، وَعَلِقَتْ منه،
стр. 231
الْمَأمُورِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإذَا أَتَى المُكَلَّفُ بِهِ- فَقَدْ أَتَى بِتَمَامِ مَا دَلَّ عَلَيهِ الأَمْرُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَبْقَى الأَمْرُ بَعْدَ ذلِكَ مُقْتَضِيًا لِشَيءٍ آخَرَ.
الْمَسْألةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ
إِذَا قَال السَّيِّدُ لِعَبدِهِ: "صَلِّ، في هَذَا الْوَقْتِ" وَلَمْ يُصَلِّ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ-: فَذلِكَ الأَمْرُ هَلْ يَقْتَضِي إِيقَاعَ ذلِكَ الْفِعْلِ فِيمَا بَعْدَ ذلِكَ الْوَقْتِ؟
أَكْثَرُ المُحَقِّقِينَ [ذَهَبُوا] إِلَى أنَّهُ لَا يُوجِبُهُ:
وَاحْتَجُّوا عَلَيهِ: بِأَنَّ قَوْلَ القَائِلِ لِغَيرِهِ: "افْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" - لَا يَتَنَاوَلُ مَا بَعْد الْجُمُعَةِ: لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثبَاتٍ؛ فَوَجَبَ ألَّا يَدُلَّ عَلَيهِ أَلْبَتَّةَ.
===
كان الوَطْءُ سببًا في حُرِّيَّةِ الولد، وجَعْلِهَا مُسْتَوْلَدَة له، أو غيرِ ذلك.
أمَّا في العبادات فلا؛ لما قَرَّرْنَاهُ، وأشارَ بَعْضُ الأئِمَّةِ أَنَّ الخِلافَ في هذه المسألهَ شيءٌ آخرُ، وهو أنَّ مُطْلَقَ الأَمْرِ يُشْعِرُ بالإِجْزَاءِ، أو أنَّ الإِجْزَاءَ من عدم دليل، وهذا بحث يرجع إلى المفهوم، والأمرُ فيه مُنْقَسِمٌ.
[المسألة السادسة عشرة]
هذه المسألة مترجمة بـ "وجوب القضاء" من مقتضيات الخطاب الأول، أو بأمر جديد؟ : ومذهب الحنابلة، وأكثر الفقهاء أنه من مقتضيات الخطاب, , ومذهبُ المُحَقَّقِينَ من الأصوليين، وبعض الفقهاء أنه بخطاب جديد.
قوله: احتجوا عليه بأن القائل إذا قال لغيره: افعلْ هذا الفِعْلَ يومَ الجُمْعَةِ لا يتناول ما بعده.
حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لو وَجَبَ بِهِ لأشعر به، ولا إِشْعَارَ؛ فلا وُجُوبَ:
أما الأُولَى: فَإنهُ لا معنى لِلدَّلالةِ سوى الإِشعارِ، وإذْ لا إشعارَ فلا دلالةَ.
وأما الثانية: فَلأَنَّ التقييدَ بحاضرينِ، يُخْرِجُ ما عداهما، فإذا قال: صُمْ يومَ الخميس، فكما لا يتناولُ ما قبله لا يتناولُ ما بعده.
والاعتراض عليه: أن يقال: قولُكَ لا يُشعِرُ به، تعني: مُطَابَقَةٌ، أو مطلقًا؟ : الأَوَّلُ: مُسَلَّمٌ، ولا يلزم من نفي الإشْعَارِ من وَجْهٍ نَفْيُ الإشعار مُطلَقًا. الثَّانِي: ممنوع؛ فَإِنَّهُ يُشعِرُ به بجهة التَّضَمُّنِ. والطَّلَبُ لِلصَّوْمِ في يومٍ مُعَيَّنٍ، طَلَبٌ لصوم يوم.
هذا الوجه يُبْطِلُ قولَ مَنْ قال: إِنَّهُ لو أَشْعَرَ به، لاقتضى التخييرَ، وَلَبَطَلَتْ نِيَّةُ القضاءِ؛ فإنه إنما يلزم أَنْ لو أَشْعَرَ به مطابقة.
стр. 232
وَلمَنْ يُوجِبُهُ أن يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا قَال: "صَلِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" -فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيهِ الصَّلاةَ، وَأَوْجَبَ إِيقَاعَهَا في يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لأَنَّ التَّكْلِيفَ بِإِحْدَاثِ المُرَكَّبِ تَكْلِيفٌ بِإحْدَاثِ جَمِيعِ مُفْرَدَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: يَتَعَذِّرُ عَلَيهِ إِيقَاعُ ذلِكَ الْمَجْمُوعِ؛ لأَجْلِ أَنَّ إِيقَاعَ أَحَدِ جُزأَيهِ مُتَعَذِّرٌ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيهِ إِيقَاعُ ذَاتِ الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَبقَى ذلِكَ الأَمْرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ ذلِكَ الْوَقْتِ، مُوَجَّهًا لإِيقَاعِ مَاهِيَّةِ الصَّلاةِ.
أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أن يُقَال: "هذَا الدَّلِيل صَارَ مَتْرُوكًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ":
قُلْنَا: نَعَم؛ وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ مُنْفَصِلٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من كَوْنِهِ مَتْرُوكًا ثَم: أَنْ يَكُونَ مَترُوكًا هَهُنَا.
===
قوله: "ولمن يوجب أن يقول: إِنه إذا قال: صل يومَ الجمعة فقد أَوْجَبَ عليه الصَّلاةُ .. " إلى آخره.
حَاصِلُه: أَنَّ طَلَبَ المُرَكَّبِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ أَجْزَائِهِ، وقاعدة الشَّرْعِ: أنَّ المَيسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ.
وقال ﵊: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأْتَوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ. . ". وبخروجِ الوقت لا يَفْوتُ أَصْلُ الفعل.
قوله: أَقْصَى ما في البابِ أَنْ يُقَال: هذا الدَّلِيلُ صارَ متروكًا في بعض الصُّوَرِ، يعني: أنه منقوضٌ بفوات الجُمُعَةِ، والأُضْحِيَّةِ.
فنقول: لو اقتضى، لما انْفَكَّ عنه مُقْتَضَاهُ، وقدِ انْفَكَّ؛ فلا يَقْتَضِيهِ، وبإِلزام ما صَارَ إليه أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- في نَذْرِ صومِ يومِ العِيدِ، ونَذْرِ ذَبْحِ وَلَدِهِ -أنه يلزمه مُطْلَقُ الصَّوْمٍ، وتُلْغَى الإضَافَةُ؛ لِفَسَادِها؛ فَيَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ غيرِه، وكذا الذَّبْحُ يُلْغِي الإِضَافَةَ، وَيجِبُ مُطْلَقُ الذَّبْحِ، وَأَقَلُّهُ شرعًا شاةٌ.
واعْتُذِرَ عنه: بأنه لا يَلْزَمُ من تَرْكِ الدَّلِيلِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لمعارض راجح تَرْكُهُ مطلقًا؛ وإنَّمَا لم يَقُلِ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- بِصِحِّةِ أَصْلِ النَّذْرِ في صوم يوم العيد، وذَبْحِ الولد؛
стр. 233
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الحَنَفِيُّ، فِي [نَذْرِ] صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَنَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ: إِنَّهُ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَذَبْحِ الْوَلَدِ، وَالآتِي بِذلِكَ آتٍ بِنَذْرِ الصَّوْمٍ وَنَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ الآتِيَ بِالْمُرَكَّبِ آتٍ بِكُلِّ واحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ؛ فَوَجَبَ أَن يَأتِيَ بِالصَّوْمِ وَالذبْحِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ انْتَفَى قَيدُ كَوْنِهِ فِي يَؤمِ الْعِيدِ، وَفِي الْوَلَدِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالفَهِ الدَّلِيلِ فِي صُورَةٍ مُخَالفَتُهُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ.
وإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيهِ الصَّوْمُ وَالذَّبْحُ - وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيهِ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ وَذَبْحُ الشَّاةِ؛ لأَنَّه لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
===
لاعتقادِهِ أَنَّ النهيَ مُتَعَلَّقُهُ ذاتُ المَنْهِيِّ عنه؛ فيكونُ مَعْصِيَةً، وَيدُل على الفَسَادِ.
وإنما يُصْرَفُ النهيُ عن ذاتِ الشيءِ إلى غيره، كالصلاة في الدار المغصوبة بتقدير تعدد الجِهَةِ، ولا يمكن هنا؛ فَإِنَّ النهيَ هنا عن الصوم لأَجْلِ كونِهِ صَوْمَ يومِ العِيدِ، والنهيُ عن صومِ يومِ العيدِ لا يَنْفكُّ عنِ الصومِ.
وأبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- يَرَى تَعَدُّدَ الجِهَةِ كالصَّلاةِ في الدَّارِ المغصوبة.
ولم يقل بإيجابِ الشَّاةِ قياسًا؛ إنما قاله استحسانًا من قِصَّةِ الخَلِيلِ إبراهيمَ ﵇ وقولِ بعض الصحابة، وقولِ ابن عباس ﵄ وإلَّا فقياسُهُ يُوجِبُ أَنَّ مَنْ نذر ذَبْحَ ولدِهِ، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شاةٍ لعين ما ذُكِرَ، ولم يقلْ به.
وممَّا احتجَّ به الفقهاءُ: أَنَّ وقتَ العبادَةِ كالأَجَلِ في الدَّين، ولا يلزمُ من سُقُوطِهِ، سُقُوطُهُ فكذلك العبادَةُ.
وفرق: بِأَنَّ الدَّينَ مطلوبُ الحُصُولِ في نفسه، والأَجَلَ رِفْق لتيسيرِ الأداءِ.
وإنْ لم يَتَبَيَّنْ لنا أَنَّ العبادَةَ مطلوبةٌ لنفسها بدون وقتها، فَإنَّ لخصوص الأوقات، والأمكنةِ، والصِّفَاتِ أَثَرًا في مقاصِدِ الآمرين؛ كالأمر بالوقوف يومَ عَرَفَةَ بأرْضِها، وصومِ يومها، والأمرِ بِعِتْقِ رَقَبةٍ مؤمنة، والأمرِ بشراءِ الفَحْمِ في الثتاء، والثَّلْجِ في فصل الصيف.
стр. 234
الْمَسْألَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ
الأَمْرُ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ الأَمْرَ بِشَيءٍ مِن جُزْئِيَّاتِهَا؛ كَقَوْلِهِ: "بعْ هذَا الثَوْب" لَا يَكُونُ أمْرًا بِبَيعِهِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَلَا بِثَمَنِ الْمُسَاوي؛ لأَنَّ هَذَينِ النَّوْعَينِ مُشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْبَيعِ، وَيتَمَيَّزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِكَوْنِهِ وَاقِعًا. بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَبِثَمَنِ
===
[المسألة السابعة عشرة]
[قوله]: الأَمْرُ بِالمَاهِيَّةِ [الكلية] لا يَتَنَاوَلُ الأَمْرَ بشيء من جُزْئياتها؛ كقوله: بعْ
стр. 235
الْمِثْلِ، وَمَا بِهِ الاشتِرَاكُ مُغَايِرٌ لِمَا بِه الامْتِيَازُ، وَغَيرُ مُسْتْلْزِمٍ لَهُ، وَالأَمْرُ بِالْبَيعِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِشَيءٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، بَلْ إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الرِّضَا بِبَعْضِ الأَنْوَاعِ لِقَرِينَةٍ- حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيهِ؛ وَلذلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيعِ الْمُطلَقِ لَا يَمْلِكُ الْبَيعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْبَيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لأَنَّ الْعُرْفَ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الرِّضَا بِهذَا النَّوْعِ.
===
هذا الثَّوْبَ؛ فإنه لا يَكُونُ أمرًا بِبَيعِهِ بالغَبْنِ الفاحش، ولا بالثمن المُسَاوي؛ لأن هذين النَّوْعَينِ يشتركان فِي مُسَمَّى البَيع، وَيَمْتَازَانِ بالخُصُوصِ، وما به الاشتراك مُغَايزِّ لما به الامْتِيَازُ، وغير مُسْتَلْزِم له" يعني بأَنَّ المُطْلَقَ هو الدَّالُّ على المَاهِيَّةِ فحسب، والدَّالُّ على الأَعَمِّ لا يتناوَلُ الأَخَصَّ؛ لأنه ليس عَينَهُ، ولا جُزْأَهُ، ولا يستلزمه بعينه، فانتفتِ الدَّلَالاتُ الثَّلَاثُ.
لا يقال: قد تَقَرَّرَ: أَنَّ الأمرَ بالشيءِ أَمْرٌ بما هو من ضرورياته، والمُطْلَقَاتُ لا دُخُولَ لها فِي الأعيانِ إلا بخصوصٍ ما، فالأمرُ بها أَمْرٌ بأحد الخُصُوصِيَّاتِ؛ لأنا نقول: هذا وإن سلم؛ فليس مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ؛ بل من قاعدةِ: أَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بالإِمكانِ، والإِتْيَانُ بالمُطْلَقِ غَيرُ مُمْكِنٍ.
ثُمَّ لو سَلِمَ الإشعارُ فلا يُشْعِرُ بخصوصٍ مُعَيَّن، والبَحْثُ فيه.
وأمَّا التوكيلُ بالبيعِ المُطْلَقِ، فأبو حنيفةَ يرى: أَنَّ اللفظَ عامٌّ فِي مُسَمَّى البَيعِ، وأنه مُتَنَاولٌ للإِذْنِ بالبيعِ بالغَبْنِ الفاحش، وغيره.
والشَّافِعِيُّ ﵀ يرى أَنَّ اللفظَ لا إشعارَ له بقيد ألْبَتَّةَ، والأصلُ المَنْعُ من التَّصَرُّفِ، إلا فِي المَأذُونِ فيه بطريق اللفظِ، أو العُرْفِ.
والعُرْفُ دَالٌّ على البيع بالثَّمَنِ المُسَاوي، كَمَا دَلَّ فِي الثَّمَنِ المُطْلَقِ على النَّقْدِ الرابح، وهذا معنى قولِهِ: بل إِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ على الرضا ببعض الأنواعِ حُمِلَ عليه.
مَسَائِلُ أغفلها الإمام الرَّازِي
هَذِهِ آخِرُ مسألةِ ذكرها فِي قِسْمِ الأوامر، وقد أسقط مسائِلَ.
منها ما يَقْرُبُ الأَمْرُ فيها بعد ما قَرَّرَهُ مِنَ القَوَاعِدِ، ومنها ما تَقِلُّ جَدْوَاهُ بالنسبة إلى أُصُولِ الفقه.
والمقصودُ الأَعْظَمُ منها يَتَعَلَّقُ بأصول الدِّينِ؛ كأمرِ المعدومِ، وكونِ الفعلِ مأمورًا به حَال الامتثالِ، والأمرِ المُعَلَّقِ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ أَنَّ المأمورَ لا يبلغه.
стр. 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فَمِنَ القسم الأَوَّلِ: أنَّه قد تَقَرَّرَ أَنَّ المنع من الترك جُزْءٌ من الواجب، فإِذن كُلُّ واجبٍ لا يسوغُ تَرْكُهُ، وَعَكْسُ نَقِيضِهِ؛ وكُلُّ ما يَسُوغُ تَرْكُهُ لَيس بِواجبٍ.
[ما ينبني على هذه القضية]:
وانبنى على هذه القضية مسألتان:
المسألة الأولى:
فسادُ قولِ مَنْ زعم: أَنَّ الحائِضَ مُخَاطَبَةٌ بالصَّوْمِ؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهو خطابٌ لِلْمُكَلَّفِينَ، ووجوبُ القَضاءِ بحسب الفائِتِ يُؤَيِّدُهُ.
وما ذكروه مُتَنَاقِضٌ؛ فَإِنَّ الحائِضَ يَسُوغُ لها التَّرْكُ، بل يَحْرُم عليها الفِعْلُ، فلا يجتمعان.
وما ذكروه مِنَ الدَّلائِلِ ظَاهِر فلا يُعَارِضُ القَطْعَ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْويلُها.
المسألة الثانية:
قول الكعبيِّ: كُلُّ مُبَاحٍ واجبٌ؛ إذْ ما مِنْ مُبَاح إلَّا ويتْرَكُ بفعله حرامٌ، وتَرْكُ الحرامِ واجبٌ، ومَا لا يُتَوَصَّلُ إلى الواجب إلَّا بِهِ- فهو واجب.
وما ذَكَرَهُ جَمْعٌ بين النقيضين؛ فَإِنَّ الواجِبَ لا يُسُوغُ تَرْكُهُ، والمُبَاحَ يسوغُ تركُهُ، وقد رُدَّ بمخالفة الإجماعِ من ثلاثة أوجه:
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَوَّلُ أنَّه يلزم منه رَفْعُ المُبَاحِ من الشريعة، وهو خِلَافُ الإِجماع.
الثاني: يلزمه أَنَّ كُلَّ مندوب واجِبٌ لِعَينِ ما ذُكِرَ، وهو خلافُ الإِجماع.
الثالث: أنَّه إذا تَرَكَ مُحَرَّمًا بفعلِ مُحَرَّمٍ آخرَ، يلزمه وجُوبُ المُحَرَّمِ من حيثُ إنه تَرْكُ مُحَرَّمٍ، وهو خلاف الإِجماع.
والحَقُّ: أنَّه إن عَنَى أَنَّ الفِعْلَ واجب من حيثُ أُبِيحَ؛ فهو مُتَنَاقِضٌ، وإنْ عَنَى أَنَّ المُبَاحَ بحسب ذاتِهِ، لا يمتنع أَنْ يكونَ وسيلةً من وَجْهٍ إِلى تَرْكِ مُحَرَّمٍ، فيكونُ واجبًا من هذا الوجه، ولا تناقُضَ.
وَمَتَى سَلَّمُوا له: أَنَّ الأمرَ بالشيءِ أَمْرٌ بما لا يَتِمُّ إلَّا به، وأَنَّ التخييرَ لا يُنَافِي الوُجُوبَ- لَزِمَهُم عَين ما ذكره.
فلا خلاصَ لهم إلَّا بمنعِ قاعدةِ: أَنَّ ما لا يُتَوَصَّلُ إِلَى الواجِبِ إلَّا به فهو واجب.
وأمَّا فِعْلُ المحظورِ، فله أَنْ يُقَيِّدَ دَعْوَاهُ فيقولُ: مَعَ إِطْلَاقِ الفِعْلِ.
وَمِمَّا اختلفوا فيه:
قال القاضي: الوجوبُ لا يَتَوَقَّفُ على العِقَاب على التَّرْكِ، خلافًا للمعتزلة، وساعدهم الإمامُ والغَزالِيُّ.
واحتج القاضي: بأن الثوابَ والعقابَ مِنْ ثَمَرَاتِ الإِيجَابِ، فلا يَدْخُلَانِ فِي ماهِيَّتِهِ، ولا يَستَلْزِمُهُمَا عقلًا؛ بل كُلُّ ثوابٍ من الله تعالى فَضْلٌ، وكُلُّ عقاب منه عَدْلٌ، واللُّزُومُ بالشرْعِ.
فقال بِنَاءً على هذه القاعدة: لَو قُدِّرَ ورود الأَمْرِ الجازِمِ من الله تعالى بدون الثواب والعقاب- لَتَحَقَّقَ الوُجُوبُ.
والمعتزلة يمنعون ذلك؛ بناءً على التحسينِ والتقبيحِ العقليين.
وقد اختار الإمامُ فِي مسألة التحسين والتقبيح فِي "البرهان": مُوَافَقَةَ الأشْعَرِيَّةِ من وَجْهٍ، والمعتزلَةِ من وَجْهٍ:
فقال: إِن العُقُولَ لا تُحَسِّنُ ولا تُقَبِّحُ فِي حُكْمِ الباري تعالى؛ لاستواءِ الأفعالِ بالنسبة إليه، فوافق الأشعريَّةَ فِي هذا الطرف.
وقال: إِن العَقْلَ يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ بالنسبة إِلَى أَفْعَالِ العِبَادِ؛ فَإنَّ مَدَارَهَا على النفع والضر.
قال: وتمامُ القولِ فِي ذلك: أنَّه لو قُدِّرَ وُرُودُ أَمْرٍ من الشارع من غَيرِ تَعَلُّقِ نَفْعٍ، ولا ضُرٍّ، ولا ثواب، ولا عقابٍ- لم يَقْضِ العَقْلُ بوجوبِهِ. وَسَاعَدَهُ الغزالِيُّ على هذا الفرع.
ورد صاحبُ الكتاب عليه: بأنه يكفي فِي تَرْجِيحِهِ الذَّمُّ.
وَرَدَّ على المعتزلة: بأن العَفْوَ من الله تعالى مَأمُولٌ.
стр. 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والرَّدَّانِ ضعيفان:
أما الأَوَّل: فإِنَّ الذَّمَّ نَوْعٌ من العِقَابِ العَاجِلِ، وهو خلافُ ما فَرَضَهُ القاضي.
أما الثاني: فلأن العَفْو يستدعي استحقاقَ العقابِ، فقد سَلِمَ تَعَلُّقُهُ به.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: أَنَّ المَنْدُوبَ مأمورٌ به أو لا؟
فذهب القاضي إِلى أنَّه مأمور به؛ لأَنَّ فِعْلَهُ طَاعَةٌ، والطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الأَمْرِ.
وَاعْتُرِضَ عليه: بأنه لا يَعْصِي بِتَرْكِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ العِصْيَانَ اسمُ ذَمٍّ؛ فلا يُطْلَقُ على تَارِكِهِ.
قالوا: والخِلَافُ لَفْظِيٌّ.
والتحقيقُ: أنَّه ليس بلفظِيٍّ؛ فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَأمُورٌ، فَإذَا وَرَدَ فِي الأَخْبَارِ: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ بكذا، أو أُمِرْنَا بكذا - لم يَتَعَيَّن الوجوبُ إلا بقرينة، وإِنْ لم يكن مَأْمُورًا تَعَيَّنَ الوُجُوبُ، فتظهرُ ثَمَرَةُ الخِلَافِ؛ قاله المَازِرِيُّ.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: معنى التَّكْلِيفِ:
قال القاضي: هُوَ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فيه الواجِبُ، والمُحَرَّمُ، وَالْمَنْدُوبُ، والمَكْرُوه.
وقال الإمامُ: هو إِلْزَامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ؛ فَإِنَّ التكليفَ يُشْعِرُ بتطويق المَشَقَّةِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِيمَا جُعِلَ زِمَامُ الخَيرِ فِي تَركه إلى المُكَلَّفِ.
والقاضي يقول: إِنَّ رَبْطَ الثَّوَابِ بِفِعْلِهِ يَحْمِل العاقِلَ على فِعْلِهِ، والخِلَافُ فيه لَفْظِيٌّ.
وَأَمَّا الإِبَاحَةُ فليس من التكليف.
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الأُستاذُ أبو إسحاق: هي من التكليف.
قال الإِمامُ: وَعُدَّت مِن هَفَوَاتِهِ.
وَلَمَّا رَجَعَ فِي ذلك، فَسَّرَهُ باعتقادِ أَنَّهَا من الشرعِ، ولا خِلَافَ فِي أَنَّ اعتقادَ أَنَّها من الشرع واجبٌ، إِذا فُسِّرَتْ بتسوية الثارع بين الفعلِ والتركِ؛ وإنَّمَا الخلافُ فِي نفس الإِبَاحَةِ.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: أَنَّ الإِباحةَ حُكمٌ شَرْعيٌّ أو لا؟
والصحيح: أَن ما أُخِذَ من خطابِ التَّسْويَةِ، فهو حُكْمْ شَرْعِيٌّ، وَرَفْعُهُ نَسْخٌ، وما أُخِذَ من البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، فليس بِحُكْمِ شرعيٍّ، ورَفْعُهُ ليس بنسخٍ.
ومِمَّا ذكر نيه: أَنَّ الأمْرَ بالأمرِ بالشيءِ، لا يكون أمرًا بذلك الشيءِ؛ لاختلاف المُتَعَلَّقِ؛ فَإن الأَمْرَ الأَوَّلَ: مُتَعَلَّقُهُ الأَمْرُ، والثَّاني: مُتَعَلَّقُهُ الفِعْلُ، وليس هو عَينَهُ، ولا من ضروراته.
احتج المُخَالِفُ: بأَنَّ أمْرَ اللهِ تعالى رَسُولَهُ بِأَمْرِهِ لنا - أَمْرٌ لنا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلك معلوم من قَاعِدَةِ التبليغ، لا من إِشعَارِ اللفظ.
هذا مِمَّا أغفله من القسم الأول.
وأمَّا القسم الثاني: فَمِمَّا أَسْقَطَهُ من المسائل المعنويَّةِ، مسائِلُ:
المسألة الأولى:
قالتِ الأَشْعَرِيَّةُ: الباري تعالى آمِرٌ فِي الأَزَلِ، والمَعْدُومُ مَأمُورٌ على تقديرِ الوجودِ، وشرط مُؤاخذته به البُلُوغُ إِليه.
وخالفهم سَائِرُ الفِرَقِ، ومعنى قولهم: "على تقدير الوجود": أَن مَنْ عَلِمَ الله -تعالى- أنَّه سَيُوجِدُهُ مُسْتَجْمِعًا لشرائِطِ التكليفِ، وأراد تكليفَهُ؛ فإن بَدْأَتَهُ تعالى فِي الأزل طلبًا، متعلقه إيمانُهُ فِي ذلك الوقت مثلًا.
والحاصل: أنَّه يجوز وجودُ الآمِرِ مع عَدَمِ المَأْمُورِ.
وقَرَّبَ الشَّيخُ مَذْهَبَهُ بمثالٍ، فقال: إِنَّ المَلِكَ الْعَظِيمَ المستولى على الأقاليم قد يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أمرًا لِمَنْ يُعَدُّ من نُوَّابِهِ، وَيَكْتُبُ بذلك إِليه، ولا يَصِلُ إِليه إلا بَعْدَ المُدَّةِ الطويلَةِ، ويكونُ مُؤَاخَذًا بِمُقْتَضَاهُ، مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والذَّمْ بشرط البلوغ.
ولا يُقَالُ: إنه إِنما أمره عِنْدَ البُلُوغ إليه؛ فَإِنَّ الآمِرَ قد يكونُ عند البلوغِ على حَالٍ لا يَصِحُّ الأَمْرُ منه من نِسْيَانٍ أَوْ نَوْمٍ.
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتجَّ صاحِبُ الكتابِ وغيرُهُ بِمَسْلَكَينِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّا فِي زَمانِنَا هذا مَأْمُورُونَ بأمرِ الرسولِ ﷺ فَقَدْ وُجِدَ أَمْرُهُ ﵊ مَعَ عَدَمِنَا.
الثَّانِي: أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ صَادِقٌ بأنه سَيُوجَدُ لَهُ وَلَدٌ، فَإنَّهُ قد يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يأْمُرُهُ بتعلُّمِ العِلْمِ وغيره، وعند وُجُودِهِ وَبُلُوغِ ما عَهِدَ به إِليه- يكون مطيعًا بفعل ذلك.
قال الإِمامُ: ولا أرى ذلك أمرًا حَقًّا، بل ذلك تقريرُ الأمرِ.
وأمَّا أَمْرُ رسولِ الله ﷺ لنا فقد قيل: إِنَّا مأمورونَ الآنَ بأمرِ الله تعالى، وهو مَوْجُودٌ، والرسولُ ﷺ مُبَلِّغٌ لنا بواسطة النَّقْلِ عنه.
ونُقِلَ عن القَلَانِسِيِّ، وعبدِ الله بنِ سعيدٍ من أصحابنا: أَنَّ الباري -تعالى- مُتَكَلِّمٌ فِي الأَزَلِ، ولا يُوصَفُ بكونِهِ آمِرًا وناهيًا إلا عند وُجُودِ المأمورِ والمَنْهِيِّ.
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعُدَّ ذلك من صِفَاتِ الأفعالِ، كوصفه تعالى بأنه: خالق، ورازق.
وَاسْتُضْعِفَ: بِأَنَّ وُجُودَ كَلَامٍ لا يَتَخَصَّصُ بخاصِّيَّةِ أَمْرٍ، ولا نَهْيٍ، ولا خَبَرٍ، ولا غَيرِ ذلك من الخُصُوصِيَّاتِ- يَلْزَمُ منه وُجُودُ المُطْلَقَاتِ فِي الأَعْيَانِ، وأَنَّهُ مُحَالٌ.
ولو جاز وُجُودُ ذلك، لجاز وُجُودُ صِفَةٍ مُطْلَقَةٍ غَيرِ مُتَخَصصَةٍ من عِلْم، أو قُدْرَةٍ أو غيرِ ذلك، ثم تصير قدرةً، وعلمًا، وإرادةً، وأنه محال.
وأَوَّلَ بَعْضُ الأصْحَابِ كَلَامَهُمَا؛ لِعِظَمِ هذا الإِشْكَالِ، بأنَّهُمَا أَرادا أنَّهُ لا يُسَمَّى آمرًا ولا ناهيًا إلَّا عند وُجُودِ المأمورِ، والمَنْهِيِّ، كما لا يُسَمَّى خِطَابًا إلَّا عند وجودِ المُخَاطَب.
واحتجَّ المعتزلَةُ: بِأَنَّ الأَمْرَ من الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ، فالأمر يستدعي مأمورًا، والمأمورُ لا يكونُ إلا حادثًا ممكنًا، ولا مُمْكِنَ فِي الأَزَلِ، فلا أَمْرَ فِي الأزل.
قالوا: ولا فَرْقَ بَينَ عَدَمِ التَّعَلُّقِ، والتَّعَلُّقِ بِالعَدَمِ.
وقالوا: لو أَنَّ شخصًا جَلَسَ فِي بيته وَحْدَهُ يأمر، وينهي، وَيُخْبِرُ- لَعُدَّ ذلك سَفَهًا، واختلالًا، والباري يَتَعَالى عَن مِثلِ ذلك.
قال الإِمام: والمعطلة ألزمونا تقرر أمر آمر، ولا مأمور.
وما ذكروه يَبْطُلُ باتِّصَافِ الباري -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بكونه تعالى قادرًا فِي الأَزَلِ بالاتفاقِ، والقَادِرُ يَسْتَدْعِي مَقدُورًا، والمقدورُ لا يكون إلا حادثًا ممكنًا، ولا مُمْكِنَ فِي الأَزَلِ.
ويُلْزِمُ الإِمَامُ ذلك فِي جَمِيع الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ فِي الأَزَلِ، بما سيكونُ؛ كالإرَادَةِ، والسَّمْعِ، والبَصرِ.
وقولهم: لا فَرْقَ بين عَدَمِ التَّعَلُّقِ، والتَّعَلُّقِ بالعَدَمِ يَبْطُل بالمأمورِ بِهِ، فَإنَّ شَرْطَهُ أَنْ يكونَ معدومًا، وإِلَّا كانَ طَلَبًا بتحصيلِ الحاصِلِ. وما ضَرَبُوه مِن مثالٍ غَيرُ مُطَابِقٍ، بَلِ المُطَابِقُ: أنَّ مَنْ جَلَسَ فِي بَيتِهِ وَحْدَهُ يُقَرِّرُ مواعظ وحِكَمًا، وأمثالًا، وَيَضَعُهَا؛ لِيَأْتَمِرَ بها وَيَنْزَجِرَ بها مَنْ سَيَقِفُ عليها مِمَّنْ سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلك، فَإنَّهُ يُعَدُّ حكيمًا، والعَقْلُ يَسْتَحْسِنُهُ.
المسألة الثانية: الفِعْلُ حَال حُدُوثِهِ مَأمُورٌ بِهِ
وقالت المُعْتَزِلَةُ: إِنَّما يكونُ مأمورًا قَبْلَ وُجُودِهِ، وَعِنْدَ وُجُودِهِ يَنْفَكْ التَّعَلُّقُ، وساعدَهم الإمامُ.
والمسألة مَبْنِيَّة علي وقتِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ:
стр. 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعند الأَشْعَرِيَّةِ: الاستطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ؛ لأنَّ الإعراضَ عندهم لا ينفي، فالفعل مَقْدُورٌ حال الوجودِ، فيكونُ مأمورًا.
وعند المعتزلة: الفعل حَال الوجودِ حَاصِلٌ، وتحصيلُ الحاصِلِ مُحَالٌ، فالقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ به قَبْلَ حُصُولِهِ، وَحُدُوثُهُ بالفعلِ لا بالقدرة، والصلاحِيةِ.
وألزموا: أَنَّ قَبْلَ الحُدُوثِ: القدرةُ حَاصِلَةٌ، ولا مقدورَ.
وعِنْدَ الحُدُوثِ: المقدورُ حَاصِلٌ، ولا قُدْرَةَ، فَيَلْزَمُ: مُؤَثِّرٌ بالفعلِ ولا أَثَرَ، وأثَرٌ بالفعل ولا مُؤَثِّر.
وقد نَقَضُوا ذلك فِي العِلَّةِ والمعلولِ؛ كالعلم والعَالمِيَّةِ الحَادِثَةِ، وَسَلَّمُوا أَنَّ المعلولَ يُوجَدُ مع العِلَّةِ، ويكونُ أَثَرًا لها حَال وُجُودِه.
قال الإِمامُ: الأمرُ طَلَبٌ، وطلبُ الحاصِلِ مُحَالٌ.
وعُورِضَ: بأنَّ الواقِعَ حَال الحُدُوثِ منه طَاعَةٌ، والطاعةُ موافَقَةُ الأمرِ؛ [و] إذ لا أمر فلا طاعةَ.
وقوله: "طَلَبُ الحاصِلِ مُحَالٌ" يُوهِمُ بالمُسْتَمِرِّ، فَإنْ عَنَى به: إِنشاء الطَّلَبِ -لِمَا هو كائِنٌ، مُحَالٌ- فَمُسَلَّمٌ، وإِنْ عَنَى: أنَّ استمرارَ الطلبِ عليه حال وقوعه إلى الخروجِ عنه، مُحَالٌ- فهو مَحَلٌّ النزاع.
المسألة الثالثة
قال أصحابُنَا: المأمورُ يُعْلَمُ كونُه مأمورًا قبل التَّمَكُّنِ.
قالت المعتزلة: لا يُعْلَمُ، وساعدهم الإِمامُ.
واحتَجُّوا: بأنَّ التَّمَكُّنَ شَرْطٌ فِي التكليفِ، واحْتمالُ العَجْزِ والموتِ قَائِمٌ، والشَّكُّ فِي الشَّرْطِ شَكٌّ فِي المَشْرُوطِ، وَإنَّما يَغْلِبُ على الظَّنّ دَوَامُ التَّمَكْنِ واستصحاب الحالِ، فَإنْ بَقِيَ إلى حال الامتثالِ، قُطِعَ بكونِهِ مأمورًا، وإنْ لم يَبْقَ، تَبَيَّنَ عَدَمُ الأمرِ.
والمسألة مَبْنِيَّةٌ على: أَنَّ الأمر المُعَلَّقَ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بُلُوغِ المأمورِ إليه- هل يُتَصَوَّرُ أم لا؟
والمعتزلة تمنعُ التَّصَوُّر؛ بِنَاءً على قاعدتين لهم:
إحداهما: أَن المأمورَ به مُرَادٌ، وما عَلِمَ اللهُ تعالى أنَّه يَمْتَنعُ، لا يَصِحُّ إِرادَتُهُ.
الثانية: أنَّه إِنَّما يُؤمَرُ بالفعل؛ لمصلحةٍ تَتَعَلَّقُ بوجودِهِ.
هذِهِ المَسْأَلَةُ من قِسْم النواهي. والنَّوَاهِي: تَشْتَمِلُ على أَحكامٍ مُشْتَركَةٍ بينها وبينَ الأوامرِ، فَاسْتُغْنِيَ عن إِعادتها، وأحكَامٍ تَخْتَصُّ بالنواهي، فَفُرِضَ الكلامُ فيها:
стр. 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فمن المشتركة: أَنَّ النهيَ قِسْمٌ من أقسامِ الكلام؛ كالأمرِ.
стр. 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والخلافُ فِي حَدِّهِ كالخلافِ فِي حَدِّ الأَمْرِ، وهو عندنا: يَرْجِعُ إِلى الطَّلَبِ كالأمر، ولا يُشْتَرَطُ فيه الإِرَادَةُ، ويُطْلَقُ على النَّفْسِيِّ، واللَّهْجِيِّ.
وَهَلْ هو مَقُولٌ عليهما بالاشتراكِ، أو بالحقيقة والمجازِ؟ الخلافُ فيه كما فِي الأمر، ومُطْلَقُهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ على الأَصَحِّ.
واختيارُ صاحبِ الكتابِ أنَّه لا يقتضي كالأمرِ، وقد تَقَدَّمَ الفَرْقُ بينهما.
وإذا كان مُقْتَضَاهُ التَّكْرَارَ، فَمِنْ لازمِهِ الفَوْرُ.
وَيصِحُّ النهيُ عن أَحَدِ الشيئين لا بِعَينِهِ، خلافًا للمعتزلة، كالنهي عن الجَمْعِ بين الأُخْتَينِ، كما يُؤمَرُ بأحدِ الشيئين.
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد تَقَدَّمَ أَنَّ لـ "افْعَلْ" سِتَّةَ عَشَرَ مَحْمَلًا.
وأما "لَا تَفْعَلْ" فقد ذكر الغزاليُّ لها سَبَعَةَ مَحَامِلَ:
الأَوَّل: التَّحْرِيمُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
الثاني: التَّنْزِيهُ؛ كقوله ﵊ لعائشةَ ﵂ وقد شَمَّسَتْ مَاءً لِلوُضُوءِ: "لا تَفْعَلِي هذَا".
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثالث: الدُّعَاءُ؛ كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
الرابع: التَّأدِيبُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
الخامس: التحْقِيرُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١].
السادس: اليَأسُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦].
السابع: بَيَانُ العَاقِبَةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
والخلاف فِي مُطْلَقِ "لا تفعل" كالخلاف فِي مُطْلَقِ "افعل":
فمذهبُ الفقهاءِ، واختيارُ المُصَنِّفِ: أَنَّها ظَاهِرَةٌ فِي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَظَاهِرُ الأمر للوُجُوبِ بِالدَّلَائِلِ السابقة.
وَأَمَّا الأحكامُ المُخْتَصَّةُ فمنها:
أَنَّ الوَاحِدَ بِالشَّخْصِ لا يكون مأمورًا به مَنْهِيًّا عنه؛ حلالًا حرامًا، من جهة واحدة؛ فَإِنَّ أدنى دَرَجَاتِ الأمرِ رَفْعُ الحَرَجِ، والنَّهْيُ يُثْبِتُهُ؛ فالجَمْعُ بينهما مُتَنَاقِضٌ، إلا إِذا جُوِّزَ التكليفُ بالمُحَالِ، وليس التَّفْرِيعُ عليه.
وأما الواحِدُ بالجِنْسِ أو النَّوْع، فلا يَمْتَنِعُ انْقِسَامُهُ إِلى مأمورٍ مَنْهِيٍّ؛ كالسجودِ لِلَّهِ تعالى، والسُّجُودِ لِلصَّنَمِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧].
وَتَوَهَّمَ أَبُو هاشم التَّنَاقُضَ؛ فَرَدَّ النهيَ إلى القَصْدِ، وقال: يَعْصِي بِقَصْدِ سُجُودِهِ لِلصَّنَمِ خَاصَّةً، ولم يَنْتَهِ إِلى أنَّه قد يَجِبُ لأَحَدِ النوعينِ ما يستحيلُ على النوعِ الآخرِ باعتبارِ اختلافِ الفُصُولِ، وقد يَخْتَصُّ أَحَدُ الشخصينِ بما يَمْتَنِعُ على الآخرِ مع الاشتراكِ النَّوْعِيِّ؛ بسبب إِضافَةٍ، أو مَحَلٍّ.
أمَّا الوَاحِدُ بالشَّخْصِ المُتَعَدِّدِ بالجهة، فهو مَحَلُّ البَحْثِ.
ومسألة الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ المغصوبَةِ مِثَالٌ لهذا الأصلِ، لا أَنَّها مَقْصُودَةٌ فِي نفسها؛ فَإنَّ البَحْثَ فيها فَرْعِيٌّ.
وَحَظُّ الأُصُولِ: أنَّه مَتَى تَعَدَّدَتِ الجِهَةُ وأمكن انفكاكُ إِحْدَاهِمَا عنِ الأُخْرَى فِي العَقْلِ والوجود، ولم تَكُنْ إحداهما فِي وُجُودِهَا من ضرورة الأُخْرَى- فلا يَمْتَنِعُ الحُكْمُ على إِحْدَاهِمَا بالأَمْرِ، وعلى الأُخْرَى بالنهي، وإلَّا فلا.
стр. 248
الْمَسْألَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ
الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغصُوبَةِ غَيرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَنَا؛ خِلَافًا لِلْفقَهَاءِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الآتِيَ بِهَا لَا يُؤمَرُ بِالْقَضَاءِ- قُلْنَا: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ هذَا الإِجْمَاعُ- وَهُوَ الأَصَحُّ- أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ.
===
وأما مسألة الصلاةِ فِي الدارِ المَغْصُوبَةِ، فَلِلْعُلَمَاءِ فيها ثَلاثَةُ مَذَاهِبَ:
الأَوَّلُ: أَنَّهَا صحيحة مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو مذهب أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ.
الثَّاني: أَنَّها غَيرُ صحيحةٍ، ولا مُسْقِطَةِ للقضاءِ، وهو مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وأكثرِ المتكلمينَ، وأبي هَاشِمٍ من المعتزلة.
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثَّالِث أَنَّهَا غَيرُ صحيحةٍ، لَكِنَّها مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو قولُ القاضي، واختيارُ صاحب الكتاب ها هنا.
стр. 250
لَنَا: أَنَّ الصَّلَاةَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أُمُورٍ، مِنْهَا: الْقِيَامُ، وَالْقُعُودُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَهذِهِ الأشْيَاءُ: إِمَّا حَرَكَاتٌ، وَإِمَّا سَكَنَاتٌ، وَالْحَرَكَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الأَوَّلِ فِي الْحَيِّزِ الثَّانِي، وَالسُّكُونُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الثَّانِي فِي الْحَيِّزِ الأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي الحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا جُزْءَانِ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَجُزْءُ الجُزْءِ جُزءٌ.
فَالْحُصُولُ فِي الْحَيِّزِ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي هذَا الْحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ
===
وقوله: "إِنْ لم يَصِحَّ هذا الإِجْمَاعُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. أوجبنا القضاءَ".
وَجْهُ تضعيفِ الإِجماعِ: أَنَّ مُسْتَنَدَ القاضي فيه، أَنَّ السَّلَفَ ﵃ لم يَأْمُرُوا الغُصَّابَ بإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وقَضَائِهَا.
ونَقْلُ الإِجْمَاع بهذا الطريقِ ضَعِيفٌ، وَدَعْوَى الإِجْمَاع مع مُخَالفَةِ أَحْمَدَ، مع شِدَّةِ بَحْثِهِ عن النَّقْلِيَّاتِ- بَعِيدٌ أيضًا.
وَقوْلُ القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ عِنْدَهَا، لَا بِهَا - بَعِيدٌ؛ فَإنَّ مُسْقِطَات الفَرْضِ مَحْصُورَةٌ من نسخ أو عَجْزٍ، أو فِعْلِ غيرِها؛ كما فِي فَرْضِ الكفاية، وليس هذا منها؛ فهو دَعْوَى مسقط لا دَلِيل عَلَيهِ.
قوله: "إِن الصلاة ماهية مركبة .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَنَّ الكَوْنَ مِن أجزاءِ الصلاة، وهو مَنْهِيٌّ عنه، والأمْرُ بالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِجُمْلَةِ أجزائِهَا؛ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الأمْرِ والنهي على الكَوْنِ الواحِدِ.
следующие страницы →