← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثالث: الدُّعَاءُ؛ كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. الرابع: التَّأدِيبُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. الخامس: التحْقِيرُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]. السادس: اليَأسُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]. السابع: بَيَانُ العَاقِبَةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والخلاف فِي مُطْلَقِ "لا تفعل" كالخلاف فِي مُطْلَقِ "افعل": فمذهبُ الفقهاءِ، واختيارُ المُصَنِّفِ: أَنَّها ظَاهِرَةٌ فِي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَظَاهِرُ الأمر للوُجُوبِ بِالدَّلَائِلِ السابقة. وَأَمَّا الأحكامُ المُخْتَصَّةُ فمنها: أَنَّ الوَاحِدَ بِالشَّخْصِ لا يكون مأمورًا به مَنْهِيًّا عنه؛ حلالًا حرامًا، من جهة واحدة؛ فَإِنَّ أدنى دَرَجَاتِ الأمرِ رَفْعُ الحَرَجِ، والنَّهْيُ يُثْبِتُهُ؛ فالجَمْعُ بينهما مُتَنَاقِضٌ، إلا إِذا جُوِّزَ التكليفُ بالمُحَالِ، وليس التَّفْرِيعُ عليه. وأما الواحِدُ بالجِنْسِ أو النَّوْع، فلا يَمْتَنِعُ انْقِسَامُهُ إِلى مأمورٍ مَنْهِيٍّ؛ كالسجودِ لِلَّهِ تعالى، والسُّجُودِ لِلصَّنَمِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧]. وَتَوَهَّمَ أَبُو هاشم التَّنَاقُضَ؛ فَرَدَّ النهيَ إلى القَصْدِ، وقال: يَعْصِي بِقَصْدِ سُجُودِهِ لِلصَّنَمِ خَاصَّةً، ولم يَنْتَهِ إِلى أنَّه قد يَجِبُ لأَحَدِ النوعينِ ما يستحيلُ على النوعِ الآخرِ باعتبارِ اختلافِ الفُصُولِ، وقد يَخْتَصُّ أَحَدُ الشخصينِ بما يَمْتَنِعُ على الآخرِ مع الاشتراكِ النَّوْعِيِّ؛ بسبب إِضافَةٍ، أو مَحَلٍّ. أمَّا الوَاحِدُ بالشَّخْصِ المُتَعَدِّدِ بالجهة، فهو مَحَلُّ البَحْثِ. ومسألة الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ المغصوبَةِ مِثَالٌ لهذا الأصلِ، لا أَنَّها مَقْصُودَةٌ فِي نفسها؛ فَإنَّ البَحْثَ فيها فَرْعِيٌّ. وَحَظُّ الأُصُولِ: أنَّه مَتَى تَعَدَّدَتِ الجِهَةُ وأمكن انفكاكُ إِحْدَاهِمَا عنِ الأُخْرَى فِي العَقْلِ والوجود، ولم تَكُنْ إحداهما فِي وُجُودِهَا من ضرورة الأُخْرَى- فلا يَمْتَنِعُ الحُكْمُ على إِحْدَاهِمَا بالأَمْرِ، وعلى الأُخْرَى بالنهي، وإلَّا فلا.

стр. 248

الْمَسْألَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغصُوبَةِ غَيرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَنَا؛ خِلَافًا لِلْفقَهَاءِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الآتِيَ بِهَا لَا يُؤمَرُ بِالْقَضَاءِ- قُلْنَا: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ هذَا الإِجْمَاعُ- وَهُوَ الأَصَحُّ- أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ. === وأما مسألة الصلاةِ فِي الدارِ المَغْصُوبَةِ، فَلِلْعُلَمَاءِ فيها ثَلاثَةُ مَذَاهِبَ: الأَوَّلُ: أَنَّهَا صحيحة مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو مذهب أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ. الثَّاني: أَنَّها غَيرُ صحيحةٍ، ولا مُسْقِطَةِ للقضاءِ، وهو مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وأكثرِ المتكلمينَ، وأبي هَاشِمٍ من المعتزلة.

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والثَّالِث أَنَّهَا غَيرُ صحيحةٍ، لَكِنَّها مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو قولُ القاضي، واختيارُ صاحب الكتاب ها هنا.

стр. 250

لَنَا: أَنَّ الصَّلَاةَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أُمُورٍ، مِنْهَا: الْقِيَامُ، وَالْقُعُودُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَهذِهِ الأشْيَاءُ: إِمَّا حَرَكَاتٌ، وَإِمَّا سَكَنَاتٌ، وَالْحَرَكَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الأَوَّلِ فِي الْحَيِّزِ الثَّانِي، وَالسُّكُونُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الثَّانِي فِي الْحَيِّزِ الأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي الحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا جُزْءَانِ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَجُزْءُ الجُزْءِ جُزءٌ. فَالْحُصُولُ فِي الْحَيِّزِ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي هذَا الْحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ === وقوله: "إِنْ لم يَصِحَّ هذا الإِجْمَاعُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. أوجبنا القضاءَ". وَجْهُ تضعيفِ الإِجماعِ: أَنَّ مُسْتَنَدَ القاضي فيه، أَنَّ السَّلَفَ ﵃ لم يَأْمُرُوا الغُصَّابَ بإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وقَضَائِهَا. ونَقْلُ الإِجْمَاع بهذا الطريقِ ضَعِيفٌ، وَدَعْوَى الإِجْمَاع مع مُخَالفَةِ أَحْمَدَ، مع شِدَّةِ بَحْثِهِ عن النَّقْلِيَّاتِ- بَعِيدٌ أيضًا. وَقوْلُ القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ عِنْدَهَا، لَا بِهَا - بَعِيدٌ؛ فَإنَّ مُسْقِطَات الفَرْضِ مَحْصُورَةٌ من نسخ أو عَجْزٍ، أو فِعْلِ غيرِها؛ كما فِي فَرْضِ الكفاية، وليس هذا منها؛ فهو دَعْوَى مسقط لا دَلِيل عَلَيهِ. قوله: "إِن الصلاة ماهية مركبة .. " إلى آخره: الحَاصِلُ: أَنَّ الكَوْنَ مِن أجزاءِ الصلاة، وهو مَنْهِيٌّ عنه، والأمْرُ بالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِجُمْلَةِ أجزائِهَا؛ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الأمْرِ والنهي على الكَوْنِ الواحِدِ.

стр. 251

هذِهِ الصَّلاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْمُطلَقُ في مُقَابَلَةِ الْمُطلَقِ، وَالمُقَيَّدُ في مُقَابَلَةِ المُقَيَّدِ. إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الصَّلاةُ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَنهِيٌّ عَنها، وإذَا كَانَ أَحَدُ أَجْزَاءَ الْمَاهِيَّةِ مَنهِيَّا عَنهُ - امْتَنَعَ وُرُودُ الأمرِ بِتِلكَ المَاهِيَّةِ؛ وإلَّا لَزِمَ تَوَارُدُ الأَمرِ وَالنَّهيِ عَلَى الشيءِ الْوَاحِدِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَثَبَتَ أَن هذَا الْمُكَلَّفَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ وبِمَا يَأتِي بِمَا أُمِرَ بِهِ، وإن لَمْ يَأتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَبْقَى في الْعُهْدَةِ. أَمَّا الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ هذِهِ الصَّلاةِ، فقَالُوا: كَوْنُ هذَا الفِعْلِ صَلاةَ: جِهَةٌ مُغَايِرَة لِكَوْنِهَا غَصْبًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ تَنْفَكُّ عَنِ الغَصْبِ، وَالْغَصبَ قَد يَنفَكُّ عَنِ الصَّلاةِ؛ فَهذَانِ أَمْرَانِ مُتَبَايِنَانِ؛ فَلَا يَبعُدُ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا مِن حَيثُ إِنَّها صَلاةَ، وَمَنهِيَّا عَنْهَا مِنْ حَيثُ إِنَّها غَصبٌ. وَاعْلَمْ: أَنَّ هذَا الكَلامَ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَينِ: الأَوَّلُ: أَن الصَّلاةَ المُطْلَقَةَ جُزءُ مَاهِيَّتِهَا الحُصُولُ في الْحَيِّزِ المُطلَقِ، وَهذِهِ الصَّلاةُ المُعَيَّنَةُ جُزْءُ مَاهِيَّتِهَا الْحُصُولُ في هذَا الْحَيِّزِ الْمُعَيَّنِ. وَالنزَاعُ مَا وَقَعَ في أنَّ الصَّلاةَ المُطْلَقَةَ، هَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا - وإنَّمَا وَقَعَ في أَن الصَّلاةَ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ هَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا؟ ! وهذِهِ الصَّلاةُ مِنْ حَيثُ إِن جُزْءَ مَاهيَّتِهَا هُوَ شَغلُ هذَا الْحَيِّزِ المُعَيَّنِ، فَلَمَّا كَانَ هذَا === قوله: "والمُطلَقُ في مُقَابَلَةِ المطلقِ، والمُقَيَّدُ في مقابلة المقيد"- يُشِيرُ إلى دَفعِ مَأخَذِ الفُقَهَاءِ في تعديد الجِهَةِ لِدَفع التَّنَاقُضِ بقولهم: إنَّ جُزْءَ الصَّلاةِ مُطلَقُ الكَونِ، لا الكون المغصوبِ، فَأشَارَ إِلى أنَّ مُطلَقَ الكونِ جُزءُ مُطلَقِ الصَّلاةِ، والكَونَ المغصوبَ جُزءُ الصَّلاةِ الغصبية، وهو مَحَلُّ النزاعِ. وبذلك أجابَ ثانيًا، ثم تَنَزَّلَ، وقال: ولو سَلَّفنَا تَعَدُّدَ الجهة، إلَّا أَن شَرطَ رَفع التناقُضِ؛ أَلَّا يكونَ من ضَرُورَاتِ الشيءِ ولوازِمِهِ؛ فَإنَّ الأَمرَ بِغَسلِ الوجه، مع مَنعِ أَخْذِ جزءٍ مَن الرأس- يُفضِي إِلى التَّنَاقُضِ، وَيَمتَنِعُ انفكاكُ الصلاةِ في الدَّارِ المغصوبة عنِ الكون المغصوب. ومُستَنَدُ الفُقَهَاءِ: أَن مَاهِيَّةَ الغَضب مُنفَكَّةٌ عن مَاهِيَّةِ الصلاة في الوجود الذِّهنِيِّ والعَينِى معًا؛ فَإنَّ حقيقةَ الغَضبِ: الاستيلاءُ على مِلْكِ. الغَيرِ بغَيرِ إِذْنٍ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ خُصُوصُ المكان، والصلاةُ تستلزِمُ مُطلَقَ المكانِ لا خُصُوص مكانٍ؛ بدليل صِحَّةِ الأمرِ بها مع الذُّهُولِ عن خُصُوصِياتِ الأمكنة؛ والمَأمُورُ بِهِ لا بُدَّ أَن يكونَ مشعورًا به للآمِرِ.

стр. 252

الشَّغلُ حَرَامًا - امْتَنَعَ كَوْنُ هذِهِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنهُ وَمِنْ غَيرِهِ: مَأمُورًا بِهَا. الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ ذلِكَ الفِعْلِ صَلاة وَكَوْنَهُ غَصْبًا - وَجهَانِ مُتَبايِنَانِ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ بَينَهُمَا مُلازَمَةٌ، أَوْ لَا يَحْصُلَ: فَإن كَانَ الأَوَّل، فَحِينَئِذٍ: لَا يُمْكِنُ إِيجَاد الشَّيءِ، إلَّا مَعَ إِيجَادِ لازِمِهِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ. وإن كَانَ الثَّانِي، فَحِينَئِذٍ: وَجَبَ أَن يُمْكِنَهُ الإِتيَانُ بِالصَّلاةِ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ، مُنْفَكَّة عَنِ الإِتْيَانِ بِالغَصْبِ؛ وَمَعْلُومْ أَنهُ بَاطِلٌ. === وإذَا خرجتِ الخُصُوصِيَّاتُ في الأمرِ والنَّهي، أمكَنَ الجَمعُ بين كونِهِ مُطِيعًا من وَجْه، وعاصيًا من وَجهٍ، ومَثَّلُوهُ: بما لو أمَرَهُ بِكَسرِ آنيةٍ، وَنَهَاهُ عن كَسر الأُخرَى، فَكَسَر إحداهما بالأُخرَى؛ فإنه يُعَدُّ مطيعًا عاصيًا، ، وكذلك لو صَلَّى في ثوب مغصوب، أو حرير صَحَّت صَلاتُهُ، مَعَ أَن السِّترَ من شَرَائِطِ الصَّلاةِ، وما ذاك إلَّا أَن خُصُوصَ ما به السِّترُ لم يَدخُل في الأمر، فَصَحَّ أَن يكونَ مَنهِيًّا عَن بَعضِ الخُصُوصِيَّاتِ. وقَرَّرَ بعضُ الأئمة دفعَ التناقضِ، بِنَاء على مسألة: أَن الفِعلَ حال حُدُوثهِ ليس مأمورًا به، فقال: الصلاةُ، والغَصْبُ ماهيَّتَانِ مُنفَكَّتَانِ في التَّعَقُّلِ والوُجُودِ والطلَب، وليس إحداهما من ضروراتِ الأُخرَى، وإنما اتَّحَدَا حال الوُجُودِ، والفِعل حال الوجودِ ليسَ مأمورًا به، ولا مَنهِيًّا عنه؛ لأنه حاصِلٌ، فَحَالُ الاتحادِ لا أَمرَ، وحالُ الأَمرِ لا اتحادَ.

стр. 253

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ الْمُخْتَارُ -عِنْدَنَا-: أَن النَّهْيَ في العِبَادَاتِ يَدُل عَلَى الفَسَادِ، وَفِي الْمُعَامَلاتِ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ: === [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ] لا بُدَّ من تقديم مُقَدِّمةٍ -قبلَ البحث في هذهِ المسألة- في بيان معنى الصِّحَّةِ والفسادِ: فالصِّحَّةُ في العِبَادَاتِ عند المتكلمين: عبارة عن مُوَافَقَةِ الأَمرِ، سَقَطَ القَضَاءُ أو لم يسقط.

стр. 254

أَمَّا الأَوَّلُ: فَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن الفِعلَ الوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَأمُورًا بِهِ وَمَنهِيَّا عَنهُ؛ فَالَّذِي يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنهُ، يَكُونُ مُغَايِرًا لِلمَأمُورِ بِه. === وعند الفُقَهَاءِ: مع شَرطِ إسقَاطِ القَضَاءِ. والفَسَادُ فيها عند الفريقين مقابلاهما على التفسيرين. والصحة في المعاملات: عبارَة عن تَرَتُّبِ أَثَرِ الشيءِ عليه، واعتبارِهِ سببًا بحكم آخر. ولا فَرقَ عند الشافعي -رحمه الله تعالى- بين الفاسد، والباطل.

стр. 255

إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: إِذَا أتَى بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وَاقتَصَرَ عَلَيهِ - كَانَ تَارِكًا لِلمَأمُورِ بِهِ وَتَارِكُ المَأمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَالعَاصِي يَستَحِقُّ العِقَابَ؛ لِقَولِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ === وقال أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى-: الفَاسِدُ هو المَشرُوعُ بِأصلِهِ، دُونَ وَصفِهِ؛ كَبَيعِ الدِّرهَمِ

стр. 256

ورسوله فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وَلَا مَعْنَى لِقَولِنَا: "النَّهيُ في الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ" إِلَّا ذلِكَ. وَأَمَّا الثانِي: فَيَدُلُّ عَلَيهِ: أَنهُ لَا يَمتَنِعُ في الْعُقُولِ أنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: "لَا تَفْعَلْ هذَا الفِعلَ؛ لَكِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَهُ، أَفَادَ الْمِلْكَ". === بالدرهمينِ؛ فَإِنهُ مَشرُوعٌ، مِن حيثُ إِنه بَيعٌ، مَنهِيٌّ عنه؛ لأجل الزِّيَادَةِ، فلو اتَّفَقَا على إِسقاطها، صَحَّ البيعُ. والباطِلُ: ما ليس مشروعًا بأصله، ولا وصفه؛ كبيع المَلاقِيحِ، والمَضَامِينِ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فقد اختلف العُلَمَاءُ في النهي المُطلَقِ، أعني العَارِيَ عنِ القَرَائِنِ: هل يَدُلُّ على الفساد أو لا؟ فذهب أكثرُ الفقهاءِ: إلى أنه يَدُلُّ على الفساد مطلقًا، أعني: في العبادات والتَّصَرُّفَاتِ.

стр. 257

وَالْفَرقُ بَينَ هذِهِ الصُّورَةِ وَبَينَ مَا قَبلَهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالفَسَادِ في الْعِبَادَاتِ: الْبَقَاءُ في عُهدَةِ التَّكلِيفِ، والْمُرَادَ بِالْفَسَادِ في الْمُعَامَلاتِ: هُوَ أَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيهِ أَثَرُهُ، وَقَد بَيَّنَّا أَنَّ

стр. 258

المُقتَصِرَ عَلَى الإِتيَانِ بِغَيرِ المَأمُورِ بِهِ -تَارِكٌ لِلمَأمُورِ بِهِ؛ فَيَكُونُ عَاصِيًا؛ فَيَكُونُ مُستَحِقًا لِلعِقَابِ. === وهؤلاءِ اختلفوا فمنهم مَن قال: يَدُلُّ عليه لُغَة، وهو ضَعِيفٌ؛ إِذ معنى الفساد: سَلبُ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَاللُّغَةُ لا تُفِيدُ ذلِكَ.

стр. 259

أَمَّا الإِتْيَانُ بِالْمَنهِيِّ عَنهُ: فَإنَّهُ لَا يَمنَعُ مِن تَرَتُّبِ أَثَرٍ آخَر؛ فَظَهَرَ الفَرقُ بَينَهُمَا. === ومنهم مَن قال: يَدُلُّ عليه شرعًا.

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واحتجُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَة ﵃ لم يزالوا يحتجُّونَ على الفساد بالنَّهْيِ؛ كَاحْتِجَاجِهِمْ على تحريمِ نكاح المُتعَةِ، .....................

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ونِكَاحِ الشِّغَارِ، وعُقُودِ الرِّبَا وغيرِ ذلك من المَنَاهِي.

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ودَعْوَى أَنَّ ذلك لِقَرِينَةٍ خلافُ الأَصْلِ، وهو كدعوى أَنَّهُم إِنَّمَا عَمِلُوا بخبر الواحد؛ لاقترانِهِ بِقرائِنَ أفادت العِلْمَ. أو أنهم إِنَّما عَمِلُوا بقياسٍ أَمَرَ الشَّرْعُ بالعملِ بعينه. وذهب آخرونَ: إلى أَنَّهُ لا يَدُلُّ على الفساد مُطْلَقًا؛ قالوا: لأنه لو دَلَّ عليه، فَإِمَّا أَنْ يدلَّ عليه بِلَفْظِهِ، وهو باطل بما سبق.

стр. 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أو بمعنا، وهو باطل؛ لأنه لو دَل عليه بمعناه، لما حُكِمَ بِصِحة الصَّلاةِ في الدَّارِ المغصوبة، ولَمُنِعَ نهْيُ الكَرَاهةِ؛ لأن ما يَدُلُّ بمعناه مِنْ شَرطِهِ اللزُومُ. ورُد عليهم: بتعديدِ الجِهةِ. وذهب أبو الحسين البَصرِي من المعتزلة: إلى أنه يَدُل على الفساد في العبادات دون المُعَامَلاتِ، وهو اختيارُ المُصَنفِ. قوله: "والدليل عليه أن الفعل الواحد لا يكون مأمورًا منهيًا عنه .. " إلى آخره: حَاصِلُهُ: أنه إِذا أتى بالمَنهِي عنه فقط، فالمَأتِي به غَيرُ المأمورِ به؛ لأن المَنهِي عنه لا يكونُ مأمورًا به، وإِذا كان المَأتِي به غَيرَ المأمورِ به فلا صِحةَ؛ إِذِ الصحةُ مُوَافَقَةُ الأَمرِ، وإذا انتفتِ

стр. 264

إِذَا عَرَفتَ هذَا، فَنَقُولُ: أَجْمَعُوا عَلَى أن النهيَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لا يُفِيدُ نَفْيَ المِلْكِ فِي جَمِيعِ الصوَرِ، بَل يُفِيدُهُ تَارَةً، وَتَارَة لَا يُفِيدُ [هـ]؛ وَالضابِطُ فِيهِ: أَن المَنْهِي عَنهُ: إِمَّا أَن يَكُونَ تَمَامَ المَاهِيةِ، أَوْ جُزءًا مِنْها، أو خَارِجًا لازِمًا، أَوْ خَارِجًا مُفَارِقًا: === الصحةُ تَحَققَ الفَسَادُ؛ لاستحالةِ الخُلوِّ عَنِ النقِيضَينِ. قوله: "وأما الثاني -يعني: أَنَّهُ لا يَقْتَضِي الفسادَ في المُعَامَلاتِ-[فيدل عليه] أنه لا يَمتَنِعُ في المعقولِ أَن يقولَ الشارعُ: لا تَفعَل هذا الفِعلَ، لَكِنَّكَ إِن فَعَلتَهُ أفادَ المِلْكَ". حاصِلُ دَلِيلِهِ: أن الصحةَ في المُعَامَلاتِ إذا فسدت بترتيبِ الأَثَرِ، واعتبارِ الفِعلِ سببًا لِحُكم آخَرَ- فالنهيُ لا يُشعِرُ بذلك لَفظًا، ولا معنى. أَما أنه لا يُشعِرُ به لفظًا، فظاهِرٌ. وأما أَنه لا يشعرُ به معنى؛ فلأنه لو أَشعَرَ به معنى، لَنَاقَضَ التصريحَ به شرعًا. ولا مَانعَ أن يقولَ الشارعُ: لا تُرسِلِ الطلاقَ الثلاثَ، وإنّ أرسلتَ نَفَذَ، ولا تُطَلَّق في الحَيضِ، وإن طَلَّقتَ وَقَعَ، ولا تَذبَح بِسِكينِ الغَيرِ، وإن ذَبَحتَ حَلَّ. واحتجَّ مَن ادَّعَى الفسادَ: بأن الأَسبَابَ الشرعِيةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ مُنَاسِبَة لأَحكَامِها، والمُنَاسِبُ: هو الذِي يُتَوقعُ من إِثبَاتِ الحُكمِ في مَجرَاهُ حُصُولُ المَنفَعَةِ بِاعتِبَارِهِ غَالِبًا؛ فإذن شرط اعتبار الوصف سبب حُصُولِ المصلحة منه غالبًا. والمَنْهِيُّ عنه إنمَا تَحصُلُ المصلحةُ منه نادرًا؛ لأنه إِنما تَحصُلُ المَصلَحَةُ بتقدير ارتكابِ المُخَالفَةِ. فَالظاهِرُ مِنْ حَالِ المُؤمِنِ أَنهُ لا يرتكِبُ محظورَ دِينِهِ؛ فلا يُعتَبَرُ سببًا. ومِمَّا يُتَمَسكُ به في أَن النهيَ يدل على الفساد: أن العُقُودَ في الواقع إِنمَا تُشْرَعُ لتحصيلِ مصالح العِبَادِ، وإنما ينهى عن الشيء لاشتماله على مفسدة خالصة، أو راجحة، أو لخلوه عن المصلحة فبين النهي عن الشيءِ واعتباره، تناقض باعتبارِ الدَّوَاعِي والصوَارِفِ فلا يجتمعانِ. ومِمَّا احتج به: قوله ﵊: "مَنْ أَدخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدَّ"، و: "من عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". واعتُرِضَ عليه: بالقولِ بموجبه، فقالوا: نُسَلِّمُ أنه رَدَّ في نَفْسِهِ، فَلِمَ كان اعتبارُهُ سببًا لِغَيرِهِ رَدًّا؟ وحمل الحَدِيثِ على مِثلِ هذا بَعِيد، يَكَادُ يُخرِجُه عن كونِهِ مفيدًا؛ فَيَتَعينُ حَملُ الرّدّ على نفي الثمَرَةِ والمقصودِ. قوله: "إِذا عرفت هذا فنقول: أجمعوا على أَن النهيَ في المعاملات [لا] يفيد المِلْكَ في

стр. 265

أما الأَوَّلُ وَالثانِي: فَكانهُمَا يَقْتَضِيَانِ بُطلانَ انعَقدِ؛ لأنّ عَلَى هذَا التقدِيرِ: تَكونُ المَفسَدَةُ مُتَمَكِّنَةَ فِي جَوهرِ المَاهِيَّةِ. أَمَّا الْقِسمُ الثالِثُ -وَهُوَ أَن يَكُونَ مَنشأُ الْمَفسَدَةِ أَمرًا خَارِجًا عَنِ الماهية لازِمًا لَها-: فَههُنَا قَال أَبو حَنِيفَةَ ﵀: وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ العقد مَع وَصفِ الْفَسَادِ؛ لأنَّ مَاهِيةَ هذَا الْعقدِ وَجَمِيعَ أَجزَاءِ مَاهِيتها، إِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنِ الْمَفسَدَةِ، وَكَانَ مَنْشَأُ المفسدة الوصف الخَارِجِيَّ: فَلَو حَكَمنَا فِيه بالبُطْلانِ الْمُطْلَقِ -لَكُنا قَدْ رجحنَا مُقتَضَى الأَمرِ === سائر الصور، بل يفيده تارة، وتارة لا يفيد. والضابط فيه: أن المنهي عنه، إما أن يكون تمام الماهية، أو جزءًا منها، أو خارجًا لازمًا، أو خارجًا مفارقًا: أما الأول والثاني: فَإنهُما يقتضيانِ بُطلانَ العَقدِ؛ لأَن على هذا التقديرِ تكونُ المفسَدَةُ مُتَمَكنَة في جوهر المَاهِيةِ": هذانِ القسمان ممَا ساعدَ الحَنَفِي على أنهما يَدُلَّانِ على الفساد. وإنما يُخَالِف الشافِعِي، ومالكًا -رحمهما الله تعالى- في أنهما يقولانِ: إِن إِطلاقَ النهي يقتضي الفَسَادَ بظاهِرِهِ في نفس ما أَضِيفَ إِليه، ولا يَنصَرِفُ عنه إلا بدليل منفَصِل يَضرِف النهي إلى المُجَاورِ المُفَارِقِ. وأبو حنيفةَ ﵀ يَزعُمُ أن مُقتَضَى الإِطلاقِ في النهي مَحمُول على المُفَارِقِ، ولا يَنْصَرِفُ إلى ما أُضِيفَ إِليه إلَّا بدليل، وهو بَعِيدٌ؛ فإنه يُقَدرُ غيرَ المنطوق به ظاهرًا، والمنطُوق به ليس بظاهرٍ؛ وإنما حَمَلَهُ على ذلك: اعتقادُ أَن الشارعَ غَيرَ الأَلفاظَ، فهو إِذا أضاف المَنهِي إِلى بيع، أو صوم، أو نكاح مثلًا- فالمراد به المَاهية الشرعِية، والماهِياتُ الشرعيةُ تَستلزِمُ الصحةَ، فَإِضافَةُ النهيِ إِلَيها يُنَاقِضُ مَشرُوعِيتَها، فاحتاج إلى أنّ يَصرِفَ النهيَ لغيرها. ونحن نقول: إِن المَاهياتِ الشرعيةَ يَنبَغِي أَن تؤخَذَ عَرِية عن قَيدَي الصّحّة والفَسَادِ، وحينئذٍ يَصِح اعتوار الحكمين عليها. أو يقال: إِن المَاهِيةَ الشرعِيةَ إِذا كانت باعتبارِ الجَعلِ، فتؤخذُ من المَنهِي عنه إِضافة قيدٍ في المشروع؛ لِدَفع التناقُضِ. قوله: "وَأما القسم الثالث: وهو أن يكون منشأ المفسدة أمرًا خارجًا عن الماهية لازمًا، فههنا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: وجب أن ينعقد العقد مع وصف الفساد ... " إِلى آخره: حاصِلُ ما ذَكَرَهُ: أن أبا حنيفةَ ﵀ يَزْعُمُ أن النهيَ مَتَى لم يرجع إِلى مَاهِيةِ الشيءِ أو جُزئهِ- كان ذلك الشيءُ مشروعًا بأصله دون وَصفِهِ. وَبَنَى على هذا مَسَائِلَ: منها: لو نَذَرَ صومَ يومِ العِيدِ، وصامه - أَجزَأَهُ وزعم أَن الصومَ بما هو صَومٌ: مَشرُوعٌ، وإضَافَتهُ إِلى اليومِ المخصوصِ غَيرُ مشروع؛ فيكونُ مُطِيعًا بأصلِ الصومِ، عاصيًا بالإِضَافَةِ.

стр. 266

الخَارِجِي عَلَى مُقتَضَى الأَمرِ الذاتِي؛ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِن حَكَمنَا فِيهِ بِالصِّحةِ الْمُطلَقَةِ- لكُنا قَد سَوينَا بَين الْخَارِجِي اللازِمِ وَبَينَ الْخَارِجِي المُفَارِقِ؛ وَهُوَ -أيضًا- بَاطِلٌ؛ فَلَم يَبْقَ إلا أَن يُقَابَلَ الأصلُ بِالأَصلِ، وَالْوصفُ بِالوْصفِ: فَنَقُولُ: لَما كَانَتِ المَاهيةُ خَالية عن مع المفسدة -حصل الانعقاد. ولما كان الوصف الْخَارِجِي مَنْشَأَ المَفْسَدَةِ- كَانَ العَقْد فاسدًا. فهذَا تَدقِيقٌ حَسَنٌ؛ إلا أَنهُ يُقَالُ: الجمع بَينَ كَوْنِ الْمَاهيةِ وَجَمِيعِ أَجزَائها خَالِيًا عَنِ الْمَفسَدَةِ، مَعَ كَونِ لازِمِها مَنشَأَ الْمَفْسَدَةِ- مُحَالٌ؛ لأَن المُوجِبَ لِذلِكَ اللَّازِمِ الْخَارِجِي هُوَ === وكذلك يقول إِن الطوَافَ مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فَإِذَا نُهِيَ عَنْ طوافِ المحدِثِ فأوقعه- كان مُطِيعًا بالطوَافِ عَاصِيًا بالحَدَثِ. وكذلك البَيعُ: مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ وَبَيعُ الدرهمِ بالدرهمَينِ منهيٌّ عنه، فإِذا وَقَعَ ذَلِكَ قَال: هو مُنعَقد بِأصلِهِ دُونَ وصفِهِ على معنى: أنهما لو اتفَقَا على إِسقاطِ الدرهم الزائِدِ، لَصحَّ العَقدُ. وَمَأخَذُهُ في جميع ذلك اعتِقَادُهُ تفرّد الجهة؛ كالصلاة في الدَّارِ المغصوبة. والشافِعِي ومالِك -رحمهما الله- يقولان: إنه متى وَرَدَ الأَمرُ بِمُطلق ثم نُهِيَ عن وصفه- كان نقيضُ ذلك الوصف شرطًا في المَشْرُوعِ. فإذا أُمِرَ بالطوَافِ ثُمَّ نُهِي عن طوافِ المُحدِثِ- كان ذلك مُقَيدًا لأمرِ الطواف بالطهارة، وإذَا أَتَى به بدون الطهارَةِ كان آتيًا بغير المأمورِ به؛ فيكونُ فاسدًا. وكذلك إِذا قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ثم نَهى عن بَيع المَيتَةِ- كان ذلك مُقيدًا لِلمَبِيعِ بالطهارة، إلى غيرِ ذلك. وَصرف المسألةِ من حيثُ المعقولُ: أنهُ لا يُتَصوَّرُ النهيُ عن الوَصفِ مع مشروعِيةِ الأصلِ في مَحَل الوصف. فإنه لو قال: "خِطْ هذا الثوبَ، ولا تَخِط وقتَ الزوالِ" فلا يُتَصورُ أَن يُقال: إن الخِيَاطَةَ مشروعةٌ وقتَ الزوالِ؛ بل يَلزَمُ منه تقييدُ الأمر بِالخِيَاطَةِ بما عدا وقت الزوال. أَما قولُ صاحب الكتاب في توجيهِ مذهب أبي حنيفةَ -رحمه الله تعالى-: "إنّا لو حَكَمنا بالبُطلانِ المُطلقِ لكنَّا قد رَجَّحنَا مُقتَضَى اللازِمِ الخارِجِي على مُقتَضَى اللازِمِ الذاتِيِّ؛ وهو باطل. ولو حكمنا بالصحة مطلقًا، لكنا قد سوينا بين الخارجي اللازم، وبين الخارجي المفارق وهو أيضًا باطل" فهو بعيد عن مَأخَذِ الإمام أبي حنيفةَ -رحمه الله تعالى- فإن الخارِجِي إِذا لم يفارق يؤدي إلى التناقض. قوله: "وهو تدقيق حَسَنٌ، إلا أنهُ يُقَالُ: الجمعُ بَينَ كَونِ المَاهيةِ وجميعِ أجزائها خاليًا عنِ المَفسَدَةِ، مع كونِ لازِمِها مَنشأَ المفسدة- مُحَالٌ؛ لأَن المُوجِبَ لذلك اللازِمِ الخَارِجي هو تِلكَ

стр. 267

تِلْكَ الماهية، أو جُزءٌ مِنْ أَجزَائها، فَلَو كَانَتِ الماهية مَع جَمِيعِ أَجزَائها مُشتَمِلَةَ عَلَى الْمصلَحَةِ، ثُمَّ إِنها صَارت مُوَجِّهة لِلوَصفِ الخَارِجِي المُشتَمِلِ عَلَى المفسدة -لَزِمَ كَونُ المصلحة مُوَجهةً للمَفسَدَةِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَ هذَا الوصف الْخَارِجيِّ اللازِمِ مَنْشَأَ المَفْسَدَةِ-: يَدل عَلَى تَمَكُّنِ المفسدة فِي جوهرِ المَاهِيَّةِ؛ وَحِينئذ: يَجِبُ الحُكْمُ بِالبُطْلانِ. وَأما القسمُ الرابع -وَهُوَ أن يَكُونَ مَنشَأ الْمَفسَدَةِ أَمرًا خَارِجًا عَنِ الماهية، مُفَارِقًا لَها-: فَهذَا لَا يمنَعُ مِنْ صحةِ الْفِعلِ؛ كَالْوُضوءِ بِالمَاءِ المَغصُوبِ، وَالاصطِيَادِ بِالقوسِ المَغصُوبِ. إِذَا عَرَفْتَ هذَا، فَلْنَذْكُر مِثَالًا وَاحِدًا؛ لَيَحصُلَ التنبِيهُ عَلَى المَقْصُودِ: قَال الشافِعِي ﵀ فِي "مَسألَةِ الإِرسالِ": لَوْ حَرُمَ الجَمعُ لَمَا نَفَذَ، وَقَدْ نَفَذَ؛ فَلَا يَحرُمُ: بَيَانُ المُلازَمَةِ: أَن بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجمع حَرَامًا- كَانَ الآتِي بِالْجَمعِ آتِيًا بِنفسِ المحرم؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالبُطلانِ. فَإِنْ قِيلَ: "يُنقَضُ هذَا بِالطلاقِ فِي زَمَانِ الحَيضِ": === المَاهِيةُ، أو جُزء من أجزائها"، وهو أيضًا فَاسِد؛ فإنهُ مَبنِيٌّ على التعليلِ العقلي، وهو مَذهبُ الحُكَمَاءِ. واعتقادُ أَهلِ الحَقِّ: أَنْ جميعِ الكائنات واقعةٌ بِقُدْرَةِ الله تعالى، ثم لو سُلمَ له الإيجابُ العقلي، فلا يَتَعيَّنُ أن يكونَ المُوجِبُ اللازِمُ للمَاهِيةِ نفسَ الماهية، أو جُزأها؛ بل قد يكَونُ من أمر خارج، فكثير من المُتَلازِمَاتِ وَاقِعَة مع عَدَمِ تأثيرِ أَحَدِها في الأُخرَى؛ كالأُبوةِ، والبُنوَّةِ، وغيرِ ذلك. قوله: "وأما القسم الرابع، وهو: أن يكونَ مَنشأُ المفسدة أمرًا خارجًا عن المَاهِيةِ، مُفَارِقًا لها- فهذا لا يمنعُ صِحةَ الفعل؛ كالوُضوءِ بالماءِ المَغْصُوبِ، والاصطيادِ بالفَرَسِ المغصوب". هذا القسم مُتفَق عليه أيضًا من الأَئمةِ: وهو: أنه مَتَى كان النهيُ لِمُجَاور مُفَارق؛ فَإِنَّهُ لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ؛ وإنما يَقَعُ النزَاعُ في بعضِ المَوَاطِنِ في تحقيقِ مَنَاطِ أنه مُفَارِق أَوْ لَا، كالبَيعِ وَقتَ النداءِ عندنا، وعندَ مالكٍ، رحمه الله تعالى. قوله: "إذا عرفتَ هذه القاعِدة فنذكر منها مثالًا واحدًا، ليحصُلَ التنبيه على المقصود: قال الشافِعِي -رحمه الله تعالى- في مسألة الإرسال: لو حَرُمَ الجَمعُ لَمَا نَفَذَ؛ وقد نفذ فَلَا يَحرُم". حَاصِلُهُ: الاستدلالُ بأن مُقْتَضَى النهي الفَسَادُ، وحيثُ لا فسادَ فلا تحريمَ. واعتُرِضَ عليه: بالطلاقِ في الحَيض؛ فَإنهُ حَرَامٌ مع النفُوذِ.

стр. 268

قُلْنَا: الْفَرقُ ظَاهِر؛ لأنّ الطلاقَ فِي زَمَانِ الْحَيضِ وَاقِع بِفعلِهِ وَعَمَلِهِ، وإِيقَاعُ الطلاقِ غَيرُ منهِي عنهُ؛ إلا أن فِي هذِهِ الصُّورَةِ: لَما وَقَعَ الطلاقُ عَلَيها، وَكَانَ الحَيضُ حَاصِلًا فِي ذلِكَ المَحَلِّ؛ فَحِينَئذ: يَلزَمُ مِنْ إِيقَاعِ الطلاقِ عَلَيها حُصُولُ المقَارَنَةِ بَينَ الطلاقِ وَبَينَ الحَيضِ، فِي ذلِكَ المَحَلِّ، وَهذِهِ الْمُقَارَنَةُ هِيَ الْمَنْشَأُ لِلمَفسَدَةِ، وَهذِهِ المُقَارَنَةُ لَيسَتْ فِعلًا لِلْمُكلفِ، وإِنمَا لوَاقِعُ بِفعلِهِ هُوَ الطلاقُ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ الطلاقِ: حَصَلَت هذِهِ المُقَارَنَةُ؛ بِسَبَبِ قِيَامِ الْحَيضِ فِي المَحَلِّ. فَثَبَتَ أَن -ههُنَا- مَا هُوَ المَنْشَأُ لِلْمَفْسَدَةِ غَيرُ وَاقِع بِفِعلِ المُكَلفِ؛ بِخِلافِ مَا إِذَا قُلْنَا: إِن الجَمعَ حَرَامٌ؛ فَإِنَّ المُكَلفَ إِذَا أَتَى بِالْجَمعِ- كَانَ ذلِكَ الجَمعُ وَاقِعًا بِفِعلِ المُكَلفِ؛ فَفِي مَسأَلَةِ الجَمعِ: مَا هُوَ الْمنشَأُ لِحُصُولِ المفسدة وَاقِع بِفِعلِهِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الطلاقِ فِي زَمَانِ الْحَيضِ: مَا هُوَ المنشَأُ لِحُصُولِ المفسدة غَيرُ وَاقِع بِفِعلِهِ؛ فَكَانَ الأَوَّلُ أَقوَى؛ فَظهرَ الفرق. === وأجاب بأن الإرسال مَحضُ فِعلِهِ، ولو حَرُمَ لما نَفَذَ، بخلاف الطلاقِ عند الحيض؛ فَإن المنسوبَ إِلى فعلِهِ نَفسُ الطلاقِ، ومَنشَأُ المفسدة الحَيضُ، وليس مِنْ فِعلِهِ، وهذا ضعيف؛ فإن الأَفعَال تَتَقيَّدُ بالنسبة إلى الزمانِ والمكان، وإن لم يكونا من فِغلِ المُكَلْفِ، وَيُؤمَرُ بها، ويُنهى عنها باعتبارهما. وإنما الفرق إِن امتنع كان الأمر مفارقًا، وهو الاطرَاد بتطويل العِدةِ، أو خشية الندم بالشك في لحوق الولد، ، والله أعلم.

стр. 269

الْمَسألَةُ الْعِشْرُونَ النهيُ -عِنْدَنَا- لَا يَدلُّ عَلَى الصحةِ البَتةَ. وَقَال الحَنَفِيةُ: يَدل عَلَيهِ. لَنَا: أَن النهيَ عَنْ بَيع المَلاقِيح وَالمَضَامِينِ- حَاصِلٌ، وَلَم يَدُل عَلَى الصِّحَّةِ؛ وَكَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، وَالمُرَادُ مِنهُ: النهيُ عَنِ الوَطءِ، وَلَم يَدُل هذَا عَلَى الصِّحَّةِ أصلًا. احتجوا: بِأنهُ لَوْ كَانَ المَنهِي عَنْهُ مُمتَنِعًا- لَم يَكُنْ فِي النهيِ فَائِدَة؛ كَمَا [لا] يُقَالُ لِلأعمَى: لَا تبصِر، وَللزمِنِ: لَا تَقُم. === [المسألة العشرون] لا تدل إضافة النهي ألبَتة على صحة المنهي عنه. وقالتِ الحنفيةُ: تدل عليه. هذه المسألةُ مِنْ فروع أَن النهي لَا يَدُل على الفساد. والقائلون به اختلفوا: فزعم أَبُو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ -رحمهما الله تعالى- أنه يتضمن الصّحّة؛ واحتجا بذلك على انعقاد بيع الربَا، وانعقادِ صوم يوم العيد. ومستندهما أمران: أحدُهما: أن النهي يُضافُ إلى الماهِيات الشرعية، والماهيات الشرعية لابُد أن تكون بحال يصح. الثاني: أن المنهي عنه لا بُدَّ أن يكون ممكنًا؛ لعدم فائدةِ النهي عن الممتنع. وَافتُرِضَ عليهما بوجْهينِ: الأول: لا نُسلِّم أن الشَّارعَ غَيرَ في طَرَفِ النهي؛ قاله الغزالي. وهو بَعِيد؛ فإنهُ لا يفهم مِنْ قولِه ﷺ : "دعي الصلاة أَيامَ أقرَائِكِ" النهي عن الدعَاءِ. الثاني: سلمنَا أنه غير الماهِياتِ، لكن لا نُسلم دخول الاعتبار فيها، بل إنما غيرها على وَجه تكون معروضة للنهي والأمر، فيتصور عليها الصحة والفساد. قوله: "لنا: أَن النهي عن بيع الملاقِيحِ، والمَضَامِين حاصل، ولم يدل على الصحة". حاصله: أَن من قال بالصحة، لا يقوله مطلقًا، وإنما يقوله فيما إِذا كان مشروعًا بأصله دُون وَصفِه. فاحتج عليهم بكُلِّ ما نهى عنه مما ليس مشروعًا بأضلِه: كبيع المَلاقيح، والمَضَامِين،

стр. 270

الْجَوَابُ: أَن الْكَلامَ فِي تكلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ قَد تَقَدمَ. ثُم يُنقَضُ مَا ذَكَرْتُم بِبَيعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاقِيحِ. ثُم نَقُولُ: لمَ لَا يَجُوزُ حَملُ النهْيِ -ههُنَا- عَلَى الْفَسخِ، وَتَقْرِيرُهُ: أن العَبِيدَ وَكَّلَهُمُ === والخمر، والميتة، ونكاح المحارم، ، وهو لازِمٌ لهم على المأخذين المذكورين، ولا جَرَمَ أنه استدل به تارة، ونقض به أخرى. قوله: "احتجُّوا بأنه لو كان ممتنعًا، لم يكن في النهي فائدة، كما لا يُقالُ للأعْمَى: لَا تُبْصِرْ، وللزمِنِ: لا تَقُمْ"، يعني: أنه إذا امتنع النهي عن المبيع -فلا بُد للمنهي عنه أن يكون ممكنًا متصورًا. وهذه مغالطة؛ فإن الصحة المشروطة في التكليف عبارة عن قبول الوجود والعدم، والمنهيات كلها كذلك. والصحةُ المتنازع فيها: كونه منعقدًا معتبرًا، مفيدًا لثمرته. قوله: "والجواب: أن الكلام في تكليف ما لا يُطاقُ وقد تقدم": حَاصِلُه: أنه نازع في اشتراط الصحة في التكليف، وهذا لَا حاجَةَ به إليه ها هنا؛ فإن النزاع في هذه المسألة بعد تَسلِيم امتناع تكليف ما لا يُطاقُ. قولُه: "ثم نقولُ: لم لَا يَجُوزُ حمل النهي ها هنا على النسخ ... " إلى آخره: لم يرد حَقِيقَةَ النسخ الشرعي، وهو: رفع حكم شرعي بخطاب متراخ؛ وإنما أراد النسخ اللغوي، وهو: الرفع والإِبطَالُ. وتقريرُه: أن العرب كانت تعتقدُ صِحةَ بياعات وعقود: إِمَّا بشرائع متقدمة، أو غير ذلك، والنهي لما كانوا يعتقدونه من الصحة، فإنهم كانوا يعتقدون صحة نكاح الأختين، والشغار، وما زاد على الأربع، وصحة بيع الحصاة والمُنَابَذَةِ، وغير ذلك، فيكون النهي رافعًا لتلك الصحة المنعقدة، إِمَّا مِن شَرع أو غيره.

стр. 271

الله فِي جَمِيعِ تَصَرفَاتِهِم، ثُم كَمَا أَن المُوكلَ، إِذَا قَال لِوَكِيلِهِ: "لَا تَفعَل هَذَا" -كَانَ ذلِكَ فَسخًا مَانِعًا مِن الانعِقَادِ-: فَكَذَا هَهُنَا بَل ههُنَا أَولَى؛ لأَن المَالِكَ الحَقِيقِي لَيسَ إِلَّا اللهَ . === ومِن تمام البحثِ في المَنَاهِي مَسألَة، وهي: أَنَّ متعلقَ النهيِ ما هو؟ قال أصحابُنا، وأكثرُ المعتزلة: متعلقه فعل الضد. وقال أَبو هاشم مِنَ المعتزلة، والغزالي مِنا: متعلقه الإِعراض، والترك. قال أَبو هاشم: والترك ليس بفعل البتة؛ فإن الباري -سبحانه- يوصف به في الأزل، ولا فعل في الأزل. احتج اصحابنا بأن المنهيَّ عنه لا بد وأَن يكون مقدورًا، والقدرة تستدعي أثرًا، والعدم لَا شَيء؛ فلا يَصِح أن يكون أثرًا؛ لأنه مستصحب، فنسبته إلى القدرة تحصيلُ الحاصل. واحتج الغزالي؛ بأن مَن عُرِضَت له داعية الزِّنَا، فمنع نفسه مِن ذلك؛ فإنه يُحمَدُ عند العقلاء. وحاصِلُ ما ذكره: أن الكف ليس نفيًا محضًا، بل لا بُد فيه مِنْ أخذ العدم عند داعية ما له عرضية الحصولِ، مما هو مقدورٌ للمكلف، فتندفع المفسدة، فلا جَرَمَ أنه إن لم يخطر له الزنا، لم يثب على تركه. ومما ذكره أبو هاشم من تسمية البَارِي -سبحانه- تاركا في الأزل: إن أراد به نفي مجرد الفعل، فهو حَقٌّ مِن جهة المعنى، بعيدٌ من حيث اللفظ؛ إذ لا يقال في العُرف: "تارك لكذا" إلَّا لما كان بعرضية الثبوتِ، وإذ لَا يصِح فعل أو لا قط؛ تحقق الترك، والله أعلم.

стр. 272

الْبَابُ الثَّالِث فِي الْعَامِّ وَالخَاصِّ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْألَة الأوُلَى فِي الْفَرْقِ بَينَ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ أعْلَم: أَنَّ لِكُلِّ شَيءٍ مَاهِيةً وَحَقِيقَةً، فَكُل أمْرٍ: يَكُونُ المَفهُومُ مِنهُ لَيسَ عَينَ الْمَفْهُومِ مِن تِلكَ المَاهِيةِ؛ فَكَانَ مُغَايِرًا لَهَا، سَوَاء كَانَ لازِمًا لَهَا، أَو مُفَارِقًا، وَسَوَاء كَانَ إِيجَابًا أَوْ سَلْبًا. === اختلف الأُصوليون في عَدِّ الخصوص والعموم من أقسام الكلام فمنهم مَن عدهما منها. قال الإِمامُ: والحق أنهما عارضان للخبر، والأمر، والنهي، وغيرِ ذلك من أقسام الكلام، لا أنهما قِسمَانِ بذاتهما. [و] إِنما بَوَّبَ على الفَرقِ بين العام، والمطلق؛ لأَن المنطقيين يسمون المطلق عامًّا. ويعنون بالعام: كُل حقيقة منطبقة على معدود باعتبار معنى واحدٍ. والخِلافُ راجعٌ إِلى

стр. 273

[فَـ] الإِنسَانُ مِنْ حَيثُ هُوَ إِنسَان، لَيسَ إِلَّا أنَّهُ إِنسان: فَإمَّا أَنَّهُ وَاحِدٌ، أَو لَا وَاحِدٌ؛ وَهُمَا قَيدَانِ مُغَايِرَانِ لِكَوْنِهِ إِنْسَانًا، وَإِنْ كُنّا نَعْلَمُ أَن المَفهُومَ مِن كَونِهِ إِنسَانًا لَا يَنفَك عَنهُمَا معًا. === الاصطِلاحَ، والغرضُ ها هنا: بيان العُمُومِ الاسْتِغْراق العارض للأشخاص "المؤمنين"، "والمسلمين". وهذا العُمُوم يَعْرِضُ للقضايا، ويستعمل في البراهين؛ كقولك: كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث، بخلاف عموم المطلق؛ فإن معناه: أَن مفهوم اللفظ غيرُ مانع من الشركة، وهذا العمومُ يعرض للمفردات؛ ومنه النوع، والجِنس، والفصل، والخاصة، والعرض العام: وهو المستعمل في الحدود والرسوم. والعام المستغرق يلزم مِن صدقه صدقُ الخاص، ولا ينعِكسُ، والعام الثاني يلزم من صِدق الخاص منه صدقُ العام ولا ينعكسُ. إذا تقرر هذا فاعلم: أَن بين المطلق: كإنسان، وفرسٍ، وبين العام: كالمسلمِينَ، والمُشرِكينَ، وبين أسماء الأعداد؛ كمِائَة، وألف- اشتراكا في كثرة ما. ويختص المطلق: بأنَّ الكثرة عارضة عليه، ويشترك العام واسمُ العدد في دخول الكثرة في ماهيتها.

стр. 274

إِذَا عَرَفتَ هذَا، فَنَقُولُ: أَمَّا اللَّفْظَ الدال عَلَى الحَقِيقَةِ، مِن حَيثُ إِنهَا هِيَ هِيَ، مِنْ غَيرِ أَنْ تَكُون فِيهِ دَلالة عَلَى شَيء مِن قُيُودِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ -فهُوَ: المُطلَقُ. وَأَمَّا اللفْظُ الدال عَلَى تِلْكَ الحَقِيقَةِ مَعَ قَيدِ الكَثرَةِ: فَإن كَانَتْ تِلكَ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَينَة؛ بِحَيثُ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَزِيدُ عَلَيهَا -فَهُوَ: اسمُ العَدَدِ، وإن لَمْ يَكُن كَذلِكَ- فَهُوَ: الْعَام؛ فَلِهذَا === ويختص العددُ: بأن الكثرةَ فيه مُعَينة محصورة. ومُفْرد العام: بأن الكثرة فيه غير معينة ولا محصورة. قولُه: "إِن كُل شَيءٍ له ماهيةٌ وحقيقةٌ؛ فكل أمر يكون المفهوم منه ليس عينَ المفهوم من تلك الماهية- كان مُغَايِرًا له، سواء كان لازمًا، أو مُفَارِقًا، وسواء كان إِيجابًا أو سلبًا": غرضه من ذكر الشرطية: الرد على مَن أخذ الموحدة في حَدِّ المطلق، وهي عارضة له؛ فإن المطلقَ يوصف بالقلةِ، والكثرة، والوحدة، وكل ما يُوجَدُ مع المتقابلين، وليس له مِن ذاته أحدهما إلَّا أن عبارته لَا توفي بمقصوده؛ فَإن الذي أنتجه ضابطه: أَنه مغايرٌ للماهِية، وجزء الماهية مغاير لها، وداخل فيها، وليس مقصوده مطلق المغايرة، بَل مغاير هو خارجٌ، فكان حَقه أن يَقُولَ: فكل أمر يكون المفهومُ منه ليس عين المفهومِ مِن تلك الماهية، ولا جزءًا- فهو عارِضٌ عليه؛ لتتم له المؤاخذة. قوله: "إِذا عرفت هذا، فنقول: اللفظ الدال على الحقيقة من حيث إنها هي، من غير أن يكون فيها دلالة على شيء آخر من قيود تلك الماهية- فهو اللفظ المطلق" يعني: أن المطلق هو الدال على الماهية فحسب. قوله: "وأما الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة: فإن كانت تلك الكثرة كثرة معينة، بحيث يتناولها اللفظ، ولا يتناول الزائد عليها - فهو اسم العدد" وهذا أيضًا فيه مُؤَاخذة؛ فإِنهُ أخذ المعدود في ماهية العدد، والعدد يستلزم المعدود لا أنه يشعر به مطابقة، ولا تضمنًا؛ إِذِ العددُ عبارة عن محض الكثرة المعينة. قوله: "فلهذا السبب قُلنا: ما يتناول الشَّيئَينِ فصاعدًا من غير حصر هو العام". قوله: "ما يتناول الشيئين": يُخرِجُ المطلقَ. وقوله: "مِن غَيرِ حَصر" يخرج العدد. وعدل عن قول الغزالي وهو: "اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا"؛ لأنَّ العموم كما يعرض لِلفظِ قد يعرض لدلالة مقتضى اللفظ، ولمفهومه؛ ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد أُخِدَ عليه: تقييده له بالشيئين؛ فإن العمومَ قد يعرض للمعدومات، فإن قَولَنَا: المعدومات والمستحيلات عامة، وليست أشياء. فالأَولى أَن يُقَال: "ما يتناول مُسَمَّيَينِ فصاعدًا مِن غير حصرٍ".

стр. 275

السبَبِ قُلْنَا: الْعَامُّ مَا يَتَنَاوَلُ الشيئين فَصَاعِدًا مِنْ غَيرِ حَصْرٍ. وَبِهذَا الْبَيَانِ: ظَهَرَ خَطَأُ قَولِ مَنْ يَقُولُ: الْمُطْلَقُ: هُوَ اللفظُ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَينِهِ؛ لأن الْوَحدَةَ وَعَدَمَ التعيِينِ قَيدَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَاهِيةِ. الْمَسْألَة الثَّانِيَة فِي بَيَانِ أَن لَفْظَةَ "مَنْ" وَ"مَا" فِي مَعْرِضِ الشرطِ وَالاسْتِفْهَامِ- لِلْعُمُومِ. ويدُل عَلَيه وَجْهَانِ: === وحدَّه أبو الحُسَين البصري بأنه: "اللفظُ المستغرقُ لِكُل ما يصلح لتناوله بحسب وضع واحد". فقوله: "المستغرق" يتحرز به عن النكراتِ، مفردة كانت أَو مثناة أو مجموعة. وقوله: "بحسب وَضْع وَاحِدٍ"- احتراز من تَعْمِيمِ المُشتَرَكِ في مَحَامِلِه؛ فإنه لا يقول به. قوله: "وَبِهَذَا البَيَانِ ظَهَرَ الخَطَأُ في قَوْلِ من يَقُولُ: المُطلَقُ هُوَ اللفظ الدال على وَاحِدٍ، لا بعينه؛ فإن الوَحدَةَ وعدم التعيين قَيدَانِ" هذا حد الشريف وغيره، وما ذكره وَارِدٌ عليه على ما سَبَقَ. تقدم البحثُ في حقيقة العُموم، والبحثُ الآنَ في جِهَاته وصيغه:

стр. 276

الأَولُ: لَو قَال: "مَن دَخَلَ دَارِي، فَأعطِهِ دِرهَمًا"- كَانَ لَهُ أَن يُعطِيَ جَمِيعَ الدَّاخِلِينَ؛ وذلكَ يَدُل عَلَى العُمُومِ. === فجهاته ثلاث: لفظية، وعرفية، وعقلية: أَمَّا اللفظيةُ: فكالمسلمين، والمؤمنين. وأَمّا العُرفِيةُ: فكقولهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وليس المرادُ

стр. 277

الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قَال: "مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَأَكْرِمَهُ"- حَسُنَ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِنْهُ، وَالاسْتِثْنَاءُ مُخْرِجٌ مِنَ الْكَلامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ؛ لِوَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْجِنْسِ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِحَيثُ يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ وَاجِبًا - لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَينَ الاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ؛ === بالتحريم تحريم ذاتِ الأُمِّ، بل المرادُ ما يفهم منه عُرْفًا مِنْ تحريم وجوه الاسْتمتاعات. وأما العقلية: فكترتيب الحُكْم على اسم مُشْتقٍّ، يفهم منه التعليلُ، فيعم الحكم جميع أفراده، وهو التعميم؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة ٢٧٥]؛ رَتَّبَ الحِلَّ على مُسَمَّى البيع، فيدل على حِلّه أينما وجد مُسَمَّاهُ إلا أن يمنع منه مانِعٌ. وَأَمَّا صيغة: فعند المُحَقِّقِين ترجع إِلَى قسمين: أحدهما: ما يستقل بإفادة العُمومِ من غير ضَمِيمةٍ. والثاني: ما يفتقر فِي إفادته إِلَى ضميمة. فالأول: نحو "كُلِّ"، و"جَمِيع"؛ كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، مريد لجميع الكائنات.

стр. 278

كَقَوْلِهِ: "جَاءَنِي فُقَهَاءُ إِلَّا زَيدًا" وَبَينَ الاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ؛ كَقَوْلِهِ: "جَاءَنِي الْفُقَهَاءُ إلا زَيدًا"، وَلَمَّا كَانَ الْفَرْقُ بَينَهُمَا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ- ثَبَتَ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْجَمْعِ === وأسماء الشرط، والاسْتفهام، والموصولات؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]، و: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، وَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤] و: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. والثاني: صيغ المجموع المعرفة بلام الجِنْس، أو الإِضافة: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، و: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، وما في معناها من أسماء المجموع؛ كقوله ﵊: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ". واسم الجِنْس المَعرَّفُ بلام الجنس؛ كقوله ﵊: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ

стр. 279

الْمُعَرَّفِ، يَقْتَضِي إِخْرَاجَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ. الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، وَعَنْ آخَرِينَ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ دُخُولُهُ. === بِالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ". والنكرة فِي سياق النفي؛ كقوله تعالى: ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ولم يختلف العلماءُ فِي إِفادة جملة هذه الصيغِ لِلْعُمومِ مع القرائن. وأما مع تجردهما، فقد اختلف العلماءُ فِي ذلك: فذهب الفقهاءُ، ومعظم المعتزلة إِلَى أَنَّها حقيقة فِي الاسْتِغراق. ونُقِل عن الثلجي وغيره: أنها تُحْمَلُ على الأقلِّ؛ لأنه المستيقن، فيحمل الجمع على أقله، والأسماء المبهمة على الواحد. وتوقف الواقفية على المذهبين فِي الوقف. ومعتمد الفقهاء فِي التعميم أربع حُجَجٍ: الأُولَى: حسن مدح المعمم، وذم المقصر. الثَّانية: حسن الاستثناء. الثالثة: حسن التوكيد بالمستغرقات. الرابعة: النقض؛ كقول عُثْمانَ بن مَظْعُون ... ... ... ... ... ... ...

стр. 280

فَنَقُولُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاسْتِثْنَاءُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الآخَرِ؛ صَوْنًا لِلنَّقْلِ عَنِ التَّكْذِيبِ، فَنَقُولُ: جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ، مَجَازًا فِي الصِّحَّةِ -أَوْلَى؛ لأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُوبِ، وَالْمُلَازَمَةُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْمَجَازِ فَإِذَا جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ- === للبيدٍ - حين قال [من الطَّويل]: ...................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالةَ زَائِلُ كذبت؛ فإِنَّ نَعِيمَ الجنة لا يزولُ. وقد جعلها صاحبُ الكتاب مَسَائِلَ؛ لاختلافِ اختياره فيها، واختلاف مأخذه، فذكر فِي المسألة الأولى مِنْ أسماءَ الشَّرْطِ "مَنْ"، و"مَا" فرضًا، وتمثِيلًا. واحتجاجه جَائِزٌ فِي جميع أسماء الشرط، والاستفهام، والأسماء الموصولات. والموصولات، وهي تنقسم إِلى ثلاثة أَقسام:

стр. 281

أَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. أَمَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الصِّحَّةِ - لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الْوُجُوبِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ لا يَلْزَمُ الصِّحَّةَ. === منها: ما هو شَرْطٌ فيمن يعلم وهي: مَنْ. ومنها: ما هو شَرْطٌ فيمن لا يعلم؛ كـ "مَتَى"، "وأيَّان" فِي الزمان، "وَأَينَ"، "وحيثما" فِي المكان، و"ما" فيما لا يعلم فِي الأكثر، وقد تأتي فيمن يعلم للتنويع؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ

стр. 282

احَتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ تَأْثِيرُهُ فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ، لَا فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ- بِوُجُوهٍ: === لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، [الجمعة ١]، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]. ومنها: ما هو صالح للقسمين: كـ "أي"؛ فإِنَّها بحسب ما تضافُ إليه: فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى مَنْ يعلم، كانت شرطًا، وإنْ أُضِيفت إِلَى ما لا يعلم، كانت شرطًا فيه، ، وإِن أُضِيفَتْ إِلَى الزمان أو المكان كانت شرطًا فيهما. قوله: "ويدل عليه وَجْهَانِ: الأول: أنَّه لو قال: مَنْ دخل داري، فأعْطِه دِرْهمًا -كان له أَنْ يعطي جميع الداخلين"، يعني: ويحسن مدحه على ذلك، ويذم على الاقتصار. لا يقال: العموم باعتبار القرائن؛ فإِنا نفرضه مع الغيبة، وعدم المناسب؛ كما لو كتب: من قال لك: ألِفٌ، فقل له: بَاء. لقائل أَنْ يقولَ: إِذا بُولِغ فِي الفرض إِلَى هذا الحَدِّ - فللخَصْمِ منعُ العموم. قوله: "الثاني: أنَّه لو قال: مَنْ دخل دَارِي، فأَكْرِمْهُ، حسن استثناء كُلِّ داخل من غير العقلاء" يعني على البدل. قوله: "والاستثناء يخرج مِنَ الكلام ما لولاه لدخل من وجهين: الأول: أَنَّ المستثنى مِنَ الجِنْس لا بُدَّ وأن يكون بحيث يمكن دخولُه تحت المستثنى منه" يعني: إن لم يكن فرقٌ بين المتصل والمنقطع. قوله: "وإِنْ لم يكنِ الدخولُ واجبًا، لم يبق فرقٌ بين الاسْتثناء عن الجمع المنكر؛ كقولك: جاءني فقهاء إلَّا زيدًا، وبين الاسثتناء عن الجمع المعرف، كقولك: جاءني الفقهاء إِلَّا زيدًا"، يعني: أن المنكر لا يستغرق ضرورة شُيُوعِه، وإذا لم يستغرق مع حسن استثناء كُلِّ فردٍ من الفقهاء

стр. 283

الأَوَّلُ: أَنَّ جُمُوعَ الْقِلَّةِ لا تُفِيدُ إلا مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ منْهَا. الثَّانِي: أَنَّ سِيبَوَيهِ نَصَّ عَلَى أَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مِنْ جُمُوع الْقِلَّةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "صَلِّ إلا فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ"، مَعَ أَنَّ الأَمْرَ لا يُفِيدُ التَّكْرَارَ. الرَّابعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "اصْحَبْ جَمْعًا مِنَ الْفُقَهَاءِ إلا فُلَانًا"؛ فَهاهُنَا: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُنَكَّرٌ، وَلَا يُفِيدُ الْجَمْعَ؛ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ [الاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ]. === منه، يعني فيكون الاسْتثناءُ لإِخراج الصالح للدخول، فلو كان فِي المُعَرَّفِ كذلك، لم يكن فرق. قوله: "الثاني: أنَّه نقل عن بعضهم: أَنَّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعن آخرين: أنَّه إخراج ما لولاه لصلح". ويدل على صِحَّةِ ما قاله: أَنَّ الاستثناء مِنَ النصوص لإِخراج الداخل؛ كفوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت ١٤]، ومن مثل قولِه: صَلِّ ركعتين بالفاتحة والمعوذتين إلَّا فِي وقت كذا لإخراج الصالح. قوله: "فنقول: جعله حقيقةً فِي الوجوب، مجازًا فِي الصحة - أَوْلَى؛ لأن الصحة من لوازم الوجوب، والملازمة شرطُ صحة المجاز" يعني: أَنَّ الأخص يستلزم الأعم، والدال على الأخص بالمطابقة دَالٌّ على الأعم بالتضمين أو الالتزام، ولا ينعكس. قولُه: "احتج القائِلُون بأنَّ الاستثناء لإِخراج الصالح للدخول بوجوه: الأول: أَنَّ جُمُوعَ القلة لا تفيد إلا ما دون العشرة". صوابه أَنْ يَقُولَ: لا تفيد إلا العشرة فما دونها. قوله: "مع أنَّه يصح الاستثناء منها"، يعني: أنَّه يصح استثناء ما زاد على العشرة بطريق البدَلِ، وما ذاك إلا لصحة الدخُولِ. قوله: "الثاني: أَنَّ سيبويه نصَّ على أن جَمْعَ السلامة مِنْ جُموع القلة، مع أنَّه يصح الاستثناء مِنْهَا" وجهه ما سبق. ووجه التوفيق بين ما نُقِل عن سيبويه، وما ذكره الفقهاء: أن يحمل كلام سيبويه على المنكر، أو يقال: أنَّه الأَصْلُ، وغلب استعماله فِي الكثرة، فصار التعميم ثابتًا بالعرف، إِما لغة، أو شرعًا. قوله: "الرابع: أنَّه يقال: اصْحَبْ جمعًا من الفقهاء .. " إِلَى آخره، يعني بِصِحَّةِ الاسْتثناءِ صحة الاستثناء من المنكر، وقد تقدم.

стр. 284

الْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلَائِلُ، كَانَ قَوْلُنَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً. === قوله: "والجواب: أنَّه لما تعارضت الدلائلُ، كان قولنا أَوْلَى؛ لأنه أكثر فائدة" يعني: أن الوجوب يستلزم الصحة، ولا ينعكس، فكان أكثر فائدة؛ لدلالته على الوجوب والصحة معًا. وما ذكره مِنَ التَّرْجِيحِ يعارضه أنَّه إِذا كان حقيقةٌ فِي الصحة، لم يكن فِي حمْلِه على الوجُوبِ عند القرينة مُخَالفَةُ أَصْلٍ؛ بخلاف العكس. والأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الاستثناءُ على قدرٍ مشترك بين الداخل والصالح للدخول؛ دفعًا للمجاز أَيضًا؛ فإِنه على خلاف الأَصْل، فيقال: الاستثناء إِخراج الثاني مِنْ حكم الأول بـ "إلَّا" وأخواتها. وقد ذكر فِي أول المسألة أن الدليلَ على العموم وجوهٌ، ولم يذكر سِوَى وَجْهَينِ. ومما احتجَّ به المخصصة أَنَّ أظهرَ هذه الأسماءِ فِي اقتضاء العموم "مَنْ"، وقد سمع عن العرب تثنيتها، وجمعها فقالت: مَنْ، ومَنَانْ، ومَنُونْ، ومَنَهْ، ومَنْتَانْ، ومَنَاتْ. وقال الشَّاعر [الوافر]: أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أَنْتُمْ؟ ... فَقَالُوا: الجِنُّ، قُلْتُ: عِمُوا ظَلَاما والمرادُ مِنْ التثنية والجمع: التكثيرُ، ولا معنى لذلك لو كانت مفيدةً للكثرة المستغرقة. وأُجِيبَ: بأن ذلك ليس تَثْنيةً حقيقة، ولا جمعًا حقيقيًّا، وإنما هي زيادات ألحقت فِي باب الحكاية للنكرات؛ حرصًا على البيان؛ بدليل أنَّهم لم يستعملوها فِي الوصْلِ، ولا فِي غير الحكاية، ولم يحرِّكُوا نونه، وإنَّما ذلك فِي حكايات النكرات مع الاستفهام خاصَّة، وفي البيت شذوذٌ من وجوهٍ: أحدُها: استعمالُه فِي غير الحكاية. والثاني: اسْتعماله فِي الوصْلِ. والثالث: تَحْرِيكُ النُّونِ.

стр. 285

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَيَدُّلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ: الأَوَّلُ: أَنَّ الأَنْصَارَ لَمَّا طَلَبُوا الإِمَامَةَ، احْتَجَّ عَلَيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِقَوْلِهِ ﵇: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" وَالأَنْصَارُ سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلِكَ الدَّلِيلِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَمْعَ === [المسألة الثالثة] [قوله]: "إنَّ الجمع المعرف -يعني: بـ "لام الجِنْس"- يفيد العموم، ويدل عليه وجوهٌ: الأول: أَنَّ الأَنصار ﵃ لمَّا طلبوا الإمامة، احتجَّ عليهم أبو بكر ﵁ بقوله ﵊: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" والأنصارُ سلَّمُوا ذلك الدليل، فلولا
следующие страницы →