← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. أَمَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الصِّحَّةِ - لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الْوُجُوبِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ لا يَلْزَمُ الصِّحَّةَ. === منها: ما هو شَرْطٌ فيمن يعلم وهي: مَنْ. ومنها: ما هو شَرْطٌ فيمن لا يعلم؛ كـ "مَتَى"، "وأيَّان" فِي الزمان، "وَأَينَ"، "وحيثما" فِي المكان، و"ما" فيما لا يعلم فِي الأكثر، وقد تأتي فيمن يعلم للتنويع؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ

стр. 282

احَتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ تَأْثِيرُهُ فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ، لَا فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ- بِوُجُوهٍ: === لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، [الجمعة ١]، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]. ومنها: ما هو صالح للقسمين: كـ "أي"؛ فإِنَّها بحسب ما تضافُ إليه: فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى مَنْ يعلم، كانت شرطًا، وإنْ أُضِيفت إِلَى ما لا يعلم، كانت شرطًا فيه، ، وإِن أُضِيفَتْ إِلَى الزمان أو المكان كانت شرطًا فيهما. قوله: "ويدل عليه وَجْهَانِ: الأول: أنَّه لو قال: مَنْ دخل داري، فأعْطِه دِرْهمًا -كان له أَنْ يعطي جميع الداخلين"، يعني: ويحسن مدحه على ذلك، ويذم على الاقتصار. لا يقال: العموم باعتبار القرائن؛ فإِنا نفرضه مع الغيبة، وعدم المناسب؛ كما لو كتب: من قال لك: ألِفٌ، فقل له: بَاء. لقائل أَنْ يقولَ: إِذا بُولِغ فِي الفرض إِلَى هذا الحَدِّ - فللخَصْمِ منعُ العموم. قوله: "الثاني: أنَّه لو قال: مَنْ دخل دَارِي، فأَكْرِمْهُ، حسن استثناء كُلِّ داخل من غير العقلاء" يعني على البدل. قوله: "والاستثناء يخرج مِنَ الكلام ما لولاه لدخل من وجهين: الأول: أَنَّ المستثنى مِنَ الجِنْس لا بُدَّ وأن يكون بحيث يمكن دخولُه تحت المستثنى منه" يعني: إن لم يكن فرقٌ بين المتصل والمنقطع. قوله: "وإِنْ لم يكنِ الدخولُ واجبًا، لم يبق فرقٌ بين الاسْتثناء عن الجمع المنكر؛ كقولك: جاءني فقهاء إلَّا زيدًا، وبين الاسثتناء عن الجمع المعرف، كقولك: جاءني الفقهاء إِلَّا زيدًا"، يعني: أن المنكر لا يستغرق ضرورة شُيُوعِه، وإذا لم يستغرق مع حسن استثناء كُلِّ فردٍ من الفقهاء

стр. 283

الأَوَّلُ: أَنَّ جُمُوعَ الْقِلَّةِ لا تُفِيدُ إلا مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ منْهَا. الثَّانِي: أَنَّ سِيبَوَيهِ نَصَّ عَلَى أَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مِنْ جُمُوع الْقِلَّةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "صَلِّ إلا فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ"، مَعَ أَنَّ الأَمْرَ لا يُفِيدُ التَّكْرَارَ. الرَّابعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "اصْحَبْ جَمْعًا مِنَ الْفُقَهَاءِ إلا فُلَانًا"؛ فَهاهُنَا: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُنَكَّرٌ، وَلَا يُفِيدُ الْجَمْعَ؛ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ [الاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ]. === منه، يعني فيكون الاسْتثناءُ لإِخراج الصالح للدخول، فلو كان فِي المُعَرَّفِ كذلك، لم يكن فرق. قوله: "الثاني: أنَّه نقل عن بعضهم: أَنَّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعن آخرين: أنَّه إخراج ما لولاه لصلح". ويدل على صِحَّةِ ما قاله: أَنَّ الاستثناء مِنَ النصوص لإِخراج الداخل؛ كفوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت ١٤]، ومن مثل قولِه: صَلِّ ركعتين بالفاتحة والمعوذتين إلَّا فِي وقت كذا لإخراج الصالح. قوله: "فنقول: جعله حقيقةً فِي الوجوب، مجازًا فِي الصحة - أَوْلَى؛ لأن الصحة من لوازم الوجوب، والملازمة شرطُ صحة المجاز" يعني: أَنَّ الأخص يستلزم الأعم، والدال على الأخص بالمطابقة دَالٌّ على الأعم بالتضمين أو الالتزام، ولا ينعكس. قولُه: "احتج القائِلُون بأنَّ الاستثناء لإِخراج الصالح للدخول بوجوه: الأول: أَنَّ جُمُوعَ القلة لا تفيد إلا ما دون العشرة". صوابه أَنْ يَقُولَ: لا تفيد إلا العشرة فما دونها. قوله: "مع أنَّه يصح الاستثناء منها"، يعني: أنَّه يصح استثناء ما زاد على العشرة بطريق البدَلِ، وما ذاك إلا لصحة الدخُولِ. قوله: "الثاني: أَنَّ سيبويه نصَّ على أن جَمْعَ السلامة مِنْ جُموع القلة، مع أنَّه يصح الاستثناء مِنْهَا" وجهه ما سبق. ووجه التوفيق بين ما نُقِل عن سيبويه، وما ذكره الفقهاء: أن يحمل كلام سيبويه على المنكر، أو يقال: أنَّه الأَصْلُ، وغلب استعماله فِي الكثرة، فصار التعميم ثابتًا بالعرف، إِما لغة، أو شرعًا. قوله: "الرابع: أنَّه يقال: اصْحَبْ جمعًا من الفقهاء .. " إِلَى آخره، يعني بِصِحَّةِ الاسْتثناءِ صحة الاستثناء من المنكر، وقد تقدم.

стр. 284

الْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلَائِلُ، كَانَ قَوْلُنَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً. === قوله: "والجواب: أنَّه لما تعارضت الدلائلُ، كان قولنا أَوْلَى؛ لأنه أكثر فائدة" يعني: أن الوجوب يستلزم الصحة، ولا ينعكس، فكان أكثر فائدة؛ لدلالته على الوجوب والصحة معًا. وما ذكره مِنَ التَّرْجِيحِ يعارضه أنَّه إِذا كان حقيقةٌ فِي الصحة، لم يكن فِي حمْلِه على الوجُوبِ عند القرينة مُخَالفَةُ أَصْلٍ؛ بخلاف العكس. والأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الاستثناءُ على قدرٍ مشترك بين الداخل والصالح للدخول؛ دفعًا للمجاز أَيضًا؛ فإِنه على خلاف الأَصْل، فيقال: الاستثناء إِخراج الثاني مِنْ حكم الأول بـ "إلَّا" وأخواتها. وقد ذكر فِي أول المسألة أن الدليلَ على العموم وجوهٌ، ولم يذكر سِوَى وَجْهَينِ. ومما احتجَّ به المخصصة أَنَّ أظهرَ هذه الأسماءِ فِي اقتضاء العموم "مَنْ"، وقد سمع عن العرب تثنيتها، وجمعها فقالت: مَنْ، ومَنَانْ، ومَنُونْ، ومَنَهْ، ومَنْتَانْ، ومَنَاتْ. وقال الشَّاعر [الوافر]: أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أَنْتُمْ؟ ... فَقَالُوا: الجِنُّ، قُلْتُ: عِمُوا ظَلَاما والمرادُ مِنْ التثنية والجمع: التكثيرُ، ولا معنى لذلك لو كانت مفيدةً للكثرة المستغرقة. وأُجِيبَ: بأن ذلك ليس تَثْنيةً حقيقة، ولا جمعًا حقيقيًّا، وإنما هي زيادات ألحقت فِي باب الحكاية للنكرات؛ حرصًا على البيان؛ بدليل أنَّهم لم يستعملوها فِي الوصْلِ، ولا فِي غير الحكاية، ولم يحرِّكُوا نونه، وإنَّما ذلك فِي حكايات النكرات مع الاستفهام خاصَّة، وفي البيت شذوذٌ من وجوهٍ: أحدُها: استعمالُه فِي غير الحكاية. والثاني: اسْتعماله فِي الوصْلِ. والثالث: تَحْرِيكُ النُّونِ.

стр. 285

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَيَدُّلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ: الأَوَّلُ: أَنَّ الأَنْصَارَ لَمَّا طَلَبُوا الإِمَامَةَ، احْتَجَّ عَلَيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِقَوْلِهِ ﵇: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" وَالأَنْصَارُ سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلِكَ الدَّلِيلِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَمْعَ === [المسألة الثالثة] [قوله]: "إنَّ الجمع المعرف -يعني: بـ "لام الجِنْس"- يفيد العموم، ويدل عليه وجوهٌ: الأول: أَنَّ الأَنصار ﵃ لمَّا طلبوا الإمامة، احتجَّ عليهم أبو بكر ﵁ بقوله ﵊: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" والأنصارُ سلَّمُوا ذلك الدليل، فلولا

стр. 286

الْمُعَرَّفَ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ؛ وَإِلَّا لَمْ يَصِحُّ ذلِكَ الدَّلِيلُ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ الله === أَنَّ الجمع المعرف بالألف واللام يفيد الاسْتغراق، وإلَّا لما صح ذلك" يعني: أنَّهم لما قالوا: مِنَّا أَمِيرٌ، ومِنْكُمْ أميرٌ، فلا يندفع هذا القول إلَّا بتقدير أَنْ يكون معنى الحديث: كُلّ الأئمة من قريش.

стр. 287

عَنْهُ - أَنَّهُ قَال لأَبِي بَكْرِ ﵁ لَمَّا هَمَّ بِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ: "أَلَيسَ قَال النَّبِيُّ - === ويردُّ عليه: أن الإِمامة إِثبات سلطنة وولاية عامة، وثبوت السلطنة العامة للأشرف

стр. 288

عَلَيهِ السَّلامُ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"؛ فَاحْتَجَّ عَلَيهِ بِعُمُومِ الِلَّفْظِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ أَحَدٌ، بَل عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى الاسْتِثْنَاءِ، فَقَال: "أَلَيسَ قَال النَّبيُّ ﷺ : "إِلَّا بِحَقِّهَا"، وَالزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا؟ ! ". الثَّانِي: أَنَّ هذَا الْجَمْعَ مِمَّا يُؤَكَّدُ بِمَا يَقْتَضِي الاسْتِغْرَاقَ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا فِي الأَصْلِ لِلاسْتِغْراقِ: أَمَّا الأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. أمَّا الثَّانِي - فَلأَنَّ التَّأكِيدَ هُوَ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى تَقْويَةِ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الأَصْلِ، وَلَوْلا أَنَّ هذَا الْجَمْعَ فِي الأَصْلِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ؛ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَأْكِيدُهُ مُفِيدًا لِلاسْتِغرَاقِ. الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الاسْتِغرَاقِ - لَكَانَ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَنْ ذلِكَ التَّعْيِينِ. أَوْ عَلَى بَعْضِ مُبْهَمٍ؛ وَهُوَ يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْكَلامِ، أَوْ عَلَى الكُل إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. === مناسب، فترتيبُ الحكمِ عليه يقتضي التَّعْمِيمَ من جهة المعنى، فلا نسلم لهم أن العموم - ها هنا - من مجرد اللَّفْظِ، والنزاع عند عدم القرائن. قوله: "وقول عمر بن الخطاب ﵁ في قتال مانعي الزكاة: [أليس قال رسول الله ﷺ ]-: "أُمِرْت أَنْ أُقاتل الناس ... " إِلى آخره: يرد عليه: لا نسلم أنهم فهموا العُمومَ مِنْ مجرد اللفظ، بل وبما استقر واشتهر، مِنْ ظهور دَعْوته للناس كافة؛ الأحمر والأسود. قوله: "الثاني: أن هذه الجموع تؤكد بما يقتضي الاسْتغراق، فوجب أن يكون موضوعها في الأصل لِلاستغراق ... " إلى آخره. اعْتُرِضَ عليه: بأن فهم الاستغراق كان لقرينةِ التوكيد. قوله: "التوكيد تقوية ما كان ثابتًا في الأصل" يقال له: مسلم، ولكن لا نسلم ثبوته بطريق الظهور لولا المؤكد. قوله: "الثالث: لو لم تُحْمَلْ على الاسْتغراق لكان: إما أَنْ يحمل على بعضٍ معين، وهو باطل؛ لأن اللفظ قاصر على ذلك المعين. أو على بعض مبهم، وهو يُوجِبُ التَّعْطِيل. أو على الكل إلَّا ما خصَّه الدليل، وهو المطلوب". والاعتراضُ على قوله: "أنَّ اللفظ قاصر عن ذلك التعيين" أن نقول: يعني أنه: قاصرٌ في الكيفية، أو الكمية؟ : الأول: مُسَلَّمٌ، والثاني: ممنوعٌ؛ فإِنَّ الأول متيقَّنٌ، فتعيَّنَ الحملُ عليه.

стр. 289

الرَّابعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَيِّ وَاحِدٍ أُرِيدَ، وَهُوَ يُفِيدُ الْعُمُومَ؛ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الْخَامِسُ: الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ فِي اقْتِضَاءِ الْكَثرَةِ، فَوْقَ الْمُنَكَّرِ؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ انْتِزَاعُ المُنَكَّرِ مِنَ الْمُعَرَّفِ، وَلَا يَنْعَكِسُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي رِجَالٌ مِنَ الرِّجَالِ"، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي الرِّجَالُ مِنْ رِجَالٍ"؛ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُنْتَزَعِ. إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ: إِمَّا الكُّلُّ، وَإِمَّا دُونَهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ عَدَدٍ دُونَ الْكُلِّ إِلَّا وَيَصِحُّ انْتِزَاعُهُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ؛ وَثَبَتَ أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكثَرُ؛ وَلَمَّا بَطَلَ هذَا - ثَبَتَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْكُلَّ. احْتَجَّ الْمُنْكِرُونَ لِلْعُمُومِ بِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي كُلُّ النَّاسِ"، "جَاءَنِي بَعْضُ النَّاسِ"، وَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "النَّاسُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ الأَوَّلُ تَكرَارًا، وَالثَّانِي نَقْضًا. === [و] قوله: "إنَّ حَمْلَهُ على بعض مبهم تعطيلٌ" لا يسلم، بل يفيد الجمع المطلق؛ كما نقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ.﴾ الآية [التوبة ٦٠]. قوله: "الرابع: أنه يَصِحُّ استثناءُ كُلِّ واحدٍ، وذلك يدل على أنه يفيد العموم" وقد مضت هذه الحجة، والاعتراضُ عليها والانفصالُ، في المسألة التي قبلها. قوله: "الخامس: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر؛ لأنه يصح انتزاع الجمع المنكر من المعرف -يعني: تعريف الجنس- ولا ينعكس؛ فإِنه يجوز أن يُقال: جاءني رجالٌ من الرجال، ولا يجوز أنْ يُقال: جاءني الرجال في رجال، ومعلوم بالضرورة أن المنزوع منه أكثر. إذا ثبت هذا فنقول: المَفْهُومُ من الجَمْع المُعَرَّفِ إِمَّا الكل، وإما دُونه: والثاني باطِلٌ؛ لأنَّ ما مِنْ عَدَدٍ دُونَ الكل إلَّا ويصح انتزاعه مِنَ الجمع المعرف، فثبت أَنَّ المنزوعَ منه أكثر" ولا بَأس بهذه الحُجَّةِ، وقوتها راجعة إلى حجة الاسْتثناء. قوله: "احتج المنكرون للعموم بوجوه: الأول: أَنه يصح أن يقال: جاءني كُلُّ الناس، وجاءني بعضُ الناس، فلو كان قولُنا: "الناس" يفيد العُمومَ، لكان الأول تَكرَارًا، والثاني نقضًا" يعني: أَن اللامَ الدالة على الاسْتِغْرَاقِ مقدرة بكل واحدٍ، فلو أدخل عليها "كُلّ" لكان تكرارًا. وجوابه: أنه تأكيدٌ. وقولُه: "لو أدخل عليها "بعض" لكان نقضًا". وجوابه: أنها وإن أفادتِ العُمُومَ لا تفيده نصًّا، وإنما تفيده مع احتمال إرادة الخصوص، وقولُه: "بعض" تعيين لإرادة الاحتمال الخفي. قوله: "إنه يصح أَنْ يُقال: جاءني كُلُّ الناس إلَّا الفقهاء، ولو كان لفظ "الناس" يفيد العموم - لجرى مَجْرى ما إذا صرح بذكر جميع أنواع الناس، فيصير [قوله]: جاءني الناس إلَّا الفقهاء جاريًا

стр. 290

الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي النَّاسُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ"؛ فَلَوْ كَانَ لَفْظُ "النَّاسِ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَجَرَى قَوْلُنَا: "النَّاسُ" مَجْرَى مَا إِذَا صُرِّحَ بِذِكْرِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّاسِ؛ فَيَصِيرُ [قَوْلُهُ]: "جَاءَني النَّاسُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ" جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ: "جَاءَنِي فُلانٌ وَالْفُقَهَاءُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ"، وَلَمَّا كَانَ هذَا بَاطِلا؛ ثَبَتَ أَنَّ لَفَظَ "النَّاسِ" لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُرْفَ الْعَامَّ يَشهَدُ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ: "رَأَيتُ النَّاسَ، وَخَالطتُ النَّاسَ، [وَجَالسْتُ النَّاسَ" مَعَ أَنَّهُ مَا رَأى الكُلَّ، وَإِنَّمَا رَأَى البَعْضَ، وَلَا خَالطَ الكُلَّ، وَإِنَّمَا خَالطَ البَعْضَ]، وَالْمَجَازُ وَالاشْتِرَاكُ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هذِهِ اللَّفْظَةُ مَوْضُوعَةً لإِفَادَةِ الحُكْمِ فِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيرِ أَنْ تُفِيدَ الاسْتِغْرَاقَ. الرَّابعُ: أَنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِ هذِهِ اللَّفْظَةِ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ: إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ بِالعَقْلِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأنَّهُ لَا مَجَال لِلْعَقْلِ فِي اللُّغَاتِ. أَوْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا لارْتَفَعَ الْخِلافُ فِيهِ. أَوْ بِنَقْلِ الآحَادِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ هذِهِ الألْفَاظِ عَامَّةَ، شَدِيدَةٌ، وَالْحُكْمُ الَّذِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى مَعْرِفَتِهِ - يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ مُتَوَاتِرًا. الْجَوَابُ أَنَّه لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ، فَالْحَمْلُ عَلَى الاسْتِغْراقِ أَوْلَى؛ إِلَّا مَا خَصَّهُ === مجرى قوله: جاءني فلانٌ، والفقهاءُ إلَّا الفقهاء، ولما كان هذا باطلًا، ثبت أن لفظ "الناس" لا يفيد العموم". والاعْتِرَاضُ: أن قوله: "يَجْرِي مَجرَى الأَنْوَاعِ" - لا يلزم من جَرَيَانِهِ مَجْرَاهُ: أن يُشَارِكَهُ في جميع أَحْكَامِهِ، وإنما يَبْطُلُ الاستثناء مع تعديد الأنَوَاعِ؛ لأنه يَعُودُ إلى الأَقرَب؛ وهو مستغرق؛ فَيَبْطُلُ على رأي. ومنهم من يُقَدِّرُ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عليه كالْمَذْكُورِ جُمْلَةً؛ فيصح الاسْتِثْنَاءُ. وإن عددت؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وطلقة إلا طَلْقَةً - فإن فيها وَجْهَينِ. وأَمَّا مع انْدِرَاج المخْرجِ في الشُّمولِ فتحقق حقيقة الاسْتثناءِ بالاتِّفاقِ، وهو إخراجُ بعضٍ مِنْ كُلِّ. قوله: "الثالث: أنَّ العرف العام يشهد أن الرجل قد يقولُ: رأيتُ الناسَ ... " إلخ. الاعْتِراضُ عليه أنَّ التخصيصَ - ها هنا - معلومٌ بدليلِ العَقْلِ أو الحِسَّ. قوله: "الرابع: أَنَّ الحكم بكون هذه اللفظة موضوعةً للعموم: إِما أن يُعْرَف بالعقل، وهو باطلٌ؛ إذ لَا مجال للعقل في اللغات"، يعني: أنها إما توقيفيةً، أو اصْطِلاحِيَّة. قوله: "أو بالنقل المتواتر، وهو باطل، وإلَّا ارتفع الخلافُ"، يعني: أنَّ التواتر يفيد العِلْم الضروري، ويستوي في العلم به طبقات الباحثين عنه، فيلزم رفع الخلاف. قوله: "أو بنقل الآحاد، وهو باطلٌ؛ لأنَّ الحاجة إلى معرفة هذه الألفاظ عامةً - شديدةٌ، والحكم الذي تتوفر الدواعي على معرفته، وجب أَنْ يكون متواترًا".

стр. 291

الدَّلِيلُ؛ لأَنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ - لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ: الْمُرَادُ مِنْهُ بَعْضٌ مَجهُولٌ، أَوْ نَقُولَ بِالْوَقْفِ فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ؛ وَعَلَى التَّقْدِيرَينِ: يَصِيرُ الْكَلامُ مُعَطَّلًا، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ - بَقِيَتْ هذِهِ النُّصُوصُ مُنْتَفَعًا بِهَا؛ فَكَانَ هذَا أَوْلَى. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمعَرَّفَ بحَرْفِ التَّعْرِيفِ لَا يُفِيدُ الاستِغْرَاقَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَقَال الأَكْثَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ يُفِيدُهُ. === هذه حُجَّةُ الواقفية، فإن كان المستعمل بها الواقف بناءً على الاشْتراكِ، فهي مُنْقلبةٌ عليه؛ إِذْ يقالُ: "الحكم بكون هذه الألفاظ موضوعة على وجه الاشتراك: إما أنْ يعرفَ بالعقل أو بالنقل ... " إِلى آخره. وإنْ تمسك بها القائلون: "لا ندري" فالاعْتراضُ عليها مِنْ وجهين: الأول: منع الحصر، فمن الطرق الاستقراءُ التام والمركَّبُ من العقل والنقل، ولم يبطلها. والثاني: دَعْوى الآحاد، لا نسلّم شدة الحاجة إلى معرفتها؛ فإنَّ استعمالها عرية عن القرائن المقالية، والحالية - قَلِيلٌ. قوله: "والجواب: لما تعددت الدَّلائِلُ، فالحمل على الاسْتِغْراق أَوْلَى؛ لأنا لو لم نقل به، للزمنا أن نقول: المراد به بعضٌ مجهول، أو بالوقف، وعلى التقدِيرَينِ يصير الكلام معطلًا". [المسألة الرابعة] قوله: "بِحَسَبِ اللُّغَةِ" احْتِرَازٌ من مِثْلِ قولهم: الرَّجُلُ خَيرٌ من المَرْأَةِ، والدينار خَيرٌ من الدِّرْهَمِ. فَإِنَّ العُمُومَ، وإِنْ فُهِمَ منه، فليس هو باعْتِبَارِ اللَّفْظٍ فقط، وإنما هو مَفْهُومٌ من قَرِينَةِ الفَضِيلَةِ، والتسعير. وقوله: "وَقَال أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يفيده"، ، وسَاعَدَهُمُ الجُبَّائِيُّ، والمبرد، واحْتَجُّوا:

стр. 292

لَنَا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أَنَّهُ يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالرِّجَالُ"، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الرَّجُلُ" يُفِيدُ الاسْتِغرَاقَ - لامْتَنَعْتِ التَّثنِيَةُ وَالجَمْعُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْكُلِّ شَيءٌ يُضَمُّ إِلَيهِ. الثَّانِي: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَال: "أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلاقَ" - لَمْ يَقَعِ الثَّلاثُ عَلَيهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ هذَا تَصْرِيحًا بِالثَّلاثِ وَأَكثَرَ. === بأن اللام تُفِيدُ التَّعْرِيفَ، وهو دائِرٌ بين العَهْدِيِّ، والجنسي، ولا يَصِحُّ إِرَادَةُ العَهْدِ إلا مع سَبْقِ ذِكْرِ، أو قرينة، والأصل عَدَمُ ذلك. والخِلافُ عند تَجَرُّدِ الصِّيغَةِ عن القَرَائِنِ، فَيَتَعَيَّنُ الحَمْلُ على الجنس؛ ولأن العَهْدَ إذا لم يُفْهَمْ إلَّا بقرينة، كَانَ مَجَازًا، وكل مَجَازٍ يستدعي حَقِيقَةً، فيتعين أن يَكُونَ حَقِيقَةً في الجنس. وَتَوقَّفَ الوَاقِفِيَّةُ؛ قالوا: لأن هذه الصَّيغَةَ، كما تُسْتَعْمَلُ لإفادة الجِنْسِ، تُستَعْمَلُ لإفادة الوَاحِدِ المعين، والأصل في الإطلاق الحَقِيقَةُ، فتكون مشتركة، أو لا ندري مَا هُوَ الحَقِيقَةُ. وَفَرَّقَ الإِمَامُ بين ما يميز بين جِنْسِهِ وواحده بالهَاءِ؛ كالثَّمرة والثَّمَرِ، والبُرَّةِ والبُرِّ، وبين ما لا يميز بالهاء؛ كالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؛ فقال: الأول يُفِيدُ العُمُومَ؛ لانْتِفَاءِ إِرَادَةِ الوَاحِدِ المعين بدون الهَاءِ، وتوقف في الثَّانِي؛ لِصَلاحِيَّتِهِ للأمرين، وساعده الغزالي في "المَنْخُولِ" على هذا التَّفْصِيلِ، وزاد فقال: وما عرى عن الهاءِ فلا يَخْلُو: إِما أن يَتَكَرَّرَ لَفْظُهُ بتكرر مُسَمَّاهُ، أو لا يَتَكَرَّرُ: فَالأَوَّلُ: كالرجل، والدرهم؛ فَإِنَّكَ إِذا ضَمَمْتَ إِليه غيره، قلت: رجلان، أو رجال. وَالثَّانِي: كالذهب؛ فإنك لو رَدَدتَ أَمْثَالهُ، فاسم الذَّهَب بَاقٍ عليه لم يَتَكَثَّرْ. قال: فالأول لا يَعُمُّ، والثاني يَعُمُّ. قوله: "لنا وجوه: الأول: أنه يُقَالُ: جاءني الرَّجُلُ، والرجلان، والرجال، فلو كان قولنا: "الرَّجُلُ" يفيد الاسْتِغْرَاقَ لامتنعت التَّثْنِيَةُ، والجمع؛ لأنه لم يَبْقَ بعد الكُلِّ شيء ينضم إليه": والاعْتِرَاضُ: أن يقال: نَحْنُ لا نَدَّعِي إِفَادَتَهُ للاستغراق نَصًّا، وإنما نَدَّعِيهِ ظَاهِرًا، مع احتمال إِرَادَةِ الوَاحِدِ المعين، فَحُصُولُ التَّثْنِيَةِ، والجمع - قرينة دَالَّةٌ على إرَادَةِ هذا المحمل، أعني: الواحد المُعَيَّن. قوله: "أَجْمَعُوا على أنه لو قَال: أنت [طالق] الطلاق، لم تَقَع الثَّلاثُ عليها، فلو كان المُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يفيد العُمُومَ - لَكَانَ هذا تَصْرِيحًا بالثلاث"، يعني: أنه إِذا دَلَّ على الاسْتِغْرَاقِ، فيقع من الطَّلاقِ ما يملكه. والاعْتِرَاضُ: أن هذا ظاهِرٌ عارضه أَصْلٌ، وهو أن الأَصْلَ: العِصْمَةُ، ، وَلَا يُزَالُ اليَقِينُ إلا

стр. 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بِمِثْلِهِ؛ بدليل قوله ﵊: "فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا". وأمره ﵊ لمن شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بالبِنَاءِ على اليقين.

стр. 294

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأكِيدُهُ بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْعُمُومُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ" وَإذَا ثَبَتَ هذَا، كَانَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] مَجَازًا؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لاطَّرَدَ. === ولا يَلْزَمُ من ترك الظَّاهِرِ لمعارض رَاجِحٍ، أو مُساوٍ في صورة - تَرْكُهُ مُطْلَقًا. قوله: "الثالث: أنه لا يَجُوزُ تَأْكِيدُهُ بما يُؤَكَّدُ به العُمُومُ، فلا يُقَالُ: جَاءني الرَّجُلُ كلهم أَجْمَعُونَ". والاعْتِرَاضُ: أن من الصِّيَغِ ما يكون لَفْظُهُ مُفْرَدًا، ومعناه الجمع؛ كصيغة "من"، و"كل"، وما كان كذلك، فَالعَرَبُ تَارَةً تُرَاعِي فيه اللَّفْظَ، وتَارَةً تُرَاعِي فيه المَعْنَى: ومن ثَمَّ: جاء قوله تَعَالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ﴾ [يونس: ٤٢]. والإتباع من الأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ، فَغُلِّبَ فيه جِهَةُ اللَّفْظِ، ، وهذا هو الجَوَابُ عن بَقِيَّةِ حُجَجِ الإتباعات التي ذكرها. قوله: "إذا ثَبَتَ هذا، كَانَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] مجازًا" يعني: أَن "كُلًّا" تفيد تَأْكِيدَ الاسْتِغْرَاقِ، تقدمت، أو تأخرت، ، والتأكيد لتقوية المعنى، فيكون للاستغراق. واعْتِذَارُهُ: بأنه مَجَازٌ؛ لأنه لو كَانَ حَقِيقَة لاطَّرَدَ - يرد عليه: أَنَّا لا نُسَلِّمُ وُجُوبَ اطِّرَادِ الحقائق، فقد سَمَّتِ العرب القَارُورَةَ قَارُورَةً؛ لاستقرار المَاءِ فيها، ولم تطرده، إلى غير ذلك.

стр. 295

الرَّابعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِمَا تُوصَفُ بِهِ الْجُمُوعُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ الْعُلَمَاءُ الْحُكَمَاءُ" إِذَا ثَبَتَ هذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] وَقَوْلُهُ نَعَالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]- مَجَازٌ؛ لِعَدَمِ الاطِّرَادِ. الْخَامِسُ: لَا يَجُوَزُ اسْتِثْنَاءُ الْجَمْعِ مِنْهُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ؛ إِلَّا الْعُلَمَاءَ وَالْحُكَمَاءَ"؛ إِذَا ثَبَتَ هذَا، كَانَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]- مَجَازًا؛ لِعَدَمِ الاطِّرَادِ. السَّادِسُ: إِذَا قَال الرَّجُلُ: "لَبِسْتُ الثَّوْبَ، وَشَرِبْتُ الْمَاءَ" لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إِلَّا الْمَاهِيَّةُ؛ وَالأَصْلُ فِي الْكَلامِ الْحَقيقَةُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيرِهِ؛ لِعَدَمِ الاشْتِرَاكِ. السَّابعُ: أَنَّ قَوْلَنَا: "أَحَلَّ اللهُ هَذَا الْبَيعَ" -لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الْبَيعُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ- لَكَانَ خُرُوجُهُ عَنْ إِفَادَةِ الْعُمُومِ: إِنَّمَا كَانَ لأَجْلِ انْضِمَامِ لَفْظَةِ "هذَا" إِلَيهِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ؛ وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ. === سلمناه، ولكن لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الاطِّرَادِ، فإنه يقال: كُلُّ الماء، وكُلُّ الذَّهَبِ، وكل البُرِّ، وهو كثير. قوله: "الرابع: أنه لا يَجُوزُ وَصْفُهُ بما يُوصَفُ به الجَمْعُ، فلا يقال: جاءني الرَّجُلُ العُلَمَاءُ": وقد تقدم التَّنْبِيهُ على الاعْتِرَاضِ عليه، بأَن الوَصْفَ تَابعٌ، فيراعى فيه اللفظ إذا ثبت هذا. قوله: "إذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] مَجَازٌ؛ لعدم اطِّرَادِهِ". يرد عليه ما تقدم، وإيراده: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] نَقْضًا على مَنْعِ الصفة بما يوصف به الجَمْعِ - لا يريد به الصفة الصِّنَاعِيَّة؛ فإن "بَاسِقَاتٍ" حال، بل يريد الصَّفَةَ المَعْنَويَّةَ. قوله: "الخَامِس: لا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الجَمْعِ منه، فلا يُقَالُ: جاءني الرَّجُلُ إلا العُلَمَاء. وإذا ثَبَتَ هذا، كان قوله تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] مجازًا لعدم الاطِّرَادِ. يرد عليه: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الاطَّرَادِ، بل ذلك كَثِيرٌ في الاسْتِعْمَالِ إذا أريد بها تَعْرِيفُ الجِنْسِ. قوله: "السَّادِسُ: إذا قَال الرَّجُلُ: لَبِسْتُ الثوب، وشَرِبْتُ المَاءَ - لم يفهم منه إلا الماهية". الاعْتِرَاضُ عليه: أن قَرِينَةَ اسْتِحَالةِ التعميم ها هنا مُعَينة لما علم من اسْتِحَالةِ شُرْبِهِ جَمِيعَ الماء، ولُبْسِهِ جَمِيعَ الثياب. قوله: "السَّابع أن قولنا: "أَحَلَّ اللَّهُ هذا البَيعَ" لا يُفِيدُ عُمُومًا، فلو كان قولنا: "البَيعُ" يفيد العُمُومَ، لكان خروجه عن إِفَادَةِ الأَصْلِ؛ لانضمام لفظة "هذا"، وهذا يوجب التَّعَارُضَ".

стр. 296

الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "رَأَيتُ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ"، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "رَأَيتُ الرَّجُلَ الثَّلاثَةَ"؛ فَعَلِمْنَا: أَنَّ لَفْظَ "الرَّجُلِ" لَا يَحْتَمِلُ الْجَمْعَ؛ فَضْلًا عَنِ الْعُمُومِ. التَّاسِعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "الإِلهُ وَاحِدٌ"، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الإلهُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ قَوْلُنَا: "الإِلهُ وَاحِدٌ" يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا: "الآلِهَةُ وَاحِدٌ"؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ. الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "الْحَيَوَانُ جِنْسْ"، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "كُلُّ حَيَوَانٍ جِنسٌ"؛ فَعَلِمْنَا: أَنَّ قَوْلَنَا: "الْحَيَوَانُ" لَا يُفِيدُ فَائِدَةَ قَوْلِنَا: "كُل حَيَوَانٍ". إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، إِنْ حَصَلَ هُنَاكَ مَعْهُودٌ سَابِقٌ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ - كَفَى فِي العَمَلِ بِهِ تَحْصِيلُهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهُ يَكْفِي فِي تَكْوينِ الْمَاهِيَّةِ تَكْوينُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا. وَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ السَّلْبِ - وَجَبَ الامِتنَاعُ عَنْهَا مُطلَقًا؛ لأَنَّ الامْتِنَاعَ عَنْ تَكوينِ المَاهِيَّةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ الامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا. === والاعْتِرَاضُ عليه أن غَايَتَهُ لُزُومُ إِرَادَةِ المَجَازِ لقرينة، وَيتَعَيَّنُ إِذا دَلَّ عليه دَليلٌ. قوله: "الثَّامن: أنه يجوز أن يقال: رَأَيتُ الرَّجُلَ الواحد ... " إلى آخره. هذا أيضًا من باب الإتباع، وقد تقدم أن المُغَلَّبَ فيه مُرَاعَاةُ اللفظ. قوله: "التَّاسِعُ: أنه يقال: الإله وَاحِدٌ ... " إلى آخره. الاعْتِرَاضُ عليه: أَن هذا إِخْبَارٌ عنه، وهو كالوَصْفِ في مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ. قوله: "العَاشِرُ: أَنه يَصِحُّ أن يُقَال: الحَيَوانُ جِنْسٌ ولا يصح أن يقال: كُلُّ حيوان جِنْسٌ": يعني: أن اللام المُسْتَغْرِقَة تقدر بكل واحد، فقوله تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] تقريره: إن كل إِنْسَانٍ لفي خُسْرٍ، إلا الَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالحات. ولا يصح التقدير ها هنا، فلا تكون للاسْتِغْرَاقِ؛ لما ذكر من القَرِينَةِ، يقال له: فلم لا تَدُلُّ عليه مع عَدَمِ القرينة؟ قوله: "إِذا ثَبَتَ هذا، فَنَقُولُ: المُفْرَدُ المُعَرَّفُ يَجِبُ حَمْلُهُ على المَعْهُودِ السابق، إن حَصَلَ هُنَاكَ مَعْهُودٌ سَابِقٌ" هذا لا نِزَاعَ فيه. قوله: "وإِلَّا فإِن كان في جانب الثبوت، كَفَى في العَمَلِ به تَنْزِيلُهُ على صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهُ يكفي في تكوينِ المَاهِيَّةِ تَكوينُ فَرْدٍ من أَفْرَادِهَا. وإِن كان في جَانِبِ السَّلْبِ، وجب الامتناع مُطلَقًا؛ لأن الامتناع من تكوين المَاهِيَّةِ لا يَتَحَقَّقُ إِلا بالامتناع من جميع أَفْرَادِهَا":

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حاصله أنه أجرى الاسم مع التعريف مُجْرَاهُ مع التنكير، فَإِنَّ النَّكِرَةَ إنما تَدُلُّ على ذَاتٍ شَائِعَةٍ في الجِنْسِ، فَتَكْفِي في الإِثْبَاتِ بِفَرْدٍ من أَفْرَادِهَا. وأما في النَّفْي، فالعُمُومُ فيها بالعَرَضِ لا بالذَّاتِ؛ لما ذكره من اللزوم العقلِيِّ. ولم يَجْعَل لِدُخُولِ لام التَّعْرِيفِ فيها على هذا التقدير أَثَرًا أَلْبَتَّةَ، وهو على خلاف الإِجْمَاعِ؛ فإنها لَا بُدَّ وأن تُفِيدَ تَعْرِيفًا، وإذا امْتَنَعَ العَهْدُ كما فرض، فَيَتَعَيَّنُ الجِنْسُ. لا يقال: فَلْتُفِدْ تَعْرِيفَ الماهية؛ لأنا نَقُولُ: المَاهِيَّةُ مُعَرَّفَةً بالاسم، فتعريفها باللام تَحْصِيلُ الحاصل. وههنا بَحْثٌ لَطِيفٌ: وهو: أن لَفْظَ "إنسان" وُضِعَ لِلمَاهِيَّةِ، ولام التعريف إنما دَخَلَت لتعريف كَيفِيَّةٍ المَحَلِّ المَحْكُومِ عليه، وكيفية المَحَلِّ المَحْكُومِ عليه تختلف؛ فتارة تحكم على الإنسان مع قَيدِ وَحْدَةٍ، أو كَثْرَة معينة، فتكون اللام فيه لِلْعَهْدِ؛ كقوله تَعَالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. وتارة تحكم عليه مع كثرة غير معينة، [فتكون اللَّامُ فيه لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ]؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. وتارة تحكم فيه على مُجَرَّدِ المَاهِيَّةِ؛ كقولك: الإنْسَانُ نَوْعٌ، فتكون لتعريف الماهية، أعني: أنها في المَحْكُومِ عليها فقط لا تفيد، وهو غير تَعْرِيفِ الاسم لِلْمَاهِيَّةِ، فكأن اللام تَجْرِي في استعمالها مُجْرَى سور القضية نحو: كل، وبعض؛ المعينين لكمية الحُكْمِ. وعلى هذا، أمكن أن يُقَال: إنها تَدْخُل لأصل التَّعْرِيفِ، وتعيين هذه الجِهَاتِ بالقرائن دفعًا للاشتراك، أو المَجَازِ. تَتِمَّةٌ: قد تَقَدَّمَ أن الصِّيَغَ الدَّالَّةَ على العُمُومِ عَند المحققين سِتَّةُ أنواع: الأسماء المُبْهَمَة، والشرط، والاسْتِفْهَامُ، والموصولة -وقد تَقَدَّمَ الاحْتِجَاجُ عليها- والجمع المُعَرَّفُ بلام الجِنْسِ- وقد تقدم الاحْتِجَاجُ عليه. ومثله الجمع المُضَاف إلى معرفة؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ والدليل على عمومه: صِحَّةُ تأكيده بالصِّيَغِ المُسْغرقة، وصحّة استثناء كُلِّ فَرْدٍ منه. والاسم المُفْرَدُ المُعَرَّفُ باللام، وقد اختار أنه لا يَعُمُّ في الإِثبَاتِ، وقد تقدم الكلام على حُجَجِهِ؛ وذكر ما احتي به المُعَمِّمُونَ. ومنها النَّكِرَةُ في سياق النَّفْي؛ وقد احتج على عمومها: بأنه لا يُتَصَوَّرُ نَفْيُ المَاهِيَّة إلا بالامتناع عن جميع أفرادها.

стр. 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والاعْتِرَاضُ عليه: أنا نُسَلِّمُ العموم مع "من" المستغرقة؛ مثل: ما في الدَّار مِن رجل، وفي النكرة المبنية مع "لا" لتضمنها معنى "مِن"، كقولك: لا رَجُلَ في الدار. ولا نُسَلِّمُ عُمُومَهَا فيما عدا ذلك؛ لأن الاسمَ النكرة: هو الاسمُ الدال على مَاهِيَّةِ مع وَحْدَةٍ غير معينة. فإذا قال القَائِلُ: "ليس في الدار رجل"، فقد نَفَاهُ بصفة الوَحْدَةِ، فلا يَلْزَمُ ألَّا يكون فيها رَجُلانِ، أو رجال. ثم ما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بقولهم: ليس كُل كذا كذا، فإنها نَكِرَةٌ في سيَاقِ النفي، ولا تعم، وإلَّا لكانت القَضِيَّةُ الجزئية كلية. والجَوَابُ عن الأَول: أنا وان سَلَّمْنَا أن المنفي الماهية بصفة الوَحْدَةِ، فنفي المَاهِيَّةِ بصفة الوَحْدَةِ يَقتضي العُمُومَ في كُل مَوْصُوفٍ بتلك الصِّفَةِ؛ كما لو قال: لا رجل عالم في الدار، فإنه يَعُمُّ في كُل مَوْصُوفٍ بهذه الصِّفَةِ. وأما نقضهم بأن ليس كل كذا كذا، وأنها نكرة في سياق النفي، وما عمت؛ لأنها جُرئِيَّةٌ - فجوابه: أن صيغة النَّفْي اقتضت العُمُومَ فيما دَخَلَت عليه، وهي دَاخِلَة على الكلية، فتكون سَالِبَةً لكل كلية، فتلزم الجزَئية من المادة، ، ومنها: "كُل"، و"جميع"، وهي بالحقيقة الصريحة في التعميم. والدَّلِيلُ عليه: أنها نَقِيضَةُ "بعض كذا أو بعض كذا" جزئية، فَيَتَعَيَّنُ أن يكون كل " [كل] كذا" مستغرقة؛ لأن جزئيتين لا تتناقضان. قال السهروردي في "التَّنْقِيحَاتِ": "ومن زَعَمَ أن كل حقيقة في "لا كل" مجاز في "كل"- فهو من غريب ما يذكر". ومما يظن إِفادته في العُمُومِ وليس كذلك أُمُورٌ: أحدها: النَّكِرَةُ المُتَعَلِّقَةُ بالأَمْرِ، أو المضافة إلى المصدر؛ كقوله: أعتق رقبة، وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقد زعم الغزالي: أنها عامة، وقد ناقض حده لِلْعَامِّ بأنه "اللَّفْظُ الدَّالُّ على شيئين فَصَاعِدًا" وهذه مَا دَلَّت إلا على شيء واحد شائع في جنسه، فهي مطلقة لا عَامَّةٌ.

стр. 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثاني: المفهوم، قال الغزالي: لا عُمُومَ له؛ لأنَّ العَامِّ: هو اللفظ الدال على شيئين فَصَاعِدًا، والمفهوم ليس بِلَفْظٍ.

стр. 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واعترض عليه: بأن المَفْهُومَ تَابعٌ لِلْمَنْطُوقِ في عمومه وخصوصه، فإن لم يسمه عامًّا، فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. ودلالة المَفْهُومِ، وإن لم تكن لفظية، فهي تَابِعَةٌ للفظ، وقد عد من دَلالاتِ اللَّفْظِ دلالة الالتزام، والمفهوم منها. الثالث: المَشْهُورُ أن المقتضى لا عُمُومَ له؛ لأَنَّ دَلالتَهُ ضرورية تُقَدَّرُ بقدر الحاجة، والحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بتقدير حُكْمٍ وَاحِدٍ، فلا دلالة له على التعميم. والحَقُّ أنه قد يَعُمُّ، فإِنه تابع لمقتضيه، فإِذا كان المَوْصُوفُ عَامًّا؛ كقوله ﵊: "لَا صَلاةَ إلا بِطُهُورٍ" - كانت الصفة المقدرة عامة بحسبه لا مَحَالةَ. الرابع: العَطْفُ على العام لا يقتضي العُمُومَ، خلافًا لقوم. لنا: قوله تَعَالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والأول: عام في كل بَائِنَةٍ، ورجعية غير حامل، والمعطوف خَاصٌّ بالرجْعِيَّةِ. قالوا: إِن العَطْفَ يقتضي التَّسْويَةَ بين المَعْطُوفِ، وبين المَعْطُوفِ عليه. قلنا: لا نُسَلِّمُ ذلك مُطلَقًا، فإن قولك: رأيت زيدًا وعمرًا، لا يَقتَضِي الاسْتِوَاءَ في الزمان، والمكان، والحال. ومنها: الجَمْعُ المنكر، قال الجُبَّائِيُّ: يَعُم بدليل صِحَّةِ الاستثناء؛ قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والاعتراض: لا نُسَلِّمُ أن "إلَّا" ها هنا استثناء، بل صفة، ثم لو سلم الاستثناء فيه في غير هذا المِثَالِ، فيتعين لإِخْرَاجِ الصَّالِحِ؛ لأن الجَمْعَ المنكر: هو الدَّالُّ على جَمْعٍ مُطلَقٍ شائع، والاستغراق يُنَافِي الشُّيُوعَ. واحْتَجَّ الفَخْرُ على نَفْي العُمُوم فيه: بأنه يَصِحُّ تقسيمه إلى أنواع الجُمُوع، ومورد التَّقْسِيم مشترك. وما ذكره يَبْطُلُ بالجَمْعِ المُعَرَّفِ، فإنه يَصِحُّ تَقْسِيمُهُ كذلك، وهو للاسْتِغْرَاقُ عنده. وأما الضمائر، فعمومها بحسب ما يَعُودُ إِليه. فروع لهذه القَاعِدَةِ: الأول: صيغة "من" تَتَنَاوَلُ المُذَكَّرَ والمؤنث، وكذلك "النَّاسُ". ولفظ "الرجال"، و"النساء" لا يَتَنَاوَلُ أحدُهما الآخر اتِّفَاقًا. ومثل: "المسلمين"، و"المؤمنين" اختلفوا فيه: فقال قوم: يتناولهما. والصَّحِيحُ: أنه لا يَتَنَاوَلُ الإِنَاثَ إِلا عند إِرَادَةِ التَّغْلِيب؛ لأن الجَمْعَ تكثير المفرد، والمفرد ما دَلَّ إلَّا على المُذَكَّرِ فقط. الثاني: قوله تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]: زعم قوم: أنه عَامٌّ. وظاهر: أنه لا يَعُمُّ باعتبار اللَّفْظِ، وإن عم، فإنما يَعُمُّ بدليل خارج. الثالث: المخاطب يَنْدَرجُ في العُمُومِ على الأصح، قال تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهو عليم بذاته وصفاته. احْتَجَّ المانع بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وبقول القاتل: من دخل داري، فأعطه درهمًا، فإنه لا يَتَنَاوَلُهُ. وأجيب: بأن الأول مَخْصُوصٌ بدليل العَقلِ.

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والثاني بالعرف، والمُحَكَّمُ في ذلك كله القرائن. الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ١] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١]- يتناول الموجودين حَال نزول الخطاب، أما من يأتي بعدهم، فلا يَتَنَاوَلُهُمْ إلا بدليل مُنْفَصِلٍ، وهو: الإجْمَاعُ على أن الناس في الشرع سواء، إِلا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله ﵊: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ". وقال الإمام أحمد بن حَنْبَل: يعم بنفسه، وهو بعيد. الخامس: قول الرَّاوي في مثل نَهْيِهِ ﵊ عن بَيعِ الغَرَرِ يفيد العُمُومَ،

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خِلافًا للأكثرين؛ لأن الرَّاويَ فَاهِمٌ للغة، فلا ينقل بِصِيغَةِ عِلْمِهِ، إلا عند القَطْعِ بِالعُمُومِ، أو

стр. 304

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَةُ أَقَل الجَّمْعِ ثَلاثَةٌ. وَقَال قَوْمٌ: اثْنَانِ. === ظهوره، وظَنُّ صِدْقِ الرَّاوي يُغَلَّبُ، فيجب العَمَلُ به. وقولهم: إنه يَحْتَمِلُ أنه اعْتَقَدَ ما لَيسَ بعام عَامًّا -قَدْحٌ في عَدَالتِهِ، وَعَرَبِيَّتِهِ. لا يقال: هذا يُشْكِلُ، فإنه لو قال: نسخ هذا الحكم، فإِنه لا يفعل على الأصح؛ لأن الفَرْقَ أن الرِّوَايَةَ لا تَتَوَقَّفُ إلا على فَهْمِ اللِّسَانِ، وهو من أهْلِهِ، والنسخ يتوقَّفُ على أهْلِيَّةِ الاجتهاد. وقد اختلف النَّاسُ فيما ينسخ به، وما كان كذلك لا يسمع مفصلًا؛ كالشهادة بالجَرْحِ، والإِخْبَارِ عن وُقُوعِ النَّجَاسَةِ في الماء. خاتمة: قال الإمامُ: إِنَّ العُمُومَ إِنما يَجْرِي في الأَسْمَاءِ، ولا يَجْرِي في الحُرُوفِ، ولا في الأفعال. وقوله: "ولا في الأَفْعَالِ"، فيه نظر؛ فإن النَّفْيَ إذا دخل على الفعل اقْتَضَى العُمُومَ لنفيه؛ لما دَلَّ عليه من مَاهِيَّةِ المصدر المنكر بطريق التضمين. فعلى هذا، إِذا حَلَف لا يأكل، فله أن يُخَصِّصَهُ بمأكول، خلافًا لأبي حنيفة، والفخر؛ فإِنهما قالا: يُقْبَلُ، كما يُقْبَلُ في الزَّمَانِ، والمَكَانِ. وأجيب: بالمَنْعِ، وبالتزام صِحَّة التَّخْصِيصِ، والتقييد بالجَمِيعِ. الكلام على المسألة الخامسة مَذْهَبُ مالكِ، والقاضي، والأُستاذِ، وجماعةٍ من السَّلَفِ ﵃ أَنَّ أَقَلَّ الجَمْعِ اثنانِ. وَمَذْهَبُ الشافِعِيِّ، وأبي حنيفةَ، وبعض الصحابة ﵃ أَنَّ اقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَة. وَعُزِيَ هذا المَذْهَبُ لابنِ مَسعُودٍ ﵁ تَخرِيجًا من قوله: "إِذَا أمُّ الرَّجُلُ

стр. 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === اثنَينِ: فَإِمَّا عن يمينه أو شماله، وإذا كانوا ثَلاثَةً اصْطَفُّوا خَلْفَهُ". وهذا التخريجُ ضعيفٌ، فَإِنَّ مَوَاقِفَ المأمومين مُسْتَنَدُهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ، لا مُوجِبُ اللُّغَةِ. ونُقِلَ أَنَّهُ مَذهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضًا، من قوله لعثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵄ وقد رَدَّ الأُمِّ إِلى السُّدُس بأخوينِ: "لَيسَ الأَخَوَانِ إِخوَةً". وقد احتجَّ به مَنْ قال: إِنَّ أَقَلَّ الجمعِ ثَلاثةٌ، وَقَرَّرَهُ بأنه احْتجَّ به على عُثْمَانَ، وساعده على ذلك، واعْتَذَرَ بفعلِ الصحابة. وقال له: "حَجَبَهَا قَوْمُكَ يَا غُلام"، ، وهذا لا يُشعِرُ صريحًا بأنه مذهبٌ لعثمانَ، فإنَّ قوله: "حَجَبَهَا قَوْمُكَ"، يَحْتَمِلُ أَنَّهُم فَهِمُوا من الآية خِلافَ ما فَهِمَهُ. وَيَحْتَمِلُ أنهم أجمعوا على الحُكْمِ قياسًا على الإِخوَةِ بنظر ما. ومَحَلُّ النزاعِ: في مثل: رجال، ومسلمين، وضمائر الغَيبَةِ في الخطاب، وليس من مَحَلِّ النزاع: "فعلنا"، ولا بابُ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ولا أسماءُ الأَجْنَاسِ وأسماءُ الجُمُوعِ.

стр. 306

لَنَا وُجُوه: الأولُ: أن الفَصلَ بَينَ التثْنِيَةِ وَالجمعِ مَنْقُول بِالتوَاتُرِ. الثانِي: أن صِيغَةَ الجَمْعِ تُنْعَتُ بِالثلاثَةِ فَمَا فَوقَهَا؛ يُقَالُ: "جَاءَنِي رِجَال ثَلاثة، وَثَلاثةُ رِجَال"، وَلَا تُنْعَتُ بِالاثنَينِ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي رِجَال اثنَانِ، وَاثنَانِ رِجَال". الثالِثُ: أَن أَهلَ اللغَةِ فَصَلُوا بَينَ ضَمِيرِ الاثْنَينِ، وَبَينَ ضَمِيرِ الجَمْعٍ؛ فَقَالُوا فِي الاثنَينِ: "فَعَلا"، وَفِي الثلاثَةِ: "فَعَلُوا"، وَفِي أمْرِ الاثنَينِ: "افْعَلا"، وَفِي أمرِ الْجَمْعِ: "افْعَلُوا". === واختار الإِمامُ صِحةَ استعماله في الاثنين مجازًا عند ظُهُورِ قرينة؛ كما لو فُرضَ أَن واحدًا يُقَاومُ مِثلَهُ ولا يُقَاوَمُ من الجماعة، فرأى رجلينِ قد أقبلا عليه، فَإنهُ يَحسُنُ أن يقولَ: أقبل الرجَالُ؛ لاستوائهما في الثالث والجمع. قال: وقد يسوغ أيضًا إِطلاقُهُ على الواحد مجازًا عند ظهور القرينة؛ كما لو رَأى زَوْجَتَهُ وَقَد تَبَرَّجَتْ لرجلٍ، فَإنهُ يَحْسُنُ أَن يقولَ: أتتبرجين للرجال يا لَكَاعِ؟ ولَفظُ الجمع أَبلَغُ في مَقصُودِه. يُمكِنُ أَنْ يُقَال: إِن صِحَّةَ إِطلاقِ الجمع في المَحَلَّينِ، إِنما كان لظهورِ ما دَل على الجمع؛ لأن إِقبال الاثنينِ دَالٌّ على إِقبالِ الجمع، فَصِحةُ الجَمعِ كذلك، وكذلك التبَرجُ للواحد دليلَ على التبرج للجمع. قوله لنا وجوه: "الأَولُ: أن الفصل بين التثنية والجَمعِ منقول بالتواتر"، يعني: أن العَرَبَ قد أفردت كُل واحد منهما بصيغة، كما أفردت الواحِدَ بصيغية، فكما أن الجمعَ بيانُ الواحِدِ، فكذلك التثنِيَةُ. قوله: "الثاني: أَن صِيغَةَ الجَمعِ تُنْعَتُ بالثلاثةِ، ولا تُنعَتُ بالاثنينِ" دليل واضِح. وقوله: "يقال: ثلاثة رجال، ولا يقال: اثنان رجال". هذا ليس من باب النعتِ، ولكن قد احتج به أيضًا، وَوَجهُهُ: أَن الاثنينِ لو كان جمعًا تَمَيزَ بما تَمَيزَ به الجَمع. الجواب عنه: أَن القِيَاسَ: أنْ يُقَال: اثنا رجالٍ، وواحِدُ رجال، ولكن اسْتُغنِيَ بِدَلالةِ المعدودِ على العَدَدِ، والجِنسِ معًا، وهو: رجل، ورجلان بخلاف الجمع؛ فَإِن لَفظَةَ "رجال" لا تُفِيدُ ثلاثةً، ولَفظَةَ "ثلاثة" لا تُفِيدُ رجالًا؛ فاحتِيجَ إِليهما معًا. قوله: "الثالث: أن أَهلَ اللغَةِ فَصَلُوا بين ضميرِ الاثنينِ، وضميرِ الجمع، فقالوا في الاثنين: "فعلا"، وفي الثلاثة "فعلوا": اعتُرِضَ عليه: بأنه قدِ استعمِلَت هذه الضمائِرُ في الاثنينِ، وهي عُمدَةُ القاضي في مِثلِ قوله تعالى في خطاب موسى وفرعونَ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]

стр. 307

احتج الْمُخَالِفُ: بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَقَال ﵇: "الاثنَانِ فَمَا فَوقَهُمَا جَمَاعَةٌ"، وَلأَن مَعنَى الاجْتِمَاعِ حَاصِل بَينَ الاثْنَينِ. الجوَابُ عَنِ الاولِ: أن اسم "القلب" قَذ يُطلَقُ عَلَى المَيلِ الحاصِلِ فِي الْقَلبِ؛ === وعُورِضَ بِشَرِكةِ فرعونَ وَمَلَئهِ، وبقوله تعالى، حكاية عن يعقوبَ ﵇: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] والمُرَادُ: يُوسُفُ ﵇، وأَخُوهُ الصغير الذِي أَخَذَه. وعُورِضَ: بمشاركة الأخَ الكبيرِ القائِلِ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]. وبقوله تعالى في قِصَّةِ سليمانَ وداودَ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وعُورِضَ: بأن الضمِيرَ يَحتَمِلُ عوده على القوم؛ إِذِ المُرَادُ به هما مع الشرِكَةِ المحكوم لهم وعليهم. قال الفَخرُ: والمَصدَر يُضَافُ إِلى الفاعِلِ والمفعولِ. وهذا فيه نَظَر؛ فَإِنهُ لا يُضَاف إليهما معًا، وإنما يضاف إِليهما على البَدَلِ؛ لأنه إذا أُضِيفَ إلى الفاعل كانَ مَوضِعُ المجرورِ رفعًا، وإذَا أُضِيفَ إِلى المفعولِ كان نصبًا، فلو أُضِيفَ إليهما معًا كان المجرورُ في مَوضِع رفع ونصب معًا، وإنه مُحَال، إلا أَن يُحمَلَ قوله : ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] على معنى: وكنا لأمرهم شاهدين، وبقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٢١، ٢٢]. وأُجِيبَ: بأن "الخَصم" يُطلَقُ على الواحِدِ والاثنينِ والجَمَاعَةِ، فَعَادَ الضمير عليه، باعتبارِ معناه، ويجوزُ أَن يكونَ صَحِبَهمَا جَمع من الملائكة. وقوله: "احتج المُخَالِفُ بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وبقوله ﵊: "الاثنَانِ فَمَا فَوقَهُمَا جَمَاعَة"، وبأن معنى الاجتماعِ حَاصِل في

стр. 308

فَيُقَالُ لِلمُنَافِقِ: "إِنهُ ذُو قَلْبَينِ"، وَيُقَالُ لِلْبَعِيدِ عَنِ النفَاقِ: "لَة قَلْب وَاحِد، وَلِسَان وَاحِدٌ". === الاثنين"، وتَقرِيرُ الدلالةِ مِما ذكره وَاضِح. قوله: "والجواب عن الأول: أن اسم "القلب" قد يُطلَقُ على المَيلِ" وما ذَكَرَهُ ليس هو المُسَوغَ لإطلاقِ الجمع ها هنا، وإِنما سَوغهُ كَرَاهِيَةُ اجتماعِ علامَتَي تثنية مع عدم اللبسِ؛ ولهذا أجازوا التعبيرَ عنه بلفظ الإِفرَادِ أيضًا، وإن كان قليلًا. وقرأ الحَسَنُ: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]. قال الشاعر [من البسيط]: كَأنهُ وَجهُ تُرْكيَّينِ قَدْ غَضِبا ... .....................

стр. 309

وَإِذَا ثَبَتَ هذَا- وَجَبَ أَن يُحمَلَ لَفظُ "القلب" عَلَى الإِرَادَةِ الحاصِلَةِ فِي القلبِ. وَعَنِ الثانِي: أَنهُ مَحْمُولَ عَلَى إِدرَاكِ فَضِيلَةِ الجمَاعَةِ. وَعَنِ الثالِثِ: أن البَحثَ مَا وَقَعَ عَنْ مَاهِيةِ الاجتِمَاعِ؛ وَإِنَما وَقَعَ عَنْ لَفْظَةِ: "الرجَالِ" وَ"الْمسلِمينَ" تُقَالُ لِلاثنَينِ أَوْ الثلاثةِ، فَأَينَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآخَرِ؟ ! === ثم لو صَح هذا التأويلُ في هذه الآيَةِ لم يَطرِد له في بقية البابِ. وعنِ الخبرِ: "أنهُ محمول على إِدراك فضيلة الجماعة" هذا الاحتمال هُوَ السابِقُ إلى الفهم. ويحتمل: أنه لما نَهَى أن يُسَافِرَ الرجل وَحدَهُ - أخبر أَن الكراهِيَةَ مُنتَفِيَة في الاثنينِ. قوله: "وعنِ الثالث: أَن البحثَ ما وقع في ماهِيةِ الاجتماعِ، وإنما وقع في لفظة "الرجال" و"المسلمين": هل تفيدُ الاثنينِ أو الثلاثةَ فأين أحَدُهُما من الآخر؟ ". ثم ما ذكره قياس في موضعِ الأسماء، وهي لا تثبت قياسًا. وَثَمرَةُ الخِلاف فِي هذِهِ المَسألةِ: أَنْ الجَمعَ المُنَكرَ وجمعَ القِلةِ يَتَنَزَّلانِ على الأَقَل عند قَوْم من المُحَصلِينَ، فنحتاج إلى تَعيينِ الأَقَل ما هو؟ وكذلك في التخصيص يَجُوزُ قَصرُ اللفظِ على بعض ما يَتَنَاوَلُهُ إِلى الثلاثة، وهل يَسُوغُ قَصرُهُ على الاثْنَينِ؟ يَنبني عَلَى هذَا: قال الإمام: وليس من ثمرة الخلاف تَنْزِيلُ لفظ الجمع في باب "الإِقرارِ"،

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === و"الوصايا على اثنينِ؛ فَإنهُمْ يُنْزِلُوَنهُ على الثلاثة. قال: ولا أراهم يَسمَحُونَ تَنزِيلَهُ على الاثنينِ. ونقله الغزالي في "المَنخُولِ" إِجماعًا. ونقل صاحب "الشامل" فيه عن قوم من الفقهاء: أنهم ينزلونه على الاثنين.

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَكَان الإِمام، والغزالي، إِنما أَرادَا إجماعَ الأئمة المشهورين. اعلم: أَن العَام يَعرِضُ له: النسخُ، والاستِثنَاءُ، والتخصِيصُ، وبينها اشتِرَاكْ؛ من حَيثُ إشعارُهُ لمُخَالفَةِ ما أَشعَرَ به اللفظُ الأَولُ ويحتاج إلى الميز بينه: فالنسخُ: رَفعُ مقتَضَاهُ أو بَعضِهِ بعد استِقرَارِهِ بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ. وشَرطُهُ: أن يكون مِثلَهُ في القُوةِ، أو أقوَى منه، ، وسيأتي ذكره إن شاءَ اللهُ تعالى. والاستِثنَاءُ: إِخرَاجُ بَعضِ، ما يَتَنَاوَلُهُ بـ "إلَّا" وأخواتِها بِشَرطِ أن يَكُونَ- الاتصَالُ العرفِي، لأنه جُزء من الكلامِ، فلا يَقطَعُة التنَفسُ والتثَاؤُبُ، ونحو ذلك. وما نُقِلَ عن ابنِ عَباس ﵄ في صِحةِ تأخيره محمول على ما إِذا نَوَى عندَ الكلام، وأخَّر الذكرَ، أو على الاستثناء المذكور للتبرؤ" من "الحول والقوة"؛ كقوله: أَفعَلُ ذلك غدًا إِلا أن يشاءَ اللهُ تعالى، فلو تَرَكَ ذلك الأدبَ غَفَلة- استحب له أن يَأتِيَ به عند الذكر، كما لو نَسِيَ التسمِيَةَ أَولًا ثم ذكرها. وقيل: سَبَبُ نُزُولِ هذه الآية: أن اليهودَ سألتِ النبِي ﷺ عن لُبثِ أَهلِ الكهف فقال: "غدًا أخبرُكُم؛ فَتَأخَّرَ الوحيُ عنه بضعَةَ عَشَرَ يومًا، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، قيل: فقال ﵊: "إن شَاءَ الله". فَإِن صَحَّ ذلك فهو عَينُ ما ذكره ابن عباس ﵄. وأما التخصِيصُ فهو: قَصر العَام على بَعضِ مُسَميَاتِهِ بدليل: مُتصِلًا كان أو مُنفَصِلًا عقليا أو شرعيًّا، إجماعًا أو نصًّا أو ظاهرًا، . . . . . . . أو

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قياسًا أو مفهومًا، أو حِسيًّا، أو قرينةً؛ لأَن حَاصِلَهُ: بَيَانُ ما أرِيدَ بِاللفْظِ، وجميع ذلك صالِحٌ لبيانِ إِرَادَةِ المُطْلَقِ؛ فَصَح بِالْجَمِيعِ.

стр. 313

الْمَسْألَةُ السادِسَةُ يَجُوزُ التمسكُ بِالعَام المخصُوصِ؛ ويدُل عَلَيهِ وَجُوهٌ: === [الكلام على المسألة الثالثة] إِذا تَقَرَّرَ هذا: فإِذَا خُصَّ العام، فهل تبقى دَلالتُهُ على الباقي حقيقة أو مجازًا؟ ! . اختلفوا فيه: فقال الفقهاء: تبقى حقيقة. وقال الجُبَّائِي: تبقى مجازًا. وقال أبو الحسينِ: إِن خُص بدليل مُتصِل؛ كالشرطِ، والصفَةِ، والغَايَةِ، وَبَدَلِ البَعضِ، والاستثناءِ- فَإنهُ يَعُدهُ من المُخَصصَاتِ. ويحد التخصيص بأنه: إخراجُ بَعضِ ما يتناوَلُهُ العَامُّ، فيدخل فيه الاستثناء، قال: فهو حقيقةٌ. وإن خُص بدليل مُنفَصِل، كَنَص، أو إجماع، أو قياس- فهو مجاز. وقال إمام الحَرَمَينِ: هو حقيقةٌ في التنَاوُلِ، مجازٌ في الاقتصار. يعني: أنه وُضِع لِلدلالةِ على كُل واحد بصفة الاجتماع، فإذا لم يَرِدِ الكُل، فَقَصرهُ على البعض الباقي استعمال له في غير موضوعه الأَولِ، فيكون مجازًا. إذا تَقَررَ هذا: فهل يَصِح الاحتجاج به أو لا؟ اختلفوا فيه: فقالتِ المُعتَزِلَةُ: يصيرُ مُجمَلا؛ لأَن حَقِيقَتَهُ -وهي: الدلالة على الكُل- قد زالت

стр. 314

الأَولُ: أن اللفْظَ العام عِبَارَةٌ عَنِ اللفْظِ الذِي يَتَنَاوَلُ الصوَرَ الْكَثِيرَةَ، فَنَقُولُ: إِما أَلا يَتَوَقفَ كَوْنُهُ حُجةً فِي شَيء مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ عَلَى كَوْنِهِ حُجة فِي الأُخْرَى، أَوْ يَتَوقفَ: فَإنْ تَوقَّفَ: فَإِما أن يَحْصُلَ هذَا التوَقُّفُ مِنَ الْجَانِبَينِ، وَإِما أن يَحْصُلَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَينِ دُونَ الثانِي: وَالأَولُ: هُوَ الْمَطْلُوب. وَالثانِي: يُوجِبُ الدَّوْرُ. وَالثالِثُ: يُوجِبُ الرجحَانَ مِن غَيرِ مرجح؛ وَهُوَ مُحَال. === بالتخصيصِ، فيبقى أنْ يُرَادَ به البَعضُ، وليس بَعْض أولى من بَعْض، فيتعارَضُ فيه جِهَاتُ المجاز؛ فيصير مُجمَلًا. وقال عيسى بنُ أبان: إنْ خُص بدليل مُتصِل، جاز الاحتجاجُ به؛ لأنه لم يتناول بأصلِ وضعه سوى المخصوصِ. وإن خُص بدليل منفصل، صار مجملًا. وصار الفقهاءُ إلى أنه حُجة مُطلَقًا إذا خُص بمعلوم، ومُعتَمَدُهُم: ما ذكره من الحُجة الثانية، والثالثة. قوله: "وَيدل عليه وُجُوهٌ: الأَولُ: أن اللفظَ العام عبارَة عن اللفظ الذي يتناول الصور الكثيرة". لا يُرِيدُ أَن هذا تمامُ حَد "العَام"؛ فإنه يدخلُ فيه العَدَدُ، بل يعني: أن العام من شَأنِهِ أن يكونَ كذلك. قوله: "فنقول: إما ألا يتوقف كونه حجة في شيء من تلك الصور على كونه حجة في الأخرى وإما أن يحصل هذا التوقف من الجانبين. وإما أن يحصل عن أحد الجانبين دون الثاني. والأول هو المطلوب، والثاني يوجب الدور، والثالث يوجب الرجحان بلا مرجح". يعني: أنه إذا لم يَتَوَقَّف كونُهُ حُجة في شيء من تلك الصوَرِ على كونِهِ حُجة في الأُخرَى -فالفَائِتُ بالتخصيص ليس بشرط في دَلالتِهِ، وفَوَاتُ ما ليس بشرطِ في الدَّلالةِ- لا يَقدَحُ فيها. قوله في الثالث: إن التوقف من أحد الجانبين ترجيح من غير مُرَجِّحٍ:

стр. 315

الثانِي: أن المُقتَضِيَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي غَيرِ مَحَل التخصِيصِ هُوَ الصيغَةُ العَامةُ، وَهِيَ بَاقِيَة، وَالْمُعَارِضُ الْمَوجُودُ -وَهُوَ زَوَالُ الْحُكمِ عَنْ مَحَل التخْصِيصِ- لَا يَقْتَضِي زَوَالهُ عَن سَائِرِ الصوَرِ؛ فَثَبَتَ أَن فِي سَائِرِ الصوَرِ: المَقْتَضِي قَائِم، وَالْمُعَارِضُ مَفْقُود؛ فَوَجَبَ بَقَاءُ الحكْمِ. الثالِثُ: أنهُ لَوْ خَرَجَ الْعَامُّ الْمَخصُوصُ عَن أَنْ يَكُونَ حُجة -لَخَرَجَ الْقُرْآنُ عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجة؛ لأَن العُلَمَاءَ قَالُوا: عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخصُوصَة؛ إِلا قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. === يعني لاستواء اللفظِ بالنسبة إِلى سائِرِ أفرادِهِ، فليس جَعلُ بعضها مشروطًا ببعض بأولى من العكس. والاعتراض عليه: اختيارُ التوَقفِ من الطرفين. وقوله: إنه دَورٌ، مُسَلم، ولكن دور معي، والدورُ المعي لا يقدح، وإنما يَقدَحُ إذا وَجَبَ تَقَدمُ كُل واحد منهما على الآخَر من جهة واحدة، فَيُوجِبُ تَقَدمَ الشيء على نفسه. أما فَرضُ شيئين لا يوجدان إلا معًا، فليس بِمُحَال في العقل؛ كالجواهر والأعراض عند المحققين، ولو امتنع ذلك، لامتنع وَجُودُ مَاهِية ذاتِ أجزاء؛ لِتَوَقفِ تَحَقُّقِها على أجزائها، ولكانت جميعُ الموجودات بَسَائِطَ. قوله: "الثاني: المقتضى لثبوت الحكم في غير محل التخصيص هو الصيغة العامة". يعني: أَن العام وضِعَ لِكُل فردٍ من أفرَاده؛ لأنه موضوع لِلكُل المستلزِمِ للأَفرادِ، فحينئذ يَدُل على المجموع بالمُطَابَقَةِ، ويدل على كُل فرد بطريق التضَمنِ لا بطريقِ الالتزام. قوله: "والمعارض مفقود، فوجب بقاء الحكم": يعني: أن الدلِيلَ إِذا دَل بأصله على إِثباتِ الحُكمِ في الجميع. والمُنَافَاةُ: إِنما هي في صُورةِ التخصيصِ، ولا يُؤَثر المانِعُ إلا في مَحَلهِ، فَيَجِبُ استصحاب الدلالة فيما عداه؛ عملًا بالأَصلِ، وجمعًا بين الأَدِلةِ بحسب الإِمكانِ. وقول المعتزلة: "إنه إذا زالتِ الحقيقةُ فليس بعض بأولى من بعضٍ"- لا يُسَلمُ؛ بل حَملُهُ على البَعضِ الخَالِي عنِ المعارضَ أولى. قوله: "الثالِثُ: لو خرج العَام المخصوصُ عن أن يكونَ حُجة- لخرج القرآنُ عن كونِه حجةٌ":

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === هذ الحُجَّةُ أيضًا مِمَّا اعتمدَ عليها الفُقَهَاء ويقرِّرُونَها إجماعًا، فيقولون: لم يَزَلِ الصحابَةُ، والتابعون ومَن بَعدَهُم -وهَلُمَّ جَرًّا- يَحتَجُّونَ بِعُمُومِيَّاتِ الكتابِ العزيزِ، مع أَنَّها مخصوصةَ إِلا ما ذُكِرَ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣]. وحَضرُهُمُ الاستثناءَ في هذه الآية غَيرُ مُسَلَّم، فَمِنَ العُمُومِيَّاتِ الباقيةِ على عُمُومِهَا قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأعراف ٦٥] إلى غير ذلك. تَتِمَّةٌ: اختلفوا في جواز التمسك بالعامّ قبل البَحثِ عنِ المُخَصِّصِ: قال ابن سريج: لا يَصِحُّ إلَّا بعد الاستقصاءِ في طَلَبِ المُخَصِّصِ وَعَدَمِهِ.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومعنى الاستقصاء: أَنْ يَجِدَ مِن نَفْسِهِ سُكُونًا تامًّا في عَدَم المُخَصِّص؛ كَمَنْ يطلب متاعًا يَعْرِفُ مَظَانَّهُ ولا يَجِدُه؛ لأنه وإنْ كان الأصلُ عَدَمَ المُخَصِّصِ إلّا أَنَّه يجب على المجتهد غايَةَ الإِمكانِ كما في البينات. وقال أبو بكرٍ الصَّيرَفِيُّ: لا يَجِبُ، بل يُكتَفَى بِأَن الأَصلَ عَدَمُ المُخَصِّصِ؛ بِنَاءَ على الأصلِ، كما يُحمَلُ اللفظُ على حقيقته بدون بَحْثٍ عن عدم إِرادة المجازِ؛ بناء على الأَصْلِ. وفرق بينهما: بأَنَّ التخصيصَ، وإن كان على خلاف الأَصلِ، إلّا أَنَّ أكثرَ العُمُومَاتِ مُخَصَّصَة، فقد عارض هذا الأصل الغالِبَ بخلاف المجاز؛ فإنه وإن كان على خلاف الأصل، إِلَّا أنَّ أكثر الألفاظِ محمولَةٌ على حَقَائِقِها؛ فقد وافق الاستعمال فيها الأصل، والله أعلم.

стр. 318

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْمُختَارُ -عِنْدَنَا-: أَنَّ الاسْتِثنَاءَ مِنَ النَّفْيِ، لَيسَ بِإِثْبَاتِ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ: الأَوَّلُ: أَنَّ الأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى الصُّوَرِ الْمُرْتَسِمَةِ فِي الأَذْهَانِ، وَالأحْوَالُ الذهْنِيَّةُ مُطَابِقَةٌ لِلأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ، وَالاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّفْظِ: إِنْ صَرَفْنَاهُ إِلَى الْحُكْمِ، أَفَادَ زَوَال الحُكْمِ، وَإِنْ صَرَفْنَاة إِلَى ذلِكَ الْعَدَمِ، أَفَادَ زَوَال الْعَدَمِ؛ فَحِينَئِذٍ: يُفِيدُ الثُّبُوتَ، إِلَّا أَنَّ === [المسألة السابعة] اتفقوا على أنَّ الاستثناءَ من الإِثْبَاتِ نَفْيٌ وإنِ اختلفوا في الاستثناء من النفي، هو إثباتٌ أم لا؟ فالجمهور: على أنه إثبات. وقال أبو حنيفة: ليس بإثباتٍ، بل مُقْتَضَاهُ خروجُ المُسْتَثْنَى من الحكم لَا غَير، وساعده الفَخْرُ ها هنا. قوله: "ويدل عليه وجهان: الأول: أن الألفاظ تدل على الصور المُرْتَسِمَةِ في الأذهان" يعني: أنها حقيقةٌ بالوضع الأَوَّل فيها. قوله: "والأحوال الذِّهْنِيَّةُ مطابقة للأمور الخارجية" يعني: إِنِ اسْتُعمِلَت فيها فهي بطريقِ المجاز. وقد احتجَّ على هذه القضية في "المحصول" من وجهين: أَحَدُهُمَا: أَن الألفاظَ تَتَغَيَّرُ عند تَغَيَّرُ الصُّوَرِ الذهنية، وإن لم تتغيرْ في الخارج، كما لو رأى شخصًا من بعيدٍ فَتَوَهَّمَهُ فَرَسًا، فقال: هذا فَرَسٌ، فإذا تَحَقَّقَ أنه إِنسان قال: هذا إنسان. والثاني: أنَّ الألفاظ لو كانت موضوعةٌ للخارج لكانَ قَوْلُ القائِلِ: قام زيد لا يَحْتَمِلُ الكَذِبَ؛ لأنه موضوعٌ لِلنسْبَةِ الخارجة، ولا يحتملُ غَيرَهُ. أَمَّا إذا كان للنسبةِ الذِّهْنِيَّةِ فقد يُطَابِقُ الخارجَ، وقد لا يُطَابِقُ، فَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ. وجوابُ الأَوَّلِ: أن اختلافَ الصورِ الذِّهنِيَّةِ إنما كان لاختلافِ الخَارِجِيِّ، والغَلَطِ في الحِسَّ، فهو إنما أَخْبَرَ أنه فَرَسٌ؛ لتوهم أنه أدركه محسوسًا فرسًا.

стр. 319

الأَوَّلَ أَوْلَى؛ لأَنَّ تَعَلُّقَ اللَّفْظِ بِالْحُكمِ الذِّهْنِيِّ بِغَيرِ وَاسِطَةٍ، وَتَعَلُّقَهُ بِالأَحْوَالِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارجِ: بِوَاسِطَةِ الأَحْكَامِ الذِّهْنِيَّةِ؛ فَكَانَ الأَوَّلُ أَوْلَى. === وعنِ الثاني: أن الكَذِبَ هو الخَبَرُ غيرُ المُطَابِقِ: فتارَةً يكونُ غير مطابق لما في الخارجِ كالإخبارِ عن قيامِهِ، وليس بقائم، لا سيما مع علمه بذلك، وتارَةً يكون لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ ما في النَّفْسِ، وإن طابق ما في الخارج؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]: كَذَّبَهُمْ؛ لإِخبَارِهِمْ على خلاف ما في نُفُوسِهِمْ، وإن كان الأمر من خارج مطابقًا. وقد تناقض قولُه في هذه المُقَدَّمَةِ؛ فإنه ادَّعَى أن تَسْميَةَ الحقيقةِ حَقِيقَةٌ مَجَازٌ في رابع درجةٍ؛ قال: فإنَّ أصْلَها مِنْ حَق الشَّيءُ: إذا ثَبَتَ في نَفْسِهِ، ثم اسْتُعْمِلَ في الثابت ذِهْنًا؛ لِمُطَابَقَتِهِ الخَارجَ، ثم في اللَّفْظِ، لمطابقته الصُّوَرَ الذهنيةَ المطابقة للخارِج، ثم في اللفظة المخصوصَةِ المُسَمَّاةِ: بالحقيقة المِقابلةِ للمجاز. وهو في هذا المَوْضِعِ يَدَّعِي أَن الألفاظَ حَقَائِقُ في الأعيانِ، مَجَازٌ في الصُّوَرِ الذهنية. وفي مسألة الاستثناءِ ادَّعَى عَكْسَهُ: فما أَسرَعَ ما نَسِيَ الناسُ؟ ! ومِمَّا يُبْطِلُ ما ذكره: أَنَّ أسماءَ الإِشارةِ، والأعلامِ موضوعَةٌ لِلْمُعَيَّنِ الخارِجِيِّ. وأمَّا النَّكِرَاتُ فهي الموضوعاتُ لشيءٍ في الخارجِ، ولكُلِّ ما شابَهَهُ، بخلاف عَلَمِ الجِنْسِ؛ فإنه موضوع للْمَاهِيَّةِ الذهنية كأسامةَ للأسد. والذي يُحَقِّقُ، أَنَّ أكثرَ الوضعِ باعتبارِ الخارجِ -أَن الاسمَ إذا كان شائعًا، يَسْتَعْمِلُة الخَاصُّ والعَامُّ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُهُ على معنى لا يُدْرِكُهُ إلَّا الخواصُّ، والماهِيَّاتُ الذهنيةُ لا يُدْرِكُهَا إلَّا الخواصُّ، ، ولَفظُ الإِنْسَانِ والفَرَسِ والبعيرِ وما أشبههما يستعمله الخاصُّ والعامُّ. والحَقُّ أن الوَضْعَ بحسب الحَاجَةِ، وقد يُحْتَاجُ إلى الإِخبارِ عن أحوالِ الكُلِّيِّ والجُزْئِيِّ معًا، فدعوى اختصاصِ الوَضْعِ الأَوَّلِ بأحدهما تَحَكُّمٌ. قوله: "والاستثناء المذكور في اللفظ إن صرفناه إلى الحكم، أفاد زوال ذلك الحكم، وإن صرفناه إلى العدم أفاد زوال ذلك العدم"، يعني بأَنَّ النفيَ والإثباتَ في نفس الأمر وَاسِطَةٌ بينهما، فَرَفع كُلَّ واحِدٍ منهما يَستَلزِمُ ثُبُوتَ الآخر. أَمِّا عند الناظِرِ فبينهما وَاسِطَة، وهي الوَقْفُ عن الحُكمِ، إلَّا أنَّ ما ذكره يَنْتَقِضُ بما سَلَّمَهُ مِنَّ أَن الاستثناءَ من الإثبات نَفْيٌ. قوله: "إلَّا أَن الأَوَّلَ أولى؛ لأَنَّ تعلُّقَ الحكم بالذِّهْنِيِّ بغيرِ وَاسِطَةٍ، وتعلُّقَهُ بالأحوالِ الثابتة في الخارج بواسطة الأحكام الذِّهنِيَّة؛ فكان أولى". هذا الترجيحُ مَبنِيٌّ على ما قَرَّرَهُ من أَن الألفاظَ حقيقةٌ في الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، وقَدْ أبطلناهُ، وَبيَّنَّا أنه لا تَصِحٌ دعواه مطلقًا.

стр. 320

الثانِي: أَنَّنَا لَوْ قُلْنَا: "إِنَّ الاسْتِثنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثبَاتٌ"-: فَحَيثُ لَا يُفِيدُ الإِثْبَاتَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : "لَا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ"، وَ"لَا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيِّ"- يَلْزَمُ مُخَالفَةُ الدَّليلِ. === - قوله: "الثاني: لو قلنا إِن الاستثناءَ من النفي إِثبات، فحينئذ: لا يفيد الإثباتُ؛ كما في قوله ﵊: "لَا صَلاةَ إِلا بِطُهُورٍ"، "وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ" - يَلْزَمُ منه مُخَالفَةُ
следующие страницы →