← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي. وقال الحافظ محمد بن وضاح: أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم يا أخي إن ما حملني على الكتاب إليك إلا ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس، وحُسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقوّاك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم، فأذلهم الله بيدك، وصاروا ببدعتهم مستترين، فابشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى، وإحياء سنة رسول الله ﷺ ؟! وقد قال رسول الله ﷺ : «من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين أصبعيه»، وقال: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة، فمتى يدرك أجر هذه شيء من عمله». وذكر أيضا: أن لله عند كل بدعة كِيْدَ بها الإسلام وليا يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنم يا أخي هذا الفضل، وكن من أهله، فإن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا» وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيردّ الله بك المبتدع المفتون والزائغ

стр. 142

الحائر فتكون خلفا من نبيك ﷺ ، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه، وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء الأثر: مَن جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام، وجاء: ما من إله يُعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى، وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا، وكلما زادوا اجتهادا أو صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا، فارفض مجالسهم، وأذِلَّهم، وأَبْعِدهم كما أَبَعَدَهم الله وأَذَلَّهم رسول الله ﷺ وأئمة الهدى بعده. انتهى كلامه أسد رحمه الله تعالى. وقوله: إن النبي ﷺ قال لمعاذ: «لأن يهدي الله بك رجلا …» الحديث، لعل هذا وهم من أسد، أو ممن روى عنه؛ لأن المعروف أن النبي ﷺ قال ذلك لعلي بن أبي طالب ﵁ حين أعطاه الراية، وأمره أن يسير إلى أهل خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد وغيرهم، والله أعلم. وقال الشيخ إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: سمعت أبا الحسن المكاري يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: المُتَّبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. وفي "الكافية الشافية" للمحقق العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فصل نفيس جدا ذكر فيه ثواب الغرباء الممدوحين، وأوضح من ذلك ما أشكل

стр. 143

على كثير من العلماء وأعيا عليهم حله فأجاد وأفاد، تغمدنا الله وإياه برحمته وفضله، وجزاه وأمثاله عن الإسلام والمسلمين خيرا، قال ﵁: فصلٌ: فيما أعد الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله عند فساد الزمان: هذا وللمتمسكين بسنة الـ … مُختار عند فساد ذي الأزمان أجر عظيم ليس يقدر قَدْره … إلا الذي أعطاه للإنسان فروى أبو داود في سنن له … ورواه أيضا أحمد الشيباني أثرا تضمن أجر خمسين امرأ … من صحب أحمد خيرة الرحمن إسناده حسن ومصداقٌ له … في مسلم فافهمه بالإحسان إن العبادة وقت هرج هجرة … حقا إليّ وذاك ذو برهان هذا فكم من هجرة لك أيها الـ … ـسُّنِيُ بالتحقيق لا بأماني هذا وكم من هجرة لهمُ بما … قال الرسول وجاء في القرآن ولقد أتى مصداقه في الترمذ … ي لمن له أذنان واعيتان في أجر محيي سنة ماتت فذا … ك مع الرسول رفيقه بجنان هذا ومصداق له أيضا أتى … في الترمذي لمن له عينان … > تشبيه أمته بغيث أول … منه وآخره فمشتبهان فلذاك لا يدري الذي هو منهما … قد خص بالتفضيل والرجحان ولقد أتى أثر بأن الفضل في الـ … ـطّرفين أعني أولا والثاني والوسط ذو ثبج فاعوج هكذا … جاء الحديث وليس ذا نكران ولقد أتى في الوحي مصداق له … في الثلتين وذاك في القرآن

стр. 144

أهل اليمين فثلة مع مثلها … والسابقون أقل في الحسبان ما ذاك إلا أنَّ تابعهم هم الـ … غُرباء ليست غربة الأوطان لكنها والله غربة قائم … بالدين بين عساكر الشيطان فلذاك شبههم به متبوعهم … في الغربتين وذاك ذو تِبيان لم يشبهوهم في جميع أمورهم … من كل وجه ليس يستويان فانظر إلى تفسيره الغُرباء بالـ … محيين سنته بكل زمان طوبى لهم والشوق يحدوهم إلى … أخذ الحديث ومحكم القرآن طوبى لهم لم يعبأوا بنحاتة الـ … أفكار أو بزبالة الأذهان طوبى لهم ركبوا على متن العزا … ئم قاصدين لمطلع الإيمان طوبى لهم لم يعبأوا شيئا بذي الـ … آراء إذ أغناهم الوحيان طوبى لهم وإمامهم دون الورى … من جاء بالإيمان والفرقان والله ما ائتموا بشخص دونه … إلا إذا ما دلَّهم بِبيان في الباب آثار عظيم شأنها … أعيت على العلماء في الأزمان إذ أجمع العلماء أن صحابة الـ … مُختار خير طوائف الإنسان … ذ ذا بالضرورة ليس فيه الخلف بيـ … ـن اثنين ما حكيت به قولان فلذاك ذي الآثار أعضل أمرها … وبغوا لها التفسير بالإحسان فاسمع إذًا تأويلها وافهمه لا … تعجل بردٍّ منك أو نكران إن البِدار بِردِّ شيء لم تُحط … علماً به سببٌ إلى الحرمان الفضل منه مُطلَقٌ ومُقيَّدٌ … وهما لأهل الفضل مرتبتان والفضل ذو التقييد ليس بموجب … فضلا على الإطلاق من إنسان

стр. 145

لا يوجب التقييد أن يقضى له … بالاستواء فكيف بالرجحان إذ كان ذو الإطلاق حاز من الفضا … ئل فوق ذي التقييد بالإحسان فإذا فرضنا واحدا قد حاز نو … عًا لم يجزه فاضل الإنسان لم يوجب التخصيص من فضل عليـ … ـه ولا مساواة ولا نقصان ما خلق آدم باليدين بموجب … فضلا على المبعوث بالقرآن وكذا خصائص من أتى من بعده … من كل رسل الله بالبرهان فمحمدا أعلاهُمُ فوقا وما … حكمت لهم بمزيَّة الرجحان فالحائز الخمسين أجرا لم يحز … ها في جميع شرائع الإيمان هل حازها في بدرٍ أو أُحد أو الـ … ـفتح المبين وبيعة الرضوان بل حازها إذ كان قد عدم المعيـ … ـن وهم فقد كانوا أولي أعوان والرب ليس يضيع ما يتحمل الـ … متحملون لأجله من شان فتحمل العبد الوحيد رضاه معْ … فيض العدو وقلة الأعوان مما يدل على يقين صادق … ومحبة وحقيقة العرفان يكفيه ذلا واغترابا قلة الـ … أنصار بين عساكر الشيطان في كل يوم فرقة تغزوه إن … ترجع يوافيه الفريق الثاني فسل الغريب المستضام عن الذي … يلقاه بين عدى بلا حسبان هذا وقد بعد المدى وتطاول الـ … ـعهد الذي هو موجب الإحسان ولذاك كان كقابض جمر فسل … أحشاءه عن حر ذي النيران والله أعلم بالذي في قلبه … يكفيه علم الواحد المنان في القلب أمر ليس يقدر قدره … إلا الذي آتاه للإنسان

стр. 146

بر وتوحيد وصبر مع رضا … والشكر والتحكيم للقرآن سبحان قاسم فضله بين العبا … د فذاك مولى الفضل والإحسان فالفضل عند الله ليس بصورة الـ … أعمال بل بحقائق الإيمان وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو … م بقلب صاحبها من البرهان حتى يكون العاملان كلاهما … في رتبة تبدو لنا بعيان هذا وبينهما كما بين السما … ء والأرض في فضل وفي رجحان ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا … رُتَب مضاعفة بلا حسبان هذا عطاء الرب ﷻ … وبذاك تعرف حكمة الرحمن

стр. 147

فصل فإن قال قائل: لا نُسلِّم أن الإسلام قد عاد غريبا كما بدأ؛ لأننا نرى المنتسبين إلى الإسلام قد ملأوا مشارق الأرض ومغاربها، وقد ذكر المعتنون بإحصاء النفوس أن عدتهم الآن تبلغ أربعمائة ألف ألف تقريبا، ولا ريب أن المسلمين في زمن النبي ﷺ لا يبلغون عُشر هذا العدد، ولا نصف عشره، فكيف يقال والحالة هذه إن الإسلام قد عاد غريبا كما بدأ، وإن أهله الآن غرباء؟! قيل: أما كثرة من ينتسب إلى الإسلام ويدَّعيه، وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها فهذا لا ينكره أحد، وليس الشأن في الانتساب والدعوى، وإنما الشأن في صحة ذلك وثبوته، وماذا يغني الانتساب والدعوى إذا عدمت الحقيقة؟! وقد جاء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: "كان يقال: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، وإنما الإيمان ما وقر في القلب، وصدقه العمل" رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد، وكذلك يقال في الإسلام الحقيقي: إنه ليس بالانتساب والدعوى المجردة، فإن ذلك سهل يسير على كل أحد، وإنما الإسلام الحقيقي لزوم المحجة البيضاء التي ترك رسولُ الله ﷺ أُمتَه عليها، فمن زاغ عنها فهو هالك. إذا علم هذا فالكلام على الإيراد من وجوه: أحدها: أن العدد المذكور ليس بشيء؛ إذ لا حقيقة لأكثره؛ وإنما يقوله بعض المنتسبين إلى الإسلام ليكاثروا به غيرهم من الأمم، وعند التحقيق

стр. 148

وعرض المنتسبين على الإسلام الحقيقي لا يثبت من هذا العدد إلا القليل كما لا يخفى على من نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان. الثاني: أنه لا يغتر بهذه الكثرة، ويحسبها كلها على الحق وعلى طريق مستقيم إلا الأغبياء الجاهلون بدين الإسلام، الذين لا فرق عندهم بين الموحدين والمشركين، ولا بين المتبعين والمبتدعين، فأما من عرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ فإنه لا يغتر بمثل هذا ولا يُروَّج عليه. الثالث: أن يقال لمن اغتر بهذا العدد وتكثر به: لقد استسمنت ذا ورم، وأعجبك جهام قليلٌ ماؤه، ومثل هذه الكثرة التي أعجبتك وظننتها حقا كمثل غثاء السيل أكثره زبد وزبل وشوك وما لا خير فيه، وهكذا أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذا الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وما أكثر من ينتسب إلى الإسلام في زماننا وقبله بقرون كثيرة وهم من أولياء الشيطان وحزبه، وما أقل أهل الإسلام الحقيقي فيهم، يوضح ذلك الوجه الرابع: أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان ليس معهم من الإسلام ما يعصم الدم والمال، مثل إسلام المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ فضلا عما هو أعلى من ذلك كإسلام الأعراب الذين منُّوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم فضلا عن الإسلام الحقيقي الذي يرادف الإيمان، وقد علّق النبي ﷺ عصمة الدم والمال بأمورٍ أكثر المنتسبين إلى الإسلام الآن في معزل عنها أو عن بعضها كما لا يخفى على من عرف دين

стр. 149

الإسلام وعرف ما عليه أكثر من يدّعيه، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» هذا لفظ البخاري، وعند مسلم: «إلا بحقها». وفي المسند، وتاريخ البخاري، وسنن ابن ماجة، والدراقطني، ومستدرك الحاكم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، زاد أحمد والدارقطني والحاكم: «ثم قد حُرِّمت عليَّ دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله ». وفي رواية للدراقطني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرت بثلاثة: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وفي المسند، وسنن ابن ماجة، والدراقطني، عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، زاد أحمد: «فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ».

стр. 150

وفي سنن النسائي، ومستدرك الحاكم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما توفّي رسول الله ﷺ ارتدّت العرب، فقال عمر ﵁: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر ﵁: إنما قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الدارقطني في سننه ولفظه عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁: إنما قال رسول الله ﷺ : «إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطون رسول الله ﷺ لأقاتلنهم عليه. وفي صحيح مسلم، وسنن الدارقطني، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وفي صحيحه أيضا عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال لا إله إلا الله وكَفَرَ بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»، وفي رواية: «من وحّد الله» والباقي مثله. ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك

стр. 151

الأشجعي عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من وحّد الله تعالى، وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله ». وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته». وفي رواية قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلُّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وفي رواية أخرى: أن ميمون بن سياه سأل أنس بن مالك ﵁ قال: يا أبا حمزة: ما يُحرِّم دم العبد وماله؟ فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم». وقد رواه الإمام أحمد، وأهل السنن إلا ابن ماجة، كلهم من حديث عبد الله بن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ولفظ أبي داود، والترمذي قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي هريرة ﵄. انتهى.

стр. 152

وقد رواه أبو داود والدارقطني، من حديث يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا حُرِّمت علينا أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلم وعليهم ما على المسلم» هذا لفظ الدارقطني. ورواه النسائي والدارقطني أيضا، من حديث محمد بن عيسى بن سميع، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن من قال لا إله إلا الله، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات. انتهى. وقال الخطابي رحمه الله تعالى في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»: معلوم أن المراد بقوله: «حتى يقولوا لا إله إلا الله» إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ثم أنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، وقوله: «حسابهم على الله» معناه فيما يستسرون به دون ما يخلون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر. انتهى. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا

стр. 153

إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر «وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة». قال النووي رحمه الله تعالى: ولابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ﵁: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به». انتهى. وقال البغوي رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيا، أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وأما من كان مقرا بالوحدانية، منكرا للنبوة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلابد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحود واجبٍ واستباحة مُحرَّم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجرى عليه أحكام المرتد، وبه صرّح القفَّال. انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدّس الله روحه لما سئل عن قتال التتار مع دعواهم التمسك بالشهادتين، قال رحمه الله تعالى: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر

стр. 154

لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق، مع قوله: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم»، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيُّما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الجاحد لوجوبه، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبهما ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات، أو المحرمات المذكورة، ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو

стр. 155

خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁، ولهذا افترقت سيرة علي ﵁ في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصدِّيق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. فتأمل قوله: فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ثم تأمل ما عليه أكثر من يدَّعي الإسلام، من صَرْف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله، ومن تَرْكهم ما أمر الله به ورسوله ﷺ من واجبات الدين، وارتكابهم لمحرماته، فبذلك تعرف أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في معزل عنه، وأن أهل الإسلام الحقيقي هم الأقلون عددا، فالله المستعان. وقال شيخ الإسلام أيضا -قدس الله روحه- في جواب آخر: كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين، وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر

стр. 156

رمضان، أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء، والأموال، والأعراض، والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله. انتهى. ومن تأمل هذا الكلام حق التأمل، ونزله على أحوال المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان رأى أن كثيرا منهم محتاجون إلى القتال كما قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة، وكما قاتل علي ﵁ أهل النهروان. فالله المستعان. وفي الاختيارات: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة عن شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله

стр. 157

كالمحاربين وأولى. انتهى. وقال الشيخ عثمان بن قائد الحنبلي في عقيدته: تتمة الإسلام الإتيان بالشهادتين، مع اعتقادهما، والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت، وتصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، ومَن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه، أو جحد حكما ظاهرا، أو أجمع على تحريمه، أو حِلّه إجماعا قطعيا، أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير، أو حلّ خمر ونحوهما كَفَرَ، أو فعل كبيرة، وهي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو داوم على صغيرة، وهي ما عدا ذلك فسق. انتهى. وقال الراغب الأصفهاني: الإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما: دون الإيمان؛ وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. والثاني: فوق الإيمان؛ وهو أن يكون مع الاعترافات اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أي: منقادون للحق مذعنون له. انتهى.

стр. 158

وقوله: وبه يحقن الدم؛ يعني مع التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة. وقوله: والثاني فوق الإيمان؛ لو قال مرادف الإيمان، كما عبر بذلك غيره لكان أولى، وقد سمى النبي ﷺ الإسلام إيمانا في حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس، وسمى الإيمان إسلاما في حديث عمرو بن عنبسة الذي رواه الإمام أحمد أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «أن تُسلم قلبك لله، وأن يَسَلم المسلمون من لسانك ويدك»، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان»، قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ..» الحديث، ففي هذا دليل لمن قال بالترادف كما يأتي. وهذا الذي قرره الراغب قد ذكره البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وقرره الحافظ ابن حجر في فتح الباري تقريرا حسنا. قال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان: باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. قال الحافظ ابن حجر: ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان، وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا

стр. 159

وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ويطلق ويراد به الحقيقة اللُغوية، وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية، والمسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، فلا يكون مؤمنا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللُغوية فحاصلة. انتهى. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: وفي الباب عن جرير بن عبد الله ﵁. انتهى. وقد روى هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: «بني الإسلام على خمس دعائم» فذكره. وفي رواية لأحمد: «الإسلام خمس». وفي رواية لمسلم: «بني الإسلام على خمسة، على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج». وفي رواية له: «بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وفي رواية للبخاري موقوفة: «بُني الإسلام على خمس، إيمانا بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت».

стр. 160

وروى الإمام أحمد، والطبراني، والآجري، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الإسلام بني على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وفي المسند، وصحيح مسلم، والسنن، من حديث ابن عمر ﵄ عن عمر ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت. ورواه البخاري، ومسلم، وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه: قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». ورواه النسائي أيضا من حيث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ بنحوه وفيه: «وتحج البيت»، قال: وإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: «نعم»، قال: صدقت. ورواه الإمام أحمد، وأبو بكر الآجري، من حديث ابن عمر ﵄ بنحو حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄. ورواه الآجري أيضا من طرق أخرى عن ابن عمر ﵄ وزاد فيه بعد الحج: «الغسل من الجنابة».

стр. 161

ورواه الإمام أحمد أيضا وأبو داود، من حديث ابن عمر ﵄ وفيه: «الغسل من الجنابة». ورواه ابن حبان في صحيحه، والدراقطني في سننه، من حديث ابن عمر ﵄ عن عمر ﵁ وفيه: «وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء»، وقال فيه: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، قال: صدقت. قال الدراقطني: إسناده ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد. قلت: إنما ساق مسلم إسناده فقط، وأما المتن فأحال به على ما تقدم قبله. ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بإسناد ساقه مسلم ولم يسق لفظه من حديث ابن عمر –﵄ قال: حدثني عمر ﵁ فذكر الحديث، وفيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تسلم وجهك لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج»، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، قال: صدقت. وفي المسند، وسنن النسائي، ومستدرك الحاكم، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ﵁ أنه قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «أن تُسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك لله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة ..» الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 162

وفي المسند أيضا عن عامر، أو أبي عامر، أو أبي مالك ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ : ما الإسلام؟ قال: «أن تسلم وجهك لله، وأن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة»، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: «نعم». فهذه الأحاديث متطابقة في المعنى وإن اختلفت في بعض الألفاظ، وهي تُفسِّر معنى الإسلام الحقيقي المطلوب من كل أحد، وتفيد أن من ترك شيئا مما ذكر فيها فليس بمسلم وإن زعم ذلك بلسانه، وهذا مستفاد من جواب السؤال، ومن قوله أيضا: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، فدل بمفهومه أن من ترك من ذلك شيئا فليس بمسلم، والمراد إذا تركه من غير عذر شرعي يبيح له الترك، فأما أهل الأعذار فلهم أحكام خاصة معروفة في مواضعها، وتفيد أيضا أنه لابد في الإسلام من تجريد التوحيد لله تعالى، والكفر بما يعبد من دونه كائنا ما كان، والدليل على ذلك قوله في الرواية الثانية لمسلم: «أن يوحد الله»، وقوله في الرواية الثالثة له: «أن يعبد الله ويكفر بما دونه»، وقوله في حديث أبي هريرة: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا»، وقوله في رواية عبد الله ابن الإمام أحمد عن عمر ﵁: «أن تسلم وجهك لله»، وقوله في حديث معاوية بن حيدة: «أن تسلم قلبك لله وتوجه وجهك لله»، وكذلك ما تقدم قريبا في حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه: «من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله»، وكذلك قوله في حديث أنس الذي بعده: «وذبحوا ذبيحتنا» يعني: ذبحوا لله وعلى اسم الله، ولم يذبحوا لغيره، ولا على اسم (١)

стр. 163

وما في حديث أبيه (١)، وجرير ﵃ من قوله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله»، وتفيد أنه لا يكتفي من قائلها بمجرد التلفظ بها فقط، بل لابد من اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، وعلى هذا فليس بمسلم من صرف شيئا من خصائص الربوبية أو الإلهية لغير الله تعالى، بل هو مشرك شاء أم أبى، وإن كان يقول لا إله إلا الله، ويدّعي أنه مسلم؛ لأن فعله ينافي قوله ويُكذّب دعواه، وكذلك ليس بمسلم من لم يكفر بما يُعبد من دون الله، وإن كان يقول لا إله إلا الله ولا يشرك به شيئا؛ لأن الكفر بما يُعبد من دون الله شرط في صحة الإسلام لما تقدم، ومعنى الكفر بما يُعبد من دون الله تعالى: اعتقاد بطلانه، والبراءة منه ومن أهله، وإظهار العداوة لهم والبغض، قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. ولما كان إقام الصلاة أعظم مباني الإسلام بعد الشهادتين نص في بعض الروايات هنا على الغُسل وإتمام الوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح بدون ذلك مع القدرة، وليس ذكرهما زيادة في المباني كما قد يفهم بعض الناس، وإنما هو مزيد اهتمام بشأن الصلاة وما يشترط لها، وتنبيه بما ذكر من شروطها على ما لم يذكر، كما نص على استقبال القبلة في حديث أنس الذي تقدم قريبا، وجعله من أمور الإسلام التي يقاتل على تركها، وذكر بقية الشروط مجملة في قوله: «وصلى صلاتنا»، وإنما عظم الشارع شأن

стр. 164

الصلاة، واهتم ببيان ما يجب لها لأنها عمود الإسلام، إذا تركت سقط بناء الإسلام كما يسقط الفسطاط إذا سقط عموده، ولهذا جاء في صحيح مسلم وغيره، عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». وفي ذكر الاعتمار، والغسل، وإتمام الوضوء، واستقبال القبلة، وأكل ذبائح المسلمين، والذبح مثلهم لله وعلى اسم الله تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام، وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا كما تدل على ذلك أحاديث أُخر ليس هذا موضع ذكرها، وكما أن التوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام أركان للإسلام لا يقوم بناؤه إلا عليها، فكذلك هي أيضا أعلام للإنسان يُعرف بها، كما تعرف الطرق بعلاماتها من جبال، وأحجار، ونحوها، وقد جاء في ذلك حديث رواه محمد بن نصر المروزي، من حديث خالد بن معدان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام ضوءا ومنارا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الحديث. ورواه الحاكم في مستدركه مختصرا وقال: صحيح على شرط البخاري، قال: وأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁ فغير مستبدع (١)، فقد

стр. 165

حكى الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عنه أنه قال: لقيت سبعة عشرة رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال الحافظ الذهبي: قال ابن أبي حاتم: خالد عن أبي هريرة متصل، وقال: أدرك أبا هريرة، ولم يذكر له سماع. انتهى. وقال الحاكم في موضع آخر من المستدرك: خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل، فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثا إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد، وإن لم يخرجاه. انتهى، وأقره الذهبي على هذا القول في تلخيصه. وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: «إن للإسلام صوىً» بالصاد المهملة. ورواه أبو نعيم بهذا اللفظ في كتاب "الحلية" من حديث روح بن عبادة، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام صوى بيِّنًا كمنار الطريق، فمن ذلك أن يعبد الله لا يشرك به شيء، وتقام الصلاة، وتؤتى الزكاة، ويحج البيت، ويصام رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسليم على بني آدم، فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت، ومن انتقص منهن شيئا فهو سهم من سهام الإسلام تركه، ومن تركهن كلهن فقد ترك الإسلام» قال أبو نعيم: غريب من حديث خالد تفرد به ثور، حدث به أحمد بن حنبل والكبار عن روح. انتهى.

стр. 166

قال أبو عبيد الهروي: الصوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة، يستدل بها على الطريق، واحدتها صوة كقوة، أراد أن للإسلام طرائق وأعلاما يهتدى بها. انتهى. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. قال البغوي رحمه الله تعالى: الصراط المستقيم هو الإسلام. وقال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]: القصد من السبيل دين الإسلام. وذكر ابن كثير هذا القول عن السدي. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: هو الإسلام الذي وصى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم. ثم روى بسنده عن ابن زيد قال: سبيله الإسلام، وصراطه الإسلام، نهاهم أن يتبعوا السبل سواه، فتفرق بكم عن سبيله عن الإسلام. وروى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، والآجري، عن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ..» الحديث، وفيه: «فالصراط الإسلام» قال الترمذي: حسن غريب. وقال عاصم الأحول: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه

стр. 167

فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا. رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فالإسلام هو دين الله الذي اصطفاه لرسله وأنبيائه ورضيه لعباده المؤمنين دينا، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فمن ابتغى دينا غير الإسلام لم يقبل الله منه ولو عمل أي عمل، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، والإسلام أيضا سبيل الله، والصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى، فمن سلكه وجعل أعلامه نصب عينيه، لا يلتفت عنها يمينا ولا شمالا، واستضاء بهدى الله ونوره الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ أفضى به إلى دار السلام في جوار ذي الجلال والإكرام كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾، وفي هذه الآيات أقوال أصحها قول مجاهد، والحسن، والفرّاء: أن طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه تنتهي، قال الواحدي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله، وإلى ثوابه وجنته. انتهى. فأما من خرج عن طريق الهدى، وضيّع أعلام الإسلام ومناره، ولم يقبل

стр. 168

هدى الله الذي بعث به رسوله محمدا ﷺ ولم يرفع به رأسا فإن الشياطين تستهويه، وتسلك به مسالك الغي والضلال المفضيات بسالكها إلى الهلاك والردى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]. قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، فيكون مثلنا مثل الذي ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضلّ الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ ، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. رواه ابن جرير. وروى أيضا أن رجلا قال لابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثَمّ رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ

стр. 169

ابن مسعود ﵁: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. وقد ذكر الله الإسلام الحقيقي في آيات كثيرة من كتابه، ومن أجمعها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢]. قال البغوي رحمه الله تعالى: إقامة الوجه إقامة الدين، قال سعيد بن جبير: أخلص دينك لله، وقال غيره: سدد عملك. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ دين الأولين، والفطرة الإسلام، ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟»، ثم يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قال البغوي رحمه الله تعالى: وهذا قول ابن عباس ﵄ وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة الدين، وهو الإسلام. وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي

стр. 170

التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. انتهى. وقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال البغوي رحمه الله تعالى: أي راجعين إليه بالتوبة، مقبلين إليه بالطاعة. انتهى. وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي خافوه وراقبوه. وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله تعالى وسخطه وعقابه وقاية تقيه منه؛ وذلك بفعل ما أوجبه، واجتناب ما حرمه. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: هذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة، لما يقتضيه مفهومها، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى. قلت: وإقامة الصلاة وترك الشرك داخل في معنى قوله: ﴿مُنِيبِينَ

стр. 171

إِلَيْهِ﴾، وإنما خصصا بالذكر لمزيد الاعتناء بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام، وبالصلاة التي هي عموده. ومن أَجْمَع الآيات في ذكر الإسلام الحقيقي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]، فهذا هو الإسلام الحقيقي الذي يثاب فاعله، ويعاقب تاركه. وإسلام الوجه لله تعالى هو: إفراده بالعبادة، وإخلاص الأعمال كلها له، وهذا هو توحيد الإلهية، ويسمى أيضا توحيد العبادة، وتوحيد القصد والإرادة، فمَن عَبَدَ الله ولم يشرك به شيئا، وكفر بما يُعبد من دونه فقد أسلم وجهه لله، واستمسك بالعروة الوثقى لا إله إلا الله، فإن مدلولها نفي الشرك وإنكاره والبراءة منه، وإخلاص العبادة لله وحده كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]؛ يقول: أخلصت

стр. 172

ديني، وأفردت عبادتي لله وحده في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك قصدا إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا الذي قاله الخليل ﵇ هو أصل دين الإسلام الذي بعث الله به رُسُله وأنزل به كتبه، وهو سر الخلق والأمر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ﴾ [الرعد: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أي أخلص العمل لربه ، فعمل إيمانا واحتسابا، وهو محسن أي اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعا للشريعة، فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقا، وهم الذين يراءون الناس، ومتى فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومتى جمعهما

стр. 173

كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم، قال: والحنيف هو المائل عن الشرك قصدا أي تاركا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكُلِّيَته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: الذي أسلم وجهه لله هو الذي يخلص نيته لله، ويبتغي بعمله وجه الله، والمحسن هو الذي يحسن عمله فيعمل الحسنات، والحسنات هي العمل الصالح، والعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله من واجب ومستحب، فما ليس من هذا ولا هذا ليس من الحسنات والعمل الصالح، فلا يكون فاعله محسنا. قال: والإسلام هو أن يستسلم لله لا لغيره، فيعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويتوكل عليه وحده، ويرجوه، ويخافه وحده، ويحب الله المحبة التامة، لا يحب مخلوقا كحبه لله، بل يحب لله ويبغض لله، ويوالي لله ويعادي لله، فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلما، ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلما، وإنما تكون عبادته بطاعته وطاعة رسوله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فكل رسول بعث بشريعة فالعمل بها في وقتها هو دين الإسلام، وأما ما بدل منها فليس من دين الإسلام، وإذا نسخ منها ما نسخ لم يبق من دين الإسلام، كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر شهرا، ثم الأمر باستقبال الكعبة، وكلاهما في وقته دين الإسلام، فبعد النسخ لم يبق دين الإسلام إلا أن يولي المصلي وجهه شطر المسجد الحرام، فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الإسلام؛ لأنه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره، وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول،

стр. 174

إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجُّه إلى بيت المقدس، فلهذا كانت السنة في الإسلام كالإسلام في الدين هو الوسط. انتهى. وقال أيضا في موضع آخر: ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه، فمَن عَبَدَه وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلما، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له والعبودية له، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، فالإسلام في الأصل من باب عمل القلب والجوارح، وأما الإيمان فأصله تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له. انتهى. وقال أيضا في موضع آخر: الإسلام هو الاستسلام لله وحده، ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام، ويتضمن إخلاصه لله، وقد ذكر ذلك غير واحد حتى أهل العربية كأبي بكر بن الأنباري وغيره، ومن المفسرين من يجعلهما قولين، كما يذكر طائفة -منهم البغوي- أن المسلم هو المستسلم لله، وقيل: هو المخلص. والتحقيق: أن المسلم يجمع هذا وهذا، فمن لم يستسلم له لم يكن له مسلما، ومن استسلم لغيره كما يستسلم له لم يكن مسلما، ومن استسلم له وحده فهو المسلم، والاستسلام له يتضمن الاستسلام لقضائه، وأمره ونهيه، فيتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور ﴿إِنَّهُ

стр. 175

مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن وراد، حدثنا آدم عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يقول: من أخلص لله، قال ابن أبي حاتم: وروي عن الربيع نحو ذلك، وقال: ذكر عن يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قال: ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه، وقال أبو الفرج: أسلم بمعنى أخلص، وفي الوجه قولان: أحدهما: أنه الدين. والثاني: العمل. وقال البغوي: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه، وهو محسن في عمله قيل: مؤمن، وقيل: مخلص. قلت: قول من قال خضع لربه هو داخل في قول من قال: أخلص دينه أو عمله أو عبادته لله، فإن هذا إنما يكون إذا خضع له وتواضع له دون غيره، فإن العبادة والدين والعمل له لا يكون إلا مع الخضوع له والتواضع، وهو مستلزم لذلك، ولكن أولئك ذكروا مع هذا أن يكون هذا الاستسلام لله وحده فذكروا المَعْنَيَيْن: الاستسلام، وأن يكون لله. وقول من قال: خضع وتواضع لله يتضمن أيضا أنه أخلص عبادته ودينه لله، فإن ذلك يتضمن الخضوع والتواضع لله دون غيره، وأما ذكره التوجه

стр. 176

فقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع، وبين أن الله ذكر إسلام الوجه له وذكر إقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٤٣]، وذكر توجيه الوجه له في قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ لأن الوجه إنما يتوجه إلى حيث توجه القلب، والقلب هو الملك، فإذا توجه الوجه نحو جهة كان القلب متوجها إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فكان إسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزما لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه، وذلك يستلزم إسلاما كله لله، وتوجيهًا كله لله، وإقامة كلها لله، وهذا حقيقة دين الإسلام. انتهى. وقال أيضا في موضع آخر: وقد بعث الله محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله ﷺ : «لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد» وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده»، والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده إلى بيت الله وحده، فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية حتى قال طائفة من السلف ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: أي حجاجا، فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت، قال طائفة من السلف: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾

стр. 177

قالتْ اليهود والنصارى: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا …﴾ الآية، عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه، وعليه عباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في كتابه من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض نوح، وإبراهيم، وإسرائيل، وموسى، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين قال الله تعالى في حق نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]، وقال تعالى في إبراهيم، وإسرائيل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣]، وقال تعالى عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال تعالى عن موسى وقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ

стр. 178

تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقال في أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية، وقال تعالى عن بلقيس: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال تعالى عن أمة عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وقال تعالى عنهم أيضا: ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١١٢]. وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده، وهو محسن بالعمل الصالح المشروع المأمور به، وهذان الأصلان جماع الدين؛ أن لا نعبد إلا الله، وأن تعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله

стр. 179

صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أصوبه، وأخلصه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لابد أن يكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان»، فالمؤمنون يحبون الله ولله، والمشركون يحبون مع الله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والشهادة بأن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما

стр. 180

يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما؛ لكونهم حرّموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر السورة، وما ذكره الله في صدر سورة الأعراف، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، وقد قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
следующие страницы →