فقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع، وبين أن الله ذكر إسلام الوجه له وذكر إقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٤٣]، وذكر توجيه الوجه له في قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ لأن الوجه إنما يتوجه إلى حيث توجه القلب، والقلب هو الملك، فإذا توجه الوجه نحو جهة كان القلب متوجها إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فكان إسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزما لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه، وذلك يستلزم إسلاما كله لله، وتوجيهًا كله لله، وإقامة كلها لله، وهذا حقيقة دين الإسلام. انتهى.
وقال أيضا في موضع آخر: وقد بعث الله محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله ﷺ : «لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد» وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده»، والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده إلى بيت الله وحده، فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية حتى قال طائفة من السلف ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: أي حجاجا، فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت، قال طائفة من السلف: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
стр. 177
قالتْ اليهود والنصارى: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا …﴾ الآية، عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه، وعليه عباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في كتابه من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض نوح، وإبراهيم، وإسرائيل، وموسى، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين قال الله تعالى في حق نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]، وقال تعالى في إبراهيم، وإسرائيل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣]، وقال تعالى عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال تعالى عن موسى وقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ
стр. 178
تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقال في أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية، وقال تعالى عن بلقيس: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال تعالى عن أمة عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وقال تعالى عنهم أيضا: ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١١٢].
وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده، وهو محسن بالعمل الصالح المشروع المأمور به، وهذان الأصلان جماع الدين؛ أن لا نعبد إلا الله، وأن تعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله
стр. 179
صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أصوبه، وأخلصه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.
وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.
فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لابد أن يكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان»، فالمؤمنون يحبون الله ولله، والمشركون يحبون مع الله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
والشهادة بأن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما
стр. 180
يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما؛ لكونهم حرّموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر السورة، وما ذكره الله في صدر سورة الأعراف، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، وقد قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
стр. 181
وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر، فآمنوا بالله واليوم الآخر، وأطاعوه فيما أمر ونهى، وحلل وحرم، فحرموا ما حرم الله ورسوله، ودانوا دين الحق، فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، فأمرهم بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر، وأحل لهم كل طيب، وحرم عليهم كل خبيث.
ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام، والانقياد، ويتضمن الإخلاص، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]، فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: لا إله إلا الله، فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يُشرَك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان» فقيل له: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك؟ قال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»؛ بطر الحق: جحده ودفعه، وغمط
стр. 182
الناس: ازدراؤهم واحتقارهم، فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك، قال الله تعالى في نعت اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال في نعت النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، ولهذا قال تعالى في سياق الكلام مع النصارى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى في سياق تقريره للإسلام وخطابه لأهل الكتاب: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٤٠].
ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدا وإن تنوعت شرائعه قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحدا، والأنبياء إخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، فليس بيني وبينه نبي» فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يُعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت، وتَنوُّع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع
стр. 183
الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة كما أمر النبي ﷺ المسلمين بذلك بعد الهجرة بضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته، ولهذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما، ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلما.
ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١].
فأهل الإشراك متفرقون وأهل الإخلاص متفقون، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
стр. 184
[هود: ١١٨ - ١١٩]، فأهل الرحمة مجتمعون متفقون، والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع يفترق أهله، فكان لكل قوم من مشركي العرب طاغوت يتخذونه ندا من دون الله، فيُقرِّبون له، ويستعينون به، ويشركون به، وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء، وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء، بل قد يكون لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين، وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو هذا الشرك؛ كالذين يتخذون القبور وآثار الأنبياء والصالحين مساجد تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستغاثة، والتوجه من لا تعظمه الطائفة الأخرى، بخلاف أهل التوحيد فإنهم يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئا في بيوته التي قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد جعل لهم الأرض كلها مسجدا وطهورا، وإن حصل بينهم تنازع في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك لهم تفرقا ولا اختلافا، بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران، وأن المجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له.
والله هو معبودهم وحده، إياه يعبدون، وعليه يتوكلون، وله يخشون ويرجون، وبه يستعينون ويستغيثون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد كانوا مبتغين فضلا منه ورضوانا، كما قال تعالى في نَعْتهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٤٨]، وكذلك إذا سافروا إلى أحد المساجد الثلاثة لاسيما المسجد الحرام الذي أُمروا بالحج إليه قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾
стр. 185
[المائدة: ٢]، فهم يؤمّون بيته يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون سواه، ولا يخافون إلا إياه، وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم، واستزلهم عن إخلاص الدين لربهم إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة رضا غير الله والرغبة إلى غيره، ويشدون الرحال إما إلى قبر نبي أو صاحب أو صالح، أو مَن يظنون أنه نبي أو صاحب أو صالح، داعين له راغبين إليه، ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور، ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت، ومن شيوخهم من يقصد حج البيت فإذا وصل إلى المدينة رجع مكتفيا بزيارة القبر وظن أن هذا أبلغ، ومن جُهَّالهم من يتوهم أن زيارة القبور واجبة، وأكثرهم يسأل الميت المقبور كما يسأل الحي الذي لا يموت، فيقول: يا سيدي فلان، اغفر لي وارحمني وتُب عليّ، أو يقول: اقضي عني الدين، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك وجوارك، وقد ينذرون أولادهم للمقبور، ويسيبون له السوائب من البقر والغنم وغيرها كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
ومِن السَدَنَة مَن يُضلِّل الجهال فيقول: أنا أذكر حاجتك لصاحب
стр. 186
الضريح، وهو يذكرها للنبي، والنبي يذكرها لله، ومنهم من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب من الستور والثياب، ويضع عنده من مصوغ الذهب والفضة مما قد أجمع المسلمون على أنه من دين المشركين وليس من دين الإسلام، والمسجد الجامع معطل خراب صورةً ومعنًى، وما أكثر من يعتقد من هؤلاء أن صلاته عند القبر المضاف إلى بعض المعظمين مع أنه كذب في نفس الأمر أعظم من صلاته في المساجد الخالية من القبور والخالصة لله، فيزدحمون للصلاة في مواضع الإشراك المُبتَدَعَة التي نهى النبي ﷺ عن اتخاذها مساجد وإن كانت على قبور الأنبياء، ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، والتي قال فيها: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
ومن أكابر شيوخهم من يقول: الكعبة في الصلاة قبلة العامة، والصلاة إلى قبر الشيخ فلان مع استدبار الكعبة قبلة الخاصة، وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين، وهذه المسائل تحتمل من البسط أكثر مما كتبناه في هذا، وإنما نبهنا فيه على رؤوس المسائل وجنس الدلائل، والتنبيه على مقاصد الشريعة وما فيها من إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وما سدَّته من الذريعة إلى الشرك دقّه وجلّه، فإن هذا هو أصل الدين، وحقيقة دين المرسلين، وتوحيد رب العالمين، وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا
стр. 187
حقيقته في نفوسهم.
فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، بل نفي الأسماء الحسنى أيضا، وسموا أنفسهم أهل التوحيد، وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات، ووجودا مطلقا بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ما سموه تركيبا، وظنوا أن العقل ينفيه، كما قد كشفنا أسرارهم، وبينا فرط جهلهم، وما أضلهم من الألفاظ المجملة المشتركة في غير هذا الموضع.
وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خلق كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال، ومن أهل الكلام من أطال نظره في تقرير هذا الموضع إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل، ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله إلا هو، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وأنه لا شريك له في الخلق، كان هذا عندهم هو معنى قولنا لا إله إلا الله، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
стр. 188
[يوسف: ١٠٦]، قال ابن عباس ﵄ وغيره: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولن الله، وهم مع هذا يعبدون غيره.
وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به كل الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لابد أن يخلص لله الدين والعبادة، فلا يعبد إلا إياه، ولا يعبده إلا بما شرع، فيكون دينه كله لله.
والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن، واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات، وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات، وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر لشمول القدرة لكل مخلوق، وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه.
فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر الفاجر عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين، الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رُسُله، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 189
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥].
ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه، وبين ما أمر به وأوجبه من الإيمان والأعمال الصالحات، وبين ما كرهه ونهى عنه وأبغضه من الكفر والفسوق والعصيان، مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء، وإلا وقع في دين المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ثم إن أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات، وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر إذا حققنا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق، بل يقولون بوحدة الوجود، كما قاله أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد، الذين يعظمون الأصنام وعابديها، وفرعون وهامان وقومهما، ويجعلون وجود خالق الأرض والسموات هو وجود كل شيء من الموجدات، ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان، وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس والبهتان، ومَن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات والخلق والأمر فميَّز بين المأمور المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما، وأثبت للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته المخلوقات، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، أثبت التوحيد الذي يبعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما نبَّه على ذلك في سورتي الإخلاص ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ
стр. 190
اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي الذي تدل عليه الأسماء والصفات، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها التوحيد القصدي العملي، وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره، وإن كان كل واحد منهما يُقرُّ بأن الله رب كل شيء ومليكه، ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه، ممن عبد غيره وأشرك به، أو نظر إلى القدر الشامل لكل شيء، فسوى بين المؤمنين والكفار كما كان يفعل المشركون من العرب.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها إثبات الذات، وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق الأحد الصمد عن المعطلين له بالحقيقة، نُفاة الأسماء والصفات المضاهين لفرعون وأمثاله ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود. انتهى المقصود من كلام الشيخ رحمه الله تعالى ملخصا، ولا مزيد عليه في تقرير التوحيد، ونفي الشرك والبدع، وبيان حقيقة الإسلام، وإيضاح معاني الأحاديث التي قدمنا ذكرها في أول الوجه، فليتأمله الناصح لنفسه حق التأمل، فما أعظمه وأجلّه وأنفعه لمن أراد الله هدايته.
وتأمل ما حكاه عن القبوريين من الأمور الشركية، وحكايته اتفاق العلماء على أن ذلك من الكفر الصريح وأنه من دين المشركين، وقد زاد الأمر بعده شدة، وعظمت الفتنة بالقبور حتى اتُخذت أوثانا تُعبد من دون الله، ويُفعل عندها وبها أعظم مما كان يفعله مشركو العرب.
ومن فهم ما ذكرناه في هذا الوجه من أوله إلى آخره لاسيما الأحاديث
стр. 191
الصحيحة، ونزل ذلك على أحوال المنتسبين إلى الإسلام في زماننا، تبين له أن الإسلام الحقيقي قد عاد غريبا كما بدأ أو أشد غربة، وتبين له أن حاصل إسلام الأكثرين الانتساب والدعوى المجردة، وحينئذ فنقول في الوجه الخامس: إن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان محتاجون إلى الدعاء إلى الإسلام، والتزام شرائعه، كما دعا رسول الله ﷺ أشباههم وسلفهم من أهل الجاهلية، فمن أجاب منهم فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ومن لم يُجب، فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا كما قاتل رسول الله ﷺ مشركي العرب وأهل الكتاب وكما قاتل الصحابة ﵃ مانعي الزكاة وغيرهم من المرتدين عن الإسلام حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه، وأما الأفراد ومن لا منعة لهم فهؤلاء يؤخذون بالتزام أحكام الإسلام الظاهرة ويجبرون على ذلك، ويعامل العصاة منهم بالتأديب الذي يليق بهم، فبعضهم بالتهديد، وبعضهم بالحبس، وبعضهم بالضرب، وبعضهم بأخذ بعض ماله، وبعضهم بالقتل، كل على حسب جُرمه كما هو مقرر معروف في أحكام العصاة والمرتدين، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وأن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها، دين الحق الذي طمست في زماننا أعلامه، واشتدت غربته ولم يبق منه بين الأكثرين إلا اسمه.
فإن قيل: كل المنتسبين إلى الإسلام يقولون: لا إله إلا الله، وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
стр. 192
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، وقد أنكر النبي ﷺ على أسامة بن زيد ﵄ قتله للرجل بعد ما قال: لا إله إلا الله، فدل على أن من قال: لا إله إلا الله فهو مسلم، معصوم الدم والمال، ولا يضره مع الإتيان بالشهادتين شيء!
قيل: هذه الشبهة قد ابتلي بها أكثر الناس، فظنوا أن مجرد التكلم بالشهادتين مانع من الكفر، عاصم للدم والمال، ولو كان المتكلم بهما مرتكبا ما ينافيهما ويناقضهما، هذا ما يتوهمه كثير من الجهال والضلال، وليس الأمر كما يظنون.
والجواب عن الحديث الأول من وجوه:
أحدها: أنه إنما ورد في حق المشركين الذين يزعمون تعدد الآلهة مع الله تعالى، كما أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ولهذا لما دعاهم النبي ﷺ إلى التوحيد أنكروا ذلك وأعظموه وتعجبوا منه، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، ثم تواصوا بالصبر والثبات على عبادة الآلهة المتعددة بزعمهم، كما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٦ - ٧]، والدليل على أن الحديث وارد في حق المشركين ما رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال:
стр. 193
«أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» هذا لفظ النسائي، ولهذا كان رسول الله ﷺ يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ويقاتلهم على ذلك، فمن قالها منهم دخل بها في الإسلام، وكذلك يدخل في الإسلام بقوله: أنا مسلم، ونحو ذلك مما يدل على إسلامه، وبعد الدخول في الإسلام يكون مطالبا بحقوق الإسلام، وتبقى صحة إسلامه معلقة بالتزام شرائعه، فإن قام بها تَبيّنا صحة إسلامه، وإن تركها تبينا كذبه في دعواه الإسلام، ولم ينفعه مجرد التلفظ بلا إله إلا الله.
يوضح ذلك الوجه الثاني: أن النبي ﷺ علّق عصمة الدم والمال في هذا الحديث بشرطين أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: القيام بحقها.
فمن أتى بالشرطين كليهما عصم دمه وماله، ومن امتنع منهما أو من أحدهما فليس بمعصوم الدم والمال؛ لأن الحكم المعلق بشرطين لا يجب بأحدهما والآخر معدوم.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث: فيه منع قتل من قال: لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟ الراجح: لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يُختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: «إلا بحق الإسلام». انتهى.
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمهم الله تعالى: قال علماؤنا
стр. 194
رحمهم الله: إذا قال الكافر لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة، وإلا بطلت، ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت، فقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه، وصار دمه وماله معصوما، ثم بيّن ﷺ في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، فبيّن أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها أبو بكر الصديق، ثم وافقوه ﵃. انتهى.
إذا عُرف هذا، فأعظم حقوق لا إله إلا الله إفراد الله بالعبادة، والكفر بما يُعبد من دون الله كائنا ما كان، كما في المسند، وصحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من وحّد الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله »، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والطاغوت اسم لكل معبود سوى الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومن أعظم حقوق لا إله إلا الله أيضا إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
стр. 195
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، وقد همّ النبي ﷺ بغزو بني المصطلق لما قيل له أنهم منعوا الزكاة وكان الذي أخبره بذلك كاذبا عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة، واحتج أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه على قتالهم بقول النبي ﷺ : «إلا بحقها»، كما في الصحيحين، والمسند، والسنن إلا ابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر ﵁: علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»؟! فقال أبو بكر ﵁: والله لو منعوني عناقا، وفي رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقتالهم على منعه، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة. قال عمر ﵁: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
стр. 196
وفي رواية لأحمد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله»، قال فلما قام أبو بكر، وارتد من ارتد، أراد أبو بكر قتالهم، قال عمر: كيف تقاتل هؤلاء القوم وهم يصلون؟ قال: فقال أبو بكر: والله لأقاتلن قوما ارتدوا عن الزكاة، والله لو منعوني عناقا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم. قال عمر: فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم عرفت أنه الحق.
ورواه الشافعي في مسنده ولفظه أن عمر ﵁ قال لأبي بكر ﵁ في مَن منع الصدقة: أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»؟ فقال أبو بكر ﵁: هذا من حقها؛ يعني منعهم الصدقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة ﵃ لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة؛ وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسَمُّوهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم
стр. 197
يتوقف كما توقف غيره، حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال: إن قاتلوا الإمام عليها كفروا، وإلا فلا، فإنَّ كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها، فإن الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل، فقال: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله» فلم يأمر بقتله، ولا حكم بكفره.
وفي السنن من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : «ومن منعها فإنَّا آخذوها وشطر إبله» الحديث. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام يقاتلون، ويحكم عليهم بالردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلُّوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط لقتالهم والحكم عليهم بالردة، وأن كفرهم وقتالهم ثابت بالاتفاق المستند إلى نصوص الكتاب والسنة.
وتأمل الفرق بين الطائفة الممتنعة، المقاتلة على منع الزكاة، وبين من لم يقاتل عليها، ومثلهم من لا منعة له كالأفراد، فإن هؤلاء تؤخذ منهم الزكاة، ويعاقبون على منعها بأخذ شطر أموالهم، ولا يقتلون ولا يحكم عليهم بالكفر، كما تدل على ذلك الأحاديث، بخلاف من قاتل عليها وله منعة،
стр. 198
فقد اتفق الصحابة على كفرهم وقتالهم، والله أعلم.
ومن أعظم حقوق لا إله إلا الله أيضا صيام رمضان وحج بيت الله الحرام، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وروى الترمذي، وابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا، وذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾» قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال.
وروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء؛ يهوديا أو نصرانيا».
ورواه البغوي في تفسيره بإسناده، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه.
وروى الإسماعيلي من حديث الأوزاعي، حدثني إسماعيل ابن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول:
стр. 199
«من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا» قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁، قال: وروى سعيد بن منصور في سننه، عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصيام رمضان».
وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن ابن عباس ﵄ قال حماد بن زيد ولا أعلمه إلا وقد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن ابتني الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر؛ حلال الدم؛ شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان».
وفي رواية: «من ترك منهن فهو بالله كافر، لا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله».
ورواه سعيد بن زيد -أخو حماد بن زيد- عن عمرو بن مالك البكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ مرفوعا.
وروى ابن شهاب، عن حنظلة، عن علي بن الأشجع أن أبا بكر الصديق ﵁ بعث خالد بن الوليد ﵁ وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة فقاتله عليها كما تقاتله على الخمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله
стр. 200
وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وعن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه، كما نقاتل على الصلاة والزكاة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد:
إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة، وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة وقال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله. وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام، والنبي ﷺ لم يؤمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها، وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام، فهذا قتال للفئة الممتنعة، والقتل للواحد المقدور عليه إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصح الأقوال.
والرواية الثانية: لا يُقتل بترك غير الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والصوم والحج والزكاة تدخلها النيابة.
والرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام، ولا يقتل بترك الحج؛ لأنه مُختَلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن قال هو على التراخي قال: كيف يقتل بتأخير شيء موسع له في تأخيره، وهذا المأخذ ضعيف جدا؛ لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد اتفاقا، وإنما صورة
стр. 201
المسألة أن يعزم على ترك الحج، ويقول هو واجب عليّ ولا أحج أبدا، فهذا موضع النزاع.
والصواب: القول بقتله؛ لأن الحج من حقوق الإسلام، والعصمة لم تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج من أعظم حقوقه. انتهى.
ومن أعظم حقوق لا إله إلا الله أيضا طاعة الرسول ﷺ ، وتجريد المتابعة له، والإيمان بكل ما جاء به، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢]، فجعل اتباع الرسول ﷺ سببا لمحبته سبحانه لمن اتصف بذلك ومغفرته لذنوبه، وأخبر أن التولي عن طاعته وطاعة رسوله كفر، والله لا يحب الكافرين، والآيات في طاعة الرسول ﷺ كثيرة جدا تزيد على تسعين آية، وفي أكثرها يقرن الله ﵎ بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ .
وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم والدارقطني.
وهذا الحديث من جوامع الكلم، فيدخل تحته جميع ما تقدم ذكره، وغير
стр. 202
ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، وتقدم كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في ذلك في أول الوجه الرابع، وكذلك قول غيره من كبار الأئمة قد تقدم هناك فليراجع.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلا الله، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة ومن أقر بنبوة مسيلمة وغيره من الكذابين، وسموهم كلهم أهل الردة وهم يقولون: لا إله إلا الله، وقاتل عليّ ﵁ الخوارج مستندا إلى أمر رسول الله ﷺ بقتالهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، فدل على أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع ترك حقها لا ينفع صاحبه ولا يغني عنه شيئا، وقد عقد كل طائفة من أتباع الأئمة في كتب الفقه بابا في حكم المرتد، وذكروا أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وبعضهم أفرد ذلك بكتاب مستقل.
وأما إنكار النبي ﷺ على أسامة بن زيد ﵄ قتله للرجل بعد ما قال: لا إله إلا الله فلأن أسامة ﵁ عاجل الرجل بعدما أظهر الإسلام، ظنا منه أنه إنما قال ذلك متعوذا من القتل، وكان الواجب على أسامة أن يكف عنه ويتثبت في أمره حتى يظهر صدقه أو كذبه فيما قال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، ففي هذه الآية دليل على وجوب الكف عمن أظهر الإسلام والتثبت
стр. 203
في أمره، فإن قام بحق الإسلام فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين كما تقدم في الأحاديث الصحيحة، وإن لم يقم بحقوق الإسلام، أو تبين منه بعد التزامها ما يخالف الإسلام قُتل؛ لقول النبي ﷺ : «إلا بحقها»، فقد جعله شرطا في عصمة الدم والمال.
ولقوله أيضا في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم».
وقال: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وأخبر أنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، هذا مع قولهم لا إله إلا الله ومع عبادتهم العظيمة، حتى قال النبي ﷺ فيهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم»، فإذا كان هذا حال من ترك بعض حقوق الإسلام لم تنفعه عبادته ولا قوله لا إله إلا الله، فكيف بمن يترك حقوق الإسلام كلها ويزعم أنه مسلم معصوم الدم والمال بمجرد قوله بلسانه لا إله إلا الله من غير اعتقاد لمعناها ولا عمل بمقتضاها؟! فما أشبه من كانت هذه حاله بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، قال ابن جرير رحمه الله تعالى في هذه الآية: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه فيها؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق، وقد فرّق الله تعالى بين أسمائهما
стр. 204
وأحكامهما في هذه الآية. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه: من سأل الأموات ما لا يطلب إلا من الله؛ كمغفرة الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل، ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله.
وقال أيضا: من اعتقد في نفيسة أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكف الضر، وتفتح الرزق، وتحفظ مصر، فهذا كافر مشرك يجب قتله، وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائنا من كان، والقرآن من أوله إلى آخره، وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يُعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعلوا مع الله إلها آخر، والإله من يألهه القلب عبادة، واستعانة، وإجلالا، وإكراما، وخوفا، ورجاء، كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. انتهى.
فتأمل كلام هذا الإمام، ثم انظر إلى ما يعتقده القبوريون في هذه الأزمان في نفيسة، وزينب، والبدوي، والدسوقي، والجيلاني، وغيرهم من الأموات، وما يفعلونه عند القبور من الشرك الأكبر يتبين لك غربة الدين، ويتضح لك وجوب قتال الأكثرين بعد إقامة الحجة عليهم.
وقال الشيخ أيضا في الوصية الكبرى لما ذكر الخوارج، ومروقهم من الدين وأمره ﷺ بقتالهم، قال رحمه الله تعالى: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مَرَق منه مع عبادته
стр. 205
العظيمة حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام والسنة، حتى يدَّعي السنة من ليس من أهلها بل قد مرق منها، وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية.
ثم ذكر رحمه الله تعالى أن عليا بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية بالنار، وأمر بأخاديد خدّت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجَّلهم ثلاثا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفق الصحابة ﵃ على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء، وكذلك الغلو في بعض المشايخ إما في الشيخ عدي، ويونس القني، أو الحلاج، وغيرهم، بل الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ ونحوه، بل الغلو في المسيح ﵇ ونحوه، فكل من غلا في نبي، أو في رجل صالح كمثل علي ﵁ أو عدي، أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح كالحلاج، أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس القني، ونحوهم، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليه، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال
стр. 206
يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلها آخر، والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس، والقمر، والكواكب، والعزير، والمسيح، والملائكة، واللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث، ويعوق، ونسرا، وغير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء، والملائكة، والكواكب، والجن، والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزير، والملائكة فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إليّ كما تتقربون، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسول وأنزل به الكتب، وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويُعلِّمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده»، وقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد»، ونهى عن الحلف بغير الله
стр. 207
فقال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها، ونهى النبي ﷺ عن السجود له وقال: «لا يصلح السجود إلا لله»، ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحذِّر ما فعلوا، وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة، وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، ولهذا اتفق العلماء على أن من سلّم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، وكذلك الطواف، والصلاة، والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا كما قال ﷺ : «لا تتخذوا بيتي عيدا» كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا
стр. 208
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ …﴾، وقال ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، والإله الذي يألهه القلب عبادة له، واستعانة، ورجاء له، وخشية، وإجلالا، وإكراما. انتهى كلامه رحمه الله تعالى مُلخَّصا.
فتأمل كلام هذا الإمام من أوله إلى آخره، وتأمل قوله فيمن غلا في نبي، أو رجل صالح، أو من يُعتقد فيه الصلاح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، أو صرف له شيئا من خصائص الربوبية أنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، فإن هذا مطابق لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها في أول الوجه الرابع، وإنما أبيح قتله لمخالفته لمعنى شهادة التوحيد لا إله إلا الله، وتركه لأعظم حقوقها وهو إفراد الله بالعبادة.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين رحمه الله تعالى: من جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء، والسجود، والذبح، والنذر، وغير ذلك فهو مشرك، ولا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دونه؛ لأن معنى لا إله إلا الله إثبات العبادة لله وحده، والبراءة من كل معبود سواه، وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، قال: وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» فقوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» الظاهر أن هذا زيادة إيضاح؛ لأن لا إله إلا الله متضمنة الكفر بما يعبد من دون الله، ومن قال: لا إله إلا الله ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتى، والغائبين، وسؤالهم قضاء
стр. 209
الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، فهذا مشرك شاء أم أبى، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ومع هذا فهو شرك، ومن فعله كافر، ولكن كما قال الشيخ: لا يقال فلان كافر حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن أصر بعد البيان حكم بكفره، وحل دمه وماله، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ (١) كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، فإذا كان في بلد وثن يعبد من دون الله قوتلوا لأجل هذا الوثن، أي لإزالته وهدمه، وترك الشرك، حتى يكون الدين كله لله، والدعاء دين، سماه الله دينا كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] أي: الدعاء، وقال ﷺ «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له»، فمتى كان شيء من العبادة مصروفا لغير الله فالسيف مسلول عليه، والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقوله: إنه لا يقال للمشرك بالله الشرك الأكبر إنه كافر إلا بعد البيان، وإصراره على المخالفة. فيه نظر، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، فقد كفّر ﵎ كل من دعا معه إلها آخر، وأطلق ولم يقيد ذلك بالإصرار بعد إقامة الحجة، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ
стр. 210
إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فسماهم الكافرين بدعائهم غيره، ولم يقيد ذلك بالإصرار بعد البيان، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: لا يرشد لدينه من كذب، فقال: إن الآلهة لتشفع، وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذبا وكفرا. انتهى.
ولم يذكر سبحانه في هذه الآية تقييدا بالإصرار بعد البيان، بل أطلق ذلك، فعلم أن التقييد غير معتبر، وأنه لا مانع من إطلاق الكفر على من اتصف بالشرك الأكبر، نعم، حلّ الدم والمال هو الذي يعتبر فيه الإصرار بعد البيان، فمن قامت عليه الحجة وأصر على المخالفة حل دمه وماله، والله أعلم.
الوجه السادس: في تمييز الخبيث من الطيب؛ ليستبين حاصل العدد المزعوم الذي يكثر به من قل نصيبه من العلم والإيمان، فنقول - والله المستعان-: المنتسبون إلى الإسلام في زماننا على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أدعياء الإسلام الذين هم في معزل عنه.
الثاني: أهل البدع والأهواء الذين هم على شفا جرف هار.
الثالث: أهل السنة والجماعة.
فأما القسم الأول: فهم أصناف:
الصنف الأول: المشركون الذين اتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون
стр. 211
شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وهم عبّاد الأوثان، والطواغيت، والأشجار، والأحجار، والعيون، والغيران، وغيرها مما يعبد من دون الله، وهم أشبه الناس بمشركي العرب؛ الذين كانوا يعبدون اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ووداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، ونحوها من معبودات أهل الجاهلية، بل مشركو هذه الأزمان وقبلها بدهر طويل أجهل بالله تعالى وتوحيده، وأعظم شركاً من مشركي العرب ومن قبلهم، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أن مشركي هذه الأزمان، وقبلها بقرون كثيرة إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدين لغير الله؛ فتراهم يهتفون باسم علي وغيره من أهل البيت، أو باسم عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، أو الدسوقي، أو زينب، أو أمثال هؤلاء المعبودين من دون الله، وينادونهم من قريب وبعيد، وينذرون لهم النذور، ويقربون لهم القرابين، ويتضرعون إليهم، ويدعونهم رغبا ورهبا، منيبين إليهم، مخلصين لهم الدين، معتقدين أنهم أسرع إجابة لهم وفرجا من الله تعالى، وقلّ من يستغيث منهم بالله في تلك الحال، فشركهم دائم في الرخاء والشدة؛ وهو في الشدة أعظم، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون الأولون فإنهم يشركون في حال الرخاء، فإذا وقعوا في الشدائد دعوا ربهم منيبين إليه، مخلصين له الدين، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ
стр. 212
كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية [لقمان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الزمر: ٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن المشركين الأولين أعلم بالله من مشركي هذه الأزمان.
وقد روى النسائي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة؛ عكرمة بن أبي جهل …» وذكر بقية الأربعة- ثم قال: وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره،
стр. 213
اللهم إن لك عليّ عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوَّا كريما، فجاء فأسلم.
الوجه الثاني: أن مشركي هذه الأزمان وقبلها بدهر طويل قد وصلوا إلى دعوى الربوبية في معبوديهم من دون الله، فزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويدبرون الأمور، ويتصرفون في الكون بالمشيئة والقدرة العامة؛ فيعطون ويمنعون، وينفعون ويضرون، وينزلون المطر ويشفون المرضى، وينقذون من أشفى على الهلاك في البر والبحر، وينصرون عابديهم، ويهزمون أعداءهم ويقهرونهم، إلى غير ذلك من أفعال الربوبية، وأن ذلك لآلهتهم على سبيل الكرامة، فألهوهم وعبدوهم عبادة ما صدرت من مشركي العرب، ولا ادعاها أحد منهم لوثنه ومعبوده، وقد صرح بعض غلاتهم المتأخرين بأن آلهته تقدر على الخلق وإحياء الموتى، كما ذكر ذلك ابن النعمي وغيره فيما سننقله قريبا إن شاء الله تعالى، وهذا شيء ما وصل إليه أحد من المشركين الأولين ولا حام حول حماه، ومن وقف على كتاب الأغلال للصعيدي الملحد الخبيث فقد وقف على ساحل بحر الكفر بالله العظيم، والاستهزاء به، وسلبه من كل كمال، وإعطاء ذلك للإنسان العاجز الضعيف، وقد حاول المرتد المنسلخ من آيات الله ودينه أن يجعل آلهته من أمم الكفر والضلال أربابا مع الله تعالى، تُنازع الله تعالى في عظمته، وعلمه، وقوته، وقدرته، فتعلم ما لا يعلمه إلا الله، وتقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله من جميع أفعال الربوبية، كالخلق، والرزق، والإعطاء، والمنع، والنفع، والضر، وجميع التصرفات الكونية، وأنها تقدر على جَعْل
стр. 214
الحَمَل ذَكَرًا وجَعْله أنثى، يعني فتهب لمن تشاء إناثا، وتهب لمن تشاء الذكور، إلى غير ذلك من دعاواه الباطلة العريضة في كتابه الذي جمع كل شر وبعد عن كل خير، وخليق بكل عاقل أن يُنزّه نفسه عن نقل هذيان ذلك المغرور الجاهل بالله تعالى وعظمته وجلاله، فما أشبهه بمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ الآيات [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]، وممن قال تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، والحمد لله الذي عافانا وإخواننا المسلمين مما ابتلاه به وابتلى به أمثاله من الزنادقة والملاحدة، ونسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، وقد قال الله مخبرا عن المشركين الأولين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بالزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
стр. 215
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إقرارهم لله تعالى بأفعال الربوبية كلها، وأنه لا شريك له في ذلك.
وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه -: إن عاداً قحطوا؛ فبعثوا وافدا لهم يقال له: قيل بن عمرو، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبل مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. الحديث.
وذكر أبو القاسم السهيلي في كتاب "الروض" ما رواه أبو سليمان الخطابي بإسناده إلى رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم قالت: تتابعت على قريش سنو جدب، فذكرت رؤيا رأتها؛ فيها أمر قريش بالاغتسال والتطيب والطواف بالبيت والاستسقاء عقب ذلك، وأن قريشا فعلوا ذلك، ثم ارتقوا أبا قبيس حتى قروا بذروه الجبل، فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا ﷺ -