شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وهم عبّاد الأوثان، والطواغيت، والأشجار، والأحجار، والعيون، والغيران، وغيرها مما يعبد من دون الله، وهم أشبه الناس بمشركي العرب؛ الذين كانوا يعبدون اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ووداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، ونحوها من معبودات أهل الجاهلية، بل مشركو هذه الأزمان وقبلها بدهر طويل أجهل بالله تعالى وتوحيده، وأعظم شركاً من مشركي العرب ومن قبلهم، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أن مشركي هذه الأزمان، وقبلها بقرون كثيرة إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدين لغير الله؛ فتراهم يهتفون باسم علي وغيره من أهل البيت، أو باسم عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، أو الدسوقي، أو زينب، أو أمثال هؤلاء المعبودين من دون الله، وينادونهم من قريب وبعيد، وينذرون لهم النذور، ويقربون لهم القرابين، ويتضرعون إليهم، ويدعونهم رغبا ورهبا، منيبين إليهم، مخلصين لهم الدين، معتقدين أنهم أسرع إجابة لهم وفرجا من الله تعالى، وقلّ من يستغيث منهم بالله في تلك الحال، فشركهم دائم في الرخاء والشدة؛ وهو في الشدة أعظم، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون الأولون فإنهم يشركون في حال الرخاء، فإذا وقعوا في الشدائد دعوا ربهم منيبين إليه، مخلصين له الدين، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ
стр. 212
كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية [لقمان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الزمر: ٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن المشركين الأولين أعلم بالله من مشركي هذه الأزمان.
وقد روى النسائي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة؛ عكرمة بن أبي جهل …» وذكر بقية الأربعة- ثم قال: وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره،
стр. 213
اللهم إن لك عليّ عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوَّا كريما، فجاء فأسلم.
الوجه الثاني: أن مشركي هذه الأزمان وقبلها بدهر طويل قد وصلوا إلى دعوى الربوبية في معبوديهم من دون الله، فزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويدبرون الأمور، ويتصرفون في الكون بالمشيئة والقدرة العامة؛ فيعطون ويمنعون، وينفعون ويضرون، وينزلون المطر ويشفون المرضى، وينقذون من أشفى على الهلاك في البر والبحر، وينصرون عابديهم، ويهزمون أعداءهم ويقهرونهم، إلى غير ذلك من أفعال الربوبية، وأن ذلك لآلهتهم على سبيل الكرامة، فألهوهم وعبدوهم عبادة ما صدرت من مشركي العرب، ولا ادعاها أحد منهم لوثنه ومعبوده، وقد صرح بعض غلاتهم المتأخرين بأن آلهته تقدر على الخلق وإحياء الموتى، كما ذكر ذلك ابن النعمي وغيره فيما سننقله قريبا إن شاء الله تعالى، وهذا شيء ما وصل إليه أحد من المشركين الأولين ولا حام حول حماه، ومن وقف على كتاب الأغلال للصعيدي الملحد الخبيث فقد وقف على ساحل بحر الكفر بالله العظيم، والاستهزاء به، وسلبه من كل كمال، وإعطاء ذلك للإنسان العاجز الضعيف، وقد حاول المرتد المنسلخ من آيات الله ودينه أن يجعل آلهته من أمم الكفر والضلال أربابا مع الله تعالى، تُنازع الله تعالى في عظمته، وعلمه، وقوته، وقدرته، فتعلم ما لا يعلمه إلا الله، وتقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله من جميع أفعال الربوبية، كالخلق، والرزق، والإعطاء، والمنع، والنفع، والضر، وجميع التصرفات الكونية، وأنها تقدر على جَعْل
стр. 214
الحَمَل ذَكَرًا وجَعْله أنثى، يعني فتهب لمن تشاء إناثا، وتهب لمن تشاء الذكور، إلى غير ذلك من دعاواه الباطلة العريضة في كتابه الذي جمع كل شر وبعد عن كل خير، وخليق بكل عاقل أن يُنزّه نفسه عن نقل هذيان ذلك المغرور الجاهل بالله تعالى وعظمته وجلاله، فما أشبهه بمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ الآيات [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]، وممن قال تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، والحمد لله الذي عافانا وإخواننا المسلمين مما ابتلاه به وابتلى به أمثاله من الزنادقة والملاحدة، ونسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، وقد قال الله مخبرا عن المشركين الأولين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بالزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
стр. 215
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إقرارهم لله تعالى بأفعال الربوبية كلها، وأنه لا شريك له في ذلك.
وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه -: إن عاداً قحطوا؛ فبعثوا وافدا لهم يقال له: قيل بن عمرو، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبل مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. الحديث.
وذكر أبو القاسم السهيلي في كتاب "الروض" ما رواه أبو سليمان الخطابي بإسناده إلى رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم قالت: تتابعت على قريش سنو جدب، فذكرت رؤيا رأتها؛ فيها أمر قريش بالاغتسال والتطيب والطواف بالبيت والاستسقاء عقب ذلك، وأن قريشا فعلوا ذلك، ثم ارتقوا أبا قبيس حتى قروا بذروه الجبل، فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا ﷺ -
стр. 216
فرفعه على عاتقه - وهو يومئذ غلام - ثم قال: اللهم سادّ الخلة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلَّم، ومسؤول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم، فاسمعنّ اللهم وامطرنّ علينا غيثاً مريعا مغدقا، فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها، وكظّ الوادي بثجيجه.
وذكر ابن إسحاق في قصة أبرهة صاحب الفيل لما أراد هدم الكعبة أن عبد المطلب قام فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
يا رب لا أرجو لهم سواكا … يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا … امنعهم أن يخربوا قراكا
وقال أيضا:
لا همّ إن المرء يمـ … ـنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـ … ـب وعابديه اليوم آلك
وروى الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم، من حديث الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين،
стр. 217
وخير القبيلتين، فقال الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، يقول: قد نصرت ما قلتم؛ وهو محمد ﷺ .
فتأمل أيها الموحد -وفقني الله وإياك- حال المشركين الأولين كيف كانوا يفردون الله تعالى بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال الغيث، وإنبات النبات، وتسخير الشمس والقمر وغيرهما، وتدبير الأمور كلها، معتقدين أنه رب كل شيء ومليكه، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وكيف كانوا يفزعون إلى الله تعالى إذا دهمتهم الشدائد، ويستغيثون به وحده، ويطلبون النصر منه، وتفريج الشدائد لا من غيره، وينسون في تلك الأحوال ما كانوا يشركون به من قبل! ثم تأمل حال مشركي زماننا، وما قبله بأزمان كيف صرفوا خصائص الربوبية والألوهية لغير الله، وكيف كانوا يفزعون إلى معبوديهم من دون الله، فيستجيرون بهم مما يخافونه، ويستغيثون بهم في جميع الملمات، ويطلبون منهم النصر، والظفر، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، قد نسوا فاطر الأرض والسموات، واتخذوه (١) وراءهم ظهريا، ومع ذلك كله يدَّعون أنهم من أهل الإسلام، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٨ - ١٩]، فقبَّح الله من كانت عاد الأولى وفرعون هذه الأمة وأشياعه أعلم بالله منهم وأشد له إجلالا وتعظيما، وهذا الشرك الأكبر الذي هو أظلم الظلم وأنكر المنكرات وأقبح القبائح،
стр. 218
وأعظم ذنب عُصي الله به، وغاية أمنية إبليس لعنه الله، ما زال يدب في هذه الأمة دبيب السم في جسد اللديغ، حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها إلا ما شاء الله منها وهو النزر اليسير، وطغى بَحْره الأجاج على أكثر الممالك الإسلامية، حتى فر الإسلام هاربا منه إلى معاقله الأولى كما هو معلوم بالمشاهدة عند كل من فهم ودرى، وقد سرى هذا الداء العضال في هذه الأمة قديما بعد القرون الثلاثة المفضلة، وما زال شره يستطير ويزداد على ممر الأوقات، حتى عادت الجاهلية الجهلاء في أكثر الأقطار الإسلامية أعظم مما كانت عليه قبل بعثة محمد ﷺ ، ولم يسلم من غائلة هذا الداء القاتل إلا من جرَّد التوحيد لله رب العالمين، ولزم المتابعة للرسول ﷺ ، وما أقلهم في هذه الأزمان المظلمة، فالله المستعان.
وسبب هذا الشرك الذي عظمت فتنته، وتطاير شررها في جميع الآفاق هو الغلو في الصالحين ومن يُظن صلاحه، وبناء المشاهد على قبورهم، وتعظيم القبور، والأشجار، والأحجار، والعيون، والغيران وغيرها بما نهى عنه الشرع، حتى اتُخذ الكثير منها بعد طول الأمد أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، ويُفعل عندها وبها من أنواع الشرك مثل [ما (١)] كان المشركون الأولون يفعلونه عند أوثانهم وطواغيتهم أو أعظم، وهذا مصداق ما تقدم ذكره من حديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» رواه البرقاني في صحيحه بهذا اللفظ، وأصله في مسلم.
стр. 219
ورواه أبو داود وابن ماجة بلفظ: «حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان».
ورواه الترمذي بلفظ: «حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان» وقال: هذا حديث صحيح.
ومثل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الأوثان يعبدونها من دون الله» رواه أبو داود الطيالسي.
ففي هذين الحديثين معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ؛ لكونه أخبر عما سيقع بعده، فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
ومن المحزن جدا ما نسمعه كثيرا من دعاء غير الله تعالى في أشرف البقاع وأحبها إلى الله تعالى وفي أعظم الأيام عنده، فضلا عما نسمعه كثيرا فيما سوى ذلك من البقاع والأزمان، وكذلك ما نراه في كلام كثير من المنتسبين إلى العلم فضلا عن غيرهم من أنواع الشرك بالله تعالى، وصرف خالص حقه لبعض المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فضلا عن غيرهم، وكثير من الضُّلال قد اتخذوا البردة والهمزية، وما شابههما -مما هو مشتمل على الشرك بالله تعالى، وزيادة الغلو في المخلوقين- أورادا يحافظون عليها، ويعتنون بها أكثر مما يعتنون بالأوراد والأدعية المأثورة، بل الأوراد والأدعية المأثورة مهجورة عندهم، لا
стр. 220
يعرفونها، ولا يرفعون بها رأسا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، وقلّ أن ترى من يشمئز من هذه الأمور الشركية ويُغيِّرها، ويتبرأ من أهلها ويبغضهم ويعاديهم، ويتقرب إلى الله بمقتهم والبعد عنهم، بل لعل الإنكار لها بأضعف الإيمان قليل في هذه الأزمان، فالله المستعان.
فأما الطامات التي تُفعل الآن في أكثر الأقطار الإسلامية ولاسيما في العراق ومصر، فأمر لا يضبطه الوصف ولا تحيط به العبارة، وحسبك شرا من مصرين هما كالبحر المحيط لأنواع الشرك بالله تعالى في ربوبيته وإلهيته، مع ما ضم إلى ذلك من اطّراح الحكم بالشريعة المحمدية، والاستبدال عنها بأحكام الطاغوت، من قوانين ونظامات وسياسات إفرنجية، وما ضم إلى ذلك أيضا من أنواع البدع والضلالات، والتصديق بالأكاذيب والخرافات، والإصغاء إلى الجهالات والخزعبلات، وما ضم إليه أيضا من مزيد المشابهة لأعداء الله تعالى من اليهود والنصارى والمجوس، وغيرهم من أصناف أعداء الله تعالى في أخلاقهم وآدابهم ولباسهم وهيئاتهم وأنظمتهم وقوانينهم وسياساتهم، وأكثر أحوالهم أو جميعها، وما ضم إليه أيضا من التلبس بأنواع الفسوق والمعاصي واتباع الشهوات، وأعني بهذا حال الأكثرين منهم، فأما أهل الإسلام الحقيقي فيهم فإنهم نزر قليل مستضعفون في الأرض، غرباء بين أهل الشر والفساد الذين أشرنا إليهم، وحال أكثر الأقطار الإسلامية في طغيان الشرك وأنواع البدع وكثرة الشر والفساد وقلة أهل الخير قريب مما ذكرنا عن مصر
стр. 221
والعراق، فلا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.
ونذكر ههنا إشارة مختصرة عن محيطي الشرك بالله تعالى، ثم نتبعها بذكر ما شابههما في كثرة الأوثان وأمور الجاهلية، ليعرف الموحدون قدر نعمة الله عليهم، وما اختصهم به من معرفته وتوحيده، وفضلهم بذلك على غيرهم، رحمة منه لهم، وفضلا عليهم، فيشكروه على إنعامه، ويذكروه في أنفسهم تضرعا وخيفة، ويتقوه حق تقاته، ويزدادوا له حبا وإجلالا وتعظيما، فإن فضله كان عليهم عظيما.
فأما العراق ففيه مشاهد كثيرة قد اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، ويفعل عندها وبها أعظم مما كان أهل الجاهلية يفعلونه عند اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فمنها: مشهد علي، ومشهد الحسين، ومشهد العباس، ومشهد موسى الكاظم، ومشهد أبي حنفية، ومشهد معروف الكرخي، ومشهد عبد القادر الجيلاني، وغير ذلك من المشاهد، والقبور التي عظمت الفتنة بها، وأدرك بها عدو الله إبليس غرضه من هذه الأمة بعد ما كان قد أيس من ذلك في أول الإسلام، وقد افتتن سُنّية أهل العراق ورافضتهم بتلك المشاهد إلا من شاء الله منهم، وأعادوا بها المجوسية، وأحيوا بها معاهد اللات والعزة ومناة، ونحوها من معبودات أهل الجاهلية، وافتتن بها أيضا غيرهم في كثير من الأقطار الإسلامية كالشام، ومصر، والمغرب، وبلاد العجم، والهند، والبحرين، والقطيف، والأحساء، وغير ذلك من الأمصار المتباعدة، والرافضة يصلون إلى تلك
стр. 222
المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك الأجداث من الأموات، وينادونهم من قريب وبعيد، يطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ويحجون أيضا إلى تلك القبور، ويطوفون بها، ويستلمون أركانها، ويُقبِّلون حيطانها، ويحلقون الرؤوس عندها، ويقربون لها القرابين، ويصرفون لها من النذور والأموال شيئا كثيرا، ويزعمون أن زيارتهم لعلي وأمثاله أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، وبعضهم يقول أفضل من سبع حجج، وبعضهم يقول أفضل من سبعين حجة، قال الله تعالى في سلفهم: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣ - ١٠٤].
وقد صنف بعض متقدميهم من شيوخ الإمامية كتاب سماه مناسك حج المشاهد، وكثير منهم يرون أن كربلاء خير وأفضل من مكة، وقد ذكر لنا أن كثيرا منهم إذا سافروا لزيارة تلك المشاهد يذهب معهم جملة من النساء الأجانب ممن لهن أزواج وممن لا أزواج لهن، فلا يزال أحدهم يزني بمن معه منهن باسم المتعة من حين يخرجن من بيوتهن إلى أن يرجعن إليها، ولا يرون بذلك بأسا، وهذا لا يستبعد من حمير اليهود، الذين لا غيرة لهم ولا أنفة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، ويشهد لهذا من فعلهم ما ذكره بعض أهل العلم بالإخبار أنهم في بعض المواضع يجتمع رجالهم ونساءهم في ليلة من السنة قيل إنها أول ليلة من برج الحمل
стр. 223
ويسمون يومها يوم النيروز، وقيل غير ذلك، فيقرأ عليهم بعض طواغيتهم مما لفقوه من السخافات والأكاذيب، ثم يقومون فيرقصون، فإذا فرغوا أطفأوا سراجهم، واختلط الرجال بالنساء، فمن وقع في يده امرأة جامعها ولو كانت أمه، أو بنته، أو أخته، أو غيرهن من محارمه، ويقولون هذا اصطياد مباح، ويخصون طاغوتهم بأحسن امرأة تكون في ذلك المجمع، فتجلس إلى جانبه ليزني بها إذا أطفئ السراج، وكل امرأة تحمل من الزنا في تلك الليلة فولدها سيد عندهم، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وهذه البدعة الشنعاء، والفاحشة الصلعاء تسمى عند القرامطة وأتباعهم بالماشوش، وهي موروثة عنهم، وهم أخذوها عن البابكية أتباع بابك الخرمي، ذكر ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ونقله عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه، وذكره غيرهما من أهل العلم بالأخبار، والله أعلم.
وكثير من الرافضة يعبّد أولاده لأهل البيت، فيسميهم عبد علي، وعبد الحسين، وعبد العباس، ونحو ذلك مضاهاة منهم للنصارى في تسميتهم بعبد المسيح، وللمشركين في تسميتهم بعبد العزى، وعبد مناة, وعبد ود، وعبد يغوث، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ
стр. 224
يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠ - ١٩٢]، وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ﴾ [الإسراء: ٤]، قال: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث، وعبد شمس، وعبد العزى، وعبد الدار ونحوها.
قلت: وكذلك الرافضة قد جعلوا للشيطان نصيبا في أولادهم بتسميتهم إياهم عبيدا لغير الله، فصنيع الرافضة في أولادهم كصنيع النصارى والمشركين سواء بسواء، ولآلهتهم من الحب، والتعظيم، والتوقير، والخشية، والاحترام ما ليس معه شيء لله تعالى، ولو طلب من أحدهم أن يحلف بالله تعالى على الكذب لبادر إلى ذلك بلا مبالاة، ولو طلب منه أن يحلف ببعض أهل البيت لنكص واستعظم الحلف بهم على الكذب، وإذا حزب أحدا منهم أمر، أو نزلت به نازلة فإلى أهل البيت مشتكاه، وهم ملجأه في الشدائد كلها، ومستعاذه، ومستغاثه، ولا يعرف له ملجأ وملاذا سوى أهل البيت، تعالى الله وتقدس وتنزه عن إفكهم وشركهم، لا إله إلا هو ولا رب سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه كان مع الإخوان في بعض غزواتهم التي قاتلوا فيها عبدة تلك المشاهد قال: فلحقت رجلا منهم فضربته بالبندق فصاح مستغيثاً بعلي، وما زال يستغيث به حتى خرجت روحه، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
стр. 225
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]، وقبائح الرافضة ودعاواهم في أهل البيت طويلة عريضة، فلا نطيل بذكرها، والله المسؤول أن يطهر الأرض من أدرانهم وأدران إخوانهم من المشركين الذين هم بربهم يعدلون.
وأعظم أوثان العراق فتنة مشهد علي ومشهد الحسين وهما للرافضة، ومشهد عبد القادر الجيلاني وهو للإسماعيلية وكثير ممن ينتسب إلى السنة، وهم برآء من السنة بل ومن الإسلام بالكلية، والفتنة به قديمة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: كان بعض الشيوخ الذين أعرفهم -وله فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى جهة عبد القادر خطوات معدودات، واستغاث به، قال: وهذا يفعله كثير من الناس وأكبر منه. انتهى.
стр. 226
وقال محمد رشيد رضا: قد ذكروا في بعض الكتب، وما زالوا يتناقلون أن من أصابته شدة فليصل ركعتين، ثم ليتوجه إلى الشرق؛ أي إلى بغداد، وينادي الشيخ وينشد هذين البيتين في الاستغاثة والاستجارة به:
أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي … وأُظلم في الدنيا وأنت مجيري!
وعارٌ على راعي الحمى وهو في الحمى … إذا ضاع في الهيجا عقال بعير
ويقول: سيدي عبد القادر اقض حاجتي، ويذكرها، قالوا: فإنها تقضى وإن ذلك مُجرَّب، وقد يروون ذلك عنه، برأه الله من شركهم بالله وكفرهم بدينه. انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: اشتهر عن ابن كمال بأخبار الثقات أنه يقول: عبد القادر في قبره يسمع، ومع سمعه ينفع، قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا قول شنيع، وشرك فظيع.
وقال أيضا: وكذلك ما يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، والهند من البناء على قبر عبد القادر الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، والذي في الهند، وينادونه من مسافة أشهر بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه، وهو لما كان حيا يسمع ويبصر لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم بما صار، وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا الذي يفعله هؤلاء مع ما ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه
стр. 227
الأمة، فقد ربا على شرك أهل الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد الربوبية، وجحدوا توحيد الألوهية، وهؤلاء صرفوا خصائص الربوبية والإلهية لغير الله، فالله المستعان. انتهى ملخصا.
وقال المنفلوطي في كتابه "النظرات": كَتَبَ إليَّ أحد علماء الهند كتابا يقول فيه: إنه اطلع على مؤلَّف ظهر حديثا بلغة الهنود، موضوعه تاريخ حياة عبد القادر الجيلاني، وذكر مناقبه، وكراماته، فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب عبد القادر ولقبه بها صفات وألقاب هي بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة، فضلا عن مقام الولاية، كقوله: سيد السموات والأرض، والنفّاع الضرّار، والمتصرف في الأكوان، والمطلع على أسرار الخليقة, ومحيي الموتى، ومبرئ الأعمى والأبرص والأكمه، وأمره من أمر الله، وماحي الذنوب، ودافع البلاء، والرافع الواضع، وصاحب الشريعة، وصاحب الوجود التام … إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب، ويقول الكاتب إنه رأى في ذلك الكتاب فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الزائر لقبر عبد القادر الجيلاني، يقول فيه: أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجه إلى قبة القبر، وبعد السلام على صاحب الضريح يقول: يا صاحب الثقلين أغثني، وأمدني بقضاء حاجتي، وتفريج كربتي، أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجه عبد القادر، يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر عبدك ومريدك مظلوم عاجز،
стр. 228
محتاج إليك في جميع الأمور؛ في الدين والدنيا والآخرة.
ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة ناقور في الهند قبرا يسمى شاه عبد الحميد، وهو أحد أولاد عبد القادر كما يزعمون، وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وإن في كل بلدة من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل مزار عبدالقادر، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خَدَمته وسدنته وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا أغنياء.
قال المنفلوطي: هذا ما كتبه إليَّ ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أبصر مما حولي شيئا حزنا وأسفا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعد ما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها ولا شأن له بها، أيُّ عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؟! منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته، أيُّ قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات؟! والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم إلا إذا استرجعوا ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها،
стр. 229
وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون له: أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات، بمن أستغيث؟ وبمن أستنجد؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة (١) الفادحة؟ أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على يوم الكنيسة تهافت الذباب على الشراب؟ قال في الهامش يوم الكنسة: يوم يذهب فيه علماء الدين إلى ضريح الإمام الشافعي للتبرك بكنس ترابه- قال المنفلوطي: أم علماء الأستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني ليُحيوا أبا الهدى الصيادي شيخ الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى بيت الله الحرام؟ أو علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب؛ يعني الكتاب المصنف في مناقب الجيلاني؟ يا قادة الأمة ورؤسائها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إن العامي أقصر نظرا وأضعف بصيرة، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله مخاطبا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]؟! إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم، وغدوكم ورواحكم: كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يخصصون قبرا
стр. 230
أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أن واحدا منهم وقف عند قبر النبي ﷺ أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج هم؟ وهل تعلمون أن الرفاعي، والدسوقي، والجيلاني، والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء، والمرسلين، والصحابة، والتابعين؟ وهل تعلمون أن النبي ﷺ حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل، وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منهما يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟ والله ما جهلتم شيئا من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتم وانتقاض أمركم، وسلّط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم ويستعبدون رقابكم ويخربون دياركم، والله شديد العقاب. انتهى كلامه باختصار، ولقد أجاد في هذا الموضع وأفاد.
وفيما ذكرت ههنا عن المحيط الشرقي كفاية.
وأما المحيط الغربي ففي بلاد مصر وأعمالها، وهي شقيقة العراق في كثرة الأوثان والطواغيت التي تعبد من دون الله، وقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، كيف لا؟! وقد باض فيها إبليس وفرّخ، وبسط عليها عبقريه، وفيها مشهد أحمد البدوي، وهو أعظم الأوثان المصرية فتنةً، ويضاهي مشهد الحسين، وعبد القادر الجيلاني في كثرة الإشراك به، وفي كثرة من ينتابه من قريب وبعيد، يطوفون حوله ويتمسحون بأحجاره، ويسجدون على عتبته،
стр. 231
ويدعونه رغبا ورهبا، يرجون منه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وينفقون في زيارته ومولده وعلى سدنته من الأموال ما لا يحصى كثرة، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦]، ويجعلون له نصيبا مما رزقهم الله تعالى من الأموال والأولاد، ويقربون له القرابين، ويذبحونها على اسمه، وما يجعلون له من أولادهم إما تمليكا له، أو شراء منه بزعمهم، فإن كان ذكرا دفعوا ثمنه لصندوق السحت، أو جعلوه رسما جاريا للصندوق كل عام، وإن كان بنتا فله مهرها أو نصفه أو جزء معلوم منه، قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وقد استباحوا عند مشهده من المنكرات والفواحش ما لا يمكن حصره ولا يستطاع وصفه، واعتمدوا في ذلك على الحكايات والخرافات والجهالات التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقل، فأولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون.
ومن الأوثان المصرية التي عظم افتتانهم بها، وافتتن بها غيرهم أيضا مشهد الحسين، والرفاعي، والدسوقي، والحنفي، ونفيسة، وزينب، وأمثالهم من المعتقدين المعبودين من دون الله، وقد جاوزوا بهم ما ادعاه المشركون الأولون لآلهتهم، وجمهورهم يرون لهم أو لبعضهم من تدبير الربوبية، والتصرف في الكون بالمشيئة، والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد من أهل الجاهلية الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ ، ولا عمن قبلهم من أئمة الكفر والضلال كالفراعنة والنماردة، وبعضهم يقول: يتصرف في
стр. 232
الكون سبعة، وبعضهم يقول أربعة، وبعضهم يقول: قطب يرجعون إليه، وكثير منهم يرى أن الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه، تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٢].
وقد ذكر محمد رشيد رضا أن في بعض كتب الرفاعية أن أحمد الرفاعي كان يُفقر ويُغني، ويُسعد ويُشقي، ويُميت ويُحيي، وفيها أن السموات السبع في رجله كالخلخال. انتهى.
قلت: ومن هذا الهوس والجنون ما ذكر عن بعض شياطينهم المتقدمين أنه قال: رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات، وحنكي تحت الأرضين، ونطق لساني بلفظة لو سُمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة. وهذا اللفظة هي التي تكلم بها إمامهم فرعون، كما ذكرها الله عنه في سورة النازعات، وكان فرعون مع قلة عقله أعقل منهم، فلم يقل إنه التقم السموات والأرض، ولا أن السموات في رجله كالخلخال، ونحو هذا الهذيان والسخف الذي يضحك منه السفهاء والصبيان فضلا عن العقلاء.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف قدس الله روحه: من وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر وهم البدوي، والرفاعي، والدسوقي، ورابعهم فيما أظن أبو العلاء، فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم، قال: وقد اجتمع جماعة من الموحدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر،
стр. 233
وبقربه رجل يدَّعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان، وفلان، وعد أربعة من المعبودين بمصر، فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بَعثتُ لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلاما نحو هذا.
قال: وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في منهاجه عن غلاة الرافضة في علي، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
قال الشيخ: وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين بالقاهرة، فاستقبلوا القبر، وأحرموا، ووقفوا، وركعوا، وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين، وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم.
قال: وحدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يُدق وتد في القاهرة إلا بإذن أحمد البدوي، قال: فقلت له: هذا لا يكون إلا لله! أو كلاما نحو هذا، فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا. انتهى المقصود مما نقله الشيخ سليمان عن
стр. 234
شيخه الشيخ عبد اللطيف رحمهما الله تعالى.
وقال محمد رشيد رضا: ومن كلمات خواصهم التي سمعت من بعض قضاة الشرع وغيرهم من أهل العلم، قولهم عند القبر المنسوب إلى الحسين: يا سيدي العارف لا يُعرَّف. انتهى.
ومعنى قول أولئك المشركين "العارف لا يعرَّف": أن صاحب القبر يعلم الغيب، ويعرف ما تكنه صدور سائليه من الحاجات التي يرجون منه قضاءها، وما يخافونه من المكاره التي يرجون منه أن يدفعها عنهم، ومجرد وقوفهم عنده راغبين أو راهبين يكفيهم عن البيان له؛ لعلمه بأحوالهم وما في أنفسهم على زعمهم الكاذب، سبحانه وتعالى عما يشركون، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩].
وقد تقدم ما ذكره المنفلوطي من تهافت علماء مصر على يوم الكنيسة تهافت الذباب على الشراب، فإذا كان حال خاصتهم من العلماء والقضاة وغيرهم ما ذكرنا، فكيف تكون حال العوام؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولهذا لما ادَّعى بعض دجاجلتهم منذ بضع سنين أنه رب العالمين تبعه واستجاب له فئام منهم، قيل إنهم ثمانون ألفا، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، ويستثنى من علمائهم أفراد قليلون، لهم مقامات في الإرشاد، والدعوة إلى التوحيد، والتحذير من ضده، وجهاد الوثنيين بالقلم واللسان، ولهم في ذلك كتب وتعليقات
стр. 235
كثيرة معروفة، جزاهم الله خيرا، ونصرهم على أعداء الدين، وثبت أقدامهم، وكثرهم، فأما الأكثرون من الخاصة والعامة فكما ذكر عنهم المنفلوطي وغيره ممن تقدم ذكرهم.
وقال العلامة حسين بن مهدي النعمي اليمني رحمه الله تعالى: ومن طرائف ما يحكى أن رجلا سأل من فيه مسكة من عقل فقال: كيف رأيت الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة الأيام فريضة! فقال السائل: قد تحمَّلها عنهم الشيخ، قال ابن النعمي ﵀: وباب قد تحمل عنهم الشيخ مصراعاه ما بين بصري وعدن، قد اتسع خرقة، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد، وهو أمر شهير في العامة، فقل أي ملة -صان الله ملة الإسلام- لا يمانعها كل ذلك، ولا يدافعها. انتهى.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: حدثني الشيخ إسحاق -يعني ابن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى-: أنه رأى أيام رحلته إلى مصر للطلب هذا المجمع العظيم الذي يسمونه مولد أحمد البدوي، فذكر أنه أعظم مما رآه في جبال عرفات، قال: ورأيت فيه سوقا طويلا للبغايا اللاواتي أوقفن أنفسهن للزنا في هذا المجمع صدقة لسيدهم أحمد البدوي، وليس هذا بعجيب ولا غريب من فعلهم، فإنه يجري منهم في ذلك الجمع من الكفر بالله والإشراك به ما لم يصل إلى ساحله كفر أبي جهل وأشياعه، فالله المستعان. انتهى.
стр. 236
قلت: وقد ذكر بعض الصحفيين من أهل مصر أن الزوار لمولد البدوي في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين بلغوا خمسمائة ألف تقريبا، وأنه تزوج في ذلك المجمع عشرة آلاف تقريبا، وختن فيه من الأطفال أكثر من ذلك، يرجون بذلك البركة من البدوي، فالله المستعان.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن قدس الله روحه: صح عن البدوي أنه ما كان يصلي، بل يبول في المسجد ولا يتطهر. ذكر ذلك السخاوي عن أبي حيان مشاهدة منه لذلك.
قال الشيخ ﵀: وقد افتتن أهل مصر به وبأمثاله من الأموات، فاعتقدوا فيه أنه يفك الأسير إذا دعاه وهو في أيدي الكفار، وينجي من أشفى على الغرق في البحار، ويطفئ الحريق إذا اضطرمت فيه النار، وينادونه من مكان بعيد، وهم لا يعتقدون أن حيًّا مِن الفُضلاء فيهم يسمع ويبصر لا يسمع من ينادونه من فرسخ فأقل، فصار هذا الميت المدفون في مقر الأرض، الذي تقطعت أوصاله في اعتقادهم أنه يسمع مناديه من البحور، ومن هو عنه بمسافة شهور، كما كان أهل العراق يعتقدون ذلك في عبد القادر وغيره، وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه حي كحياة الله، وأنه يسمع ويبصر ويقدر ويرحم وينتقم كشأن رب العالمين، وأنه لذلك يعلم الغيب، ويضر وينفع ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله، وأنهم بعقيدتهم الوثنية يفعلون في مولد البدوي من عظائم الشرك والفساد ما يطول تعداده، إذ يعتقدون عقيدة جازمة أنه يتحمل عن الزناة واللوطية في مولده ذنوبهم؛ بمعنى أنه يُكفّرها عنهم، وبعضهم يسجد على باب حضرته، وبعض المؤذنين
стр. 237
بالقاهرة إذا فرغ من الأذان ينادي بأعلى صوته قائلا: يا أبا فراج؛ يعنون بهذه الكنية أن يفرج الكربات، ولا يخفى ما بين القاهرة وقبره من البعد، فإنه في قرية في غربي مصر اسمها طنطا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وحدثنا صاحب لنا أنه رأى في جبل المقطم مغارة عظيمة، قد عشش عليها بعض الشياطين، وجعلها مزارا للفساق والغوغاء، وبنى في أقصاها بيتا، وجعل عليه بابا وسادنا، وزين للجهال الطغام الذين هم أضل سبيلا من الأنعام أن التمرغ فيه يشفي من الأمراض مهما كانت، ويحبل العواقر ولابد، فافتتن به المصريون فتنة عظيمة، وجعلوا يذهبون إليه لهذه المقاصد، فكل مريض أعياهم دواؤه يذهبون به إلى تلك المغارة، ليتمرغ في ذلك البيت منها كما يتمرغ الحمار، وكل من لم تحمل من النساء تذهب إليه فتتمرغ فيه، وكذلك يصنع الرجل إذا لم يحمل له، قال صاحبنا: دخلت تلك المغارة في سياحتي، وشاهدت هذا البيت في أقصاها، وما يصنع فيه، وذكر أنه لم يبق فيه تراب أبدا من كثرة ما يتمرغ فيه، وقد عاد الصخر في أرضه بسبب التمرغ أملس جدا شبيها بالرخام الأملس، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٢ - ٦٤]، وقال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]،
стр. 238
وهؤلاء المشركون يطلبون الشفاء والنفع وقضاء الحاجات وتفريج الكربات من الأموات والمغارات والصخور والأتربة، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والعجب كل العجب من طوائف ينتسبون إلى السنة والجماعة، ويزعمون التمسك بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ثم هم مع هذا يخالفون حكم الكتاب والسنة، فيتولون من وصفنا حالهم وذكرنا يسيرا من أفعالهم، ويوادونهم ويبالغون في إكرامهم وتوقيرهم واحترامهم، وهذا يناقض ما زعموه ويهدمه من أصله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، وما أحسن ما قيل:
وما الدين إلا الحب والبغض والولا … كذاك البرا من كل غاوٍ ومعتد
* * *
стр. 239
فصل
وفي بلاد اليمن من الأمور الشركية والعبادات الوثنية نظير الجاهلية الأولى، ونظير ما يفعل في العراق والبلاد المصرية، كما ذكر ذلك أهل الخبرة بهم من أعيان علمائهم المتأخرين وغيرهم.
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": أهل العراق، والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي، يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس، وأهل مصر: يا رفاعي، يا بدوي، والسادة البكرية وأهل الجبال: يا أبا طير، وأهل اليمن: يا ابن علوان، وفي كل قرية أموات يهتفون بهم، وينادونهم، ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام كما قلنا في الأبيات النجدية:
أعادوا بها معنى سواع ومثله … يغوث وودّ بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها … كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم نحروا في سُوحها من بحيرة … أُهِلّتْ لغير الله جهرا على عمد
وكم طائف حول القبور مُقبِّل … ومستلم الأركان منهن باليد!
وأعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء ومن أتباع من يعتقدون فيه يجعلون له حصة من الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش، ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون.
стр. 240
ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدارهم وحلية نسائية، وقال: هذه لسيده فلان -يريد صاحب القبر- نصف مهر ابنتي لأني زوجتها، وكنت ملَّكت نصفها فلانا -يريد صاحب القبر- وهذه النذور بالأموال، وجعل قسط منها للقبر، كما يجعلون شيئا من الزرع يسمونه ثلما في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عُبّاد الأصنام، وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] بلا شك ولا ريب.
وأخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة مشهد الولي الذي يقصده، تعظيما له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدّقوه، وهكذا كان (١) عُبّاد الأصنام. انتهى ملخصا.
وقال العلامة حسين بن مهدي النعمي التهامي ثم الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "معارج الألباب": طالما شاهدنا عُبّاد أرباب هذه القباب إذا التطمت عليهم أمواج البحر سمعت ذكر الزيعلي، والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب، ولكل من الجيلاني، وابن علوان، والعيدروس، والحداد وغيرهم من آلهة هذه الطوائف طائفة من العُبّاد -وأطال الكلام رحمه الله تعالى- ثم ذكر ما فشا في العامة من أنواع الشرك، وما صار هجيراهم عند الأموات، من دعائهم، والاستغاثة بهم،
стр. 241
والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى، واستنزال السحائب والأمطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد، وبالجملة فأي مطلب، وأي مهرب ترى هنالك ربع المشهد مأهولا، وقد قطعت إليه المهامه وعوراً وسهولاً، والنداء لساكنه أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة ومشاعر الرهبة، وينضاف إلى ذلك - خصوصا في الزيارات في الأعياد والموالد - نحر الأنعام وترك الصلاة، وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام.
وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم إلا من شاء الله إن لم تلد زوجة أحدهم، أو طال مرض مريض منهم، أو أصاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو أو جراد أو غيرهما، أو راموا أمرا عناهم تحصيله، فالولي في كل ذلك نصب العين، وحاصل معتقدهم أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت، فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد بدلوا معالم الشرع بسواها؛ فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له والإلحاح عليه عوضا عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، وجمهورهم لا يعرف لهذا المقام وظيفة سوى عتبات المشايخ، ولقد سلكوا هذا المسلك في مريض أعيى داؤه، وذليل قهره أعداؤه، وذي سفينة عصفت عليها الرياح، وتجارة امتدت آمال
стр. 242
قاصدها إلى نيل الأرباح، فيقول أحدهم: ألتمس بركة الشيخ وكرامته فأنزل بهذا البلد، وبعد ذلك حصلت لنا من الشيخ كرامة أو ما قبلنا أو شبه ذلك.
وحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة ونواحي متباينة- لما كانوا قد نشأوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه مَن قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد، فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت فلعله لا يخطر له في بال إلا: هل قد ذهبت إلى الولي؟ وقد يضرب له الأمثال بأن فلانا كان من أمره كذا، وفلانا كان من أمره كذا، حتى أنسوا بهذا الباب أكثر مما يصفه الواصف، حتى أنَّا شاهدنا ما لا يحصى قدره الآن إذا سقطت دابة أحدهم أو عثر هو، أو بغتته حادثة من هذا القبيل نادى ببديهة الحس: يا هادياه، يا ابن علوان، يا جيلاني.
ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبا على راية مشهد من المشاهد: هذه راية البحر التيار فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار.
ومن ذلك أن حيا من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى قالوا: في حفظك يا فلان؛ يعنون ساكن مشهدهم، وأنهم إذا أرادوا السفر إلى جهة استأذنوه، والعمل في الجواب على سادن المشهد، حتى إنه اشتد المرض برجل من العامة فشد رحاله إلى قبر الولي يستجير به، أو عنده من الموت، فهلك هنالك، ومنهم من يخاطب الولي بزعمه فيقول: يا خالق الولد الذي تخلقه مطهور، ومنهم أقوام يخاطبون المقبور من مسافة أربعة
стр. 243
برد وأكثر من ذلك، وينادونه يسألونه المطر.
وكثيرون لا يدخلون تحت حد الإحصاء إذا كان الحلف باسم الله أقدم عليه الحالف بلا مبالاة، حتى إذا طلب منه الحلف بصاحب القبر -وبالأخص إذا ألزمه محلفه بإمساك حلقة باب النصب- فلا يتجاسر قط إن كانت يمينا فاجرة، وقد لا يرضى المحلوف له إلا بذلك دون الرسم الشرعي، ويعتقد أنه إن أقدم الحالف فإن كان بارا وإلا بادره الولي بالعقوبة العاجلة والبطشة الكبرى، وهذا باب عمّت به البلوى، وأصاب شواظه كثيرا من العامة، لا يرضى من خصمه مثلا إلا باليمين على الشيخ أو به، وساعدهم في ذلك بعض الذين انتصبوا للحكومة بين العباد لجهل بما يلزم الذمة، وكانت منهم تلك المساعدة، أو وقع في الخطر من جهالة العامة، لما أنه صورة تقرير ممن يظنونه أخا علم، فيقول ذلك الحاكم: لا بأس أجبه إلى الحلف على قبر الشيخ، فإن رجع عن الإصرار على اليمين ظن الحاكم أنه قد أتى على الوجه الأحمد، الذي يخرج به الحق ممن هو عليه، وما علم الغافل ما تضمنه مقامه هذا من تبديل حكم الله تعالى وتشريع في الدين لم يأذن به الله، وتقرير لهذه الشناعة في قلوب العامة.
ولقد بلغنا أن رجلا من أهل ذمار ولي القضاء بمدينة بيت الفقيه ابن عجيل في زمن قريب من عصرنا هذا، فتداعى عنده رجلان من أهل الجهة وجبت اليمين على أحدهما، فأراد تحليف خصمه على مشهد الفقيه أحمد بن موسى عجيل عملا بما في باله وعادة من هناك، فقال الحاكم: والله ما يحلف لك إلا في مقامي هذا، فألهم الله الرجل حينئذ الفطرة الإسلامية والطريقة الإبراهيمية.
стр. 244
ونمي إلينا بطريق قوي أن رجلا حلف لغريمه أن لا حق له، فبعد ذلك سأله اليمين بمعتقد يسمى شويع، فنكل وسلّم الدين.
وما سقنا هذه الكلمات عن العامة إلا على سبيل المثال، وهذا شيء لا يختص به الواحد والاثنان، ولا البلدة والبلدتان، ولا القطر ولا القطران، بل عمّ أمر المشاهد وعبادة الأموات البلاد من أقصاها إلى أقصاها، حتى آل الأمر إلى أن عاد غصن الشرك غضا طريا، ويبلغنا من ذلك الكثير الذي لا يحويه السطور سوى ما سمعناه وشاهدناه، ونحن ببلد أقل شيء فيها هذا القبيل، وإلا فمن سكن بفرس، والمخا، وصعدة، وغيرها من قطرنا هذا خاصة -كيف سواه- رأى العجب إن كان قلبه حيا.
ومن ذلك أن امرأة كُفّ بصرها ومات ولدها، فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك فيَّ.
ومن ذلك -وهو من أشهر عجائبهم المعلومة في نواحي البلدان- شراؤهم الأولاد بزعمهم من الميت بشيء معين، فيبقى ثمنه رسما جاريا يؤدى كل عام لصندوق الولي، وإن كانت امرأة فمهرها له، أو نصف مهرها، إذ هي مشتراة منه.
ومن ذلك -وهو من طرائفهم الشهيرة أيضا- ترك أشجار ومراع حول المشهد -لمكان قربها منه- مع الحاجة الشديدة إليها، فتبقى على ممر الأزمان سائبة.
ومن عجائبهم ما حدّث به جمع من أهل الدين أنه وقع في زيارة بعض المشاهد اجتماع خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال، فكان هناك
стр. 245
من القبائح ما منه السجود للمعتقد، شاهد ذلك الجمع ما ذكر عيانا.
ومن ذلك -وهو من غرائب الانحلال من الدين-: أن جماعة من العامة خرجوا من مسجد بجوار مشهد بعد أن صلوا فريضة من المكتوبات، فدخلوا المشهد، فرفعوا وضموا وركعوا إلى جدار القفص، وأما ما يقع من العامة عند التطام موج البحر، ونازلة باغتة، وجرئيات لا تنحصر -من تبادر بوادرهم إلى دعاء الولي والاستغاثة به، ونسيان الله أو تشريكه فقط- فأمر أوسع من فج البر، ولقد سمعنا وصحّ لنا، بل ما هو إلا التواتر الذي هو أجلى الضروريات، ولقد سمعت من بعض الإخوان أنه كان نازلا بمدينة زبيد في سابق الأيام، وأن بها قوما يقرؤون صحيح البخاري، فإذا فرغوا -إما أحيانا أو مطلقا- ذهبوا إلى مشهد الجبرتي -فيما يغلب على ظني الآن ويحتمل غيره- فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة، والوقار، وضروب من الخضوع، والتأدب لنازل الحفرة، هل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره، أم ما هو؟!
ومن عجيب أمر العامة نداؤهم المقبور أن ذُبَّ عن قُبَّتك، وافعل ما يشيع به ذكرك في الآفاق، وصار كثير منهم وسيلته عند حبس القطر الذهاب إلى المشهد والعقر فيه وسؤاله، وربما يقول السادن حرصا على الحطام: حُبس القطر بسبب الإساءة أو منعكم نذره مثلا، فإن فعلوا ولم يحصل المطلوب تحدثوا بأنه غائب في مكة مثلا، ولقد تجاسر بعض العامة زعما منه أنه صادق الاعتقاد في الولي أو ذو دراية بما ينبغي له، فقال: والله أما الولي فلان فإنه يُحيي الموتى، أما الولي فلان فإنه حي لا
стр. 246
يموت، قد والله أقامني هذا الجاثم وسط القبة الذي زعمتم أنه لا يضر ولا ينفع، إنه يفعل ويفعل، ولست أقول لك إن قائل هذه الحوالق واحد.
ومن عجيب أمر العامة تصريحهم في كثير مما يحدثه الله؛ من أمره، وشأنه في عباده وبلاده وملكه، وتقليبه الدهر كيف يشاء، فيقول أحدهم فعل الولي، هذا أمر شهير بينهم.
ومن قولهم في أوليائهم: رد الجراد، وعلق الهرة في رأس الشجرة، يشفي المجانين، يقطع الحمى، يزيل الأمراض المؤلمة، حتى إنهم يقولون إذا قصد البلد الذي معتقدهم فيها فئام من الناس للإفساد فيها، ثم رجعوا عنها، أو توقفوا عن دخولها ردهم الشيخ، وإن فعلوا بغيتهم قالوا مثلا: كان غائبا، أو ساخطا عليهم، أو أية علة اعتلوا بها مما يوحي بها شياطين الإنس والجن.
ومن طريف أخبارهم أن منهم من يمرض، فيلازم المشهد يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الذي أضناه وخصوصا إذا كان من نوع الماليخوليا أو أمراض العقل، قائلا بلسان الحال والمقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، لا يطلقه إلى لحاجته.
ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: إنه يضرب من تظلم منه، أو شكى به إليه، ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح، ويقيد، ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين،
стр. 247
ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصبا، وعاقلهم خنثى لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات أن المرأة لا تدخل عند زوجها حتى تزور الولي، وأن رجلا زعم أن وليا نبه عليه في النوم أن يبني عليه قبة قال: فبنيت خوفا منه.
قلت: وباب تنبيه الأموات كباب تحمل الشيخ الصلاة وغيرها في السعة والشيوع، والله يغلقها كلها بنصر دينه.
ومن عجيب أمرهم أن امرأة جاءت قبرا فجعلت تقول: يا سيدي بعت مالي، ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي، فإني جارة الله وجارتك.
ومن عجائبهم أنه أُخرب بناء على معتقد من الأموات، فصاحت امرأة: من يشفي لنا مرضانا؟! من يحمي لنا حمانا؟! آها عليك يا شريف، ولما غيرت بعض المعتقدات صاحت العامة: ههنا سادة، غيروا أربابكم، ثم أقبلوا يزفون يقولون: أهكذا فعلتم بأربابنا؟! فنحن الآن نتقرب إليهم بقتلهم، وإنهم أربابنا، ولا نعرف لنا غيرهم، ولا مقعد لنا في هذا المكان إلا بهم.
فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وكثير من العامة يتخذ قسطا من مزرعته أو من غنمه لابن علوان، ويقبضه قوم يقال لهم المناصيب، هم من الدعاة إلى الشرك بالله أو رؤوسهم فيحملون العامة بعباراتهم، وتهويلهم، ومسالكهم الشيطانية، ومَن تأخر فليحذر هجوم رسول الشيخ في الليل حتى يذروا القوم بلا
стр. 248
قلوب ولا عقول ولا أديان ولا نظر أصلا؛ بل أشباه الأنعام والمجانين يصدقون الكذب، ويعتقدون المعدوم، ويعطون من حرم الله، ويمنعون من أمر الله بإعطائه من الآباء وذوي القربى، فهم بكل هذا يسلخونهم من شعار التوحيد إلى لباس الشرك والتنديد والإعراض عن الله الحميد المجيد، حتى إنك لتجدهم يحاذرون، ويرجون من جهة الشيخ ما لا شيء منه مع باريهم وفاطرهم؛ لجهلهم بحقه دون ما اتخذوه من رسوم الشيخ، ويحرصون على براءة نفوسهم من نذره وإتاوته، والقيام في طاعة وبر وإرضاء من يأتي من قبله من منصوب أو مجذوب وغيرهما، ويطوفون نحو الراية، ويتمسحون بها، ويرجون من كل ذلك نفعا ودفعا، وإذا أتاهم لجهة الله من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم أن ينفقوا في سبيل الله، ويصلوا أرحامهم ويقيموا الصلاة، ويجمعوا ما قدروا عليه -أقل مما يدفعونه إلى المنصوب بكثير- لفقير أو أرملة، أجفلوا وفروا، أو قابلوه بمقابلة مريضة أو كالميتة؛ بلا نشاط ولا رغبة ولا رعاية ولا إقبال قلب، ولا يقومون لله في براءة ذممهم وما علقه تعالى بها من مال وغيره بعضا مما يقومون به للشيخ؛ حتى إن كثيرا منهم ينفق في الزيارة واسع النفقة، ويثابر على أن لا تفوته في مواسمها، ويتهيأ لها برغبة ونشاط، أكثر مما يكون إلى بيت الله الحرام، بل ربما لا يعرف الحج قط مع الاستطاعة، بل ربما كثيرا ما يضيع الصلاة المكتوبة وعدة فرائض؛ إما لاشتغاله بفرض الزيارة الشركية وإما مطلقا، وأما رسوم الشيخ وعاداته فالوفاء حتم لا فكاك منه، فبيعة العقبة للشيخ في أعناقهم خوفا وطمعا؛
стр. 249
بحيث يهدرون ما لا يحصى من أوامر الله وحقوق الخالق، وما ألزم به ذممهم لحلول ما يضادها في ساحتهم، ونزوله بمنازل اعتبارهم، وشرح هذا الباب يطول؛ حتى كاد يستأصل منهم جميع شرائع الأديان والعقول، بل لقد استأصلها كما قد صنع ذلك في عدد لا يسعف الحاصر ولا يلم به الخامل. انتهى كلامه ﵀ ملخصا.
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "الدر النضيد": من أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالا؛ فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن العجيل، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان، وهل ينكر هذا منكر، أو يشك فيه شاك، وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم؛ حتى إنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنك بغير ذلك؟! فلقد تلطف إبليس وجنوده لغالب أهل الملة الإسلامية بلطيفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: ولقد أخبرني بعض من ركب البحر للحج أنه اضطرب اضطرابا شديدا، فسمع من أهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات، ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله.
وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية المتصلة بصنعاء أن كثيرا منهم إذا حدث له ولد جعل قسطا من ماله لبعض الأموات المعتقدين، ويقول: إنه
стр. 250
قد اشترى ولده من ذلك الميت الفلاني بكذا، فإذا عاش حتى يبلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال. انتهى.
وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي رحمه الله تعالى في كتابه "روضة الأفكار والأفهام": وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك فأكثر من أن يحصى، فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي، يدعونه ويستغيثون به، وتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل أو كانت عقيم، فتقول عنده كلمة قبيحة عظيمة، وأما أهل برع فعندهم البرعي يدعونه، ويأتون إليه من مسيرة أيام لشكاية الحال وطلب الإغاثة، ويقيمون عند قبره، ويتقربون بالذبائح عنده، وأما أهل الهجرية ومن حذا حذوهم فعندهم قبر يسمى ابن علوان تستغيث به العامة، ويسميه غوغاؤهم منجى الغارقين، وأغلب أهل البر منهم والبحر يطربون عند سماع ذكره، ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذرون له في البر والبحر، ويبالغون في تعظيمه، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد، ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد، وأما حضرموت، والشجر، ويافع، وعدن فعندهم العيدروس يفعل عند قبره السفه والضلال، ويقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس، شيء لله يا محيي النفوس.
وأما بلدان السواحل فعند أهل المخا علي بن عمر الشاذلي، أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قياما وقعودا.
وأما أهل الحديد فعندهم الشيخ صديق، يعظمونه ويغلون فيه، وقد