← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يموت، قد والله أقامني هذا الجاثم وسط القبة الذي زعمتم أنه لا يضر ولا ينفع، إنه يفعل ويفعل، ولست أقول لك إن قائل هذه الحوالق واحد. ومن عجيب أمر العامة تصريحهم في كثير مما يحدثه الله؛ من أمره، وشأنه في عباده وبلاده وملكه، وتقليبه الدهر كيف يشاء، فيقول أحدهم فعل الولي، هذا أمر شهير بينهم. ومن قولهم في أوليائهم: رد الجراد، وعلق الهرة في رأس الشجرة، يشفي المجانين، يقطع الحمى، يزيل الأمراض المؤلمة، حتى إنهم يقولون إذا قصد البلد الذي معتقدهم فيها فئام من الناس للإفساد فيها، ثم رجعوا عنها، أو توقفوا عن دخولها ردهم الشيخ، وإن فعلوا بغيتهم قالوا مثلا: كان غائبا، أو ساخطا عليهم، أو أية علة اعتلوا بها مما يوحي بها شياطين الإنس والجن. ومن طريف أخبارهم أن منهم من يمرض، فيلازم المشهد يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الذي أضناه وخصوصا إذا كان من نوع الماليخوليا أو أمراض العقل، قائلا بلسان الحال والمقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، لا يطلقه إلى لحاجته. ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: إنه يضرب من تظلم منه، أو شكى به إليه، ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح، ويقيد، ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين،

стр. 247

ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصبا، وعاقلهم خنثى لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات أن المرأة لا تدخل عند زوجها حتى تزور الولي، وأن رجلا زعم أن وليا نبه عليه في النوم أن يبني عليه قبة قال: فبنيت خوفا منه. قلت: وباب تنبيه الأموات كباب تحمل الشيخ الصلاة وغيرها في السعة والشيوع، والله يغلقها كلها بنصر دينه. ومن عجيب أمرهم أن امرأة جاءت قبرا فجعلت تقول: يا سيدي بعت مالي، ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي، فإني جارة الله وجارتك. ومن عجائبهم أنه أُخرب بناء على معتقد من الأموات، فصاحت امرأة: من يشفي لنا مرضانا؟! من يحمي لنا حمانا؟! آها عليك يا شريف، ولما غيرت بعض المعتقدات صاحت العامة: ههنا سادة، غيروا أربابكم، ثم أقبلوا يزفون يقولون: أهكذا فعلتم بأربابنا؟! فنحن الآن نتقرب إليهم بقتلهم، وإنهم أربابنا، ولا نعرف لنا غيرهم، ولا مقعد لنا في هذا المكان إلا بهم. فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وكثير من العامة يتخذ قسطا من مزرعته أو من غنمه لابن علوان، ويقبضه قوم يقال لهم المناصيب، هم من الدعاة إلى الشرك بالله أو رؤوسهم فيحملون العامة بعباراتهم، وتهويلهم، ومسالكهم الشيطانية، ومَن تأخر فليحذر هجوم رسول الشيخ في الليل حتى يذروا القوم بلا

стр. 248

قلوب ولا عقول ولا أديان ولا نظر أصلا؛ بل أشباه الأنعام والمجانين يصدقون الكذب، ويعتقدون المعدوم، ويعطون من حرم الله، ويمنعون من أمر الله بإعطائه من الآباء وذوي القربى، فهم بكل هذا يسلخونهم من شعار التوحيد إلى لباس الشرك والتنديد والإعراض عن الله الحميد المجيد، حتى إنك لتجدهم يحاذرون، ويرجون من جهة الشيخ ما لا شيء منه مع باريهم وفاطرهم؛ لجهلهم بحقه دون ما اتخذوه من رسوم الشيخ، ويحرصون على براءة نفوسهم من نذره وإتاوته، والقيام في طاعة وبر وإرضاء من يأتي من قبله من منصوب أو مجذوب وغيرهما، ويطوفون نحو الراية، ويتمسحون بها، ويرجون من كل ذلك نفعا ودفعا، وإذا أتاهم لجهة الله من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم أن ينفقوا في سبيل الله، ويصلوا أرحامهم ويقيموا الصلاة، ويجمعوا ما قدروا عليه -أقل مما يدفعونه إلى المنصوب بكثير- لفقير أو أرملة، أجفلوا وفروا، أو قابلوه بمقابلة مريضة أو كالميتة؛ بلا نشاط ولا رغبة ولا رعاية ولا إقبال قلب، ولا يقومون لله في براءة ذممهم وما علقه تعالى بها من مال وغيره بعضا مما يقومون به للشيخ؛ حتى إن كثيرا منهم ينفق في الزيارة واسع النفقة، ويثابر على أن لا تفوته في مواسمها، ويتهيأ لها برغبة ونشاط، أكثر مما يكون إلى بيت الله الحرام، بل ربما لا يعرف الحج قط مع الاستطاعة، بل ربما كثيرا ما يضيع الصلاة المكتوبة وعدة فرائض؛ إما لاشتغاله بفرض الزيارة الشركية وإما مطلقا، وأما رسوم الشيخ وعاداته فالوفاء حتم لا فكاك منه، فبيعة العقبة للشيخ في أعناقهم خوفا وطمعا؛

стр. 249

بحيث يهدرون ما لا يحصى من أوامر الله وحقوق الخالق، وما ألزم به ذممهم لحلول ما يضادها في ساحتهم، ونزوله بمنازل اعتبارهم، وشرح هذا الباب يطول؛ حتى كاد يستأصل منهم جميع شرائع الأديان والعقول، بل لقد استأصلها كما قد صنع ذلك في عدد لا يسعف الحاصر ولا يلم به الخامل. انتهى كلامه ﵀ ملخصا. وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "الدر النضيد": من أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالا؛ فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن العجيل، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان، وهل ينكر هذا منكر، أو يشك فيه شاك، وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم؛ حتى إنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنك بغير ذلك؟! فلقد تلطف إبليس وجنوده لغالب أهل الملة الإسلامية بلطيفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال: ولقد أخبرني بعض من ركب البحر للحج أنه اضطرب اضطرابا شديدا، فسمع من أهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات، ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله. وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية المتصلة بصنعاء أن كثيرا منهم إذا حدث له ولد جعل قسطا من ماله لبعض الأموات المعتقدين، ويقول: إنه

стр. 250

قد اشترى ولده من ذلك الميت الفلاني بكذا، فإذا عاش حتى يبلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال. انتهى. وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي رحمه الله تعالى في كتابه "روضة الأفكار والأفهام": وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك فأكثر من أن يحصى، فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي، يدعونه ويستغيثون به، وتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل أو كانت عقيم، فتقول عنده كلمة قبيحة عظيمة، وأما أهل برع فعندهم البرعي يدعونه، ويأتون إليه من مسيرة أيام لشكاية الحال وطلب الإغاثة، ويقيمون عند قبره، ويتقربون بالذبائح عنده، وأما أهل الهجرية ومن حذا حذوهم فعندهم قبر يسمى ابن علوان تستغيث به العامة، ويسميه غوغاؤهم منجى الغارقين، وأغلب أهل البر منهم والبحر يطربون عند سماع ذكره، ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذرون له في البر والبحر، ويبالغون في تعظيمه، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد، ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد، وأما حضرموت، والشجر، ويافع، وعدن فعندهم العيدروس يفعل عند قبره السفه والضلال، ويقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس، شيء لله يا محيي النفوس. وأما بلدان السواحل فعند أهل المخا علي بن عمر الشاذلي، أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قياما وقعودا. وأما أهل الحديد فعندهم الشيخ صديق، يعظمونه ويغلون فيه، وقد

стр. 251

أدى بهم الضلال إلى أنه لا يمكن أحد يريد ركوب البحر، أو يريد النزول منه إلى البر حتى يجيء إليه، ويسلم عليه، ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراده وقصده. وأما أهل اللحية فعندهم الزيلعي، يعظمونه ويدعونه، ويصرفون إليه جميع النذور، وقبر رابعة عندهم مشهور، لا يحلفون صدق اليمين إلا بها. انتهى المقصود من كلامه باختصار وتصرف في بعض العبارة. وقد حدثني بعض أصحابنا من طلبة العلم أنه رأى في سياحته في أدنى اليمن أشجارا وأحجارا كثيرة، يعتقد فيها أهل تلك النواحي، ويفعلون بها نظير ما كان المشركون الأولون يفعلونه بذات أنواط وإساف ونائلة، وذكر أنه رأى كثيرا ممن هناك لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا وضوء، إلى غير ذلك مما ذكره عنهم من كثافة الجهل بالإسلام، ومزيد الضلال على الأنعام، وهذا من مصداق ما رواه ابن ماجة، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا صدقة …» الحديث، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه. وإذا كان الأمر هكذا في أدنى اليمن فما الظن بأقصاه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد روى الشيخان في صحيحيهما، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات

стр. 252

نساء دوس حول ذي الخلصة، وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة». وهذا الحديث الصحيح من معجزات النبوة؛ لكونه ﷺ أخبر عما سيقع بعده من الافتتان بذي الخلصة وعبادتها من دون الله، فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، فكانت دوس ومن حولها من القبائل ينتابونها ويفعلون عندها وبها نظير ما كان يفعل عندها وبها في الجاهلية، حتى مَنَّ الله تعالى على آخر هذه الأمة بظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ودعوته إلى التوحيد، وتحديد وتجديد ما اندرس من معالم الدين، وسعيه في محو الشرك ووسائله، وما يدعو إليه ويُرغِّب فيه، فبعث إمام الموحدين في ذلك الزمان عبد العزيز بن محمد بن سعود -رحمة الله عليه وعلى من كان السبب في إمامته- جماعة من الموحدين إلى ذي الخلصة، فهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائما إلى أن ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على الحجاز وما حولها، فبعث عامله على تلك النواحي سرية في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وأربعين أو خمس وأربعين، فهدمت ما بقي من بناء ذي الخلصة، ورمت بأنقاضها في الوادي، فعفا بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها، ولله الحمد والمنة. وقد ذكر بعض الإخباريين عن بعض الذين شاهدوا هدمها أن بناءها كان قويا محكما، وأحجاره كانت ضخمة جدا، بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد أقل من أربعين رجلا، فالحمد لله الذي يسَّر هدمها ومحو أثرها، وأثر غيرها من الأوثان والأشجار والأحجار التي قد اتخذت آلهة

стр. 253

تعبد من دون الله، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وييسر محو ما سوى ذلك من المعابد الوثنية، والمعتقدات الجاهلية التي قد عظم شرها والافتتان بها في أكثر الأقطار الإسلامية، إن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. * * *

стр. 254

فصل وفي البلاد الشامية من النصب والقبور المفتتن بها شيء كثير، ومن أعظم ما هناك فتنةً واعتقادًا فيه قبر ابن عربي الطائي الملحد، إمام الاتحادية وخليفة فرعون الداعي إلى مذهبه، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏: إن بعض أهل الشام يعتقد فيه مثل ما يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي. انتهى. وأما ما وراء الشام من بلاد الترك فالنصب والأوثان فيها أكثر، وقد حكي أن جمهورهم منذ سنين أجمعوا على رفض الإسلام بالكلية؛ فتركوا الصلاة والأذان وغيرهما من شعائر الإسلام الظاهرة، وأن رئيسهم داس المصحف برجليه وقال: هذا هو الذي أخّرنا عن اللحاق بالأمم الغربية. ولا ندري عن صحة هذه الحكاية، وعلى تقدير صحتها فشؤم ذلك ووباله عليهم وعلى من والاهم ورضي بأفعالهم. وأما المسلمون فلهم أسوة حسنة في نبيهم محمد ﷺ ، وقد قال الله تعالى له: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤]، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦ -

стр. 255

١٧٨]، ولهم أيضا أسوة حسنة ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. ونظير هذه الحكاية ما ذكره بعض الأفاضل أنه ورد الأمر من سلطانهم في أواخر القرن الثالث عشر بتعطيل الأذان في الحرمين الشريفين، وإلزام النساء بالسفور، وأن لا يسترن وجوههن عن الرجال الأجانب، وقد رد أهل الحرمين أمره، وأجمعوا على خلافه، ولله الحمد والمنة. فهذا شاهد لصحة هذه الحكاية، وأنهم يحاولون هدم دين الإسلام من زمن طويل ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣]. والمقصود أن التُرك من أعظم الناس فتنة بالقبور خاصتهم وعامتهم، ومن أكثر الناس بناء عليها، وقد بنوا في العراق قبابا كثيرة باقية إلى الآن، وبنوا في الحجاز كثيرا أزاله الله على أيدي أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة، وكثير مما كان لهم عليه ولاية في الأزمان الماضية لا يخلو من قباب على القبور من بنائهم مما هو باق إلى الآن، ولم يبق في الحجاز من القباب التي وضعوها على القبور سوى القبة الخضراء على قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄، وقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه القبة من أبنية بعض ملوك مصر وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور

стр. 256

في سنة ثمان وسبعين وستمائة. قلت: وقلاوون هذا هو ابن عبد الله التركي، والصالحي نسبه إلى مولاه الملك الصالح نجم الدين أيوب الأيوبي. ومن ضلال خواصهم وافتتانهم بالقبور، ما ذكره الإمام سعود بن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود -قدس الله أرواحهم ونور ضرائحهم- في رسالته إلى سليمان باشا قال فيها: وقد رأينا لما فتحنا الحجرة الشريفة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- عام اثنين وعشرين -يعني بعد المائتين والألف- رسالة لسلطانكم سليم، أرسلها إلى رسول الله ﷺ يستغيث به ويدعوه، ويسأله النصر على الأعداء من النصارى وغيرهم، وفيها من الذل والخضوع والعبادة والخشوع ما يشهد بكذبكم، وأولها: من عُبيدك السلطان سليم، وبعد: يا رسول الله، قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه، واستولى عُبّاد الصلبان على عُبّاد الرحمن، نسألك النصر عليهم والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا. وذكر كلاما كثيرا هذا معناه وحاصله، فانظر إلى هذا الشرك العظيم، والكفر بالله الواحد العليم، فما سأله المشركون من آلهتهم العزى واللات، فإنهم إذا نزلت بهم الشدائد أخلصوا لخالق البريات، فإذا كان هذا حال خاصتكم، فما الظن بفعل عامتكم؟! وقد رأينا من جنس كلام سلطانكم كتبا كثيرة في الحجرة للعامة والخاصة، فيها من سؤال الحاجات، وتفريج الكربات ما لا نقدر على ضبطه. انتهى.

стр. 257

وقد مُحي منذ زمن قريب كثير من الكتابات التركية المرقومة في حوائط المسجد النبوي حين عثر على ما فيها من الشرك بالله العظيم، والله المسؤول أن ييسر هدم القبة الخضراء وتسويتها بالأرض، امتثالا لأمر النبي ﷺ بذلك في قوله لعلي ﵁: «لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، وأن ييسر إعادة المسجد من ناحية القبر على ما كان عليه في زمن الصحابة ﵃ قبل ولاية الوليد بن عبد الملك؛ حتى لا يتمكن أحد من استقباله في الصلاة ولا من الطواف به. * * *

стр. 258

فصل وقد كان في الحجاز ونجد في الأزمان الماضية معتقدات كثيرة؛ من قبور وأشجار وأحجار وغيرها، فأزال الله ذلك كله على أيدي أهل السنة والجماعة، الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وذلك ببركة دعوة شيخ الإسلام وعَلَم الهُداة الأعلام، مجدد الدين محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه ونوّر ضريحه وأجزل له الأجر والثواب. فأما ما كان في نجد فإنه لم يبق لشيء منه عين ولا أثر من زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى يومنا هذا، ولله الحمد المنة. وأما ما كان في الحجاز فإنه على السداد والاستقامة نحوا من عشر سنين، ولما زالت ولايتهم عن الحجاز واستولى عليها الترك وأشباههم من المحادين لله ورسوله، أعيدت تلك المشاهد والقباب والأمور الشركية كما كانت قبل ذلك. قال صديق حسن خان في كتاب "الدين الخالص": بلغنا أن أهل نجد لما تغلبوا على الحرمين الشريفين وحكموا فيها مدة معتدا بها، هدموا المشاهد التي كانت في مقبرة مكة، وكذلك القباب التي كانت ببقيع الغرقد في المدينة، وسووها بالأرض، ولم يغادروا أثرا من آثارها إلا قبة الرسول ﷺ خوفا من بلوى الجهال، وصونا من إثارة الضلال، ثم لما ذهب سلطانهم عن هاتين البقعتين أحدث الناس المبتدعة قبابا ومشاهد في

стр. 259

الحرمين وأعادوها فيها، لكن في مواضع مظنونة لهم لا على الحقيقة، والناس العامة بل الخاصة الذين هم كالأنعام إنما يزورون هذه المزارات المستحدثة على خيال أنها لأصحابها، وفيها أجسادهم وأبدانهم أو ترابها، مع أن ذلك ليس بصحيح. انتهى. وقد ذكر الشيخ حسين بن غنام في كتابه "روضة الأفكار والأفهام" ما كان يفعله أهل الحجاز في زمانه من الأمور الشركية والعبادات الوثنية، قال: فمن ذلك ما يفعل عند قبر المحجوب، وقبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه شريف حاكم، متعد غاصب، كان يخرج إلى بلدان نجد، ويضع عليهم من المال خرجا ومطالب، فإن أعطي ما أراد انصرف، وإلا أصبح لهم معاديا محاربا، فيأتون قبره بالسماعات والعلامات؛ للاستغاثة عند حلول المصائب ونزول الكوارث، وكذلك عند قبر المحجوب، يطلبون منه الشفاعة لغفران الذنوب، وإن دخل متعد أو سارق أو غاصب قبر أحدهما لم يتعرض له أحد، وإن تعلق جان - ولو أقل جناية - بالكعبة سحب منها. قلت: ومن تعظيمهم للقبور واحترامهم لها أعظم من احترامهم للكعبة؛ ما ذكره حسين بن مهدي النعمي أن بعض من جاور بالبلد الحرام حكى له أن رجلا كان ببعض المشاهد بمكة، فقال لمن عنده: أريد الذهاب إلى الطواف، فقال له بعض كبرائها: مقامك ههنا أكرم. انتهى. قال ابن غنام: ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵄ في سرف، وعند قبر خديجة ﵂ في المعلاة، ويقع فيه اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات،

стр. 260

وارتفاع الأصوات بالدعوات والاستغاثات، وفي الطائف قبر ابن عباس ﵄ يقف عنده كل مكروب وخائف متضرعا مستغيثا، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: اليوم على الله وعليك ابن عباس. ويسألونه الحاجات ويسترزقونه. قلت: وقد ذكر حسين بن مهدي النعمي أنه سمع بعض الأفاضل يحدث أن رجلين قصدا الطائف من مكة المشرفة، وأحدهما يزعم أنه من أهل العلم، فقال له رفيقه ببديهة الفطرة: أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس! فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية؛ لأنه يعرف الله. انتهى. قلت: وهذا مصداق ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» الحديث. وقبر ابن عباس ﵄ وإن لم يكن في موضع اللات بنفسه فإنه قريب منه في الموضع، وشبيه به في المعنى؛ إذ كل منهما في ناحية من نواحي المسجد المسمى بمسجد ابن عباس في الطائف، وقد قيل: إن موضع اللات في موضع المنارة من ذلك المسجد، وأما قبر ابن عباس ﵄ فمعروف مشهور، وقد اتخذه الضلال من آخر هذه الأمة وثنا يعظمونه كما تعظم اللات من قبل، ويدعونه ويلجئون إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات كما كانت ثقيف ومن حولها من أحياء العرب يدعون اللات ويلجئون إليها، فغلو ضلال هذه الأمة في ابن عباس شبيه بغلو المشركين الأولين في اللات، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ

стр. 261

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. وقد أزيلت آثار الوثنية من قبر ابن عباس مرتين: إحداهما: في حدود العشرين بعد المائتين والألف. والثانية: في آخر سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف. وكلتا المرتين على أيدي أهل نجد، كما أزيلت آثار الوثنية من اللات على أيدي أصحاب رسول الله ﷺ بأمره ﷺ ، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثنى عليه أحد من خلقه. قال ابن غنام: وأما ما يُفعل عند قبره ﵊ من الأمور المحرمة؛ من تعفير الخدود، والانحناء بالخضوع والسجود، واتخاذ ذلك القبر عيدا فهو مما لا يخفى. قلت: قال صديق بن حسن: رأيت الناس في المسجد الشريف إذا سلم الإمام من الصلاة قاموا من مصلاهم مستقبلين القبر الشريف كالراكعين، ومنهم من يلتصق بالسرادق ويطوف حوله، وكل ذلك حرام باتفاق أهل العلم. انتهى. قلت: وما زال الشرك ووسائله في ازدياد وكثرة حول القبر الشريف، وعند غيره من قبور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولكن لما قوي الوازع عن ذلك في زماننا ولله الحمد والمنة صار الغوغاء يفعلون بعض ذلك خفية، وقد حدثني بعض أصحابنا من قضاة المدينة النبوية أن خدام المسجد النبوي إذا كان ليلة الجمعة أخرجوا ما يلقيه الغوغاء داخل الشباك الذي حول

стр. 262

الحجرة؛ من أواني الطيب والكتب الكثيرة، قال: وقد عرض عليَّ بعض الكتب التي تلقى هناك فإذا هي مشتملة على الشرك الأكبر؛ فبعضهم يسأل المغفرة والرحمة من النبي ﷺ ، وبعضهم يسأل منه أن يهب له الأولاد، وبعضهم يطلب منه تيسير النكاح إذا تعسر عليه، إلى غير ذلك من الأمور التي يفزعون فيها إلى النبي ﷺ وينسون الخالق المالك المتصرف، فاطر السموات والأرض، الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المعطي المانع، النافع الضار، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، وقد عكس المشركون هذا الأمر، فزعموا أن الرسول ﷺ يملك لهم الضر والرشد والإعطاء والمنع، وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ . قال ابن غنام رحمه الله تعالى: ويَكَلُّ اللسان عما يُفعل عند قبر حمزة والبقيع وقباء من ذلك القبيل. قلت: وقد ذكر لنا أن لهم في كل سنة مجمعا عظيما عند قبر حمزة ﵁ يضاهي في كثرته مجمع عرفات، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر رجب؛ يخرج إليه أهل المدينة كلهم رجالهم ونساؤهم، والخوالف من

стр. 263

النساء اللاتي لم يخرجن إذا رأين رجلا متخلفا عن الخوارج أنّبنه وحصبنه بالحجارة حتى يخرج، وتأتي وفود الشيطان إلى هذا المجتمع أفواجا من كل فج عميق؛ من مكة وغيرها من الأماكن البعيدة؛ ليشهوا ما يضرهم ولا ينفعهم، ويذكروا اسم الشيطان على ما زين لهم من هذه المجامع المؤسسة على الشرك والبدع، ويقضوا وطرهم من المنكرات والقبائح، ويوفوا نذورهم لغير الله، ويطوفوا بالأوثان، ثم ينقلبوا إلى أوطانهم بالخيبة والخسران، قد حازوا رضا الشيطان، وباؤوا بسخط الرحمن. قال ابن غنام: وأما ما يُفعل في جدة فقد بلغ من الضلالة والفحش الغاية القصوى، وعندهم قبر طوله ستون ذراعا عليه قبة، يزعمون أنه قبر حواء، وضعه بعض الشياطين من قديم، والسدنة عنده يَجْبُون من الأموال ما لا يخطر على البال، وعندهم مشهد يسمى العلوي قد بالغوا في تعظيمه والغلو فيه، وفي سنة عشر بعد المائتين والألف اشترى تاجر من أهل جدة من أهل الهند -التجار القادمين- وأهل الأحساء مالا كثيرا، فوقع عليه بعد أيام انكسار وإفلاس، فهرب إليه مستجيرا، فلم يتقدم إليه منهم شريف ولا وضيع، ولا كبير ولا صغير، وترك بيته وما فيه، حتى اجتمع التجار وجعلوا ذلك عليه نجوما في سنين، وذلك بإشارة بعض من ينتسب إلى الدين. انتهى باختصار وتصرف في بعض العبارة. وقد ذكر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى أنه لما قدم مكة في سنة إحدى عشرة بعد المائتين والألف رأى في مقبرة المعلاة أكثر من عشرين قبة، ورأى فيها أكثر من مائة قنديل.

стр. 264

قلت: وقد افتتن عامتهم وخاصتهم بتلك المشاهد والقباب، حتى إن أكابر علمائهم في أواخر القرن الثاني عشر أنكروا هدم القباب والأبنية التي على القبور، وشنّعوا على من يسعى في إزالتها وتسويتها بالأرض، وهذا في الحقيقة إنكار على النبي ﷺ ومعارضة له؛ لأنه ﷺ هو الذي نهى عن البناء [على (١)] القبور، وأمر بتسوية ما بني عليها، كما في المسند وصحيح مسلم والسنن إلا ابن ماجة، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ «أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». وعن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسُوِّي ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، ورواية ابن ماجة مختصرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعنده زيادة: «وأن يكتب عليها». وفي رواية لأبي داود والنسائي: «أو يزاد عليه أو يكتب عليه». ورواه ابن ماجة مختصرا قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء». ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبنى

стр. 265

على القبر، أو يجصص، أو يقعد عليه، ونهى أن يكتب عليه» قال الحاكم: على شرط مسلم، وقد خرج بإسناده غير الكتابة فإنها لفظة صحيحة غريبة، وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم، وخرج منه. وفي رواية للحاكم: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها» صححه الحاكم، وافقه الذهبي في تلخيصه. وفي المسند من حديث أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر، أو يجصص». وفي سنن ابن ماجة عن أبي سعيد ﵁: «أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر». وقد خالف القبوريون هذه الأحاديث جملة، وارتكبوا ما نهاهم النبي ﷺ عنه من البناء على القبور، والزيادة عليها، وتجصيصها، والكتابة عليها، وساعدهم على ذلك أدعياء العلم؛ فأباحوا لهم هذه المحرمات، ثم زاد بهم الشر فأنكروا على من اتبع رضوان الله وامتثل أمر رسوله ﷺ ؛ فسعى في إزالتها وتسويتها بالأرض، وليس مع أولئك الأدعياء حجة فيما ذهبوا إليه إلا كونه مخالفا لعوائدهم وما نشأوا عليه وألِفوه من التقليد الأعمى، وقد انتدب أربعة من رؤسائهم الجهال الذين أصمهم التقليد وأعماهم واستزلهم الشيطان وأغواهم، فأصدر كل واحد منهم جوابا في المنع من هدم القباب والإنكار على من فعل ذلك، وعلى من يترك التقليد ويتبع الكتاب والسنة، ذلك مبلغهم من العلم، نعوذ بالله من عمى البصيرة. وقد تصدى للرد عليهم شيخ اليمن العلامة المحقق الشيخ حسين بن

стр. 266

مهدي النعمي الصنعاني في كتابه "معارج الألباب" فأجاد وأفاد، جزاه الله خير الجزاء. وقد ناظرهم العلامة المحقق الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى بحضرة والي مكة، في سنة إحدى وعشرة بعد المائتين والألف، فأدحض حججهم المتهافتة، وقذف بالحق على باطلهم فدمغه فإذا هو زاهق، وكتب في ذلك رسالة مفيدة جدا، جزاه الله خير الجزاء. وقد ذكر الشيخ حسين بن غنام في تاريخه: أن علماء مكة لما حضروا لمناظرة الشيخ حمد بن معمر قال له كبيرهم: اعلم أني أقول لا أخاصمك ولا أناظرك إن أتيتني بالدليل من الكتاب أو السنة، ولا أجاريك ولا أطالب بما قال علماء المذاهب، سوى ما قال به إمامي أبو حنيفة؛ لأني مقلد له فيما قال، فلا أسلم لسوى قوله، ولو قلتَ قال الله أو قال رسول الله؛ لأنه أعلم مني ومنك بأولئك، والأخذ بغير قول الأئمة هو عين اقتحام المهالك. انتهى. فانظر يا من وفقه الله لاتباع الكتاب والسنة إلى جريرة التقليد على أهله كيف أوقعهم في هذه الجرأة العظيمة، وسوء الأدب مع الله تعالى وكتابه ورسوله ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ

стр. 267

وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]. ولما أبوا عن الانقياد للحجة والبيان، عدل الموحدون إلى جهادهم بالسيف والسنان، فدخلوا مكة في أول سنة ألف ومائتين وثمانية عشر، واستولوا على الحجاز بكامله، وأزالوا جميع ما كان يعبد من دون الله -بالتعظيم والاعتقاد فيه ورجاء النفع ودفع الضر بسببه- من الأبنية على القبور وغيرها، حتى لم يبق في الحجاز طاغوت يعبد، وهذه هي المرة الأولى كما أشرنا إليه قريبا، وبعد بضع سنين نكث والي مكة وخان الموحدين، ومالأ عليهم الترك والمصريين حتى استولوا على الحجاز، وأعاد القبوريون الأبنية على القبور، وفعلوا عندها وبها من الأمور الشركية ما كانوا يفعلونه من قبل، وزاد غلوهم في التقليد ونفورهم عن الكتاب والسنة، حتى آل بهم ذلك إلى ظلم المتبعين للكتاب والسنة، والبغي في الأرض بغير الحق. قال صديق بن حسن في كتاب "الدين الخالص": من غرائب الزمان أن أهل مكة يُخرجون كل من يسمعون أنه يعمل بالحديث وينكر التقليد، ويضطرونه إلى الخروج والجلاء مع أنه مهاجر غريب الدار والأهل والوطن والسكن، هاجر من ماله وأهله حبا لله ولرسوله، وسكن أشرف البلاد، وهو ليس بمشغول في رد أحد من أهل المذاهب ولا في الجهاد،

стр. 268

يصلي الصلاة في الحرم الشريف المكي ويطوف، ويدرس في بيته مختفيا إن كان من أهل العلم، وإلا يسكت عن الجميع إن كان عامِّيا، ومع ذلك إذا سمعوا في حق أحد من هؤلاء المهاجرين من بلاد الهند وغيره أنه لا يقلد إماما من الأئمة الأربعة، ويتبع السنن ويقتدي بكتاب الله، سخطوا عليه ورموه بكل حجر ومدر، وسعوا به إلى الحكام، وألزموه ما لا يلزمه من الآثام، وتعاقبوه إلى أن أخرجوه من مكة إلى جدة ومن جدة إلى الغربة، وهذا من فتن آخر الزمن، ولا تخرج هذه الفتنة إلا من عند علمائها وكبرائها، كما قال رسول الله ﷺ : «تخرج الفتنة من عندهم، وفيهم تعود»، حتى سمعنا أن بعضهم أفتى بقتل المتبعين، وقال: يُقتل سياسة، وإن لم يستحق القتل. وهذا حال مكة المكرمة، فما مقام الشكوى من بلاد أخرى ليست هي في الشرف والفضيلة معشار عشرها. انتهى. ثم إن الله رد الكَرَّة للموحدين، ومكَّن لهم في الأرض، فدخلوا الحجاز سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وأربعين، وأزالوا جميع الأبنية على القبور وغيرها مما يعتقد فيه، حتى لم يبق في الحجاز طاغوت يُعبد ولا قبر يُتخذ عيدا، ومنعوهم من الاجتماعات المحدثة للموالد والتعازي، وغيرها من الأعياد البدعية، وهذه هي المرة الثانية كما أشرنا إليه قريبا، ولم يزل الأمر على ذلك إلى الآن، فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين؛ حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته،

стр. 269

ويؤيد التوحيد وأهله، ويتم نعمته عليهم، ويجعلهم قائمين بأمر الله، ظاهرين منصورين على من ناواهم، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وأن يطهر الحرمين الشريفين وسائر البلاد الإسلامية من أدران الفسوق والعصيان، ويمحق ما فشا وظهر فيها من المنكرات، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. * * *

стр. 270

فصل وأما العجم فقد فشت فيهم الوثنية، وآل بهم الغلو في أهل البيت إلى أن اتخذوهم أربابًا من دون الله، وقد تقدم قول المنفلوطي إن علماءهم يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى بيت الله الحرام، وقال الشوكاني: إنهم غلوا في الكفر حتى أثبتوا الإلهية لمن يزعمون أنه المهدي المنتظر، وأنه دخل السرادب وسيخرج منه في آخر الزمان، وبلغ من تلاعبهم بالدين أنهم يجعلون في كل مكان نائبا عن الإمام المذكور الموصوف بأنه إلههم، ويُسمُّون أولئك النواب حُجَّابا للإمام المنتظر، ويثبتون لهم الإلهية، وهذا مصرح به في كتبهم، وقد وقفنا منها على غير كتاب. انتهى. وأما بلاد الهند فأكثر أهلها قد اتخذوا عبد القادر الجيلاني إلها معبودا، وربا مدبرا ميسرا، والذين يحجون منهم إلى قبره أكثر ممن يحج إلى البيت الحرام، وقد تقدم ما ذكره المنفلوطي عنهم فليراجع. وقال صديق بن حسن رحمه الله تعالى: في الهند رجال كثيرون من هذا الوادي؛ منهم السيد معين الدين الجشتي، والشيخ قطب الدين الكاكي، والسيد بديع الدين المدار، والمسعود الغازي السالار، والشيخ نظام الدين أوليا، والسيد قطب عالم، إلى غيرهم ممن يطول ذكرهم، بل لا بلد من بلاده، ولا قصبة من قصباته، ولا قرية من قراه، إلا وفيه قبر ولي أو صالح يعبدونه جهارا، ويلقون أردية ورياحين، ويوقدون عليه السرج، ويسافرون إليه في شهر مُعيَّن من كل سنة زرافات ووحدانا، وينذرون له بأنواع من

стр. 271

النذور، ويبذلونه لسدنة القبور ومجاوري المقبور، فإذا وصلوا إليه بعد مشقة من شقة بعيدة فعلوا به من الطواف والتقبيل والاستلام، والقيام بالأدب التمام في محاذاة قبورهم ونحوها مما هو شرك بحت في الإسلام، وذلك كله بعينه صنائع المشركين الماضين، وبدعهم التي جاءت الرسل لمحوها. انتهى. وأما أهل المغرب فعندهم أحمد التيجاني، يبالغون في تعظيمه، ويعتقدون فيه نحوا مما يعتقده أهل مصر في البدوي وأمثاله، ومنهم من يغلو في الحسين، وقد تقدم ما ذكره سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي عن بعضهم من الفعل الشنيع عند المشهد المنسوب إلى الحسين بالقاهرة. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أن في المغرب مشهدا منسوبا إلى الحسين. ومنهم من يغلوا في عبد القادر الجيلاني. وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى أن في أقصى المغرب مشهدا لعبادة عبد القادر، وأنهم ينادونه من مسافة أَشهُر، بل سَنَة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه، يقول قائلهم: إنه يسمع، ومع سماعه ينفع، وهو لما كان حيا يسمع ويبصر لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم بما صار، وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله. انتهى. وبالجملة فالأمور الشركية، والعبادات الوثنية قد غلبت على الأكثرين،

стр. 272

وعظمت فتنتها في أكثر الأقطار الإسلامية، حتى عاد غصن الشرك فيها غضا طريا كما كان في زمن الجاهلية الذي بعث فيهم النبي ﷺ ، وما أعزَّ من تخلص من شَرَك الشرك في هذه الأزمان المظلمة، فالله المستعان. وقد روى الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدّواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله؛ فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء الله، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة». وفي مسند البزار عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئا، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض». وروى الطبراني في معجمه الصغير، عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذنب لا يغفر، وذنب يغفر، فأما الذنب الذي لا يغفر

стр. 273

فالإشراك بالله، وأما الذنب الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، وأما الذي يغفره فذنب العبد بينه وبين الله تعالى». وفي مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك». والله المسؤول أن يطهِّر جميع البلاد الإسلامية من نجاسة الشرك، وأدناس البدع والفسوق والعصيان، وأن يعيدها إلى مثل الحالة الأولى في زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. * * *

стр. 274

فصل الصنف الثاني من أدعياء الإسلام أهل التعطيل ؛ الذين يعبدون العدم، وهم الجهمية ومن شابههم ونحا نحوهم، وهم أتباع فرعون؛ ولهذا كان غلاتهم من الاتحادية ينافحون عنه ويفضلونه على موسى، وبعضهم يصرح أنهم من أتباعه؛ كما جاء في حكاية ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن بعض شيوخهم، قال في كتابه "الحجج النقلية والعقلية": هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله، ويدَّعون أنهم خير من موسى وأمثاله، حتى إنه حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم وحسن إسلامه ﵀، وكان قد اجتمع بالشيرازي -أحد شيوخ هؤلاء- ودعاه إلى هذا القول وزينه له، فحدثني بذلك، فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم، وأن قولهم من جنس قول فرعون، فقال لي: إنه لما دعاه حسن الشيرازي إلى هذا القول قال له: قولكم هذا يشبه قول فرعون! فقال: نعم، ونحن على قول فرعون -وكان عبد السيد إذ ذاك لم يسلم بعد- فقال: أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون، قال له: ولم؟ قال: لأن موسى أغرق فرعون … فانقطع، فاحتج عليه بالنصر القدري الذي نصر الله به موسى، لا بكونه كان رسولا صادقا، قلت لعبد السيد: وأقر لك أنه على قول فرعون؟ قال: نعم، قلت: فمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة، أنا كنت أريد أن أُبيِّن لك أن قولهم هو قول فرعون، فإذا كان قد أقر بهذا فقد حصل المقصود. انتهى.

стр. 275

وقال أيضا قدس الله روحه: المشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية؛ وهم المعطلة لصفات الرحمن؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ﷺ ، بل وجميع الرسل، وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبهذا كفّروا من يقول إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن الله ليس على العرش، وإنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب، ونحو ذلك من صفاته. وقال أيضا: نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يُرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك؛ كإنكار تكليم الله لموسى، واتخاذ الله إبراهيم خليلا. انتهى. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية: ولقد تقلد كفرهم خمسون في … عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنـ … ـهم بل حكاه قبله الطبراني فذكر رحمه الله تعالى أن خمسمائة عالم كفَّروا الجهمية. وقد ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" جملة منهم، وكان بعض الأئمة يسميهم الزنادقة. وروي عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط، وغيرهما من أهل العلم والحديث أنهم قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع:

стр. 276

الخوارج، والروافض، والمرجئة، والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد ﷺ . وقال أبو داود في كتاب "المسائل": حدثنا الحسن بن الصباح قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك قال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "السنة" عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا -وهو من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على العرش شيء. وقال أحمد بن سعد الجوهري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد أضر على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث الرسول ﷺ . وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: نظرت في كلام اليهود والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم؛ يعني الجهمية، وإني لأستجهل من لا يُكفِّرهم إلا من لا يعرف كفرهم. ذكره

стр. 277

عنه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب "خلق أفعال العباد". قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وعن أحمد في تكفير من لم يكفر الجهمية روايتان، أصحهما لا يكفر. انتهى. قلت: وبالتكفير يقول أبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وحكى أبو زرعة وأبو حاتم ذلك عمن أدركاه من العلماء في جميع الأمصار. قال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع": سمعت عبد الوهاب الوراق يقول: قال أبو بكر بن عياش: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني غياث بن جعفر، سمعت سفيان بن عيينة يقول: القرآن كلام الله، من قال مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وقال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد: كلام الله غير مخلوق، فمن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ومن لم يُكفِّره فهو كافر. وذكر القاضي أبو الحسين في "الطبقات" في ترجمة شاهين بن السميدع أبي سليم العبدي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله تعالى: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه أئمة العلم في

стр. 278

ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازا وعراقا، وشاما ويَمنا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره -ممن يفهم ولا يجهله- فهو كافر، ومن وقف في القرآن فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، قال أبو حاتم: والقرآن كلام الله وعلمه، وأسماؤه وصفاته، وأمره ونهيه، ليس بمخلوق من جميع الجهات. وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع": سألت عبد الوهاب -يعني الوراق- عمن لا يُكفِّر الجهمية؛ قلت: يُصلَّى خلفه؟ قال: لا يُصلَّى خلفه، هذا ضال مضل، مُتَّهم على الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة يقولون: إن كلام الله مخلوق، وإن الله كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء، وإنه لا يُرى في الآخرة، وإنه ليس مباينا لخلقه، وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق، وتكذيب رسوله، وإبطال دينه. وقال أيضا: أصل هذه المقالة -أي التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضُلال الصابئين، فإن أول من حُفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنُسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالون بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، وكان

стр. 279

الجعد بن درهم هذا قيل من أرض حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة؛ بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم؛ فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة والفلاسفة، وأخذها الجهم أيضا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات، فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين. انتهى. وقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" وفي كتاب "خلق أفعال العباد"، وابن أبي حاتم في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" وغيرهم: أن خالد بن عبد الله القسري خطب الناس في يوم عيد أضحى فقال: أيها الناس، ضحُّوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، كان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك، وشكره مَن بعدهم مِن أهل السنة إلى يومنا هذا، وقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ … قسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله … كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان وأما جهم بن صفوان تلميذ الجعد فإنه قُتل بخراسان، قتله سالم بن أحوز. وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده على الزنادقة والجهمية: أن الجهم لما ناظر السمنية الكفار وشبَّهوا عليه، تحير فلم يدر من يعبد

стр. 280

أربعين يوما. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، سمعت يزيد بن هارون يقول: لعن الله الجهم ومن قال بقوله؛ كان كافرا جاحدا؛ ترك الصلاة أربعين يوما يزعم [أنه (١)] يرتاد دينا، وذلك أنه شك في الإسلام، قال يزيد: قتله سالم بن أحوز على هذا القول. وقال عبد الله أيضا: حدثني محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثني يحيى بن أيوب، سمعت أبا نعيم البلخي شجاع بن أبي نصر، سمعت رجلا من أصحاب جهم كان يقول بقوله، وكان خاصا به ثم تركه، وجعل يهتف بكفره قال: رأيت جهما يوما افتتح طه، فلما أتى على هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: لو وجدت السبيل إلى حكِّها لحككتها، ثم قرأ حتى أتى على آية أخرى فقال: ما كان أظرف محمدا حين قالها، ثم افتتح سورة القصص، فلما أتى على ذكر موسى جمع يديه ورجليه، ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء ذكره ههنا فلم يتم ذكره، وذكره فلم يتم ذكره. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي، عن يحيى بن أيوب … فذكره بنحوه. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى أن عبد الله ابن المبارك رحمه الله تعالى كان ينشد في الجهم: عجبت لشيطان دعا الناس جهرة … إلى النار واشتق اسمه من جهنم

стр. 281

وأما تلميذ الجهم بشر بن غياث المريسي فقد أراد الرشيد قتله، ولكنه لم يظفر به. قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني محمد بن نوح المضروب، عن المسعودي القاضي، سمعت هارون أمير المؤمنين يقول: بلغني أن بشر المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله عليّ إن أظفرني الله به إلا قتلته قتلة ما قتلها أحدا قط. وقال عبد الله أيضا: أخبرت عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي، فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه لأقول فيه بعلم، فأتيته فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى ابن مريم ﵇، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى فأهل ذاك هو، ولا أراك تصلي على نبينا ونبينا أفضل منه، فقال: ذاك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء. فهؤلاء الثلاثة هم أئمة الجهمية وقادتهم. وقد انفرد الجهم عن صاحبيه بخمس قبائح: إحداها: الشك في الإسلام. الثانية: الحيرة في المعبود أربعين يوما. الثالثة: ترك الصلاة في تلك الأيام، حتى يجد له دينا وإلها يعبده. الرابعة: استهانته بالقرآن. الخامسة: زعمه أنه قول البشر. وأما بشر فقد امتاز بأمرين قبيحين:

стр. 282

أحدهما: تفضيل عيسى على نبينا محمد ﷺ موافقة منه للنصارى. الثاني: الاعتراض على نبينا محمد ﷺ فيما أحل الله. ومع هذا فما زال مذهبهم الخبيث منتشرا في أقطار الأرض من زمنهم إلى يومنا هذا، وما أكثر المستجيبين لهم من هذه الأمة قديما وحديثا، وما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وبمن قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها …» الحديث، وقد تقدم بطوله. وفي رواية: «وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». وقد رأيت طائفة من الجهمية يطوفون بالكعبة ويتكلمون بالتعطيل وعقائدهم الفاسدة جهرا، وقد جعلوا ذلك بدلا عن الدعاء في الطواف، وما رأيت أحدا أنكر ذلك عليهم، فالله المستعان. وحدثنا الثقة من أصحابنا أنه صلَّى مع جهمي في بعض مساجد عمان -ولم يعلم أنه جهمي- قال: فافتتح سورة طه، فلما أتى على قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ حرَّفها وقرأها هكذا: الرحمن على العرش استولى، قال: ورفع بذلك صوته. قلت: وهذا ما كان يوده إمامهم الجهم من حكِّها، وهو ما كان تلقاه عن

стр. 283

أشياخه اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، ولما كان الله قد تكفل بحفظ كتابه العزيز كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] لم يمكن جهما ولا أتباعه ولا أحدا من البشر أن يغيروا حرفا واحدا منه، اللهم إلا أن يكون حال التلاوة كما صنع ذلك الجهمي الذي حدثنا عنه صاحبنا فهذا ممكن، وكذلك تغيير بعض الآيات حال الكتابة ممكن أيضا. وقد ذكر القاضي أبو الحسين في "الطبقات" في ترجمة حنبل بن إسحاق، قال حنبل: حججت في سنة إحدى وعشرين -يعني بعد المائتين- فرأيت في المسجد الحرام كسوة البيت الديباج وهي [تخاط (١)] في صحن المسجد، وقد كتب في الدارات ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير، فلما قدمتُ سألني أبو عبد الله عن بعض الأخبار، فأخبرته بذلك، فقال أبو عبد الله: قاتله الله، الخبيث عمد إلى كتاب الله فغيَّره! يعني ابن أبي دؤاد؛ يعني أزال السميع البصير. اهـ. قلت: مثل هذا التحريف العارض من بعض الزائغين الملحدين لا يستقر بحيث يروج على الناس، بل كل مسلم قارئ يعرف أنه تحريف من أول وهلة، فيرده ويمقت فاعله، وقد صنف بعض الأزهريين منذ سنين كتابا حافلا في ترجمة الإمام أحمد، وذكر فضائله، وصبره على المحنة، وما أصابه في الله تعالى،

стр. 284

فأجاد وأفاد، إلا أنه مال إلى رأي الجهمية والمعتزلة في دعواهم أن القرآن مخلوق، واغتر بما احتجوا به لباطلهم من متشابه القرآن، وأضاف على ذلك عقله الفاسد وبداهته المنحرفة، ولم يكفه ذلك، بل تجاوزه إلى مدح هذا الرأي الفاسد والنظر الشيطاني، فقال فيه: إنه نظر عميق سليم، يحتاط للوحدانية، ويحتاط للإسلام، فهو موقف لا يخلو من النبل، وهو إيمان سليم … إلى آخر كلامه الفاسد، ودسيسته السُمية، ثم أيّد ذلك في موضع آخر بكلام فاسد لبعض من مضى قريبا من المتحذلقين المتمسكين بأذيال المتكلمين من المعتزلة والمتفلسفة؛ ظلمات بعضها فوق بعض، نعوذ بالله من عمى القلوب وانتكاسها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ولولا خشية الإطالة لذكرت كلام أئمة السلف في رد الشبهات التي اغتر بها الجهمي وأمثاله، وقد ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده على الزنادقة والجهمية، وذكرها غيره ممن صنف في هذا الشأن، فمن وقف على دسيسة هذا الكتاب الذي أشرنا إليه، وما اغتر به من شبهات أهل الزيغ والضلال، ولم يعرف وجه بطلانها، فليراجع كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده عليهم، يجد الحق واضحا بالأدلة والبراهين، ويرى حجج الجهمية والزنادقة داحضة متهافتة، والمقصود ههنا التنبيه على دسيسة هذا الكاتب لئلا يغتر بها أحد، والله المستعان. * * *

стр. 285

فصل الصنف الثالث من أدعياء الإسلام: أشباه النصارى الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم؛ وهم غلاة الرافضة والجهمية ونحوهم، ممن ذهب إلى القول بالحلول والاتحاد أو وحدة الوجود، وبعضهم أكفر من النصارى وأخبث منهم قولا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه أو اتحاده به، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق، فهذه أربعة أقسام: الأول: هو الحلول الخاص؛ وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم، ممن يقول إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة؛ كغالية الرافضة الذين يقولون إنه حلَّ بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النُسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومَن يعتقدون فيه الولاية، أو في بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. والثاني: هو الاتحاد الخاص؛ وهو قول يعقوبية النصارى، وهم أخبث قولا، وهم السودان والقبط؛ يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.
следующие страницы →