وأما تلميذ الجهم بشر بن غياث المريسي فقد أراد الرشيد قتله، ولكنه لم يظفر به.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني محمد بن نوح المضروب، عن المسعودي القاضي، سمعت هارون أمير المؤمنين يقول: بلغني أن بشر المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله عليّ إن أظفرني الله به إلا قتلته قتلة ما قتلها أحدا قط.
وقال عبد الله أيضا: أخبرت عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي، فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه لأقول فيه بعلم، فأتيته فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى ابن مريم ﵇، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى فأهل ذاك هو، ولا أراك تصلي على نبينا ونبينا أفضل منه، فقال: ذاك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء.
فهؤلاء الثلاثة هم أئمة الجهمية وقادتهم.
وقد انفرد الجهم عن صاحبيه بخمس قبائح:
إحداها: الشك في الإسلام.
الثانية: الحيرة في المعبود أربعين يوما.
الثالثة: ترك الصلاة في تلك الأيام، حتى يجد له دينا وإلها يعبده.
الرابعة: استهانته بالقرآن.
الخامسة: زعمه أنه قول البشر.
وأما بشر فقد امتاز بأمرين قبيحين:
стр. 282
أحدهما: تفضيل عيسى على نبينا محمد ﷺ موافقة منه للنصارى.
الثاني: الاعتراض على نبينا محمد ﷺ فيما أحل الله.
ومع هذا فما زال مذهبهم الخبيث منتشرا في أقطار الأرض من زمنهم إلى يومنا هذا، وما أكثر المستجيبين لهم من هذه الأمة قديما وحديثا، وما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وبمن قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها …» الحديث، وقد تقدم بطوله.
وفي رواية: «وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس».
وقد رأيت طائفة من الجهمية يطوفون بالكعبة ويتكلمون بالتعطيل وعقائدهم الفاسدة جهرا، وقد جعلوا ذلك بدلا عن الدعاء في الطواف، وما رأيت أحدا أنكر ذلك عليهم، فالله المستعان.
وحدثنا الثقة من أصحابنا أنه صلَّى مع جهمي في بعض مساجد عمان -ولم يعلم أنه جهمي- قال: فافتتح سورة طه، فلما أتى على قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ حرَّفها وقرأها هكذا: الرحمن على العرش استولى، قال: ورفع بذلك صوته.
قلت: وهذا ما كان يوده إمامهم الجهم من حكِّها، وهو ما كان تلقاه عن
стр. 283
أشياخه اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، ولما كان الله قد تكفل بحفظ كتابه العزيز كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] لم يمكن جهما ولا أتباعه ولا أحدا من البشر أن يغيروا حرفا واحدا منه، اللهم إلا أن يكون حال التلاوة كما صنع ذلك الجهمي الذي حدثنا عنه صاحبنا فهذا ممكن، وكذلك تغيير بعض الآيات حال الكتابة ممكن أيضا.
وقد ذكر القاضي أبو الحسين في "الطبقات" في ترجمة حنبل بن إسحاق، قال حنبل: حججت في سنة إحدى وعشرين -يعني بعد المائتين- فرأيت في المسجد الحرام كسوة البيت الديباج وهي [تخاط (١)] في صحن المسجد، وقد كتب في الدارات ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير، فلما قدمتُ سألني أبو عبد الله عن بعض الأخبار، فأخبرته بذلك، فقال أبو عبد الله: قاتله الله، الخبيث عمد إلى كتاب الله فغيَّره! يعني ابن أبي دؤاد؛ يعني أزال السميع البصير. اهـ.
قلت: مثل هذا التحريف العارض من بعض الزائغين الملحدين لا يستقر بحيث يروج على الناس، بل كل مسلم قارئ يعرف أنه تحريف من أول وهلة، فيرده ويمقت فاعله، وقد صنف بعض الأزهريين منذ سنين كتابا حافلا في
ترجمة الإمام أحمد، وذكر فضائله، وصبره على المحنة، وما أصابه في الله تعالى،
стр. 284
فأجاد وأفاد، إلا أنه مال إلى رأي الجهمية والمعتزلة في دعواهم أن القرآن مخلوق، واغتر بما احتجوا به لباطلهم من متشابه القرآن، وأضاف على ذلك عقله الفاسد وبداهته المنحرفة، ولم يكفه ذلك، بل تجاوزه إلى مدح هذا الرأي الفاسد والنظر الشيطاني، فقال فيه: إنه نظر عميق سليم، يحتاط للوحدانية، ويحتاط للإسلام، فهو موقف لا يخلو من النبل، وهو إيمان سليم … إلى آخر كلامه الفاسد، ودسيسته السُمية، ثم أيّد ذلك في موضع آخر بكلام فاسد لبعض من مضى قريبا من المتحذلقين المتمسكين بأذيال المتكلمين من المعتزلة والمتفلسفة؛ ظلمات بعضها فوق بعض، نعوذ بالله من عمى القلوب وانتكاسها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ولولا خشية الإطالة لذكرت كلام أئمة السلف في رد الشبهات التي اغتر بها الجهمي وأمثاله، وقد ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده على الزنادقة والجهمية، وذكرها غيره ممن صنف في هذا الشأن، فمن وقف على دسيسة هذا الكتاب الذي أشرنا إليه، وما اغتر به من شبهات أهل الزيغ والضلال، ولم يعرف وجه بطلانها، فليراجع كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده عليهم، يجد الحق واضحا بالأدلة والبراهين، ويرى حجج الجهمية والزنادقة داحضة متهافتة، والمقصود ههنا التنبيه على دسيسة هذا الكاتب لئلا يغتر بها أحد، والله المستعان.
* * *
стр. 285
فصل
الصنف الثالث من أدعياء الإسلام: أشباه النصارى الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم؛ وهم غلاة الرافضة والجهمية ونحوهم، ممن ذهب إلى القول بالحلول والاتحاد أو وحدة الوجود، وبعضهم أكفر من النصارى وأخبث منهم قولا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه أو اتحاده به، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق، فهذه أربعة أقسام:
الأول: هو الحلول الخاص؛ وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم، ممن يقول إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة؛ كغالية الرافضة الذين يقولون إنه حلَّ بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النُسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومَن يعتقدون فيه الولاية، أو في بعضهم كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.
والثاني: هو الاتحاد الخاص؛ وهو قول يعقوبية النصارى، وهم أخبث قولا، وهم السودان والقبط؛ يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.
стр. 286
والثالث: هو الحلول العام؛ وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول متعبدة الجهمية الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان.
الرابع: الاتحاد العام؛ وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين.
من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
والثاني من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير، والقذر والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، فكيف بمن قال إن الله هو الكفار والمنافقون، والصبيان والمجانين، والأنجاس والأنتان، وكل شيء، وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه؛ وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية [المائدة: ١٨]، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق، ليسوا غيره ولا سواه، ولا يتصور أن يعذب إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع، وأن الناكح عين المنكوح، قال: واعلم أن هؤلاء لما كان
стр. 287
كفرهم في قولهم: إن الله مخلوقاته كلها، أعظم من كفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، فكان النصارى ضلال أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد، إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل، حيث يجعلون الرب جوهرا واحدا، ثم يجعلونه ثلاثة جواهر، ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التي هي الأقانيم، والخواص عندهم ليست جواهر، فيتناقضون مع كفرهم، كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال، أكثرهم لا يعقلون قول رؤوسهم ولا يفقهونه، وهم في ذلك كالنصارى، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل كان بالله أعرف وعندهم أعظم.
قال: ومذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني مركب من ثلاث مواد: سلب الجهمية وتعطيلهم، ومجملات الصوفية؛ وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح، فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وأيضا كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال السكر، ومن زندقة الفلسفة التي هي أصل التجهم، فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي؛ والكل مشتركون في التجهم، والتلمساني أعظمهم تحقيقا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر.
وقال الشيخ أيضا: معطلة الجهمية ونفاتهم يقولون: إن الله تعالى لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له، ولا محايث له، فينفون الوصفين
стр. 288
المتقابلين الَّذَين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم، وحلولية الجهمية الذين يقولون إنه بذاته في كل مكان، يقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية، وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء، فإن الحلول أغلب على عُبّاد الجهمية وصوفيتهم وعامته، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم، كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء.
وقال الشيخ أيضا: وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا، وقلَّ أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان، وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم، وهم لا يوحدون الله وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون؛ ولهذا حدَّث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: إن أرض الإسلام لا تَسَعَهُ؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان، وهذا حقيقة قول الاتحادية. انتهى.
قلت: ومذاهب القائلين بالحلول والاتحاد منتشرة في كثير من الأقطار الإسلامية في هذه الأزمان، وخصوصا في غلاة الرافضة، والصوفية الجهلة الطغام، الذين هم أضل سبيلا من الأنعام.
стр. 289
وقد جمع العلامة إبراهيم بن البقاعي الشافعي أقوال العلماء في تكفير إمامي الاتحادية ابن عربي وابن الفارض ومن قال بقولهما في كتابين سمى أحدهما "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي"، والآخر سماه "تحذير العباد من أهل العناد"، وما زال علماء أهل السنة والجماعة منذ القرن السابع إلى يومنا هذا يُكفِّرون ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأضرابهم، ومَن يقول بقولهم من أهل الحلول والاتحاد والزندقة والإلحاد، والله المسؤول أن يُطهِّر الأرض منهم ومن إخوانهم الوثنيين أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
* * *
стр. 290
فصل
الصنف الرابع: غُلاة القدرية؛ وهم الذين يجحدون العلم والكتاب.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي وسأله علي بن الجهم عمَّن قال بالقدر، يكون كافرا؟ قال: إذا جحد العلم؛ إذا قال: إن الله لم يكن عالما حتى خلق علما فعلم؛ فجحد علم الله فهو كافر.
وقال بعض السلف: خاصموهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.
وقال إبراهيم بن طهمان: الجهمية كفار، والقدرية كفار. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وروى أيضا في كتاب "الزهد" عن الحسن أنه قال: من كذَّب بالقدر فقد كفر.
وسيأتي ذكر الأحاديث في تسميتهم مجوس هذه الأمة قريبا إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 291
فصل
الصنف الخامس: أفراخ الفلاسفة، الذي يُحكّمون عقولهم الفاسدة، ويجعلونها موازين للشرع؛ فما وافقها قبلوه، وما خالفها نبذوه وراء ظهورهم.
ويقولون: إن النبوة مكتسبة، وإنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك، فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه، والنبي ﷺ عندهم من جنس غيره من الأذكياء الزهاد؛ لكنه قد يكون أفضل.
والملائكة عندهم هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية.
وكلام الله هو ما يسمع في نفسه من الأصوات؛ بمنزلة ما يراه النائم في منامه.
ويجوّزون على الأنبياء الكذب في خطاب الجمهور للمصلحة.
والفيلسوف عند بعضهم أعظم من النبي ﷺ ، وعند بعضهم أن الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة.
والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق، والشريعة عندهم سياسة مدنية، إلى غير ذلك من أقاويل الفلاسفة وكفرياتهم.
وقد تعلق بأذيالهم كثير من منافقي هذه الأمة من المتقدمين والمتأخرين إلى زماننا هذا، ووردوا مواردهم الآجنة المُنتنة؛ فمستقل منها ومستكثر، وهم مع انتسابهم إلى الإسلام أضر على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى والمشركين، وقد قيل فيهم:
стр. 292
الدين يشكو بليه … من فرقة فلسفيه
لا يشهدون صلاة … إلا لأجل التقيه
ولا ترى الشرع إلا … سياسة مدنيه
ويؤثرون عليه … مناهجاً فلسفيه
وقد ذُكر لنا عن بعض أتباعهم في هذه الأزمان أنهم لا يصلون إلا للرياضة أو للتقية، وأنهم ينكرون وجود الملائكة؛ وتنزلهم بأمر الله، وتدبيرهم للأمور بإذنه، وبعضهم ينكر كونهم يعقلون؛ وإنما هم عنده بمنزلة الجمادات والنباتات، وينكرون أيضا وجود الجن وصرعهم لبني آدم، إلى غير ذلك مما دخل عليهم من سموم الفلاسفة وجراثيم أمراضهم المهلكة، وكثير من أتباعهم من المتقدمين والمتأخرين قد اتخذوا الشمس والقمر النجوم آلهة يدعونها دون الله، ويطلبون منها ما لا يطلب إلا من الله، وقد صنّف بعضهم في ذلك كتابا سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة الشمس والقمر والنجوم"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وهذه رِدَّة صريحة. انتهى.
وانظر إلى كثير من كتبهم المصنَّفة في الطب وغيره؛ تجد فيها من تعليم السحر ودعاء الكواكب والشياطين وأنواع الطلسمات شيئا كثيرا، وهم مع هذا ينتسبون إلى الإسلام، ويحسبون أنهم على شيء إلا إنهم هم الكاذبون، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
стр. 293
[المجادلة: ١٨ - ١٩].
ومن ضرر الفلاسفة على الإسلام وأهله ما ذكره المؤرخون في وقعة بغداد المشهورة في سنة ست وخمسين وستمائة، فقد قيل: إن القتلى بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف، وقيل غير ذلك.
وهذه الملحمة العظيمة لم يجر على أهل الإسلام مثلها، لا قبل ولا بعد، إلى زماننا هذا في أواخر القرن الرابع عشر، وكان ذلك بإشارة عدويّ الإسلام نصير الشرك الطوسي، الفيلسوف الملحد الباطني الإسماعيلي، والوزير ابن العلقمي الرافضي وكيدهما للإسلام وأهله، عاملهما الله تعالى بعدله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصريـ … ـح بصارم منه وسل سنان
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله … من أُسِّه وقواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الأُولى … كفروا بدين الله والقرآن
وأتى إلى أوقاف أهل الدين ينـ … ـقلها إليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الإشارات التي … هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا … ميس التي كانت لدى اليونان
لكنه علم اللعين بأن هـ … ـذا ليس في المقدور والإمكان
إلا إذا قتل الخليفة والقضا … ة وسائر الفقهاء في البلدان
فسعى لذاك وساعد المقدور بالـ … أمر الذي هو حكمة الرحمن
فأشار أن يضع التتار سيوفهم … في عسكر الإيمان والقرآن
стр. 294
لكنهم يبقون أهل صنائع الـ … ـدُّنيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في … مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينها في ألفها … مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الإسلام أعداه اليهو … دُ كذا المجوس وعابدو الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الرسو … ل وعسكر الإيمان والقرآن
فانظروا أيها المسلمون إلى شدة عداوة الفلاسفة والرافضة للإسلام وأهله، وخبث طويتهم، وكيدهم للمسلمين، وطلبهم الغوائل لهم والشرور، حتى أوقعوا بهم هذا الأمر الفظيع الذي لم يؤرَّخ في الإسلام أشنع ولا أبشع منه، فهذا دليل على أن انتسابهم إلى الإسلام كذب محض، ومكر وخديعة، ليفعلوا بالإسلام مثل ما فعله بولص بالنصرانية، ولهذا قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس الفلاسفة من المسلمين.
ونقل عن بعض أعيان القضاة في زمانه أنه قيل له: ابن سينا من فلاسفة الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام فلاسفة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهُم الذين هذَّب ابن سينا طريقتهم، وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين. انتهى.
стр. 295
قلت: وبين الفلاسفة والملاحدة الباطنية تناسب وتقارب واتفاق في بعض الأمور.
وقد ذكر بعض العلماء عن ابن سينا أنه قال: كان أبي وأخي من أهل دعوة الحاكم؛ يعني العبيدي.
وذكروا عن عبيد الله بن الحسين القيرواني -جد العبيدين- أنه قال في رسالته إلى سليمان بن الحسن القرمطي: إذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة معولنا، وإنَّا وإياهم مُجمعون على رد نواميس الأنبياء، وعلى القول بقِدَم العالم، لولا ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مدبرا لا نعرفه. ورسالة عبيد الله هذه تسمى عندهم بـ"البلاغ الأكبر" و"الناموس الأعظم"، أوصى فيها القرمطي بالدعاء إلى مذهبهم الخبيث، وأمره بالاحتفاظ بإخوانهم الفلاسفة، وهذا مما يدعو كل مسلم إلى زيادة البغض للفلاسفة ومقتهم والبعد عنهم، ولكن الأمر قد انعكس في زماننا حتى صار الانتساب إلى الفلسفة مألوفا عند المسلمين، حتى عند كثير من المنتسبين إلى العلم، فإذا بالغوا في مدح العالم والثناء عليه قالوا: هو فيلسوف، وكذلك الكلام الجيد المشتمل على الحِكَم يسمونه فلسفة، ويجعلون الوصف بذلك تعظيما له وثناء عليه، وهو في الحقيقة تهجين له وعيب وذم؛ لأنه ليس للإسلام فلاسفة، وليس الفلاسفة من المسلمين، وأقل ما يقال في ذلك: إنه خلاف عرف المسلمين ولغتهم، وعدول عن ذلك إلى عرف اليونان ولغتهم، ففي ذلك نوع من التشبه بهم، وفي الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود
стр. 296
من حديث ابن عمر ﵄، وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فسماها الله تعالى حكمة ولم يسمِّها فلسفة، وكذلك سمى أهلها علماء وأئمة وربانيين وأحبارا ولم يسمهم فلاسفة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» فسماها حكمة ولم يسمِّها فلسفة.
وروى أبو نعيم وغيره عن سويدي بن الحارث ﵁ أن رسول الله ﷺ أثنى على وفد الأزد ووصفهم بأنهم حكماء علماء، ولم يقل فلاسفة.
стр. 297
وفي حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه الإمام أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
فإذا كان العلماء ورثة الأنبياء فالفلاسفة ورثة اليونان، وكان معلمهم الأول أرسطو وزيرا للأسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان، وكان هو والملك وأصحابهما مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، ويعانون السحر، فهذا ميراثهم الذي خلَّفوه لأتباعهم، مع ما تقدم ذكره في أول الفصل، وما لم يذكر وهو أكثر، وأما معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي التركي فخلَّف لهم من الميراث أنواع الألحان والمعازف.
إذا عرف هذا فما أسفه رأي من رغب عن الأسماء التي اختارها الله لهذه الأمة، واختارها رسول الله ﷺ ، وكانت هي المعروفة عنده وعند أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، وعَدَل إلى أسماء أجنبية عن الإسلام وأهل الإسلام ولُغتهم وعُرفهم.
وقد قال العلامة الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى في رده على زنادقة البحرين؛ لما خاطبوا محمد رشيد رضا باسم الفيلسوف: ثم لو سلَّمنا أن الفيلسوف على عُرف الفلاسفة وأتباعهم من أهل الكلام هو محب الحكمة، وأنه يُمدح ويُثنى به على العالم المصلح المرشد للعباد، لم يكن هذا من عرف أهل الإسلام ولا من لغتهم، ولا يمدح به أحد من علماء الإسلام؛ لأنه قد كان من المعلوم أنه لم يكن يسمى به أحد من علماء
стр. 298
الصحابة ولا علماء التابعين، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين والعلماء المصلحين المرشدين، ولا أكابر علماء أهل الحديث المجتهدين، بل كان هذا الاسم في عرف أهل الإسلام لا يسمى به إلا من كان من علماء الفلاسفة ومن نحا نحوهم من زنادقة هذه الأمة؛ فكان في الحقيقة أن هذا مما يعاب ويذم به من يسمى بذلك، لا مما يمدح ويثنى به عليه، ولو أراد هؤلاء المتنطعون المتعمقون أن ينقلوا هذا عن أحد من أهل العلم، أو يذكروه في شيء من دواوين أهل الإسلام لم يجدوا إلى ذلك سبيلا البتة؛ اللهم إلا ما يُذكر عن أشباه هؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق؛ الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق من الفهم، إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
إذا علم هذا، فينبغي التمسك بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وترك ما أحدثه الخلوف، والبعد عن ذلك كل البعد، والله الموفق.
стр. 299
فصل
الصنف السادس: القاديانية، ويقال لهم أيضا الطائفة الأحمدية.
وهم أتباع المتنبئ الكذاب مرزا غلام أحمد القادياني، الذي خرج سنة ألف وثلاثمائة وأربع عشرة في بلاد الهند فادّعى أنه المهدي المنتظر، ثم ترقى إلى دعوى أنه المسيح الموعود بنزوله في آخر الزمان حكما عدلا، وله سجع ركيك جدا شبيه بسجع مسيلمة، وله الآن أتباع كثيرون في كثير من الأقطار الإسلامية وغيرها، ويعرفون بالأحمدية، ولهم اعتناء بنشر أساجيع إمامهم الكذاب، والدعاء إلى مذهبه الخبيث، وهم مع هذا ينتمون إلى دين الإسلام ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٨ - ١٩]، وحكم القادياني وأتباعه كحكم مسيلمة وأتباعه سواء بسواء، والله أعلم.
стр. 300
فصل
الصنف السابع: تاركو الصلاة عمدا من غير عذر، على القول الراجح؛ وما أكثرهم في هذه الأزمان في جميع الأقطار الإسلامية، ولاسيما في الأمصار التي غلبت فيها الحرية الإفرنجية، وانطمست فيها أنوار الملة الحنيفية، فبعضهم يترك الصلاة بالكلية، وبعضهم يصلي بعضها ويترك بعضها، وبعضهم يجمع صلاة الأسبوع ونحوه ثم ينقرها جميعا، وبعضهم يصلي الجمعة ويترك غيرها، إلى غير ذلك من تلاعبهم بهذا الركن العظيم، واستهانتهم بجميع أمور الدين، فالله المستعان.
ولقد ذُكر لنا أن بعض المنتسبين إلى العلم، بل المنتصبين للتدريس والتعليم في مصر وغيرها يفعل بالصلاة هذه الأفعال التي ذكرنا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: التروك على ضروب:
منها: ترك جحد الصلاة، وهو كفر بإجماع الأمة.
ومنها: ترك نسيان، وصاحبه لا يكفر بإجماع الأمة.
ومنها: ترك عمد من غير جحد، فهذا قد اختلف الناس فيه:
فذهب إبراهيم النخعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه إلى أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر.
وقال أحمد رحمه الله تعالى: لا نُكفِّر أحدا من المسلمين بذنب إلا تارك الصلاة.
стр. 301
وقال مكحول الشامي، والشافعي: تارك الصلاة مقتول كما يقتل الكافر، ولا يخرج بذلك من الملة، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه أهله، إلا أن بعض أصحاب الشافعي قال: لا يُصلَّى عليه إذا مات.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تارك الصلاة لا يُكفّر ولا يُقتل، ولكن يحبس ويضرب حتى يصلي، وتأوَّلوا الخبر على معنى الإغلاظ له والتوعد عليه. انتهى.
والقول الأول أسعد بالدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ أجمعين.
أما الكتاب: ففي مواضع كثيرة منه:
الأول: قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١].
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": هذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [التوبة: ١١].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: علَّق أخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونون مؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولقول النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم».
стр. 302
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٤٣].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وأنهم يدعون إلى السجود لربهم ﵎ فيحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا، وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين.
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٨].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها،
стр. 303
فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة، وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة، إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين، بل هو وحده كاف في العقوبة، فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك؛ إذ لا يمكن قائلا أن يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة، فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين؛ كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين. انتهى.
قلت: وفي الآيات دليل آخر على كفر تارك الصلاة، وهو أن شفاعة الشافعين ما تنفعهم، ولو كانوا كسائر العصاة من المسلمين لنفعتهم الشفاعة، ولم يسلكوا مع الكفار في سقر.
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: قال ابن مسعود ﵁: يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة ثم تلا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال عمران بن الحصين ﵄: الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذي تسمعون.
стр. 304
قلت: وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة …» فذكر الحديث وفيه: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود؛ حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل» الحديث.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وفيه: «فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم مَنِ المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار» الحديث.
ففي هذين الحديثين دليل على أن الشافعين إنما يشفعون لعصاة المسلمين الذين كانوا يصلون ويصومون ويحجون ويعملون مع المسلمين، ولكن كانت لهم ذنوب حُبسوا بسببها في الطبقة العليا من طبقات النار؛ لتُمحِّصهم النار وتطهرهم من ذنوبهم، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود منهم، وبهذا الأثر يعرفهم الشافعون فيخرجونهم من النار، وليس لمن ترك
стр. 305
الصلاة أثر يعرف به، وليس منه شيء يحرم على النار أن تأكله، وليسوا أيضا إخوة للمؤمنين حتى يشفعوا لهم، وإنما هم إخوة للمجرمين الذين سلكوا معهم في سقر كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ قال عمر بن الخطاب ﵁: إخوانهم. وفي رواية: أشباههم. وعن النعمان بن بشير، وابن عباس ﵃: يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم، وكذا قال جماعة من المفسرين، والله أعلم.
الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار، لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.
الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: اختلف السلف في معنى السهو عنها:
فقال سعد بن أبي وقاص ﵁، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: هو تركها حتى يخرج وقتها، وروي في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا سفيان بن أبي شيبة، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ عن
стр. 306
الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها».
وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم، عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أيّنا لا يسهو، أينا لا يحدث نفسه؟ قال: إنه ليس ذلك، ولكنه إضاعة الوقت.
وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هو تاركها، ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه.
إذا عُرف هذا، فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكفار كقوله: ﴿* الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٧ - ٩]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، إلا في موضعين وهما: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، و ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فعلق الويل بالتطفيف، وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في هذه الآية أنه قال: لو تركوها لكانوا كفارا، ولكن ضيعوا وقتها.
الثاني: ما سنذكره من الأدلة على كفره.
стр. 307
الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: قال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم.
وقال الأعمش عن زياد، عن أبي عياض في قوله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.
ثم ذكر ما رواه ابن جرير، ومحمد بن نصر، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة الباهلي ﵁ فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، فدعا بطعام ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن صخرة زِنَة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وأثام»، قال: قلت: ما غي وأثام؟ قال: «بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكرهما في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقوله في الفرقان: ﴿ولَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]» قال ابن كثير: هذا حديث غريب، ورفعه منكر. انتهى.
وروى محمد بن نصر، والبغوي في تفسيره، كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشيم بن بشير، أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي ﵁ يقول: «إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي -أو قال-: صخرة تهوي، عظمها كعشر
стр. 308
عشروات سمان» فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: «نعم، غي وأثام».
وقال أيوب بن بشير، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم واديا يسمى غيا، يسيل دما وقيحا، فهو لمن خلق له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، ومن الآية دليل آخر؛ وهو قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان؛ لأنه يكون تحصيلا للحاصل. انتهى.
الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لما كان الإسلام تصديق الخبر، والانقياد للأمر، جعل سبحانه له ضدين؛ عدم التصديق، وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب، والصلاة بالتولي عن الصلاة.
قال سعيد عن قتادة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، ولكن كذّب بآيات الله وولى عن طاعته، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وعيد على أثر وعيد.
стр. 309
الدليل التاسع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح، يوضحه أن الله أكَّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
أحدها: إتيانه به بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إن قلت: زيد العالم الصالح، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له، بخلاف قولك: عالم صالح.
الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] ونظائره.
الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين؛ قوة الإسناد، واختصاص المسند إليه بالمسند، كقوله:
стр. 310
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]، ونظائر ذلك. انتهى.
الدليل العاشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمَّن إذا ذُكِّروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم، ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة، فمن ذُكِّر بها ولم يتذكر ولم يصلّ لم يؤمن بها؛ لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه، فلم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ إلا من التزم إقامتها. انتهى.
الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨ - ٤٩].
قال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ يعني صلُّوا، لا يُصلُّون.
وقال ابن عباس ﵄: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة، حين يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: توعّدهم على ترك الركوع، وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه إنما أخبر عن تركهم لها، وعليه وقع الوعيد، على أنّا نقول: لا يصر على
стр. 311
ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مُصِرّ على تركها، هذا من المستحيل قطعا فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية، ونحن نقول الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس، وفرعون وقومه، وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي يعتقدون إنك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
стр. 312
بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي ﷺ ، وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا: نشهد أنك لنبي، فقال: «ما يمنعكما من اتباعي؟» قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي، ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان؛ لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره.
ومن هذا كفر أبي طالب، فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق، وأقر بذلك بلسانه، وصرح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديق إنما يتم بأمرين:
أحدهما: اعتقاد الصدق.
والثاني: محبة القلب وانقياده.
ولهذه قال تعالى لإبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها؛ فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به.
وكذلك قوله ﷺ : «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»؛ فجعل التصديق عمل الفرج ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل.
وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في
стр. 313
القلب، وصدّقه العمل. وقد رُوي هذا مرفوعا.
والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها، وبالله التوفيق. انتهى كلامه ﵀.
وكأن في آخره سقطا، والمعنى: أنه يمتنع مع التصديق الجازم بما ذكر أن يصر على ترك الصلاة مسلم، كما تقدم في أول كلامه، والله أعلم.
الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢].
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الإيمان بالآخرة يُحمل على الإيمان بكتاب الله الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ ، وعلى المحافظة على الصلوات الخمس، فالتارك للصلاة عمدا إنما يتركها لعدم إيمانه بالآخرة وذلك كفر، فيكون تارك الصلاة كافرا، والله أعلم.
الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم. انتهى.
وقد روى مسلم في صحيحه حديثين في كفر تارك الصلاة؛ أحدهما حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله»، وفي رواية: «يا ويلي، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار»، وفي
стр. 314
رواية: «فعصيت فلي النار».
وظاهر صنيع مسلم رحمه الله تعالى في ضم هذا الحديث إلى حديث جابر الصريح في كفر تارك الصلاة مشعرٌ بموافقته لأحمد وإسحاق فيما استدلا به.
стр. 315
فصل
وأما الاستدلال بالسنة على كفر تارك الصلاة فمن وجوه:
الأول: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وعبد الله ابن الإمام أحمد، والدارقطني، وأبو بكر الآجري، وغيرهم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» هذا لفظ أكثرهم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ولفظ مسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».
وفي رواية للترمذي: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة».
وفي أخرى له: «بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لعبد الله ابن الإمام أحمد: «بين الرجل وبين الشرك أن يترك الصلاة، وبين الرجل وبين الكفر أن يترك الصلاة».
وفي رواية للطبراني: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة».
وفي رواية للآجري: «ليس بين العبد المسلم وبين الشرك إلا ترك الصلاة».
الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد، وابنه عبد الله، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارقطني، وأبو بكر الآجري عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».
стр. 316
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه.
الدليل الثالث: ما رواه الطبراني في الكبير، عن ثوبان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فمن تركها فقد أشرك» ورواه الحافظ هبة الله الطبراني بإسناده، قال المنذري: صحيح، وكذا قال ابن القيم في كتاب الصلاة: رواه هبة الله الطبراني وقال إسناده صحيح على شرط مسلم.
الدليل الرابع: ما رواه ابن ماجة في سننه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك».
ورواه الحافظ محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد والكفر والشرك ترك الصلاة، فإذا ترك الصلاة فقد كفر».
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به ولفظه: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا».
الدليل الخامس: وما رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا، وليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة».
стр. 317
الدليل السادس: ما رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وابنه عبد الله في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب "الشريعة"؛ كلاهما من طريقه، والطبراني في الكبير والأوسط، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة؛ وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رياسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسة من وزارة أو غيرها فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. انتهى.
الدليل السابع: ما رواه الطبراني، ومحمد بن نصر المروزي، وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: «لا تشركوا بالله، ولا تتركوا الصلاة عمدا، فمن تركها عمدا متعمدا فقد خرج من الملة».
الدليل الثامن: ما رواه الطبراني، وأبو يعلى، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ رأى رجلا لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي فقال ﷺ : «لو مات هذا على حاله مات على غير
стр. 318
ملة محمد ﷺ ».
قال أبو صالح: قلت لأبي عبد الله: من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: أُمراء الأجناد؛ عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان سمعوه من رسول الله ﷺ .
قلت: إذا كان من يصلي ولا يتم الركوع، وينقر في السجود على غير الملة المحمدية، فتارك الصلاة بالكلية أولى أن يكون خارجا من الملة.
الدليل التاسع: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود قال: «ما صليت، ولو متّ متّ على غير الفطرة التي فطر الله محمد ﷺ ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": استدل به على تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل ببعض أركانها، فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى، قال: وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال سنة محمد أو فطرته كان حديثا مرفوعا، وقد خالف فيه قوم، والراجح الأول. انتهى.
الدليل العاشر: ما رواه الإمام أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك صلاة مكتوبة عمدا فقد برئت منه ذمة الله ».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. انتهى.
стр. 319
الدليل الحادي عشر: ما رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجة في سننه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بتسع؛ فذكر منها: «ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا، ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة».
الدليل الثاني عشر: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته».
ورواه الإمام أحمد، وأهل السنن إلا ابن ماجة بنحوه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة؛ فلا يكون مسلما بدونها.
الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. انتهى.
الدليل الثالث عشر: ما رواه مالك، والشافعي، وأحمد، والنسائي، والحاكم في مستدركه، والبخاري في تاريخه، وابن حبان، والدارقطني، من حديث بسر بن محجن، عن أبيه محجن بن الأدرع الأسلمي ﵁ أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلّى، ورجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله، كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا جئت المسجد وكنت قد صليت، فأقيمت الصلاة، فصل مع الناس وإن كنت قد صليت» قال الحاكم:
стр. 320
صحيح. وأقرّه الذهبي.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة، وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلما لصليت، وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم، ألست بناطق؟ ومالك لا تتحرك، ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي: «ألست برجل مسلم؟». اهـ.
الدليل الرابع عشر: ما رواه أبو داود في سننه، والبخاري في تاريخه، عن يزيد بن عامر ﵁ قال: جئت والنبي ﷺ في الصلاة، فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة، قال: فانصرف علينا رسول الله ﷺ فرأى يزيد جالسا فقال: «ألم تُسلم يا يزيد؟» قال: بلى يا رسول الله قد أسلمت، قال: «فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟» قال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: «إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة».
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ جعل الصلاة عَلَما على الإسلام، وفرقًا بين المسلم والكافر، ولو كان تارك الصلاة مسلما لما قال النبي ﷺ لمن رآه لم يدخل مع الناس في الصلاة: «ألم تسلم؟» فدل على أن تارك الصلاة ليس بمسلم.
الدليل الخامس عشر: ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجة، والبخاري في تاريخه، من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ -