← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه. الدليل الثالث: ما رواه الطبراني في الكبير، عن ثوبان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فمن تركها فقد أشرك» ورواه الحافظ هبة الله الطبراني بإسناده، قال المنذري: صحيح، وكذا قال ابن القيم في كتاب الصلاة: رواه هبة الله الطبراني وقال إسناده صحيح على شرط مسلم. الدليل الرابع: ما رواه ابن ماجة في سننه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك». ورواه الحافظ محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد والكفر والشرك ترك الصلاة، فإذا ترك الصلاة فقد كفر». ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به ولفظه: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا». الدليل الخامس: وما رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا، وليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة».

стр. 317

الدليل السادس: ما رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وابنه عبد الله في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب "الشريعة"؛ كلاهما من طريقه، والطبراني في الكبير والأوسط، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف». قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة؛ وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رياسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسة من وزارة أو غيرها فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. انتهى. الدليل السابع: ما رواه الطبراني، ومحمد بن نصر المروزي، وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: «لا تشركوا بالله، ولا تتركوا الصلاة عمدا، فمن تركها عمدا متعمدا فقد خرج من الملة». الدليل الثامن: ما رواه الطبراني، وأبو يعلى، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ رأى رجلا لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي فقال ﷺ : «لو مات هذا على حاله مات على غير

стр. 318

ملة محمد ﷺ ». قال أبو صالح: قلت لأبي عبد الله: من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: أُمراء الأجناد؛ عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان سمعوه من رسول الله ﷺ . قلت: إذا كان من يصلي ولا يتم الركوع، وينقر في السجود على غير الملة المحمدية، فتارك الصلاة بالكلية أولى أن يكون خارجا من الملة. الدليل التاسع: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود قال: «ما صليت، ولو متّ متّ على غير الفطرة التي فطر الله محمد ﷺ ». قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": استدل به على تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل ببعض أركانها، فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى، قال: وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال سنة محمد أو فطرته كان حديثا مرفوعا، وقد خالف فيه قوم، والراجح الأول. انتهى. الدليل العاشر: ما رواه الإمام أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك صلاة مكتوبة عمدا فقد برئت منه ذمة الله ». قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. انتهى.

стр. 319

الدليل الحادي عشر: ما رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجة في سننه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بتسع؛ فذكر منها: «ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا، ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة». الدليل الثاني عشر: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته». ورواه الإمام أحمد، وأهل السنن إلا ابن ماجة بنحوه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة؛ فلا يكون مسلما بدونها. الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. انتهى. الدليل الثالث عشر: ما رواه مالك، والشافعي، وأحمد، والنسائي، والحاكم في مستدركه، والبخاري في تاريخه، وابن حبان، والدارقطني، من حديث بسر بن محجن، عن أبيه محجن بن الأدرع الأسلمي ﵁ أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلّى، ورجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله، كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا جئت المسجد وكنت قد صليت، فأقيمت الصلاة، فصل مع الناس وإن كنت قد صليت» قال الحاكم:

стр. 320

صحيح. وأقرّه الذهبي. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة، وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلما لصليت، وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم، ألست بناطق؟ ومالك لا تتحرك، ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي: «ألست برجل مسلم؟». اهـ. الدليل الرابع عشر: ما رواه أبو داود في سننه، والبخاري في تاريخه، عن يزيد بن عامر ﵁ قال: جئت والنبي ﷺ في الصلاة، فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة، قال: فانصرف علينا رسول الله ﷺ فرأى يزيد جالسا فقال: «ألم تُسلم يا يزيد؟» قال: بلى يا رسول الله قد أسلمت، قال: «فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟» قال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: «إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة». ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ جعل الصلاة عَلَما على الإسلام، وفرقًا بين المسلم والكافر، ولو كان تارك الصلاة مسلما لما قال النبي ﷺ لمن رآه لم يدخل مع الناس في الصلاة: «ألم تسلم؟» فدل على أن تارك الصلاة ليس بمسلم. الدليل الخامس عشر: ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والبخاري في تاريخه، من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ -

стр. 321

قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة …» الحديث، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة، وقد احتج أحمد بهذا بعينه. انتهى. الدليل السادس عشر: ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» ورواه الإمام أحمد وغيره. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الاستدلال به من وجوه: أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان، فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام. الثاني: أنه جعل هذه الأركان في كونها أركانا لقبة الإسلام قرينة الشهادتين، فهما ركن، والصلاة ركن، والزكاة ركن، فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها. الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام، وداخلة في مسمى اسمه، وما كان اسما لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى، ولاسيما إذا كان من أركانه لا من أجزائه التي ليست بركن؛ كالحائط للبيت؛ فإنه إذا

стр. 322

سقط سقط البيت، بخلاف العود والخشبة واللبنة ونحوها. انتهى. الدليل السابع عشر: ما رواه الإمام أحمد، والدارمي، والطبراني في الصغير، والبيهقي في شعب الإيمان، عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور». قال الطيبي: جعلت الصلاة مقدمة لدخول الجنة، كما جعل الوضوء مقدمة للصلاة، فكما لا تمكن الصلاة بدون وضوء، لا يتهيأ دخول الجنة بدون صلاة، قال بعضهم: فيه دليل لِمن كفَّر تارك الصلاة. انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة، وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلما، ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله»، فإن الشهادة أصل المفتاح، والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها، إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه، وقال البخاري رحمه الله تعالى: وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة «لا إله إلا الله»؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك. انتهى. قلت: وهذا المسلك الذي سلكه ابن القيم رحمه الله تعالى في الجمع بين الحديثين ضعيف؛ لتسويته بين الصلاة وبقية الأركان في كون الجميع أسناناً لمفتاح الجنة لا غير، وعلى هذا فلا يكون في حديث جابر فائدة، ولا يكون للصلاة مزية تخصها، والذي يظهر لي أنه إنما أطلق الصلاة على أنها مفتاح الجنة لكونها مشتملة على أصل المفتاح، وأعظم أسنانه، فأصل

стр. 323

المفتاح شهادة أن لا إله إلا الله؛ وهي مع التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها، ومع التشهد الأول واجب تبطل الصلاة بتعمد تركها فيه، ويتلوها شهادة أن محمدا رسول الله؛ وهي قرينة الشهادة بالوحدانية وأعظم من سائر الأسنان، ثم الصلاة مع قطع النظر عما اشتملت عليه هي السن الأعظم للمفتاح؛ لأنها عمود الإسلام، إذا سقطت سقط بناء الإسلام وذهب؛ كما في الحديث الصحيح: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». وأيضا فقد جاء في حديث سيأتي ذكره إن شاء الله أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وفي حديث آخر أنها: «إن تُقُبِّلت تُقُبِّل منه سائر عمله وإن رُدَّت رُدَّ سائر عمله». ولما كانت الصلاة مختصة بهذه المزايا دون بقية الأركان كانت مفتاحا للجنة. وإذا عرفت أن من أتى بها فقد أتى بأصل المفتاح وزيادة، عرفت أنه لا تعارض بين حديث جابر وبين قوله في الحديث الآخر: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله»، والله أعلم. الدليل الثامن عشر: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن ماجة، عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك صلاة العصر حبط عمله».

стр. 324

وروى الإمام أحمد أيضا، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك صلاة العصر متعمدا حتى تفوته فقد أحبط عمله». ووجه الاستدلال به أنه لا يحبط إلا عمل الكافر، كما أخبر الله بذلك في آيات من القرآن، فدل على أن تارك الصلاة كافر، والله أعلم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟ قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب؛ وهو مفهوم ضعيف جدا، وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات، ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح، ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»؛ أي فكأنما سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها، كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه بها وتمتعه بها بمنزلة أهله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال، فخرج من بيته لحاجة وفيه أهله وماله، فرجع وقد اجتيح الأهل والمال، فبقي وترا دونهم، وموتورا بفقدهم، فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقا. انتهى. الدليل التاسع عشر: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجة بإسناد مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله»، وفي رواية: «يا ويلي،

стр. 325

أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار». وقد ذكرنا قريبا أن مسلما رحمه الله تعالى ضم هذا الحديث إلى حديث جابر الصريح في تكفير تارك الصلاة، فأفاد صنيعه أنه أورده ليستدل به على كفر تارك الصلاة. كما استدل أحمد وإسحاق على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فإن إبليس كفر بترك السجود لآدم، وترك السجود لله تعالى أعظم من ترك السجود لغيره، فيكون تارك الصلاة كافرا بطريق الأولى، والله أعلم. الدليل العشرون: ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والله يا معشر قريش لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة، أو لأبعثن عليكم رجلا فيضرب أعناقكم على الدين» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفيه دليل على أن لا دين لمن لم يصل.

стр. 326

فصل في ذكر إجماع الصحابة ﵃ على كفر تارك الصلاة، وسياق أقوالهم في ذلك، وأقوال علماء التابعين، ومن بعدهم، ومن حكى منهم الإجماع على ذلك. قال الترمذي في جامعه: حدثنا قتيبة، أخبرنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. إسناده صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن أحمد بن سهل الفقيه، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. قال الذهبي: إسناده صالح. قلت: وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على تكفير تارك الصلاة. وقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يونس بن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب ﵁ حين طُعن في المسجد، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد، حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس، قال: فلما دخلنا

стр. 327

على عمر بيته غشي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلَّى الناس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. وروى مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن المسور بن مخرمة ﵄ أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ في الليلة التي طعن فيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى عمر ﵁ وجرحه يثعُبُ دما. ورواه الدارقطني في سننه، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة ﵄ قال: جاء ابن عباس ﵄ إلى عمر ﵁ حين طعن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال عمر ﵁: إنه لا حظَّ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة. فصلى عمر وجرحه يثعُب دما. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد": حدثنا داود بن عمر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة وسليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة ﵄ أنه دخل هو وابن عباس على عمر بن الخطاب ﵁ فقالا: الصلاة يا أمير المؤمنين -بعد ما أسفر- فقال: نعم، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى والجرح يثعب دما. ورواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" من حديث الزهري قال: أخبرني سليمان بن يسار أن المسور بن مخرمة ﵄ أخبره خبر طعن عمر ﵁، أنه دخل عليه هو وابن عباس ﵄، فلما

стр. 328

أصبح أفزعوه فقالوا: الصلاة الصلاة، فقال: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فخرج والجرح يثعب دما. ورواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، عن المسور بن مخرمة ﵄ قال: دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ حين طعن فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: الصلاة ها الله إذًا، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فهذا قول الخليفة الراشد الذي وضع الله الحق على لسانه يقول به، وقد قال هذا بمحضر من الصحابة ﵃ فلم ينكروه، ولا يعرف عن صحابي خلافه فيكون إجماعا. وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في التاريخ، عن علي ﵁ أنه قال: من لم يُصلِّ فهو كافر. وقال أبو بكر الآجري: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد بن إسماعيل، عن معقل بن معقل الخثعمي قال: أتى رجل عليًا ﵁ وهو في الرحبة قال: يا أمير المؤمنين، ما ترى في المرأة لا تصلي؟ فقال: من لم يصل فهو كافر. وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: لو تركوها لكانوا كفارا. وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: قال سعد، وعلي بن أبي طالب -رضي

стр. 329

الله عنهما-: من تركها فقد كفر. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن ذر، عن عبد الله ﵁ قال: من لم يصل فلا دين له. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، عن القاسم والحسن بن سعيد قالا: قال عبد الله؛ وهو ابن مسعود ﵁: تركها الكفر. وقال أبو بكر الآجري: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن المسعودي، عن القاسم قال عبد الله؛ يعني ابن مسعود ﵁: الكفر ترك الصلاة. وتقدم قريبا ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود، قال: «ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمد ﷺ ». وروى الحاكم، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: من لم يُصلِّ فهو كافر. وروى محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك الصلاة فقد كفر. وروى ابن عبد البر، عن جابر ﵁ أنه قال: من لم يصل فهو كافر. وروى أيضا عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: لا إيمان لمن لا صلاة له،

стр. 330

ولا صلاة لمن لا وضوء له. وروى البخاري في تاريخه، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مَن ترك الصلاة لا دين له. وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا، ومن شربه مصبحا أمسى مشركا. فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في كتاب "الإيمان" قال: وقال أبو عبد الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة، ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، عن أبي محمد ابن حزم أنه قال: قد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يعلم عن صحابي خلافهم. وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى في كتابه في الصلاة: ذهب جملة من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدرداء، وكذلك روي عن علي ﵁، هؤلاء من الصحابة، ومن غيرهم: أحمد بن

стр. 331

حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب. انتهى. قلت: وهو قول مسروق، والقاسم بن مخيمرة، وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني أنه مذهب الحسن، والشعبي، والأوزاعي، وحماد بن زيد، ومحمد بن الحسن. قال: واختاره أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية أنه اختيار أبي بكر، وطائفة من أصحاب مالك. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه قول سعيد بن جبير، وعبد الملك بن حبيب من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه. قلت: وكذا حكاه عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره. وروى النسائي في سننه، عن أبي وائل، عن مسروق قال: من شرب الخمر فقد كفر، وكفره أن ليس له صلاة. وروى سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على مواقيتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك إلا الترك، قال: تركها كفر. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة قال: أضاعوا المواقيت ولم يتركوها، ولو تركوها صاروا بتركها كفارا.

стр. 332

وهكذا رواه أبو بكر الآجري، عن جعفر بن محمد الصندلي، عن الفضل بن زياد، عن الإمام أحمد بن حنبل، عن الوليد بن مسلم فذكره، وزاد في أوله ذكر الآية؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وروى أبو نعيم في "الحلية" من طريق أخرى عن الأوزاعي، حدثنا موسى بن سليمان قال: سمعت القاسم يقول في هذه الآية ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: أضاعوا المواقيت، فإنهم لو تركوها كانوا بتركها كفارا. وروى أسد بن موسى، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر. وروي أيضا عن سعيد بن جبير مثل ذلك. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان". وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. ذكر ذلك الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "كتاب الصلاة"، قال: وحكى محمد، عن ابن المبارك قال: من أخّر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد كفر. وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله يقول: من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار. وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من

стр. 333

لم يصم ولم يصل بعد أن يُقرّ به فهو مؤمن مستكمل الإيمان، فقال عبد الله: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر. وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ : «من ترك الصلاة فقد كفر» فيقال له: ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام. وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل؛ وسئل عن تارك الصلاة فقال: كافر، فقال له السائل: أتطلق منه امرأته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق؟! لو أن رجلا كفر لم تطلق منه امرأته. وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. قال ابن القيم ﵀: ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها، ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، وشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدا. ومن لا يُكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن، مسلم، يُغسّل، ويُصلَّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين! وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان، كإيمان جبريل وميكائيل! أفلا يستحي مَن هذا قوله مِن إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة ﵃، والله الموفق. انتهى.

стр. 334

فصل وهل يلحق تارك الزكاة، والصوم، والحج بتارك الصلاة -في الحكم بكفره إذا تعمد الترك- أم لا؟ قال محمد بن نصر رحمه الله تعالى: ذهب طائفة من أهل الحديث إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر. ذكر ذلك عنه الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، قال: وروي ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، وهو رواية عن الإمام اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو اختيار أبي بكر، وطائفة من أصحاب مالك كابن حبيب، ثم ذكر رحمه الله تعالى ما رواه أسد بن موسى، عن الحكم بن عتيبة قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر. وروى أسد أيضا عن سعيد بن جبير قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر بالله. قلت: وهذا هو المروي عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثنا سويد بن سعيد الهروي، قال: سألْنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء؟ فقال: يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. والمرجئون أوجبوا الجنة لمن شهد أن

стр. 335

لا إله إلا الله مُصرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم، وإبليس، وعلماء اليهود؛ أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر، وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة، فجحدها متعمدا فسمي كافرا، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ ، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شرائعه، فسماهم الله كفارا؛ فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وعن أحمد رحمه الله تعالى رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. وذكر هذه الرواية أيضا الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى. ويستدل لهذه الرواية بآيتين من كتاب الله ، وحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فأما الآيتان فالأولى منهما: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فعلق أخوتهم للمؤمنين بإيتاء الزكاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونون مؤمنين لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولقوله ﷺ : «المسلم أخو المسلم»، وتقدم مثل ذلك في الصلاة.

стр. 336

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]؛ وفي معنى هذه الآية أقوال أقربها قول قتادة: يمنعون زكاة أموالهم. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. انتهى. ولفظة "الإيتاء" وهو إعطاء الغير تدل على ذلك، كما هو مُطَّرد في القرآن في مواضع كثيرة. قال الراغب الأصفهاني: الإيتاء: الإعطاء، وخص دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء نحو: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٤١]، ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. انتهى. فإن قيل: إن الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بعد الهجرة إلى المدينة. فالجواب: ما قاله البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: إنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، حتى قال ﵊: «أحلت لي ساعة من نهار»، وكذلك نزل بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، قال عمر بن الخطاب ﵁: كُنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: «﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾». انتهى. قلت: فكذلك هذه الآية؛ هي -والله أعلم- مما نزل سابقا وتأخر حكمه، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وهي الزكاة المفروضة، كما قاله أكابر المفسرين؛ فهذه الآية مكية،

стр. 337

وتأخر حكمها بعد الهجرة، إذ من المعلوم بالضرورة أنه لم يكن بمكة يومئذ نخل ولا زرع، ولم تكن الزكاة فرضت إلا بعد الهجرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] أي: أعطى صدقة الفطر، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] أي خرج إلى العيد فصلى صلاته، روي ذلك عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر ﵃، وهو قول أبي العالية وابن سيرين، فهذه الآية مكية، وحكمها على قول هؤلاء متأخر بعد الهجرة، والله أعلم. والمقصود هاهنا أن قول قتادة أولى وأقرب إلى ظاهر هذه الآية، وفيها دليل على كفر تارك الزكاة، والله أعلم. وأما الحديث: فهو ما رواه الحاكم في مستدركه، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والله يا معشر قريش لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة، أو لأبعثن عليكم رجلا فيضرب أعناقكم على الدين» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفيه دليل على أنه لا دين لمن ترك الزكاة، ومن لا دين له فليس بمسلم. وقد اتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة، وسموهم أهل الردة. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الهدي": روينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن عازب ﵄-

стр. 338

يرفعه: «كفر بالله العظيم من هذه الأمة -وذكر منهم- مانع الزكاة». وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا حسن بن صالح، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله ﵁: ما تارك الزكاة بمسلم. وقد جاء في حديث مرفوع أن تارك الصيام كافر، فروى الحافظ أبو يعلى بإسناد حسن، عن ابن عباس ﵄ قال حماد بن زيد: ولا أعلمه إلا وقد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن ابتنى الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم؛ شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان». وفي رواية: «من ترك منهن واحدة فهو كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله». وروى اللالكائي من طريق مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك البكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ ولا أحسبه إلا رفعه، قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، من ترك منهن واحدة فهو بها كافر، ولا يحل دمه، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ولا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه» ورواه قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد مرفوعا مختصرا.

стр. 339

ورواه سعيد بن زيد -أخو حماد بن زيد- عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا، وقال: «من ترك منهن واحدة فهو كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله» ولم يذكر ما بعده. وأما الحج فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وروى ابن جرير، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب عليكم الحج» فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم». وروى ابن جرير أيضا من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ نحوه. وكذا من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ نحوه. وروى الترمذي، وابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾» قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال. وروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس،

стр. 340

أو سلطان جائرا، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا». ورواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، والبغوي في تفسيره من طريق سهل بن عمارة، كلاهما عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر؛ فمات ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا». وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الهدي": روينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن عازب ﵄ يرفعه: «كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة -وذكر منهم-: من وجد سعة فمات ولم يحج». وروى الإسماعيلي، من حديث الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا» قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁. قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الأوزاعي، فذكره بنحوه. وروى سعيد بن منصور في سننه، عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما

стр. 341

هم بمسلمين. وفي الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصيام رمضان». وفي رواية لأحمد: «الإسلام خمس». ورواية محمد بن نصر المروزي بلفظ: «بني الإسلام على خمس دعائم ..» فذكره. وهذه الدعائم مرتبط بعضها ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض، كما في مسند الإمام أحمد، عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن جاء بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» وهذا مرسل. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد روي عن زياد، عن عمارة بن حزم، عن النبي ﷺ . قال: وروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدين خمس، لا يقبل الله منهن شيئا دون شيء؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت» هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين؛ لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة،

стр. 342

فمن فعل هؤلاء الثلاث، ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج، ولم يوص بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها. ذكره ابن أبي حاتم فقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر؛ يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر ﵄ وعطاء من أجلاَّء علماء الشام. انتهى. وقد رواه أبو نعيم في "الحلية"، وزاد بعد قوله: «ولم يحج عنه بعض أهله»: «لا يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا صيام رمضان؛ لأن الحج فريضة من فرائض الله، ولن يقبل الله شيئا من فرائضه بعضها دون بعض» قال أبو نعيم: غريب من حديث ابن عمر بهذا اللفظ، لم يروه عنه إلا عطاء، ولا عنه إلا ابنه عثمان، تفرد به عبد الحميد بن أبي جعفر. انتهى. وروى أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة؛ من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها» قال وكأنه يقول: «وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة» قال أبو الدرداء: وما أداء الأمانة؟ قال: «الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من

стр. 343

دينه غيرها». ورواه أبو نعيم في الحلية بنحوه. وهذا الحديث في سنن أبي داود، من رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه، وفيه اختصار يسير عما هنا. وإذا عرف هذا فلا يخفى على عاقل له أدنى خبرة بأحوال المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان، أن الأكثرين منهم قد أضاعوا هذه الأركان العظام، وقلت مبالاتهم بها، وأن المحافظين على القيام بها كلها هم الأقلون عددا، فالله المستعان.

стр. 344

فصل الصنف الثامن: المنافقون الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، ويسمون الزنادقة. وسئل حذيفة ﵁: ما المنافق؟ قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به، وفي لفظ: يصف الإسلام ولا يعمل به. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، من طريق أبيه ﵀. وقال أبو عثمان: كان حذيفة يؤيس المنافق. رواه عبد الله أيضا، من طريق أبيه. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ

стр. 345

وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨]، والآيات فيهم كثيرة جدا. وروى الإمام مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقُب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا» هذا لفظ مسلم، والترمذي، والنسائي. ولفظ مالك وأبي داود: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين؛ يجلس أحدهم حتى إذا اصفرّت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا». وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». وفي رواية: «ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها» يعني صلاة العشاء. هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء»، قال أبو عبد الله البخاري رحمه الله

стр. 346

تعالى: مرماة: ما بين ظلف الشاة من اللحم. وفي صحيح مسلم، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله؛ يعني ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن رسول الله ﷺ علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. وفي رواية: قال عبد الله ﵁: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف. ورواه الإمام أحمد، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة. وفي رواية أبي داود: وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لكفرتم. وروى أبو نعيم في "الحلية"، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال

стр. 347

عبد الله بن مسعود ﵁: صلوا الصلوات في المسجد، فإنها من الهدى وسنة محمد ﷺ . وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للمنافقين علاماتٍ يعرفون بها؛ تحيّتهم لعنةٌ، وطعامهم نهبةٌ، وغنيمتهم غلولٌ، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا مستكبرين، لا يألفون، ولا يُؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار». وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، عن كعب الأحبار أنه قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ؛ شرَّابين للقهوات - يعني الخمور - ترّاكين للصلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وروى أبو نعيم في "الحلية"، عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: المنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، فينسئ العمل، ويتمنى على الله تعالى. وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّةً، وإلى هذه مرة». زاد أحمد والنسائي: «لا تدري أيهما تتبع».

стр. 348

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: من النفاق ما هو أكبر؛ يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار؛ كنفاق عبد الله بن أُبي وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله. وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله ﷺ ، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى، فإذا كانت مع قوتها وكان النفاق موجودا، فوجوده فيما دون ذلك أولى، وفي المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون في الخاصة والعامة، ويسمون الزنادقة، وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين ونحوهم؛ ثم في الأطباء، ثم في الكُتَّاب أقل من ذلك، ويوجدون في المتصوفة، والمتفقهة، وفي المقاتلة، والأمراء، وفي العامة أيضا، ولكن يوجدون كثيرا في نحل أهل البدع لا سيما الرافضة، ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من أهل النحل، ولهذا كانت الخرمية، والباطنية، والقرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، ونحوهم من المنافقين الزنادقة منتسبة إلى الرافضة. وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات، لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار؛ لكونهم لا يُلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه، وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال، واجترائهم على الدماء والسبي، لا لأجل الدين، فهذا ضرب النفاق الأكبر. وأما النفاق الأصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها؛ مثل أن يكذب إذا

стр. 349

حدَّث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا اؤتُمن، أو يفجر إذا خاصم. انتهى. قلت: ومن النفاق الأكبر أيضا بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو بغض شيء منه. ومنه أيضا التحاكم إلى الطواغيت والقوانين الدولية، وعدم الرضى بالأحكام الشرعية، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]، ثم نفى ﵎ الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ عند الخصومات والتنازع، ويرضى بحكمه، ويطمئن إليه قلبه، ولا يبقى لديه شك ولا شبهة في أنما حكم به فهو الحق الذي يجب المصير إليه، فيذعن لذلك، وينقاد له ظاهرا وباطنا، وأقسم على هذا النفي بنفسه الكريمة المقدسة فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقد وقع في هذا النوع كثير من أهل زماننا، ولاسيما أهل الأمصار الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهانت لديهم الشريعة المحمدية، فاعتاضوا عن التحاكم إليها بالتحاكم إلى القوانين والسياسات والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما شرعتها لهم الدول الكافرة بالله ورسوله، أو من يتشبه بهم ويحذو حذوهم من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم عنه بمعزل.

стр. 350

وكثير من المتحاكمين إليها يعتذرون بما كان يعتذر به سلفهم على عهد النبي ﷺ ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي يقولون: ما أردنا بالتحاكم إلى أعداء الرسول إلا المداراة والمصانعة، لا اعتقاد صحة حكمهم. وهكذا يقول كثير من المتحاكمين إلى المحاكم المؤسسة على العمل بالنظامات والقوانين الخاطئة، تشابهت قلوبهم، فالله المستعان. وأقبح من فعل المنافقين ما يُذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا: إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى، وهذه ردة صريحة قيض الله لأهلها من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق ﵁ لإخوانهم من قبل. ومن النفاق الأكبر أيضا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ولو كان على وجه المزح واللعب، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وقد وقع في هذا كثير من الملاحدة في زماننا؛ كصاحب الأغلال وأمثاله من المرتدين المنافقين، ومثل ذلك الاستهزاء ببعض أمور الدين كما يقع ذلك من كثير من الجهال، ويلتحق بذلك أيضا الاستهزاء بأهل الدين والسخرية بهم كما يفعله كثير من السفهاء، وقد أنزل الله تعالى سورة براءة؛ فكشف فيها أسرار المنافقين، وهتك أستارهم وفضحهم، وأخزاهم في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ

стр. 351

مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]. وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: سورة التوبة؟ قال: آلتّوبة؟! هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تُبق أحدا منهم إلا ذُكر فيها. وقال البغوي في تفسيره: قال قتادة: هذه السورة تسمى الفاضحة، والمعيرة، والمثيرة؛ أثارت مخازيهم ومثالبهم. انتهى. وكل من فعل شيئا من أفعالهم التي ذكرها الله عنهم في سورة براءة وغيرها من السور فهو شريكهم في النفاق بقدر ما فعل، فمستقل ومستكثر، وأولو البصائر والفراسة الإيمانية يعرفون كثيرا منهم بما يبديه الله على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من آثار المرض الكامن في قلوبهم، وبما يظهر من أفعالهم المطابقة لأفعال المنافقين، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠]؛ ولحن القول: هو فحوى الكلام الدال على مقصد المتكلم به. قال البغوي رحمه الله تعالى: والمعنى: تعرفهم فيما يعرضون به؛ من تهجين أمرك وأمر المسلمين، والاستهزاء بهم. انتهى. وما أكثر الواقعين في أمراض النفاق في زماننا هذا، حتى في كثير ممن ينتسب إلى العلم، فالله المستعان.

стр. 352

ومن أوضح العلامات التي يعرف بها المنافقون إقدامهم على رد الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وجراءتهم على تكذيبها ومعارضتها بغير مستند صحيح، بل بمجرد الرأي الفاسد والظن الكاذب، وكذلك الطعن في أئمة الحديث الذين أجمع العلماء على إمامتهم وجلالتهم، ووصفهم بالعجمة، ورميهم باختلاق الأحاديث، وأعظم من ذلك الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكل هذا قد رأيناه في كتب لضُلال العصريين، وتعليقات لهم كثيرة، وإنما يفعلون ذلك إذا أعيتهم الأحاديث أن يفهموا معانيها، أو لم يظهر لهم وجه الحكمة منها، وربما يفعلون ذلك إذا عارضت الأحاديث ما فتنوا به مما تلقوه من آراء أعداء الله وقوانينهم وسياساتهم ونظاماتهم، فالله المستعان. وقد رأيت لبعضهم كلاما سيئا على حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه …» الحديث، فطعن في الحديث أولاً بغير حجة، ثم قدح في الصحابي الذي رواه، ثم تجاوز ذلك إلى الكلام في النبي ﷺ وتخطئته، ومعارضة قوله بكلام الأطباء الكفرة وآرائهم الفاسدة، وهذا عين النفاق عياذا بالله من ذلك (١).

стр. 353

ومن ذلك تولي أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفار والمشركين، وتفضيل ولاياتهم وسياساتهم وقوانينهم على ولاية المسلمين وسياسة الشرع الشريف وأحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٠ - ٥١]، وما أكثر الواقعين في هذا أو بعضه من المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان، وما أكثر من يميل منهم إلى الحرية الإفرنجية ويؤثرها؛ لتحصيل أغراضه الفاسدة، ونيل شهواته العاجلة من أنواع الفسوق والعصيان، ويكره الولاية الإسلامية التي تمنعه من تعاطي المحرمات، وتؤدِّبه على المخالفات. ومن علامات المنافقين أيضا بغض الأنصار لما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». وفي رواية لمسلم: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار». روى الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، والطبراني، عن سعد بن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الأنصار مِحْنة، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق». وروى البخاري في تاريخه أيضا، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار إلا منافق».

стр. 354

وفي الصحيحين عن البراء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، أو قال: قال النبي ﷺ : «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». وفي المسند، و"التاريخ الكبير" للبخاري، عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله». وفي المسند أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله». وفي صحيح مسلم عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». وفيه أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله ورسوله، أو إلا أبغضه الله ورسوله». ورواه الترمذي ولفظه: أن النبي ﷺ قال لي: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما آمن بي من لم يحبني، وما أحبني من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني والبيهقي. وعن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب قال: أخبرتني جدتي، عن أبيها ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن بالله من لم يؤمن

стр. 355

بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني في سننه. ومن أوضح الأدلة على بغض الأنصار هجائهم، والرضا بذلك، وتقريره ونشره، وقد أخبرنا من يُوثق به من التلاميذ أن بعض المدرسين من أدعياء العلم أملى عليهم قصيدة الأخطل النصراني في ذم الأنصار وهجائهم، قال: فامتنع بعض التلاميذ من كتابتها وقالوا: هذا هجاء لأصحاب رسول الله ﷺ ولا يجوز ذلك، فألزمهم أن يكتبوا ذلك، وأن لا يعارضوه في شيء مما يمليه عليهم، قال: وأملى عليهم أيضا لبعض الشعراء في هجو بعض الصحابة ﵃، ومدح الحجاج وأمثاله من الظالمين. قلت: وهذا دليل على النفاق، والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ ، وليس العجب من هذا وأمثاله من المغموصين بالنفاق، وإنما العجب من الذين يستجلبونهم من الأماكن البعيدة، ويمكنونهم من إظهار ذلك ونشره بين المسلمين، ومن بث البدع والتكلم بها علانية في المجامع، فالله المستعان وعليه التكلان. ومن علامات المنافقين أيضا بغض علي ﵁؛ لما في صحيح مسلم عنه ﵁ أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة؛ إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق. ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي المسند عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ -
следующие страницы →