← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]. وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: سورة التوبة؟ قال: آلتّوبة؟! هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تُبق أحدا منهم إلا ذُكر فيها. وقال البغوي في تفسيره: قال قتادة: هذه السورة تسمى الفاضحة، والمعيرة، والمثيرة؛ أثارت مخازيهم ومثالبهم. انتهى. وكل من فعل شيئا من أفعالهم التي ذكرها الله عنهم في سورة براءة وغيرها من السور فهو شريكهم في النفاق بقدر ما فعل، فمستقل ومستكثر، وأولو البصائر والفراسة الإيمانية يعرفون كثيرا منهم بما يبديه الله على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من آثار المرض الكامن في قلوبهم، وبما يظهر من أفعالهم المطابقة لأفعال المنافقين، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠]؛ ولحن القول: هو فحوى الكلام الدال على مقصد المتكلم به. قال البغوي رحمه الله تعالى: والمعنى: تعرفهم فيما يعرضون به؛ من تهجين أمرك وأمر المسلمين، والاستهزاء بهم. انتهى. وما أكثر الواقعين في أمراض النفاق في زماننا هذا، حتى في كثير ممن ينتسب إلى العلم، فالله المستعان.

стр. 352

ومن أوضح العلامات التي يعرف بها المنافقون إقدامهم على رد الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وجراءتهم على تكذيبها ومعارضتها بغير مستند صحيح، بل بمجرد الرأي الفاسد والظن الكاذب، وكذلك الطعن في أئمة الحديث الذين أجمع العلماء على إمامتهم وجلالتهم، ووصفهم بالعجمة، ورميهم باختلاق الأحاديث، وأعظم من ذلك الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكل هذا قد رأيناه في كتب لضُلال العصريين، وتعليقات لهم كثيرة، وإنما يفعلون ذلك إذا أعيتهم الأحاديث أن يفهموا معانيها، أو لم يظهر لهم وجه الحكمة منها، وربما يفعلون ذلك إذا عارضت الأحاديث ما فتنوا به مما تلقوه من آراء أعداء الله وقوانينهم وسياساتهم ونظاماتهم، فالله المستعان. وقد رأيت لبعضهم كلاما سيئا على حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه …» الحديث، فطعن في الحديث أولاً بغير حجة، ثم قدح في الصحابي الذي رواه، ثم تجاوز ذلك إلى الكلام في النبي ﷺ وتخطئته، ومعارضة قوله بكلام الأطباء الكفرة وآرائهم الفاسدة، وهذا عين النفاق عياذا بالله من ذلك (١).

стр. 353

ومن ذلك تولي أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفار والمشركين، وتفضيل ولاياتهم وسياساتهم وقوانينهم على ولاية المسلمين وسياسة الشرع الشريف وأحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٠ - ٥١]، وما أكثر الواقعين في هذا أو بعضه من المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان، وما أكثر من يميل منهم إلى الحرية الإفرنجية ويؤثرها؛ لتحصيل أغراضه الفاسدة، ونيل شهواته العاجلة من أنواع الفسوق والعصيان، ويكره الولاية الإسلامية التي تمنعه من تعاطي المحرمات، وتؤدِّبه على المخالفات. ومن علامات المنافقين أيضا بغض الأنصار لما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». وفي رواية لمسلم: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار». روى الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، والطبراني، عن سعد بن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الأنصار مِحْنة، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق». وروى البخاري في تاريخه أيضا، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار إلا منافق».

стр. 354

وفي الصحيحين عن البراء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، أو قال: قال النبي ﷺ : «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». وفي المسند، و"التاريخ الكبير" للبخاري، عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله». وفي المسند أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله». وفي صحيح مسلم عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». وفيه أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله ورسوله، أو إلا أبغضه الله ورسوله». ورواه الترمذي ولفظه: أن النبي ﷺ قال لي: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما آمن بي من لم يحبني، وما أحبني من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني والبيهقي. وعن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب قال: أخبرتني جدتي، عن أبيها ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن بالله من لم يؤمن

стр. 355

بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني في سننه. ومن أوضح الأدلة على بغض الأنصار هجائهم، والرضا بذلك، وتقريره ونشره، وقد أخبرنا من يُوثق به من التلاميذ أن بعض المدرسين من أدعياء العلم أملى عليهم قصيدة الأخطل النصراني في ذم الأنصار وهجائهم، قال: فامتنع بعض التلاميذ من كتابتها وقالوا: هذا هجاء لأصحاب رسول الله ﷺ ولا يجوز ذلك، فألزمهم أن يكتبوا ذلك، وأن لا يعارضوه في شيء مما يمليه عليهم، قال: وأملى عليهم أيضا لبعض الشعراء في هجو بعض الصحابة ﵃، ومدح الحجاج وأمثاله من الظالمين. قلت: وهذا دليل على النفاق، والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ ، وليس العجب من هذا وأمثاله من المغموصين بالنفاق، وإنما العجب من الذين يستجلبونهم من الأماكن البعيدة، ويمكنونهم من إظهار ذلك ونشره بين المسلمين، ومن بث البدع والتكلم بها علانية في المجامع، فالله المستعان وعليه التكلان. ومن علامات المنافقين أيضا بغض علي ﵁؛ لما في صحيح مسلم عنه ﵁ أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة؛ إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق. ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي المسند عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 356

يقول لعلي: «لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق». وفي المسند أيضا، ومستدرك الحاكم عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله». وفي المستدرك للحاكم أيضا عن سلمان الفارسي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليها فقد أبغضني» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. إذا علم هذا فليس المراد بحب علي ﵁ ما يفعله الروافض من الإطراء والغلو فيه، والإفراط في حبه، حتى آل بهم ذلك إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، وإنما المراد ما عليه أهل السنة والجماعة من الاقتصاد في حبه؛ لما روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، وفي كتاب "السنة"، والحاكم في مستدركه عن علي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «فيك مثل من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به»، ثم قال: يهلك فيّ رجلان: محب مفرط يقرظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني. وفي كتاب "السنة" أيضا عن علي ﵁ قال: مثلي في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم، أحبته طائفة فأفرطت في حبه فهلكت، وأبغضته طائفة فأفرطت في بغضه فهلكت، وأحبته طائفة فاقتصدت في حبه فنجت. وإذا كان حب علي ﵁ آية على الإيمان، وبغضه آية على النفاق،

стр. 357

فحب من هو خير منه كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أولى أن يكون آية على الإيمان، وبغضهم آية على النفاق؛ لما روى البخاري، وأبو داود، والترمذي، وعبد الله ابن الإمام أحمد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ ؛ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃. هذا لفظ البخاري. زاد أبو داود: ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. وعند عبد الله بن أحمد: ثم لا نفضل أحدا على أحد. وفي رواية له: ويبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره علينا. وفي رواية له، ولأبي داود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃ أجمعين. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد ورسول الله ﷺ حي، وأصحابه متوافرون أبو بكر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت. وفي المسند أيضا من حديث عمر بن أسيد، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نقول في زمن النبي ﷺ : رسول الله خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر. وفي صحيح البخاري، وسنن أبي داود، وكتاب "السنة" لعبد الله ابن الإمام أحمد، عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول

стр. 358

عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. وروى الإمام أحمد، وابنه عبد الله، من طرق كثيرة، وابن ماجة عن علي ﵁ أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. وفي بعض الروايات عند الإمام أحمد، وابنه عبد الله، عن أبي جحيفة، وعبد خير، عن علي أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وخيرها بعد أبي بكر عمر، ولو شئت سميت الثالث. وروى أبو نعيم في "الحلية" من طريق محمد بن المثنى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: سمعت الحجاج بن المنهال يقول: سمعت حماد بن سلمة يقول: سمعت عاصما يقول: سمعت زرا يقول: سمعت أبا جحيفة ﵁ يقول: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ على منبر الكوفة فقال: ألا إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث لأخبرتكم، ثم نزل من على المنبر وهو يقول: عثمان، عثمان. ثم رواه أبو نعيم بإسناد آخر، عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة نحوه. وروى أبو نعيم أيضا من طريق بشر بن الحارث، عن عبد الله بن داود الخريبي، عن سويد مولى آل عمر بن حريث قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول على المنبر: إن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان ﵃. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا هشيم، حدثنا حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إن خير هذه الأمة بعد

стр. 359

رسول الله ﷺ أبو بكر، فمن قال سوى هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد اختُلف في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر ﵁، فقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: إنه لم يسمع منه. وقال مسلم في مقدمة صحيحه: إنه قد حفظ عن عمر. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهو الصواب إن شاء الله. قلت: وفي مسند الإمام أحمد ما يدل على ذلك؛ ففيه بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنت مع عمر فأتاه رجل فقال: إني رأيت الهلال … الحديث. وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁ قال: صلاة السفر ركعتان … الحديث، وفي آخره: وقال يزيد -يعني ابن هارون-: ابن أبي ليلى قال: سمعت عمر. وقد روى البخاري في تاريخه الصغير، بسنده عن ابن أبي ليلى قال: ولدت لست سنين بقين من خلافة عمر. وكذا ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه ولد لست بقين من خلافة عمر. ومثل هذا السن يعقل فيه الذكي كثيرا مما يراه ويسمعه، بل بعض الأذكياء يحفظ كثيرا من الأشياء لأقل من هذا السن، وعلى هذا فظاهر حديث ابن أبي ليلى عن عمر ﵁ الاتصال، ولم يصنع شيئا من نفى سماعه منه من أجل صغره، والله أعلم.

стр. 360

وفي جامع الترمذي، ومستدرك الحاكم، عن عائشة ﵂، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أبو بكر سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ . قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. إذا عُرف هذا فالواقع من حال المنتسبين إلى الإسلام شاهد بصحة ما قلنا من الأولوية، فهذه طائفة الروافض، الذين يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ﵃، ويسبونهم ويتبرءون منهم، فيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من أهل النحل، فأبعد الله الروافض وخذلهم، وأبعد الله الخوارج الذين يبغضون عثمان وعليا ﵄، ويسبونهما ويتبرءون منهما، وأبعد الله كل من أبغض أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أو تنقصه أو سبه أو تبرأ منه، ورحمة الله على أهل السنة والجماعة الذين يتولون أصحاب رسول الله ﷺ كلهم، ويحبونهم وينشرون فضائلهم، و ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصيْفه». وفي رواية: «لا تسبوا أحدا من أصحابي» والباقي مثله. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ مثل الرواية الأولى عن أبي هريرة. رواه الترمذي والطبراني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 361

وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» رواه الإمام أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي» رواه أبو نعيم في الحلية. وله أيضا من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أرى الناس يكثرون، وأصحابي يقلون، فلا تسبوهم، من سبهم فعليه لعنة الله». وعن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شرّكم» رواه الترمذي وقال: هذا حديث منكر، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله من سب أصحابي» رواه الطبراني. وله أيضا عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله من سب أصحابي» رواه الطبراني. وله أيضا عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين». وفي مستدرك الحاكم عن عويم بن ساعدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا

стр. 362

يقبل الله منه يوم القيامة صرف ولا عدل» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة، وهو رواية عن الإمام مالك. وقال محمد بن سيرين: ما أظن رجلا يبغض أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ . رواه الترمذي. وعن مغيرة قال: كان يقال: شتمُ أبي بكر وعمر ﵄ من الكبائر. رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله فرض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ كما فرض الصلاة والصيام والحج والزكاة، فمن أبغض واحدا منهم فلا صلاة له ولا حج ولا زكاة له، ويحشر يوم القيامة من قبره إلى النار» هكذا ساق هذا الحديث القاضي أبو الحسين في ترجمة صدقة بن موسى من طبقات الحنابلة، والله أعلم. وروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، أو عن زيد بن وهب، أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين، إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما أهل له من الإسلام، فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسبة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق، فحبها

стр. 363

قربة، وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه، وصاحبيه، وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب. وبالجملة فالنفاق من أشد الأمور خطرا، فينبغي للمؤمن أن يحذر منه أشد الحذر، ويخافه على نفسه ولا يأمنه، وقد كان الصحابة ﵃ مع كثرة تقواهم لله تعالى، وشدة اجتهادهم في العبادة يخافونه على أنفسهم. وروي أن عمر ﵁ قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أؤمِّن منها أحدا بعدك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا -يعني أبا العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى- يقول: ليس مراده أني لا أبرِّئ غيرك من النفاق، بل المراد: لا أفتح عليّ هذا الباب؛ فكل من سألني هل سماني لك رسول الله ﷺ أزكيه. انتهى. وقال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويُذكر عن الحسن أنه قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وروى جعفر الفريابي، عن المعلى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق.

стр. 364

وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟! فقال: اللهم اغفر لي -ثلاثا- لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه. وعنه ﵁ أنه قال: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم، يخلعه ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة". وفي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵄: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﷺ ؛ كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون. وفيه أيضا عنه ﵁ قال: إنما كان النفاق على عهد النبي ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان. قلت: إذا كان هذا قول حذيفة ﵁ في زمن الخلفاء الراشدين، ووقت عزة الإسلام وظهوره، وانقماع المنافقين وذلهم بين المؤمنين، فكيف لو رأى حال الأكثرين في أواخر القرن الرابع عشر، فقد تغيرت فيه الأحوال وانعكست الأمور، وظهر الكفر والنفاق، حتى كان بعض ذلك يُدرس في المدارس ويعتنى به، فالله المستعان. فمن ذلك ما فشا في زماننا؛ من موافقة طواغيت الإفرنج، وزنادقة المنجمين ونحوهم، وتقليدهم فيما ذهبوا إليه من التخرصات، والظنون الكاذبة المخالفة للقرآن والأحاديث الصحيحة؛ كقولهم: إن الشمس قارة ساكنة لا تزول عن مكانها، وإن الأرض هي التي تجري وتدور حول

стр. 365

الشمس، وشبهوا ذلك براكب القطار ونحوه من المراكب السريعة يرى في حال سيرها كأن الذي حوله من المباني والشجر يسير، وكأن ما تحته من المركوب واقف، والحال بالعكس، قالوا: فهكذا الأرض مع الشمس، فالشمس قارة لا تزول، والأرض هي التي تجري، ولها دورتان، دورة في كل يوم وليلة، ودورة في كل سنة، هكذا افتروا وزعموا، وهي دسيسة خبيثة من دسائس أعداء الله ورسوله والمؤمنين، قد جعلوها حبالة يصيدون بها خفافيش الأبصار من غوغاء المسلمين وجُهَّالهم، ويحملونهم بذلك على تكذيب القرآن والأحاديث الصحيحة، حتى ينسلخوا من دين الإسلام بالكلية ويصيروا كفارا مثلهم، وقد قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ الآية [النساء: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ففي هؤلاء الآيات الكريمات أبلغ تحذير للمؤمنين من طاعة الكفار والمنافقين، وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم، فإنهم لا يألون المسلمين خبالا، وودوا ما عنَّتهم، وأزلَّهم عن الحق، وأضلهم عن الصراط السوي والهدى، وقد

стр. 366

جعل الله للمسلمين في كتابه وسنة رسوله ﷺ كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء»، قال أبو الدرداء ﵁: صدق والله رسول الله ﷺ ، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. رواه ابن ماجة. وعن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه. ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وما عند المسلمين من العلوم الشرعية النافعة المستفادة من الكتاب والسنة، بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، فأبعده الله ولا كفاه، والمقصود ههنا التحذير من دسيسة أعداء الله التي قد سرت في جميع الأقطار الإسلامية على أيدي الكفار والمنافقين، وقبلها الجماهير تلو الجماهير من الأغبياء الغافلين الذين لا يسمعون ولا يعقلون، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وليس للكفار

стр. 367

والمنافقين ومقلديهم حجة على هذا القول الذي شغفوا به؛ لا من كتاب الله تعالى ولا من أخبار المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وإنما يعتمدون على ما زخرفته لهم شياطين الإنس والجن من الآراء الفاسدة، والظنون الكاذبة، والقياس الذي يكذبه الحس، ويعلم كل عاقل فساده بالبديهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. وها أنا أذكر الأدلة على رد هذا القول الباطل من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ليعرف الجاهلون به مغزاه، وما أراد به مخترعوه وموافقوهم من تكذيب القرآن (١). وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن».

стр. 368

وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي المسند أيضا من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويُزاد في حرِّها» الحديث. وفي المسند أيضا، وصحيح الحاكم، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس ..» الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد. وهذه الأحاديث الأربعة وإن كانت في أخبار يوم القيامة ففيها دلالة على أن الأرض قارة ثابتة، لا تفارق موضعها، ولو كانت الشمس هي القارة الثابتة لكانت الأرض هي التي تُدنى منها، وهذا خلاف نصوص هذه الأحاديث، والله أعلم. فهذا ما يسَّره الله تعالى من الآيات والأحاديث (١) الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض، وأن الأرض قارة ثابتة، خلاف ما يزعمه الجغرافيون من أن الشمس قارة، وأن الأرض تدور عليها، وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا، وإطراحها بالكلية، وذلك هو الكفر

стр. 369

الصريح، والضلال البعيد، قال الله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]، وقول الجغرافيين في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق. ومن أعجب العجب أنها قد جُعلتْ في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس، ويُعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل» الحديث متفق عليه. وفي رواية: «من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل». ولهما عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى ﵄ قالا: قال النبي ﷺ : «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم» الحديث. ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسول الله ﷺ ، ومعارضة القرآن والسنة بأقوال الملاحدة والزنادقة وآرائهم الفاسدة، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، فالله المستعان. وقد ثبت أيضا بالدليل العقلي أن الأرض قارة ساكنة لا تدور، ولا تفارق موضعها أبدا، وذلك بما يسره الله تعالى في زماننا من وجود المراكب الجوية التي تخترق الهواء في جميع أرجاء الأرض، فإن سيرها من المشرق

стр. 370

إلى المغرب مثل سيرها من المغرب إلى المشرق، وكذلك سيرها من الجنوب إلى الشمال مثل سيرها من الشمال إلى الجنوب، كل ذلك لا يختلف، ولو كان الأمر على ما يزعمه الجغرافيون لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء، ثم امسكها وقتا يسيرا حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها، وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبدا؛ لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها، هذا على حد زعمهم، وكذلك الذين في الجنوب والشمال لابد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها، فلا يهتدون إلى موضع قصدوه، ولما كانت هذه التقديرات منتفية، وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقاربا بعضه بعضا؛ دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة، فقاتل الله زنادقة الجغرافيين الذين خالفوا النقل والعقل جميعا. ومن كفريات الجغرافيين التي تدرس في كثير من المدارس أيضا، ويعتني بها كثير من الجهال؛ إضافتهم الإيجاد والتكوين في بعض الأشياء إلى الطبيعة لا إلى الفاعل المختار ﷻ . ومن الجهل الفاضح، وتكذيب الآيات والأحاديث الصحيحة ما زعمه بعض العصريين من كون الملائكة غير عقلاء، وإنما هم عنده بمنزلة الجمادات والنباتات، وفي هذا القول الوخيم أعظم تنقص بالرب ﷻ ، حيث ائتمن على وحيه ووكل بكثير من أمور مخلوقاته من لا يعقل، وفيه أيضا تنقص بجميع الأنبياء والمرسلين حيث أخذوا عمَّن لا يعقل، وفيه أيضا تنقص بالقرآن، وجميع الكتب السماوية، وما فيها من الشرائع

стр. 371

المنزلة من عند الله تعالى بسفارة الملائكة الكرام، وفيه أيضا تنقص بجميع المؤمنين بالرسل حيث التزموا بشرائع وصدقوا بأمور جاء بها من لا يعقل، هذا ما يقتضيه زعم هذا المبطل، وهو زعم كاذب خاطئ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. والمقصود ههنا التحذير من مكائد أعداء الله ودسائسهم وزخارفهم التي اغتر بها كثير من الناس، حتى آل الأمر ببعضهم إلى تكذيب ما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة، ومعارضة ذلك بآراء أعداء الله وتخرصاتهم، وذلك هو الكفر بعد الإيمان كما تقدم في حديث حذيفة ﵁، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧]، وقد نصب أعداء الله الحبائل للمسلمين، وكادوهم بأنواع الكيد والمكر والخداع، وزخرفوا لهم الشبهات والشكوك، ونشروا ذلك في الكتب والصحف؛ ليفتنوهم ويردوهم عن دينهم إن استطاعوا، فمن أصغى إلى أقوالهم،

стр. 372

وأكبَّ على مطالعة كتبهم وصحفهم فقد عرّض نفسه للبلاء، وألقى بيده إلى التهلكة، ولا يؤمَن عليه أن يقع في كفر أو نفاق أو بدعة، كما وقع ذلك لكثير من المشغوفين بأقوال أعداء الله وآرائهم وتخرصاتهم، والمعصوم من عصمه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].

стр. 373

فصل وأما النفاق الأصغر فهو نفاق العمل. قال الحسن رحمه الله تعالى: كان يقال: النفاق اختلاف السر والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقال: أُسُّ النفاق الذي بني عليه الكذب. وروى الإمام أحمد في الزهد، عن الحسن أنه قال: الكذب جماع النفاق. ورُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما؟! قال: يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو قال: المنكر. وروى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان» إسناده جيد. وروي نحوه من حديث عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ . أخرجه الطبراني في الكبير، والبزار، وابن حبان في صحيحه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفي رواية لمسلم: «آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».

стр. 374

ورواه الإمام أحمد ولفظه قال: «ثلاث من كُنَّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» إسناده صحيح على شرط مسلم. وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي، وأبو الشيخ الأصبهاني، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وقال إني مسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفي رواية أبي الشيخ: «وإن صام وصلى، وحج واعتمر، وقال إني مسلم». قال ابن القيم رحمه الله تعالى: نفاق العمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا. انتهى. ومن خصال النفاق أيضا الإعراض عن الجهاد في سبيل الله؛ لما روى مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغزُ، ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق».

стр. 375

ومن خصاله أيضا تبرج النساء، وكذلك اختلاعهن من أزواجهن من غير ضرر؛ لما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المختلعات والمتبرجات هن المنافقات». ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ﵁. وروى الترمذي، وابن جرير، عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «المختلعات هن المنافقات» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. وروى ابن جرير أيضا عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات». وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي المسند أيضا، والسنن إلا النسائي، عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». ومن خصال النفاق أيضا الثناء على الملوك والأمراء ونحوهم في وجوههم، وإذا خرج قال غير ذلك؛ لما روى البخاري في صحيحه أن أناسا قالوا لابن عمر ﵄: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. قال: كنا نعدها نفاقا.

стр. 376

ورواه الإمام أحمد، وابن ماجة من حديث الأعمش: عن إبراهيم، عن أبي الشعثاء قال: قيل لابن عمر ﵄: إنا ندخل على أُمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، قال: كنا نعد ذلك على عهد رسول الله ﷺ النفاق. ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: قلنا لابن عمر ﵄: إذا دخلنا على هؤلاء نقول ما يشتهون، فإذا خرجنا من عندهم قلنا خلاف ذاك، قال: كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله ﷺ . ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث يزيد بن الهاد، عن محمد بن عبد الله أنه حدثه أن عبد الله بن عمر ﵄ لقي ناسا خرجوا من عند مروان فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكل حق رأيتموه تكلمتم به وأعنتم عليه، وكل منكر رأيتموه أنكرتموه ورددتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما يُنكَر فنقول: قد أصبت أصلحك الله، فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله، ما أظلمه وأفجره، قال عبد الله: كنا بعهد رسول الله ﷺ نعد هذا نفاقا لمن كان هكذا. وفي المسند أيضا عن حذيفة ﵁ قال: إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ النفاق. وفي رواية قال: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات. قلت: إذا كان الأمر هكذا في غرة الإسلام، وأفضل قرون هذه الأمة،

стр. 377

فكيف بمن بعدهم إلى زماننا هذا الذي نجم فيه النفاق الأكبر فضلا عن الأصغر، وساد فيه الجهل وأهله، واشتدت غربة السُنَّة فيه، وعاد المعروف بين الأكثرين منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وصار الأمر طبق ما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سُنَّة، فإذا غُيِّرت قالوا: غُيِّرت السنة» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثرت قُراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين» رواه عبد الرزاق، والدارمي، والحاكم في مستدركه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: هو على شرط البخاري ومسلم، وقد تقدم هذا الحديث في أول الكتاب، وتقدم أيضا عن حذيفة ﵁ أنه أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفة ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة. رواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث". والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد ذكرت منها طرفا في أول الكتاب فليراجع، والله المستعان وعليه التُكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 378

فصل وأما القسم الثاني من المنتسبين إلى الإسلام فهم أهل البدع والأهواء الذين هم على شفا جرف هار، وقد افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: المبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. انتهى. وقال السدي في تفسير هذه الآية: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. قلت: وهذا هو المطابق لحال المشركين وأهل البدع والأهواء، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالجماعة، والاعتصام بحبله المتين، واتِّباع صراطه المستقيم، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، واتِّباع سبل الشياطين، فبدَّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، وخالفوا ما أمرهم الله به، وارتكبوا ما نهاهم عنه، فتفرقت بهم السبل عن سبيل الله، ومالت بهم الأهواء والبدع عن صراطه المستقيم،

стр. 379

حتى آل الأمر بكثير منهم إلى الشرك الأكبر فما دونه، كما يشهد بذلك الواقع، وهم مع هذا ينتسبون إلى الإسلام، وبهم يتكثر المغررون المخدوعون الجاهلون بدين الإسلام، وقد قال الله تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٩]. وروى ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: «وليسوا منك؛ هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلال من هذه الأمة» في إسناده عباد بن كثير، قال البخاري والنسائي وغيرهما: متروك الحديث. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهِم في رفعه، فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة. وقال أبو غالب عن أبي أمامة ﵁ في قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج. وروي عنه مرفوعا، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ولا يصح. وروى الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: «يا عائش، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة».

стр. 380

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهو غريب ولا يصح رفعه. قال: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه وكانوا شيعا -أي فرقا- كان أهلا لذلك؛ كأهل الملل والنِحَل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برَّأ رسوله ﷺ مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [الشورى: ١٣]، وفي الحديث: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد»، فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات، وآراء وأهواء، والرسل براء منها كما قال تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣] قال: هذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات، من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، وهذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد. انتهى، وهو كلام جيد. قال قتادة: اعلموا أن السبيل واحد، جماعة الهدى ومصيره الجنة،

стр. 381

وأن إبليس استبدع سبلا متفرقة، جماعة الضلالة ومصيرها إلى النار. وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وأبو بكر الآجري، وغيرهم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾». وروى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن ماجة، والآجري، عن جابر ﵁ نحوه. وروى ابن جرير، وابن مردويه: أن رجلا قال لابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثَمَّ رجال يدعون مَنْ مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﵁ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. ويشهد لهذا ما في الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلت: يا رسول الله، إنَّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»،

стр. 382

قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر»، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». وعن ابن عباس ﵄: السبل الضلالات. وروى علي بن أبي طلحة عنه ﵁ في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية. قال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم

стр. 383

بالمراء والخصومات في دين الله . رواه الآجري في كتاب الشريعة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وإنما وحَّد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها؛ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. انتهى. وروى أبو بكر الآجري بإسناده عن عاصم الأحول قال: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ والذي عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء. فحدثت به الحسن فقال: صدق ونصح، وحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت: أحدثتَ بهذا محمدا؟ قلت: لا، قالت فحدِّثه إذًا. قال أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى: علامة من أراد الله به خيرا سلوك هذه الطريق؛ كتاب الله ، وسنن رسول الله ﷺ ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء مثل الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقهم،

стр. 384

ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى. انتهى. وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو ثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، قال الترمذي: وفي الباب عن سعد، وعبد الله بن عمرو، وعوف بن مالك. قلت: أما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، فرواه محمد بن نصر المروزي، وأبو بكر الآجري قال: قال رسول الله ﷺ : «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها، أو قال: على مثل ذلك، فكل فرقة منها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فرواه الترمذي، والحاكم في المستدرك وضعفه، وأبو بكر الآجري قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة»، قالوا: من هي يا

стр. 385

رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. وأما حديث عوف بن مالك، فرواه ابن ماجة في سننه قال: قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الجماعة». وفي الباب أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، يهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة» قالوا: يا رسول الله، ما تلك الفرقة؟ قال: «الجماعة» رواه الإمام أحمد. ورواه ابن ماجة في سننه بنحوه ولفظه: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة». ورواه أبو بكر الآجري من طرق عن أنس ﵁، وفي بعض طرقه: «كلها في النار إلا السواد الأعظم». ورواه الطبراني في معجمه الصغير مختصرا ولفظه: قال رسول الله ﷺ :

стр. 386

«تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة» قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي الباب أيضا عن أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك ﵃ قالوا: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من الدين، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله -فذكروا الحديث وفي آخره-: «ذروا المراء، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم» قالوا: يا رسول الله، ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ : «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة". وتفسير «السواد الأعظم» في هذا الحديث يدفع ما قد يتوهمه من كثف جهله، من أن السواد الأعظم المذكور في حديث أنس ﵁ يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم نظرا منهم إلى ظاهر اللفظ. فإن قيل: إن هذا الحديث ضعيف، قيل: تقدم ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي رواه الترمذي وحسّنه، وقد روي عن علي، وابن مسعود ﵄ وغيرهما ما يؤيد ذلك. فروى العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن السنة والبدعة، وعن الجماعة والفرقة، فقال: يا ابن الكواء، حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ ، والبدعة ما

стр. 387

فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلُّوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا. وقال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود ﵁ فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سَيَلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟! قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية! تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة؛ الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله . قال نعيم ين حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي وغيره. ونقله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الإغاثة" قال: وكان

стр. 388

محمد بن أسلم الطوسي -الإمام المتفق على إمامته- مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مُكِّنت من ذلك. فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم» فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. قال ابن القيم ﵀: وصدق والله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها، فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاَّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. انتهى. وقد قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبي، حدثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا أبي قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن القاسم الطوسي خادم ابن أسلم قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول، وذكر في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال: «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم». فقال رجل: يا أبا يعقوب، مَن السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعه، ثم قال: سأل رجل ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن، من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكوني، ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان -يعني أبا حمزة- وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه، ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا:

стр. 389

جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فيه ترك الجماعة، ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم. انتهى ما ذكره أبو نعيم. وقال ابن القيم أيضا: وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم. انتهى. وقد وصفت الفرقة الناجية في الأحاديث التي تقدمت بثلاث صفات؛ إحداها: أنهم الجماعة، الثانية: أنهم السواد الأعظم، الثالثة: أنهم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وهذه الصفة تبين المراد من الصفتين قبلها، وتدل على أن أهل الحق هم الجماعة والسواد الأعظم، مَن كانوا وأين كانوا، ولو كانوا من أقل الناس، والله أعلم. وفي الباب أيضا عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه لما قدم مكة حاجا قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل

стр. 390

الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في مستدركه، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وزاد الحاكم في روايته: «والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد ﷺ ، لغير ذلك أحرى أن لا تقوموا به». قال الخطابي رحمه الله تعالى: الكَلَب داء يعرض للإنسان من عضة الكَلْب الكَلِب، وهو داء يصيب الكلب كالجنون، وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانا ساوره، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له من ذلك أعراض رديئة، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستسقي حتى إذا سُقي الماء لم يشربه، ويقال: إن هذه العلة إذا استحكمت بصاحبها فقعد للبول خرج منه هنات مثل صور الكلاب، فالكَلَب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك. انتهى. وفي سنن ابن ماجة عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله لصاحب بدعة؛ صوما، ولا صلاة، ولا صدقة، ولا حجا، ولا عمرة، ولا جهادا، ولا صرفا، ولا عدلا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين».
следующие страницы →