Полный текст (956 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
«تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة» قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وفي الباب أيضا عن أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك ﵃ قالوا: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من الدين، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله -فذكروا الحديث وفي آخره-: «ذروا المراء، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم» قالوا: يا رسول الله، ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ : «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة".
وتفسير «السواد الأعظم» في هذا الحديث يدفع ما قد يتوهمه من كثف جهله، من أن السواد الأعظم المذكور في حديث أنس ﵁ يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم نظرا منهم إلى ظاهر اللفظ.
فإن قيل: إن هذا الحديث ضعيف، قيل: تقدم ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي رواه الترمذي وحسّنه، وقد روي عن علي، وابن مسعود ﵄ وغيرهما ما يؤيد ذلك.
فروى العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن السنة والبدعة، وعن الجماعة والفرقة، فقال: يا ابن الكواء، حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ ، والبدعة ما
стр. 387
فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلُّوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا.
وقال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود ﵁ فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سَيَلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟! قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية! تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة؛ الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله .
قال نعيم ين حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي وغيره.
ونقله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الإغاثة" قال: وكان
стр. 388
محمد بن أسلم الطوسي -الإمام المتفق على إمامته- مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مُكِّنت من ذلك. فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم» فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. قال ابن القيم ﵀: وصدق والله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها، فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاَّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. انتهى.
وقد قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبي، حدثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا أبي قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن القاسم الطوسي خادم ابن أسلم قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول، وذكر في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال: «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم». فقال رجل: يا أبا يعقوب، مَن السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعه، ثم قال: سأل رجل ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن، من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكوني، ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان -يعني أبا حمزة- وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه، ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا:
стр. 389
جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فيه ترك الجماعة، ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم. انتهى ما ذكره أبو نعيم.
وقال ابن القيم أيضا: وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم. انتهى.
وقد وصفت الفرقة الناجية في الأحاديث التي تقدمت بثلاث صفات؛ إحداها: أنهم الجماعة، الثانية: أنهم السواد الأعظم، الثالثة: أنهم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
وهذه الصفة تبين المراد من الصفتين قبلها، وتدل على أن أهل الحق هم الجماعة والسواد الأعظم، مَن كانوا وأين كانوا، ولو كانوا من أقل الناس، والله أعلم.
وفي الباب أيضا عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه لما قدم مكة حاجا قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل
стр. 390
الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في مستدركه، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وزاد الحاكم في روايته: «والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد ﷺ ، لغير ذلك أحرى أن لا تقوموا به».
قال الخطابي رحمه الله تعالى: الكَلَب داء يعرض للإنسان من عضة الكَلْب الكَلِب، وهو داء يصيب الكلب كالجنون، وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانا ساوره، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له من ذلك أعراض رديئة، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستسقي حتى إذا سُقي الماء لم يشربه، ويقال: إن هذه العلة إذا استحكمت بصاحبها فقعد للبول خرج منه هنات مثل صور الكلاب، فالكَلَب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك. انتهى.
وفي سنن ابن ماجة عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله لصاحب بدعة؛ صوما، ولا صلاة، ولا صدقة، ولا حجا، ولا عمرة، ولا جهادا، ولا صرفا، ولا عدلا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين».
стр. 391
وله أيضا عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».
وروى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.
وروى أيضا بإسناده إلى أيوب السختياني أنه قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا زاد من الله بعدا.
وقال أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة": أخبرنا الفريابي قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء.
وقال أيضا: حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصول البدع أربع؛ الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال النبي ﷺ إنها ناجية.
وقد روي عن عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم والحديث نحو قول يوسف بن أسباط، قيل لابن المبارك رحمه الله تعالى: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد ﷺ .
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: أول بدعة
стр. 392
حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة؛ حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فعاقب الطائفتين؛ أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر، وروي عنه من وجوه كثيرة أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. ورواه عنه البخاري في صحيحه.
وقال أيضا في موضع آخر: وابن سبأ هذا أول من ابتدع الرفض، وكان منافقا زنديقا، أراد فساد دين الإسلام كما فعل بولص صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى؛ حيث ابتدع لهم بدعا أفسد بها دينهم، وكان يهوديا فأظهر النصرانية نفاقا لقصد إفساد ملتهم، وكذلك كان ابن سبأ يهوديا فقصد ذلك، وسعى في الفتنة فلم يتمكن، لكن حصل بين المؤمنين تحريش وفتنة، فقتل فيها عثمان بن عفان ﵁، وتبع ابن سبأ جماعات على بدعته وضلالته، وقال هؤلاء: إن عليا ﵁ لم يمت، وإنما الذي قتله عبد الرحمن بن ملجم شيطان، وأما علي ففي السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، وإنه ينزل إلى الأرض ويملأها عدلا، ويقولون عند الرعد عليك السلام يا أمير المؤمنين.
وقال أيضا في موضع آخر: لما حدثت بدع الشيعة في خلافة علي ﵁ ردها، وكانت ثلاث طوائف؛ غالية، وسبابة، ومفضلة؛ فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له
أقوام فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله، فاستتابهم ثلاثا فلم يرجعوا، فأمر في
стр. 393
اليوم الثالث بأخاديد فخُدَّت، وأضرم فيها النار، ثم قذفهم فيها، وأما السبابة فإنه لما بلغه أن ابن سبأ يسب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب إلى قرقيسيا، وأما المفضلة فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. انتهى.
قلت: وما زالت سموم ابن سبأ وأمثاله من الزنادقة الملحدين تنتشر في الأرض، وتفتك في هذه الأمة فتكا ذريعا، حتى تركت الأكثرين صرعى بأمراض الشرك والشكوك والشبهات، بل كثير من المستجيبين لهم في زماننا وقبله قد انسلخوا من الدين بالكلية، وقاموا في صف إبليس وجنوده يحاربون الإسلام وأهله بأيديهم وألسنتهم، وينشرون الكتب والمقالات في ذم الإسلام وأهله، ومدح أعداء الدين وتبجيلهم، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند": حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة قال: قلت للحسن بن علي ﵄: إن الشيعة يزعمون أن عليا يرجع، قال: كذب أولئك الكذابون، لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه، ولا قسمنا ميراثه.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق زهير بن معاوية قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو الأصم قال: قلت للحسن بن علي: إن هذه
стр. 394
الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله، ما هؤلاء بشيعته، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: بينما نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أية؟ قال: من الكوفة، قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟! لو شعرنا ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث جرير به، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": سألت أبي: من الرافضة؟ فقال: الذين يسبون، أو يشتمون أبا بكر وعمر.
وروى أيضا بإسناد فيه مجهول عن علي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «إن قوما لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتم فاقتلهم فإنهم مشركون» قال علي ﵁: ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يشتُمون أبا بكر وعمر.
وروى أيضا في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة" عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام».
ورواه البخاري في التاريخ الكبير بلفظ: «يكون قوم نبزهم الرافضة
стр. 395
يرفضون الدين».
وفي رواية لعبد الله ابن الإمام أحمد: «يجيء قوم قبل قيام الساعة يسمون الرافضة برآء من الإسلام».
وروى الحافظ أبو يعلى، والطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون».
وفي رواية الطبراني قال ابن عباس ﵄: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي ﵁، فقال النبي ﷺ : «سيكون من أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت، لهم نبز، يسمون الرافضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون».
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث محمد بن سوقة، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحل حبنا وتفارق أمرنا».
وروى البخاري في "التاريخ الكبير" عن علي ﵁ قال: دعاني النبي ﷺ فقال: «يا علي إن لك من عيسى مثلا، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به».
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة" وزاد: ألا وإنه يهلك فيَّ اثنان؛ محب يقرظني بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي، ولا يوحى إليّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله
стр. 396
فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم.
ورواه الحاكم في مستدركه وزاد: وما أمرتكم بمعصية أنا وغيري فلا طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": وجدت في كتاب أبي بخط يده -وأظنني سمعته منه- حدثنا وكيع، عن شريك، عن عثمان بن أبي يقظان، عن زاذان، عن علي ﵁ قال: مثلي في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم، أحبته طائفة فأفرطت في حبه فهلكت، وأبغضته طائفة فأفرطت في بغضه فهلكت، وأحبته طائفة فاقتصدت في حبه فنجت.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علقمة قال: غلت هذه الشيعة في علي كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم، قال: وكان الشعبي يقول: لقد بغضوا إلينا حديث علي.
وقال عبد الله أيضا: حدثنا أبو صالح هدبة بن عبد الوهاب بمكة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا محمد بن طلحة، عن أبي عبيدة بن الحكم، عن الحكم بن حجل، سمعت عليا ﵁ يقول: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدّ المفتري.
وقال أيضا: حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن الحسن؛ يعني الأسدي، حدثنا أبو كدينة، عن أبي خالد، عن الشعبي قال: لو
стр. 397
كانت الشيعة من الطير لكانوا رخما.
قال الشعبي: ونظرت في هذه الأهواء وكلَّمت أهلها؛ فلم أر قوما أقل عقولا من الخشبية.
وفي رواية أخرى عن الشعبي: لو كانت الشيعة من الطير لكانت رخما، ولو كانت من البهائم لكانت حُمُرا.
وفي رواية أخرى عنه: لو شئت أن يملأوا لي بيتي هذا ورقا على أن أكذب لهم على علي لفعلت، والله لا كذبتُ عليه أبدا.
وروى أبو نعيم في الحلية، عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: لم أر أحدا من أصحاب الأهواء أشهد بالزور من الرافضة.
فهذا ما يتعلق بالروافض الأنجاس، وكان بعض السلف يسميهم الخشبية لقولهم: إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم، فقاتلوا بالخشب.
وسُموا رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين ﵃ لما ترحم على أبي بكر وعمر ﵄، وقيل: لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر ﵄. ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب "المقالات".
وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة، وهم أول من عطل المساجد، وبنى المشاهد على القبور وجعلها أوثانا، واتخذ أهلها أربابا من دون الله، ومن هذا الوجه شابهوا المشركين الأولين الذين كانوا يعبدون اللات والعزى ومناة، وودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، ونحوها من معبودات أهل الجاهلية، وكذلك
стр. 398
شابهوا اليهود في الكذب، وتحريف الكلم عن مواضعه، واتباع الهوى، وغير ذلك من مساوئ أخلاق اليهود، وكذلك شابهوا النصارى في الغلو والجهل واتباع الهوى، وغير ذلك من مساوئ أخلاق النصارى، وما زال العلماء يصفونهم بذلك كما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه في ردِّه على الرافضي.
وذكر أيضا أن متأخري الرافضة ذهبوا إلى التجهم وإبطال صفات الله، وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا حجاج، سمعت شريكا -وذكر المرجئة- فقال: هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثا.
ورواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" فقال: حدثنا أبو نصر قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قال: حدثنا حجاج قال: سمعت شريكا فذكره.
وإذا كان هذا قول السلف في متقدمي الروافض، فكيف لو رأوا حالتهم اليوم، وما جمعوا من الشر بحذافيره؛ مع بُعدهم عن الهدى ودين الحق! ومع هذا فهم ينتسبون إلى الإسلام، وبهم وبأشباههم يتكثر الذين لا يعرفون الإسلام، ولا يبعد أن تكون الرافضة نصف العدد الذي ذكرنا في السؤال المتقدم أو أكثر من نصفه، وإذا ضممنا إليهم أشباههم من عُبَّاد الأوثان والطواغيت والأشجار والأحجار والكواكب، وغيرها مما يعبد من دون الله، مع سائر أدعياء الإسلام الذين ذكرناهم فيما تقدم لم يبق من العدد المتقدم ذكره إلا القليل، وبهذا يعرف غربة الإسلام الحقيقي وأهله في الأزمان وقبلها بدهر طويل، فالله المستعان.
стр. 399
فصل
وأما الخوارج فهم أول من كفّر المسلمين بالذنوب، ويُكفِّرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله.
قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: وكان ابن عمر ﵄ يراهم شر خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. انتهى.
وحكي عنهم أنهم لا يتبعون النبي ﷺ إلا فيما بلغه عن الله من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول ﷺ فلا يعملون إلا بظاهره، ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه، ولهذا كانوا مارقين، مرقوا من الإسلام مروق السهم من الرمية كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ عنهم.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد خرَّج مسلمٌ أكثرَها في صحيحه، وخرّج البخاري طائفةً منها.
وبدعتهم هي أول بدعة حدثت في الإسلام، وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله ﷺ هو ذو الخويصرة التميمي، الذي اعترض على النبي ﷺ وطعن عليه في قسمته العادلة بالاتفاق؛ وقال له في وجهه: اتق الله واعدل، فإنك لم تعدل، فقال النبي ﷺ : «ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، وفي رواية: «فمن يطيع
стр. 400
الله إذا عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!»، وفي رواية: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء».
وقد اختلف في معنى قوله: «لقد خبت وخسرت» بناء على اختلاف الرواية في ضبط هذين الحرفين، فرُوي بضم المثناة، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": بضم المثناة للأكثر؛ ومعناه ظاهر ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، وحكى عياض فتحها، ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة، والمعنى: لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع، حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن. انتهى.
واختار هذا القول الأخير الإمامان؛ شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، والحافظ ابن القيم رحمة الله عليهما.
قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: إذا جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال، وهو معتقد أنه أمين الله على وحيه فقد اتبع ظالما كاذبا، وجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر السماء؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني» أو كما قال، يقول ﷺ : إن أداء الأمانة في الوحي أعظم، والوحي الذي أوجب لله طاعته هو
стр. 401
الوحي بحكمه وقسمته. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن": الصواب فتح التاء من خبت وخسرت؛ والمعنى أنك إذًا خائب خاسر إن كنت تقتدي في دينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل، ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا. انتهى.
قلت: وضم التاء أوجه من نصبها لوجوه:
أحدها: أنه رواية الأكثر.
الثاني: ما جاء في صحيح ابن حبان في هذا الحديث أن الرجل لما قال للنبي ﷺ : اعدل فإنك لم تعدل، قال النبي ﷺ : «يا ويلي، لقد شقيت إن لم أعدل»، فظاهر هذا السياق أن النبي ﷺ عنى بذلك نفسه.
الثالث: أن في توجيه المعنى على النصب تكلفا ظاهرا، وأما الرفع فليس فيه تكلف.
الرابع: أن الرفع يتأيد بأدلة كثيرة من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
стр. 402
[البقرة: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤].
والمعنى في هؤلاء الآيات، وفي الحديث أيضا: أنه لو فرض وجود الشرط لكان المشروط، ولكن هذا كله محال وممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا، فإن الله أحد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحدا، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقد عصم الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ من الشرك والظلم والجور والغي والضلال، ومتابعة أهواء اليهود والنصارى والمشركين، وبرَّأه من كل نقص وعيب، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين، فكلهم معصومون مُبرَّؤون، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والمقصود هنا أن توجيه المعنى على الرفع صحيح ولا محذور فيه، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن
أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال في ذي الخويصرة: «إن من ضئضئ
стр. 403
هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد وأنس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة؛ قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يَقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فُوقه؛ هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم» قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: «التحليق».
وقد رواه الحاكم أيضا من حديث أنس ﵁ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا، والبخاري، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج ناس من قبل المشرق ويَقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقه» قيل: ما سيماهم؟ قال: «سيماهم التحليق»، أو قال: «التسبيد».
стр. 404
وفي صحيح مسلم، وسنن ابن ماجة، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بعدي من أمتي، أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه؛ هم شر الخلق والخليقة» فقال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري -أخا الحكم الغفاري- قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والآجري، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج قوم في آخر الزمان، سفهاء الأحلام، أحداث -أو حدثاء- الأسنان، يقولون من خير قول الناس، يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فإن في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد أيضا، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وعبد الله ابن الإمام أحمد، عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فإن لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة».
стр. 405
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يحقر أحدكم عمله مع عملهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعة الله، كلما طلع منهم قرن قطعة الله» فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع.
ورواه ابن ماجة في سننه بلفظ: «ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع» قال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلما خرج قرن قُطع -أكثر من عشرين مرة- حتى يخرج في عراضهم الدجال».
وفي المسند أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قِبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قُطع» حتى عدها زيادة على عشر مرات «كلما خرج منهم قرن قُطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم».
ورواه الحاكم في مستدركه، وأبو نعيم في الحلية بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 406
وفي سنن النسائي، ومستدرك الحاكم، عن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمن قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، قتالهم حق على كل مسلم».
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا بسام، عن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن الأخسرين أعمالا، قال: منهم أهل حروراء.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بسام الصيرفي به نحوه، وقال: صحيح ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي خالد، عن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: ذكر عنده الخوارج، قال: هم قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم.
ورواه من طريق أخرى فقال: حدثني أبي، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﵁، فذكر مثله.
стр. 407
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق جرير، عن منصور، عن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى البخاري في صحيحه من حديث مصعب عن أبيه ﵁ قال: الحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام، حدثنا أبو غالب، عن أبي أمامة ﵁: زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، قال: هم الخوارج.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: هم الخوارج، وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: هم الخوارج.
وروى أبو بكر الآجري بإسناده عن طاوس قال: ذكر لابن عباس ﵄ الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال ﵁: يؤمنون بمحكمه، ويضلون عن متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
وروى أيضا بإسناده عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت ابن عباس ﵄ وذكر له الخوارج واجتهادهم وصلاحهم فقال ﵁:
стр. 408
ليسوا هم بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم على ضلالة.
وروى أيضا بإسناده عن الحسن -وذكر الخوارج- قال: حيارى، سكارى، ليسوا يهودا ولا نصارى، ولا مجوسا فيعذرون.
روى الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية»، قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ورواه ابن ماجة ولفظه: «شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا، كلاب النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا»، قلت: يا أبا أمامة، هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ .
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طرق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، وفي بعضها أنه لما أُتي برؤوس الأزارقة فنصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة فلما رآهم دمعت عينه قال: «كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار -ثلاث مرات- هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء» قلت: فما شأنك دمعت عينك؟ قال: رحمة لهم؛ لأنهم كانوا من أهل الإسلام، قلت: أبرأيك قلت هم كلاب النار، أو شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ؟
стр. 409
قال: إني إذًا لجريء، بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثة، قال: فعد مرارا، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ حتى بلغ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقد رواه الطبراني في معجمه الصغير من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا خليد بن دعلج، حدثنا أبو غالب قال: جيء برؤوس الخوارج فنصبت على درج مسجد دمشق، فجعل الناس ينظرون إليها، وخرجت أنا أنظر إليها، فجاء أبو أمامة على حمار وعليه قميص سنبلاني، فنظر إليهم فقال: ما صنع الشيطان بهذه الأمة؟! يقولها ثلاثا؛ «شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء، خير قتلى تحت ظل السماء من قتله هؤلاء، كلاب النار -يقولها ثلاثا» ثم بكى، ثم انصرف، قال أبو غالب: فاتبعته، فقلت: سمعتك تقول قولا قبل، أفأنت قلته؟ فقال: سبحان الله! إني إذًا لجريء، بل سمعت ذلك من رسول الله ﷺ مرارا، فقلت له: رأيتك بكيت؟ فقال: رحمة لهم؛ كانوا من أهل الإسلام مرة، ثم قال لي: أما تقرأ؟ قلت: بلى، قال: فاقرأ من آل عمران، فقرأت فقال: أما تسمع قول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾؛ كان في قلوب هؤلاء زيغ فزيغ بهم، اقرأ عند رأس المائة، فقرأت حتى إذا بلغت: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فقلت: يا أبا أمامة، أهم هؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء.
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد من وجه آخر فقال: حدثني أبو خيثمة
стр. 410
زهير بن حرب، حدثنا عمرو بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله قال: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية بالشام، فذكر نحو ما تقدم في حديث أبي غالب وفيه: فقال له رجل: رأيتك دمعت عيناك! فقال: رحمة، رحمتهم، كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث عكرمة بن عمار به نحوه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد أيضا من وجه آخر فقال: حدثنا أبي، حدثنا أنس بن عياض -وهو أبو حمزة المديني- قال: سمعت صفوان ابن سليم يقول: دخل أبو أمامة الباهلي دمشق فرأى رؤوس الحرورية، وذكر نحو ما تقدم وفيه قال: أبكي لخروجهم من الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعا.
وروى الطبراني في الصغير من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الخوارج كلاب النار».
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا إسحاق بن يوسف -يعني الأزرق- عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى
стр. 411
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخوارج هم كلاب النار».
وهكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر الآجري عن حامد بن شعيب البلخي، عن أبي خيثمة زهير بن حرب، كلاهما عن إسحاق بن يوسف الأزرق به مثله.
ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن محمد المستملي، كلهم عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن الأعمش به.
ورواه أيضا من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الخوارج هم كلاب النار».
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا حشرج بن نباتة العبسي، حدثني سعيد بن جهمان قال: لقيت عبد الله بن أبي أوفى -وهو محجوب البصر- فسلمت عليه فقال لي: من أنت؟ قال: قلت: أنا سعيد بن جهمان، قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت قتلته الأزارقة، قال: لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله ﷺ : «إنهم كلاب النار» قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: لا بل الخوارج كلها. ورواه الحاكم في مستدركه مختصرا.
فهذا ما يتعلق بالخوارج المارقين من دين الإسلام، فليتدبر المتكثرون بأهل الضلالات والأهواء هذه الأحاديث الواردة في الخوارج مع انتسابهم إلى الإسلام، وكثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم واجتهادهم
стр. 412
في العبادة، وما تركت ذكره من الأحاديث الواردة فيهم أكثر مما ذكرته، وهم في هذه الأزمان كثيرون في أرض عمان وما حولها من السواحل، وأكثر ما يوجد منهم طائفة الإباضية أتباع عبد الله بن إباض.
وقد حدثنا من اجتمع بهم أنهم لا يزالون يتذكرون أهل النهروان الذين قتلهم علي ﵁ وأصحابه، ويتحزنون على قتلهم، وينشدون فيهم المراثي الكثيرة، وذكر أنهم لا يجدون هناك أحدا من أهل السنة يقدرون على قتله إلا قتلوه ما لم يدخل عليهم بأمان من بعضهم.
قلت: وللخوارج المارقين أشباه كثيرون ممن يدعي العلم والتحقيق في هذه الأزمان وقبلها، وعلامتهم التهجم على كتاب الله تعالى وتفسيره بآرائهم الفاسدة، واتباع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكثير منهم يزعمون أنهم هم الذين غاصوا على معاني القرآن واستخرجوا علومه، فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أئمة العلم والهدى فعند هؤلاء المتعمقين المعجبين بأنفسهم أنهم لم يفسروا إلا ألفاظه فقط، ومنهم من يحاول تطبيق القرآن والسنة المطهرة على قوانين النصارى وسياساتهم الخاطئة الفاجرة، وهذا هو غاية الزيغ والإلحاد والزندقة، وكثير منهم يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ إذا خالفت رأيه وهواه، ويعارضها كما فعل شيخهم ذو الخويصرة بقر الله خاصرته وخواصر أتباعه إلى يوم القيامة، ولهذا تجد كثيرا منهم يطعن في أئمة الحديث الذين أجمع العلماء على إمامتهم وجلالتهم، ويصفهم بالعجمة، وربما
стр. 413
رماهم باختلاق الأحاديث، وبعضهم يتجاوز ذلك إلى الطعن في الصحابة من أجل حديث لم يفهم معناه، أو لم يظهر له وجه الحكمة منه، كما رأينا ذلك في كتب لهم وتعليقات كثيرة، وقد آل الأمر بكثير منهم إلى الانسلاخ من دين الإسلام بالكلية، وبعضهم تجاوز ذلك إلى محاربة الشريعة المحمدية والقدح فيها وفي سائر الأديان السماوية، وزعم الخبيث أنها نكبة على البشر، وأن الإيمان والتزام أحكام الشريعة أغلال، ومشكلة لم تحل، وأن السيادة والسعادة الدنيوية في رفض الأديان كلها، والتوجه إلى الطبيعة بالكلية، وصرف الهمم كلها إلى الأعمال الدنيوية، والتعلق بالأسباب لا بمسببها، وبذلك تَنْحلُّ المشكلة على زعمه الكاذب الخاطئ الفاجر، ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وقد قال الله تعالى في أسلاف هؤلاء المتهوكين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
стр. 414
الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٦٩ - ٧٦]؛ وهذه الآيات نزلت في كفار قريش، ونحوهم ممن كان يُقرّ بأن الله ﵎ رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، المتصرف في خلقه بما يشاء، وإنما كانوا يشركون به في الألوهية والعبادة كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [ص: ٥].
فأما صاحب الأغلال وأضرابه من المرتدين عن الإسلام فإنهم -مع مجادلتهم في آيات الله وتكذيبهم بالكتاب وبما أرسل الله به رسله- قد جعلوا الطبيعة رب كل شيء وخالقه، وعدلوا الكفرة من الإفرنج وغيرهم بالله في ربوبيته، وزعموا أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من الخلق، والرزق، والإحياء، والتصرف في الكون، وغير ذلك مما هو محشو في كتاب الأغلال الجامع للكثير من أشتات الكفر والضلال.
والله المسؤول أن يعافيني وإخواني المسلمين مما ابتلاه به، ويثبتنا جميعا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 415
فصل
وأما بدعة القدرية فإنها حدثت في آخر عصر الصحابة، فأنكرها من كان منهم حيا؛ كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وغيرهما ﵃، وكذلك أئمة التابعين، ومن بعدهم من الأئمة.
وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن يحيى بن يعمر أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم بُرآء مِنِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. الحديث.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سعيد بن حيان، عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر ﵄: إن ناسا عندنا يقولون: الخير والشر بقدر، وناس عندنا يقولون الخير بقدر، والشر ليس بقدر، فقال ابن عمر ﵄: إذا رجعت إليهم فقل لهم: إن ابن عمر يقول: إنه منكم بريء، وأنتم منه برآء.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا هشيم، أخبرني أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: ذكر عنده القدرية قال: فقال: لو رأيت
стр. 416
أحدا منهم لعضضت أنفه، قال مجاهد: قال ابن عمر: من رأى منكم أحدا منهم فليقل له: إن ابن عمر منكم بريء.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن أبا الزبير أخبره أنه كان يطوف مع طاوس بالبيت فمر بمعبد الجهني، فقال قائل لطاوس: هذا معبد الجهني الذي يقول في القدر، فعدل إليه طاوس حتى وقف عليه فقال: أنت المفتري على الله، القائل ما لا تعلم؟ قال معبد: يُكذب عليّ، قال أبو الزبير: فعدلت مع طاوس حتى دخلنا على ابن عباس ﵄ فقال له طاوس: يا أبا عباس، الذين يقولون في القدر؟ فقال ابن عباس ﵄ أروني بعضهم، قال: قلنا صانع ماذا؟ قال: إذًا أجعل يدي في رأسه ثم أدق عنقه. وهكذا رواه الآجري، عن الفريابي، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، فذكره.
وروى الإمام أحمد في مسنده، والآجري في كتاب "الشريعة" عن محمد بن عبيد المكي، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قيل لابن عباس ﵄: إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه -وهو يومئذ قد عمي- قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنّها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول
стр. 417
شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا» هذا لفظ أحمد، ورواية الآجري مختصرة.
وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تُكُلم في القدر، فقال: أَوَقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]، أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين.
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن زرارة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي رحمه الله تعالى يقول: لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة والجهمية.
وقال أيضا: سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري؟ فقال: إن كان يخاصم فيه ويدعو إليه فلا يُصلى خلفه.
وقال أيضا: سمعت أبي وسأله علي بن الجهم عمن قال بالقدر يكون كافرا؟ قال: إذا جحد العلم؛ إذ قال: إن الله لم يكن عالما حتى خلق علما فعلم؛ فجحد علم الله فهو كافر.
стр. 418
وقال أيضا: حدثني الحسن بن عيسى مولى عبد الله بن المبارك، حدثني حماد بن قيراط، سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية كفار، والقدرية كفار.
وروى أبو نعيم في الحلية عن عمار بن عبد الجبار قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: الجهمية كفار، والقدرية كفار، فقلت لعبد الله بن المبارك: فما رأيك؟ قال: رأيي رأي سفيان.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: من كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن.
وروى أيضا في كتاب "الزهد" عن الحسن أنه قال: من كذب بالقدر فقد كفر.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق سلمة بن شبيب، حدثنا مروان بن محمد قال: سئل مالك بن أنس عن تزويج القدري، فقرأ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا مؤمل، حدثنا عمر بن محمد، حدثنا نافع قال: قيل لابن عمر ﵄: إن قوما يقولون لا قدر، فقال: أولئك القدريون، أولئك مجوس هذه الأمة.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا جعفر -يعني ابن زياد- عن عبادة بن مسلم قال مجاهد: لا يكون مجوسية حتى
стр. 419
يكون قدرية، ثم تزندقوا ثم يتمجسوا.
وقال أبو داود في سننه: حدثنا مسوى بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم».
ورواه الحاكم في مستدركه، عن أبي بكر أحمد بن سلمان بن الحسن الفقيه، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، فذكره ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه، وافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقال المنذري: هذا منقطع؛ أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت. انتهى.
وقد روى هذا الحديث أبو بكر الآجري من طريقين؛ عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ ولكن قال أبو داود: إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكره من حديث أبي حازم عن نافع.
ورواه الآجري أيضا من طريق آخر؛ عن الجعيد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه يكون في آخر الزمان قوم يكذبون بالقدر، ألا أولئك مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم».
стр. 420
ورواه الطبراني في الصغير من حديث الجعيد به.
وروى أبو داود، عن عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، مَنْ مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يُلحقهم بالدجال».
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، عن أبيه، عن مؤمل، عن عمر مولى غفرة بنحوه.
قال المنذري: عمر مولى غفرة لا يُحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طريق آخر عن حذيفة ولا يثبت. انتهى.
وروى الآجري بإسناده عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: «لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، ولتنقضن عُرى الإسلام عروة فعروة، ويكون أول نقضها الخشوع حتى لا ترى خاشعا، وحتى يقول أقوام: ذهب النفاق من أمة محمد ﷺ فما بال صلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون بصلاة نبيهم، أولئك المكذبون بالقدر، وهم أسباب الدجال، وحق على الله أن يمحقهم».
ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 421
وروى ابن ماجة في سننه، عن محمد بن المصفى، عن بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم».
ورواه الطبراني في الصغير، عن عبد الله بن الصقر السكري، عن محمد بن المصفى.
ورواه الآجري، عن الفريابي، عن محمد بن المصفى، فذكره إلى قوله: «فلا تشهدوهم» وليس عنده ما بعده، وقد أُعلَّ هذا الحديث بأن بقية بن الوليد عنعنه مع كثرة تدليسه.
وروى الآجري من طريقين؛ عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث جابر وابن عمر ﵃، وأُعلّ بالانقطاع، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لم يسمع مكحول من أبي هريرة.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثني القاسم بن حبيب، عن رجل يقال له نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «صنفان من هذه الأمة ليس لهم في الإسلام نصيب؛ المرجئة والقدرية».
ورواه الترمذي من حديث القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار.
وابن ماجة من حديث علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن
стр. 422
عباس ﵄ مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ورواه ابن ماجة أيضا من حديث عبد الله بن محمد الليثي، حدثنا نزار بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر».
وروى الآجري من حديث عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بنحوه.
وروى البخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو بكر الآجري من طريقين؛ عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما هلكت أمة قط إلا بالإشراك بالله، وما أشركت أمة قط إلا وكان بدو إشراكها التكذيب بالقدر» قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا الإسناد لا يحتج به، قال: وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر، حدثني نافع أن ابن عمر ﵄ جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى.
وقد رواه ابن ماجة في سننه من حديث حيوة بن شريح، عن أبي صخر، وعنده بالواو في قوله «مسخ وخسف وقذف» فأفاد أن «أو»
стр. 423
في رواية الترمذي بمعنى الواو، وليست للتنويع ولا للشك.
ورواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو صخر، عن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا إذ جاء رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام -لرجل من أهل الشام- فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأنَّ عليه مني السلام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزنديقية والقدرية».
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوب- حدثني أبو صخر، عن نافع قال: كان لابن عمر ﵄ صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر».
ورواه أبو داود في سننه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، كلاهما عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه، ومن طريق السري بن خزيمة، كلاهما عن عبد الله بن يزيد المقري، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه.
стр. 424
وروى الإمام أحمد، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو داود، وعبد الله بن الإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم».
وروى البخاري في "التاريخ الكبير"، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، سمع ابن عباس ﵄ قال: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا عكرمة، سألت يحيى بن أبي كثير عن القدرية، فقال: هم الذين يقولون: إن الله لم يقدر الشر.
وروى أبو نعيم في الحلية عن المزني قال: قال الشافعي: تدري من القدري؟ القدري الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر حتى عمل به.
ورأيت في عقيدة منسوبة للإمام أحمد رحمه الله تعالى ما نصه: القدرية هم الذين يزعمون أن الاستطاعة والمشيئة والقدرة إليهم، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، بدءا من أنفسهم، من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله، أو في علم الله، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية. انتهى.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما: النور والظلمة، يزعمون أن
стр. 425
الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثانوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، وخلقه الشر شرا في الحكمة كخلقه الخير خيرا، فالأمران مضافان إليه خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.
فالمجوسية: الذين كذبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
والفرقة الثانية المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة.
والفرقة الثالثة وهم الإبليسية: الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضا من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب. انتهى.
و أول من تكلم في القدر معبد الجهني؛ أخذ ذلك عن نصراني مرتد
следующие страницы →