← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المحرم كل عام؛ فلا يدعون شاذة ولا فاذة من أمور النياحة إلا أتوها، ولا سفهًا وسخفًا إلا فعلوه، وقبائحهم وفضائحهم ورعوناتهم التي تصدر منهم في مأتمهم الشنيع شهيرة معروفة، فلا حاجة بنا إلى تعدادها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وليس العجب من فعل الروافض الذين هم أضل سبيلا من الأنعام، وإنما العجب من بعض الولاة الذين ينتسبون إلى السنة ثم يخالفونها، ويرتكبون ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من أكل السحت؛ وهو ما يأخذونه من الروافض عوضًا عن تمكينهم من إقامة شعارهم الشنيع ومأتمهم القبيح، ويمنعون البيع والشراء في الأسواق وجميع الأعمال المعتادة من أجل الروافض، معاونة لهم على إشهار مأتمهم الملعون فاعله والمستمع إليه كما تقدم في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة». وإذا كان الراضي بالمعصية شريكًا لفاعلها في الإثم، فلا شك أن من يُمكِّن الروافض من إقامة مأتمهم ويعينهم على إقامته أولى وأحرى أن يكون شريكهم في الوزر والعار، والله أعلم.

стр. 597

ومن الكفر الأصغر أيضا: تصديق السحرة والكهان والعرَّافين، وإتيان المرأة الحائض، وإتيان المرأة في دبرها؛ لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، والبخاري في (التاريخ الكبير)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ ». وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا هدبة، حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «هي اللوطية الصغرى» قال قتادة: وحدثني عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء ﵁ قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر. وفي معنى إتيان المرأة في دبرها إتيان الذكر، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه الأمام أحمد، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما جميعًا ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ » رواه البزار

стр. 598

بإسناد جيد. وله أيضا بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». ورواه أبو نعيم في الحلية، من حديث عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق -يعني السبيعي- قال: حدثنا هبيرة بن يريم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ » ثم قال أبو نعيم: رواه الثوري، عن أبي إسحاق مثله، ورواه علقمة، وهمام بن الحارث، عن عبد الله موقوفًا. وروى أبو نعيم أيضا، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: دخلت المسجد وأمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ على المنبر وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل فذكر الحديث، وفيه: «إن الله تعالى قال: ليس مني من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له». وفي المسند، وصحيح مسلم، عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وفي المسند، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إن منا رجال يأتون الكهان؟ قال: «فلا تأتهم».

стр. 599

وتقدم حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يلج الدرجات من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرًا» أي: متطيرًا. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم، والبغوي. قال الجوهري: العراف: الكاهن والطبيب. وقال الشيخ أبو محمد المقدسي ﵀ في (المغني): العراف: الذي يحدس ويتخرص. وقال ابن الأثير: العراف: المنجم والحازي الذي يدَّعي علم الغيب، وقد استأثر الله به. وقال ابن منظور في (لسان العرب): يقال للحازي عراف، وللقناقن عراف، وللطبيب عراف؛ لمعرفة كل منهم بعلمه، والعراف الكاهن، وفي الحديث: «من أتى عرافًا، أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » أراد بالعراف: المنجم والحازي الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. انتهى. وأما الكاهن، فقال الخطابي رحمه الله تعالى: الكاهن: هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدَّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رِئيًا من الجن، وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. وكان منهم من يسمى عرافًا وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على موقعها؛ كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنا فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور،

стр. 600

ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنًا، فالحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم على ما يدَّعونه من هذه الأمور. انتهى. وقال ابن الأثير أيضا: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة؛ كشق، وسطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف؛ كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها، والحديث الذي فيه: «من أتى كاهنًا» قد يشتمل على إتيان الكاهن والعراف والمنجم. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم؛ كالحازي الذي يدعي علم الغيب، ويدعي الكشف. انتهى. وقال ابن منظور في (لسان العرب): كهن له، وتكهن: قضى له بالغيب، وكذا قال صاحب (القاموس)، قال ابن منظور: ويقال كهن لهم إذا قال لهم قول الكهنة. ونقل مرتضى الحسيني في (تاج العروس) عن (التوشيح) أن الكهانة ادعاء علم الغيب، قال: ومثله في (ضوء النبراس) و (أفعال ابن القطاع) و (الإرشاد). انتهى.

стр. 601

إذا عرف تفسير الكاهن والعراف، وما جاء من الوعيد الشديد في تصديقهما وتصديق السحرة، فليعلم أيضًا أن التكهن فاشٍ في هذه الأزمان، ويسميه بعضهم التنبؤ؛ يعني معرفة المغيبات والحوادث المستقبلة؛ كمجيء الأمطار، وهبوب الرياح، وصفاء الجو وكدره، مما يذيعه أعداء الله وينشرونه كثيرًا. ومن ذلك دعوى معرفة الجنين في بطن أمه أَذَكر هو أم أنثى، ومن ذلك دعوى معرفة موت أحد أو حياته، أو ما يعرض له في حياته من خير أو شر. ومن ذلك دعوى معرفة الماء في بطن الأرض، واختلاف مجاريه تحت طبقاتها، وبعد ما بينه وبين سطح الأرض، وألوان الصخور والأتربة التي بينه وبين سطح الأرض، فكل هذا من العرافة والتكهن، هذا إذا كانت دعوى معرفة الماء وما في باطن الأرض بمجرد الحدس والتخرص كما يفعله بعض الجهال الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وأما إذا كانت بالآلات المعدة لذلك فليس من هذا الباب، والله أعلم. ويسمى من يدعي معرفة الماء في بطن الأرض: القنقن والقناقن. قال ابن منظور في (لسان العرب): القنقن والقناقن -بالضم- البصير بالماء تحت الأرض والجمع القناقن؛ بالفتح. قال ابن بري: القنقن والقناقن؛ المهندس الذي يعرف الماء تحت الأرض، قال: وأصلها بالفارسية، وهو معرب مشتق من الحفر، من قولهم

стр. 602

بالفارسية: كِنْ كن أي: احفر احفر، وسُئل ابن عباس ﵄ لِم تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لأنه كان قناقنًا يعرف مواضع الماء تحت الأرض، وقيل: القناقن الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قريبًا أو بعيدًا. انتهى. وقد تقدم قوله: إنه يقال للقناقن عراف. وذكر في مادة (حزا) عن ابن شميل أنه قال: الحازي أقل علما من الطارق، والطارق يكاد أن يكون كاهنًا، والحازي يقول بظن وخوف، والعائف العالم بالأمور، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف، والعراف الذي يشم الأرض فيعرف مواقع المياه، ويعرف بأي بلد هو. انتهى. والمقصود هنا أنه لا يجوز إتيان القناقن الذين يدَّعون معرفة الماء في بطن الأرض؛ لدخولهم في مسمى العرافين والكهان، كما تقدم عن أئمة اللغة؛ ولأن إخبارهم بالماء إنما هو حدس وتخرص وتهجم على ما استأثر الله به من الغيب، ومن أتى القناقن فصدقهم فهو متعرض للوعيد الشديد الذي تقدم ذكره في الأحاديث التي ذكرناها قريبًا، والله أعلم. ومن ذلك أيضا دعوى معرفة السارق والعائن والساحر، ونحو ذلك من الأمور المغيبة، كمن يخبر اللديغ بلون الحية التي لدغته وطولها وفي أي موضع هي، فكل من أتى أحدًا من هؤلاء الطواغيت الذين يدَّعون معرفة

стр. 603

الأمور المغيبة والكوائن المستقبلة فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وما أكثر الواقعين في هذه الكفريات التي ذكرنا، نسأل الله العفو والعافية والعصمة، إنه جواد كريم. وبعض هذه الكفريات قد يلتحق بالكفر الأكبر الذي ينقل عن الملة؛ إذ هي بحسب حال فاعلها واعتقاده، والله اعلم. ومن أخبث الكهانة في هذه الأزمان ما يسمونه التنويم المغناطيسي (١) وهو شائع عند أمم الكفر والضلال. وفي بعض الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، إذا سُرق من أحدهم شيء، أو ضل عنه شيء من أهله أو ماله أتى إلى الكاهن المسمى عندهم بالمنوم، فأخبره بقصته على الجلية، فيدعو المنوم بصبي دون البلوغ قد أعده لعمل كهانته، فيجلس كل منهما على كرسي مقابل الآخر، ويجلس المسروق منه ونحوه عندهما، فإذا جلسوا جعل المنوم يحد النظر إلى

стр. 604

الصبي، ولا يصرف بصره عنه حتى يلتبس به الشيطان، فيأخذه منه كهيئة النوم، فإذا تمكن منه الشيطان أخبره باسم السارق، وموضع السرقة، وصور له صورة السارق، وموضع السرقة والضالة ونحوهما، وتكلم بذلك على لسانه حينما يسأله المنوم عن ذلك، فإن التبس أمر المسروق والضال ونحوهما على الشيطان أول مرة عاد المنوم إلى تنويم الصبي ثانية وثالثة وأكثر حتى يتم مقصوده، وهذه الكهانة تشبه كهانة أهل الجاهلية من بعض الوجوه؛ لأن مبنى كل منهما على استخدام الشياطين، والتقرب إليهم بما يحبونه من الكفر والفسوق والعصيان، فمن أتى أحدا من الطواغيت المنومين فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، والله أعلم.

стр. 605

فصل ومن المنكرات الفاشية في زماننا بسبب غربة الإسلام السحر. وهو في اللغة عبارة عما دقَّ، ولطف مدركه، وخفي سببه. قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): السحر؛ عقد ورقى، وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة؛ فمنه ما يقتل، وما يمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر، أو يحبب بين اثنين، قال: ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه، قال: وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على إتيانها، وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها، حتى صار متواترًا لا يمكن جحده، ورُوي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه. انتهى ملخصًا. وقال الراغب الأصفهاني: السحر يقال على معانٍ: الأول: الخداع، وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع، وعلى ذلك قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ [طه: ٦٦]، وبهذا النظر سموا موسى ﵇ ساحرًا فقالوا: يا أيها الساحر. والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه؛ كقوله:

стр. 606

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. والثالث: ما يذهب إليه الأغتام (١)، وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوَّته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين. انتهى. وقال القرطبي: السحر؛ حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيًا، ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب؛ كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك. انتهى. وقال الهروي: معنى السحر؛ قلب الشيء في عين الإنسان، وليس بقلب الأعيان. انتهى. وقد ذم الله ﵎ السحر والساحر، وأخبر أنه من المفسدين في

стр. 607

الأرض، وحكم عليه بالخسران في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]، قال ابن عباس ﵄: لا يسعد حيث كان. ذكره البغوي في تفسيره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي من حظ ولا نصيب، ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لبئس ما باعوا به أنفسهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وروى عبد الرزاق، عن صفوان بن سليم أن رسول الله ﷺ قال: «من تعلم شيئا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله» وهذا مرسل. وتقدم حديث عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له» الحديث رواه البزار بإسناد جيد. وتقدم أيضًا حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل» فذكر الحديث وفيه: «ليس مني من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له» رواه أبو نعيم في الحلية. وتقدم أيضا حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» رواه النسائي.

стр. 608

وتقدم أيضا حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وعند ابن حبان قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء؛ يتحببن به إلى أزواجهن. وعند الحاكم قال: التولة ما يهيج النساء. وفي رواية: هو الذي يهيج الرجال. قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): تعلم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: وكذلك هو محرم في جميع أديان الرسل ﵈ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: وي كفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، ثم استدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا …﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] أي لا تتعلمه فتكفر بذلك. وقال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى في

стр. 609

كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف): اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله: فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة مَن قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومَن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر؛ مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر. انتهى. قلت: وما قاله بعض أصحاب أبي حنيفة من التفصيل مردود عليهم؛ لأن الله تعالى أخبر أن معلم السحر كافر ومتعلمه كافر، وأطلق ولم يقيد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، ففي أول الآية دليل على كفر معلم السحر، وفي آخرها دليل على كفر متعلمه، وليس فيها ما يدل على استثناء حالة دون حالة، والله أعلم. قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. واستدلت طائفة أخرى من السلف على تكفير الساحر بقوله تعالى:

стр. 610

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]، ووجه الدلالة منها ظاهر، وهو أن تعلم السحر وتعليمه ينافي الإيمان والتقوى، فيكون الساحر كافرًا، والله أعلم. ورُوي عن علي ﵁ أنه قال: الكاهن ساحر والساحر كافر. ذكره الذهبي في كتاب (الكبائر). ورُوي في ذلك حديث مرفوع، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (الهدي): روينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن عازب ﵄ يرفعه «كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة؛ القاتل والساحر …» وذكر تمام الحديث. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: ترى خلقًا كثيرًا من الضُلاَّل يدخلون في السحر ويظنونه حرامًا فقط، وما يشعرون أنه الكفر، فيدخلون في تعليم السيمياء وعملها وهي محض السحر، وفي عقد الرجل عن زوجته وهو سحر، وفي محبة الرجل للمرأة وبغضها له، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة أكثرها شرك وضلال. انتهى. قلت: السيمياء: تشتمل على أنواع من السحر، منها النواميس والمخاريق، والتدخينات والتعافين، والمراقيد والإخفاءات، والطلسمات والنيرنجات وغير ذلك، وذكر بعضهم أنها تبلغ ثلاثين بابًا، وكلها من السحر. فأما النواميس فمعناها عندهم: إظهار العجائب والغرائب؛ كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، وقطع المسافة الطويلة في وقت يسير، والكلام على ما في الخواطر، ونحو ذلك مما تُعمله لهم الشياطين.

стр. 611

وأما المخاريق: فمعناها التخييلات والإيهامات بما لا حقيقة له. وأما التدخينات: فيعملونها للمخرقة على الناس، ولجمع الحيات، ولغير ذلك من السحر. وأما التعافين: فهي أشياء يدفنها الساحر حتى تتعفن، فيتمكن حينئذ من عمل السحر بها. وأما المراقيد: فهي أشياء يعملها السحرة للتنويم. وأما الإخفاءات: فهي أن يعمل الساحر أعمالًا يسحر بها الأبصار فلا تراه. وأما الطلسمات: فهي ضرب من التنجيم، ومعناها عندهم استنزال الروحانيات العلوية المنسوبة للكواكب. وأما النيرنجات: فهي الصرف والعطف؛ أعني عمل ما يحبب أو يبغض، وكذلك عمل ما يضر بالقلب أو البدن ونحو ذلك، فكل هذه من أعمال الشياطين، يعملونها لمن أطاعهم في معصية الله وأرضاهم بسخط الله. والكلام في حد الساحر وتوبته مبسوط بأدلته في كتب الأحكام فلا حاجة إلى ذكره ههنا، وإنما المقصود التحذير من تعلم السحر وتعليمه، وإتيان السحرة ونحوهم من الكهان والعرافين والمنجمين وتصديقهم فيما قالوه؛ لأن ذلك كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ . ونذكر ههنا أنواع السحر التي تعمل كثيرًا في هذه الأزمان؛ لتجتنب، ويُنكَر على فاعليها ومن يأتي إليهم ويصدقهم. فمن ذلك ما يسمى عندنا بالتقمير، وهو أن يسحر أعين الناظرين ثم

стр. 612

يخيل إليهم أشياء من العجائب والغرائب، مثل أن يريهم أنه يقطع بعض أعضائه أو أعضاء غيره ثم يردها إلى حالتها الأولى، ويريهم أنه يجرح نفسه جروحًا موحية يسيل منها الدم الكثير ثم تبرأ في الحال ولا يبقى لها أثر، ويريهم أنه يقطع رأس غيره ثم يرده في موضعه، ويريهم أنه يمشي على الماء ويدخل النار ويبتلع الجمر، ويدخل ويخرج من المنافذ الضيقة جدا وفي بطون الحيوانات، ويغرز العصا الدقيقة في الأرض ويرقى فوقها، وربما نكس نفسه عليها فكان رأسه مما يلي العصا ورجلاه من فوق، ويريهم الإنسان في صورة الحيوان، والحيوان في صورة الإنسان، والجماد في صورة المتحرك والمتحرك في صورة الساكن، ويريهم الشيء الكبير جدًا بغاية الصغر، والصغير جدًا بغاية الكبر، إلى غير ذلك من الإيهامات التي لا حقيقة لها في نفس الأمر، وإنما هي مخرقة وتخييل على العيون لا غير، وهذا من أخبث أنواع السحر، وهو سحر سحرة فرعون، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وروى البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه، عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه فعجبنًا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. ورواه أبو بكر الخلال، عن عبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل

стр. 613

يلعب، فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال: أراه كان ساحرًا. ورواه البيهقي في السنن الكبرى بسنده إلى الأسود، أن الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيقوم صارخًا، فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله، يحي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعب ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه، فأمر به الوليد دينارًا -صاحب السجن- فسجنه. وروي أبو الفرج الأصفهاني بإسناده أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج، فرآه جندب ﵁ فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحر في البقرة قال جندب: أتأتون السحر وأنتم تبصرون؟! ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر معها، فانذعر الناس، فحبسه الوليد وكتب بذلك إلى عثمان ﵁، وكان على السجن رجل نصراني، فلما رأى جندبًا يقوم الليل ويصبح صائمًا قال النصراني: والله إن قومًا هذا شرهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلًا ودخل الكوفة، فسأل عن أفضل أهلها؟ فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه فرآه ينام الليل ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل: أي أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة فقال: ربي رب جندب، وديني دين جندب، وأسلم. ومما يشبه هذا النوع من السحر في الصورة الظاهرة ما أحدثه شياطين الإنس في هذه الأزمان المتأخرة؛ وهي الآلة الخبيثة المعروفة بالسينما؛

стр. 614

لأن مبناها على التخييلات التي لا حقيقة لها في نفس الأمر، وقد قال الله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فأخبر أنهم سحروا أعين الناس؛ حتى خيلوا إليهم أن الحبال والعصي تسعى باختيارها وليست كذلك في نفس الأمر، وهكذا السينما إنما هي تخييلات إلى الناظرين بما ليس له حقيقة في نفس الأمر، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وهكذا أهل السينما يضعون فيها من التخييلات أشياء كثيرة تفزع الناظرين إليها وتسترهبهم، فمن ذلك أنهم يمثلون فيها ساحة القتال حين يلتقي الجمعان ويتقابل الصفان، فيتبارز الشجعان، ويتصاول الأقران، ويصيح بعضهم ببعض ثم يختلطون، فيتضاربون بالسيوف، ويتطاعنون بالرماح وأنواع الأسلحة، ويجندل بعضهم بعضًا مما بين قتيل وما بين جريح متضمخ بدمائه يئن مما به، ويمثلون فيها أيضا من التخييلات المكذوبة ما يدهش الناظرين؛ كالرجل يقتلع النخلة العظيمة فيحملها على عاتقه، وكالرجل يحمل الصخرة العظيمة التي لا يطيق حملها الجماعات من الناس، إلى غير ذلك من المخرقة والتمويه والشعوذة الهائلة التي لم يصل إليها سحر سحرة فرعون ولا غيرهم، ومن ذلك أنهم يمثلون فيها السحاب والبرق والرعد والصواعق ونزول المطر من السماء، وغير ذلك من الأشياء التي تعجز عنها القدرة البشرية. وبالجملة فينبغي عد السينما من أعظم فنون السحر التخييلي؛ لأن جميع ما يأتي به أهل السحر التخييلي يمكن الإتيان به فيها وزيادة، ولا يستريب

стр. 615

في تحريم اتخاذها والحضور عندها إلا جاهل غبي لا علم له بمدارك الأحكام، فأما من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان فإنه لا يشك في تحريم اتخاذها والحضور عندها؛ لأنها من السحر، ولعلل أخرى يأتي بيانها في ذكر الملاهي إن شاء الله تعالى. فإن قيل: إن السينما صناعة معروفة، ترسم فيها الصور، وأنواع المرئيات، ويسجل فيها الكلام وأنواع الأصوات، ويدار جميع ذلك بالآلات التي تبرز المرئيات للناظرين والأصوات للسامعين فليست من قبيل السحر. قيل: قد قدمنا أن السحر عبارة عما لطف مدركه وخفي سببه، ومعلوم أن مدارك السينما من ألطف المدارك، وأن الآلات التي تديرها خفية جدًا بحيث إن الحاضرين عندها إنما يرون الصور وأنواع المرئيات تمر عليهم ويسمعون الكلام وأنواع الأصوات تطرق سماعهم ولا يرون شيئا يدير ذلك ويأتي بما فيها ويذهب به، ولا ريب أن هذا من ألطف السحر، وقد عد بعض المفسرين في فنون السحر أشياء دون السينما بكثير. قال الرازي: النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصوروها ضاحكة وباكية -إلى أن قال-: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.

стр. 616

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يعني ما قاله بعض المفسرين أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقًا؛ فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. انتهى. وهذا النوع الذي ذكره الرازي في فنون السحر، وأقره الحافظ ابن كثير على ذلك، يعد كلا شيء بالنسبة إلى السينما، ولولا أن الناس قد عرفوا السينما حق المعرفة واعتادوا رؤيتها لكان رهبهم مما يرون فيها عظيمًا، ولكان شأنها عندهم فوق جميع فنون السحر، فالواجب على ولاة أمور المسلمين منع السفهاء من اتخاذها والحضور عندها، ومنع من في ولاياتهم من أهل الذمة من إظهارها. ومن السحر الفاشي في هذه الأزمان أيضا: الصرف والعطف. فالصرف: إيقاع العداوة والبغضاء بين المتحابين، وعقد الرجل عن امرأته، فلا يقدر على وطئها، وحبس الرجل عن التزوج بغير زوجته، والتفريق بين المرء وزوجه أو تبغيض أحدهما إلى الآخر ونحو ذلك. وقد روي أن امرأة جاءت إلى عائشة ﵂ فقالت: يا أم المؤمنين، ما على المرأة إذا عقلت بعيرها؟ فقالت عائشة ﵂ ولم تفهم مرادها: ليس عليها شيء، فقالت: إني عقلت زوجي عن النساء، فقالت عائشة ﵂: أخرجوا عني هذه الساحرة. وأما العطف: فهو التولة وما في معناها، وبعض أهل هذه الأزمان يسمى ذلك صرفًا أيضًا، وهذا النوع من السحر يكون بعقد يعقدها الساحر وينفث فيها، ويكون بالرقى الشركية، ويكون بأدوية توضع في طعام المسحور أو

стр. 617

شرابه أو يبخر بها أو تذر عليه، ويكون بغير ذلك مما تعمله الشياطين للسحرة، وكثيرًا ما يؤثر هذا السحر في العقول بالنقص والتغيير، وفي القلوب بالحب والبغض، وفي الأبدان بالسقم والألم، وربما آل بالمسحور إلى الهلاك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ومن هذا الباب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وكان السحر قد أثر في بدنه الشريف؛ حتى مرض منه أيامًا بأبي هو وأمي ونفسي صلوات الله وسلامه عليه، وأما قلبه وعقله فلم يصل إليهما السحر بل حماهما الله تعالى وصانهما، وما كان الله تعالى ليسلط السحرة والشياطين على قلب رسوله ومقر وحيه وتنزيله، هذا لا يكون أبدًا، وأما بدنه فهو عرضة للأسقام والآلام كسائر البشر، وذلك لا يحط من قدره شيئًا بل هو مما يزيده أجرًا وثوابًا يوم القيامة. وفي الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ . وفيهما أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا! قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال: «أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى؛ شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها». وفي سنن ابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخلت على

стр. 618

النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله، ما أشدها عليك! قال: «إِنّا كذلك يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلي بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». ورواه البخاري في (الأدب المفرد) بنحوه. ورواه الحاكم في مستدركه بنحوه، وعنده قال: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: «الأنبياء» قال: ثم من؟ قال: «العلماء» قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر؛ حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه. وروى الإمام أحمد، والدارمي، وأهل السنن إلا أبا داود، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان، والحاكم وقال: على شرط الشيخين، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه.

стр. 619

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُرُوُّهُ عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان. انتهى. ومن السحر الفاشي في هذه الأزمان أيضا: النشرة المحرمة؛ وهي حل السحر بسحر مثله، ومنه صب الرصاص المذاب في إناء فيه ماء على رأس المسحور ليزول عنه السحر بزعم بعضهم، أو لترتسم صورة الساحر في الرصاص كما يزعمه آخرون، وكل هذا من أفعال الشياطين. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود بإسناد جيد، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة، فقال: «هو من عمل الشيطان». وروى أبو نعيم في الحلية، من حديث شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن النشرة، فقال: ذكروا عن النبي ﷺ «إنها من عمل الشيطان». قال الخطابي رحمه الله تعالى: النشرة: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن به مس الجن، وقيل: سمي نشرة لأنه ينشر بها عنه، أي يحل عنه ما خامره من الداء، ثم روى بإسناده عن الحسن أنه قال: النشرة من السحر.

стр. 620

وذكر ابن الجوزي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز. وقال أيضًا: ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من حب الله معمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: «لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما» وكذلك قراءة آية الكرسي، فإنها مطردة للشيطان.

стр. 621

قلت: وكذلك فاتحة الكتاب، فإنها من أنجع الدواء، وقد رقى بها بعض الصحابة ﵃ لديغًا، فقام في الحال كأنما نشط من عقال، ولما أخبروا رسول الله ﷺ ضحك وقال: «وما يدريه أنها رقية؟». وفي سنن ابن ماجة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن أبيه أبي ليلي قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ جاءه أعرابي فقال: إن لي أخًا وجعًا، قال: «وما وجع أخيك؟» قال: به لمم، قال: «اذهب فأتني به» قال: فذهب فجاء به فأجلسه بين يديه، فسمعته عوَّذه بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسطها، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وآية الكرسي، وثلاث آيات من خاتمتها، وآية من آل عمران أحسبه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وآية من الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾، وآية من المؤمنين ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، وآية من الجن ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، فقام الأعرابي قد برأ ليس به بأس. فهذه الرقية من أنفع العلاج لمن أصيب بسحر أو جنون أو عين أو حُمّه أو غير ذلك من الأمراض. وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور، والآية التي في سورة يونس ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر الآيات الأربع، وقوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 622

صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. وهذه الرقى الجليلة يكون تأثيرها بحسب إيمان الراقي وتوجهه إلى الله تعالى وتعلق قلبه به، فكلما كان إيمانه أقوى، وتوجهه إلى الله أعظم كان أسرع لإجابة دعوته، وتيسير طلبته، وتأثير رقيته بإذن الله تعالى وحوله وقوته. وحيث إن الدين قد ضعف جانبه في هذه الأزمان وعاد غريبًا كما بدأ؛ صار الأكثرون لا يعبأون بالرقي القرآنية والأدعية النبوية، ولا يرونها تفيد شيئًا، وصاروا يعظمون السحرة والكهان والعرافين ويصدقونهم بالباطل، فإذا أصيب أحدهم بسحر أو غلبت عليه الأوهام والظنون أن به سحرًا بادر إلى إتيان السحرة والكهان والعرافين لعلهم أن يحلوا عنه السحر ولو بسحر مثله، أو يرقوه ولو بالرقى الشركية، أو يخبروه بموضع السحر ليخرجه، أو بمن سحره ليطالبه بحل سحره، وكذلك يفعل كثير من الناس إذا أصيب أحدهم بعين أو مس من الجن أو ظن أن به إصابة العين أو الجن، فإذا ذكر لهم أحد من الكهان أو العرافين ومن يتهم باستخدام الشياطين بادروا إلى إتيانهم لعلهم أن يرقوه، أو يخبروه بالعائن ونحوه، وهذا من مكر الشيطان وتلاعبه بهم، وقد تقدم قريبًا ذكر الأحاديث الواردة في ذم من أتى ساحرًا أو كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول. وروى الإمام أحمد، والطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة؛ مدمن الخمر، وقاطع الرحم، مصدق بالسحر …» الحديث.

стр. 623

وروى الإمام أحمد أيضًا، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة صاحب خمس؛ مدم خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم، ولا كاهن، ولا منان». وما أكثر من يأتيهم ويصدقهم بالباطل، ولا يبالي بالذم والوعيد على ذلك، فالله المستعان. ومن السحر أيضا: التنجيم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: التنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية وحركات النجوم على الحوادث. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرا في السلفيات، وأنها تتصرف على أحكامها وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاطٍ لعلم استأثر الله سبحانه به، لا يعلم الغيب أحد سواه. انتهى. وقد روى أبو نعيم في الحلية، عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى أنه قال: كذبوا والله، ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتبعون الكهنة، ويتخذون النجوم علة، ثم قرأ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].

стр. 624

وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: قال قتادة: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ خلق هذه النجوم لثلاث؛ جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها، فمن تأول بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): وصله عبد بن حميد، من طريق شيبان عنه به، وزاد في آخره: وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم، وهذه الدابة، وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب. انتهى. ورواه ابن أبي حاتم بنحوه، وزاد في آخره: وقضى الله أنه ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. ورواه الخطيب في كتاب (النجوم) وزاد في آخره: ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء. وقد أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره من رواية ابن أبي حاتم، ثم قال الحافظ: هو كلام جليل متين صحيح. انتهى. وقال الداودي: قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله: أخطأ وأضاع نصيبه؛ فإنه قصر في ذلك، بل قائل ذلك كافر.

стр. 625

وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: صناعة التنجيم والاستدلال بها على الحوادث محرم بإجماع المسلمين، وأخذ الأجرة على ذلك سحت، ويمنعون من الجلوس في الحوانيت والطرقات، ويمنع الناس أن يكرموهم، والقيام في منعهم عن ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله تعالى. انتهى. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر، والمنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» رواه رزين. وروى عبد بن حميد، عن رجاء بن حيوة، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة». وروى ابن عساكر عن أبي محجن الثقفي مرفوعًا نحوه. وروى أبو يعلي، وابن علي، والخطيب في كتاب (النجوم)، عن أنس ﵁ مرفوعًا: «أخاف على أمتي من بعدي خصلتين؛ تكذيبا بالقدر، وتصديقًا بالنجوم». إذا عرف هذا؛ فلا يخفى أن التنجيم كثير في هذه الأزمان، وكثيرًا ما ينشره أعداء الله في الإذاعات والصحف، فيصدق به الفئام من الناس

стр. 626

لجهلهم بتحريم ذلك، وأنه من الإيمان بالطاغوت والكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ . وكثيرًا ما يتفق المنجمون على حدوث أمر مستقبل، فيفضحهم الله ويبطل قولهم، ويجعل الأمر بعكس ما زعموه، ليعلم الجاهلون بحالهم أنهم كذبة متخرصون ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣]. وقد حدثني بعض قضاة المدينة النبوية أن المنجمين في الهند أجمعوا على أنه في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا يكون في المدينة ريح عاصف، وظلمة وصواعق، ومطر عظيم، وبرد كثير، فصدقهم الجهال بهذا الباطل وارتقبوا وقوع ذلك، فلما جاء اليوم الموعود كان الأمر فيه بعكس قول أعداء الله تعالى، فكانت الريح ساكنة لا تحرك شيئًا، وكان الجو صافيا جدًا ولم يكن غيم، ولا شيء مما زعموا وقوعه. قلت: وكذب المنجمين بنحو هذا كثيرا جدًا، وكله من التحكم على الغيب، والتعاطي لما استأثر الله به، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وما أحسن ما قيل: إني بأحكام النجوم مكذّب … ولمدّعيها لائمٌ ومؤنبُ الغيب يعلمه المهيمن وحده … وعن الخلائق أجمعين مغيّبُ

стр. 627

اللهُ يُعطي وهو يمنع قادرا … فمن المنجم ويحَهُ والكوكبُ وقال الخليل بن أحمد: أبلغا عني المنجم أني … كافر بالذي قضته الكواكب عالم أن ما يكون وما كا … ن قضاء من المهيمن واجب ومن السحر أيضا: العيافة والطرق والطيرة؛ لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، عن قطن بن قبيصة، عن بيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت». قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت؛ قال الحسن: إنه الشيطان. وقال أبو داود رحمه الله تعالى: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط، ثم روى عن عوف الأعرابي أنه قال: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض. وقال أبو عبيد رحمه الله تعالى: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وكان من عادة العرب كثيرًا. وقال ابن الأثير: الطرق: الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل. وذكر الخطابي رحمه الله تعالى عن ابن الأعرابي: أنَّ صورة الخط أنْ

стр. 628

يقعد الحازي، ويأمر غلامًا له بين يديه، فيخط خطوطًا على رمل أو تراب، ويكون ذلك منه في خفة وعجلة؛ كيلا يدركها العد والإحصاء، ثم يأمره فيمحوها خطين خطين وهو يقول: ابنَي عيان، أسرِعا البيان، فإن كان آخر ما يبقى منها خطين فهو آية النجاح، وإن بقي خط واحد فهو الخيبة والحرمان. وذكر أبو السعادات ابن الأثير عن الحربي أنه قال: الخط: هو أن يخط ثلاث خطوط ثم يضرب عليهم بشعير أو نوي ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة. انتهى. قلت: وأكثر من يستعمل الكهانة بالخط، والضرب بالحصى والودع ونحو ذلك في زماننا نساء البادية، وما أحسن قول لبيد بن ربيعه ﵁: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى … ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقال غيره: الزجر والطير والكهان كلهم … مضللون ودون الغيب أقفال وقال آخر، وهو تاج الدين الكندي ذكره عنه في دائرة المعارف: دَعْ المنجمَ يكبو في ضلالته … إن ادّعى علم ما يجري به الفلك تفرد الله بالعلم القديم فلا الـ … إنسان يشركه فيه ولا الملك والفلاسفة يسمون الخط: الرمل، ولعمله وصورته عندهم شكل آخر غير ما ذكره أئمة اللغة، فهم يجعلون للخط بيوتًا كثيرة، ويزعمون أنهم يعرفون بدلالتها السعود والنحوس، وما في الأرحام والضمائر، وغير ذلك من المغيبات.

стр. 629

وكل ذلك سحر وكهانة ورجم بالغيب، فمن أتى أحدًا منهم وصدقه بما يقول فهو ممن آمن بالجبت والطاغوت وكفر بما أنزل على محمد ﷺ . قال عمر ﵁، والشعبي، ومجاهد: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال محمد بن سيرين، ومكحول: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وقال سعيد بن جبير، وأبو العالية: الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن. وقال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم، والكاهن، والساحر، ونحو ذلك. وقال القاضي: الجبت في الأصل: الفسل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر لخساستها وعدم اعتبارها. ومن السحر أيضًا: المشي بالنميمة والإفساد بين الناس؛ لما رواه الإمام أحمد، ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أنبئكم ما العضه، هي النميمة القالة بين الناس». وروى البخاري في (الأدب المفرد)، والبيهقي في سننه، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما العضه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم». قال النووي رحمه الله تعالى: العَضْه بفتح العين المهملة وإسكان الضاد المعجمة وبالهاء على وزن الوَجْه، وروي العِضَه بكسر العين وفتح الضاد

стр. 630

المعجمة على وزن العِدَة، وهي الكذب والبهتان، وعلى الرواية الأولى العَضْة مصدر، يقال: عضهه عضهاً؛ أي رماه بالعضه. انتهى. قال أبو عبيد الهروي: ومنه الحديث أنه لعن العاضهة والمستعضهة، قيل: هي الساحرة والمستسحرة، وسمي السحر عضها؛ لأنه كذب وتخييل لا حقيقة له. انتهى. وروي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، قال: السحر. وقال عكرمة: العضه: السحر بلسان قريش. وأما القالة: فهي كثرة القول، وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكي للبعض عن البعض. قاله أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله تعالى. وإنما أطلق النبي ﷺ على النميمة اسم السحر لجامع بينها وبين السحر وهو الإفساد بين الناس؛ فكما أن الساحر يتوصل بسحره إلى إفساد ذات البين، فيفرق بين المرء وزوجه، ويوقع العداوة والبغضاء بين المتحابين، ويثير الخصومة والشقاق بين الناس، ويبث فيهم أنواع الشر والفساد؛ فكذلك النمام يتوصل بالنميمة إلى ما ذُكر وأكثر منه، فهو من هذه الحيثية شر من الساحر وأعظم منه ضررًا. وقد روى أبو نعيم في الحلية، عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى أنه قال: يفسد النمام في ساعة، ما لا يفسده الساحر في شهر. وذكر ابن عبد البر عنه أنه قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة.

стр. 631

وقال أبو الخطاب في (عيون المسائل): ومن جملة السحر المحرم السعي بين الناس بالنميمة والإفساد بينهم، وذلك شائع وعام في الناس. قال في الفروع: لأنه يقصد أذى الناس بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، فأشبه السحر، ولهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر وأكثر منه، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكن يقال: إن الساحر إنما كفر بوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله تأثير السحر ويعطى حكمه، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة. انتهى ملخصًا. إذا عرف هذا، فالنميمة من الكبائر؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى». وفي أخرى له: «وما يعذبان في كبيرة وإنه لكبير» وذكر تمام الحديث. وقد حكى الإجماع على تحريم النميمة كثير من الأئمة، وورد الوعيد الشديد للنمام، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٠،١١ - ١٦]. وفي الصحيحين وغيرهما عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات».

стр. 632

وفي رواية لمسلم: «نمام». قال أبو عبيد الهروي: القتات: هو النمام، يقال: قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه، وقيل: النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم، والقساس: الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها. وقال الراغب الأصفهاني: النم: إظهار الحديث بالوشاية، والنميمة: الوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة الخفيفة. وقال أبو السعادات ابن الأثير: النميمة: نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر. انتهى. وما أكثر المشائين بالنميمة، المفرقين بين الأحبة، الباغين للبرآء العيب والعنت، فيجب الإنكار عليهم، والتحذير من طاعتهم والإصغاء إليهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. ومن السحر أيضا: بعض البيان؛ وهو ما يخلب القلوب ويغلب على النفوس ويصرف الشيء عن وجهه، وهو كثير جدًا في هذه الأزمان، ومنه مذموم ومنه جائز كما سيأتي بيانه في كلام الأئمة. والدليل على أنه من السحر قول النبي ﷺ : «إن من البيان لسحرًا» رواه مالك، وأحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، من حديث عمار بن ياسر ﵁. ورواه الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والبخاري في (الأدب الفرد)،

стр. 633

والحاكم في مستدركه، من حديث ابن عباس ﵄. ورواه الإمام أحمد أيضا، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ورواه الإمام أحمد أيضا، من حديث معن بن يزيد، أو أبي معن ﵁. ورواه البخاري في (الأدب المفرد) والتاريخ، من حديث أبي يزيد، أو معن بن يزيد ﵁. ورواه أبو داود أيضا، من حديث بريدة ﵁، وعنده، فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله ﷺ ؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وقال أبو عبيد الهروي: أي منه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غير حق، وقيل: معناه أن من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره، فيكون في معرض الذم، ويجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنه يستمال به القلوب ويترضى به الساخط ويستنزل به الصعب. وقال أيضًا: البيان: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، قيل: معناه أن الرجل يكون عليه الحق وهو أقوم بحجته من خصمه فيقلب الحق ببيانه إلى نفسه؛ لأن معنى السحر قلب الشيء في عين الإنسان وليس بقلب الأعيان، ألا ترى أن البليغ يمدح إنسانًا حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه، ثم يذمه حتى يصرفها إلى بغضه. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: البيان اثنان:

стр. 634

أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان. والآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس، حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم. وقال أيضًا: اختلف الناس في هذا وفي تأويله. فقال بعضهم: وجهه أنه ذم التصنع في الكلام، والتكلف لتحسينه وتزويقه ليروق السامعين قوله ويستميل به قلوبهم، فيحيل الشيء عن ظاهره، ويزيله عن موضوعه إرادة التلبيس عليهم، فيصير ذلك بمنزلة السحر الذي هو -أو نوع منه- تخييل لما لا حقيقة له، وتوهيم لما ليس له محصول، والسحر منه مذموم، وكذلك المشبه به. وقال آخرون: بل القصد به مدح البيان، والحث على تخير الألفاظ والتأنق في الكلام. وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا طلب إليه حاجة -كان يتعذر عليه إسعافه بها- فرقق له الكلام فيها حتى استمال به قلبه، فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال. انتهى. والقول الأول أولى؛ لأن السحر مذموم، فكذلك ما شابهه من البيان المزوق.

стр. 635

والدليل على أنه للذم ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري رحمه الله تعالى في (الأدب المفرد) بإسناد جيد، من حديث ابن عمر ﵄ قال: قدم رجلان من المشرق خطيبان على عهد رسول الله ﷺ ، فقاما فتكلما ثم قعدا، وقام ثابت بن قيس خطيب رسول الله ﷺ فتكلم، فعجب الناس من كلامهما، فقام رسول الله ﷺ يخطب فقال: «يا أيها الناس قولوا قولكم، فإنما تشقيق الكلام من الشيطان» ثم قال رسول الله ﷺ : «إن من البيان سحرًا». وقال أبو موسى المديني: تشقيق الكلام: التطلب فيه ليخرجه أحسن مخرج. وروى الإمام أحمد أيضا، من حديث معاوية ﵁ مرفوعًا: «لعن الله الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر». قال المناوي في (شرح الجامع الصغير): الشعر بكسر الشين، وسكون العين؛ أي: يلوون ألسنتهم بألفاظ الخطبة يمينًا وشمالًا، ويتكلف فيها الكلام الموزون المسجع؛ حرصا على التفصح، واستعلاء على الغير تيهًا وكبرًا، يقال: تشقق في الكلام والخصومة إذا أخذ يمينا وشمالا وترك القصد وتصلف وتكلف ليخرج الكلام أحسن مخرج. انتهى. وروى البخاري في (الأدب المفرد) من حديث أنس ﵁ قال: خطب رجل عند عمر فأكثر الكلام، فقال عمر ﵁: إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان. الشقاشق: جمع شقشقة بكسر الشين، وهي ما يخرجه الجمل في فيه إذا
следующие страницы →