← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقال أبو الخطاب في (عيون المسائل): ومن جملة السحر المحرم السعي بين الناس بالنميمة والإفساد بينهم، وذلك شائع وعام في الناس. قال في الفروع: لأنه يقصد أذى الناس بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، فأشبه السحر، ولهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر وأكثر منه، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكن يقال: إن الساحر إنما كفر بوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله تأثير السحر ويعطى حكمه، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة. انتهى ملخصًا. إذا عرف هذا، فالنميمة من الكبائر؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى». وفي أخرى له: «وما يعذبان في كبيرة وإنه لكبير» وذكر تمام الحديث. وقد حكى الإجماع على تحريم النميمة كثير من الأئمة، وورد الوعيد الشديد للنمام، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٠،١١ - ١٦]. وفي الصحيحين وغيرهما عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات».

стр. 632

وفي رواية لمسلم: «نمام». قال أبو عبيد الهروي: القتات: هو النمام، يقال: قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه، وقيل: النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم، والقساس: الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها. وقال الراغب الأصفهاني: النم: إظهار الحديث بالوشاية، والنميمة: الوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة الخفيفة. وقال أبو السعادات ابن الأثير: النميمة: نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر. انتهى. وما أكثر المشائين بالنميمة، المفرقين بين الأحبة، الباغين للبرآء العيب والعنت، فيجب الإنكار عليهم، والتحذير من طاعتهم والإصغاء إليهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. ومن السحر أيضا: بعض البيان؛ وهو ما يخلب القلوب ويغلب على النفوس ويصرف الشيء عن وجهه، وهو كثير جدًا في هذه الأزمان، ومنه مذموم ومنه جائز كما سيأتي بيانه في كلام الأئمة. والدليل على أنه من السحر قول النبي ﷺ : «إن من البيان لسحرًا» رواه مالك، وأحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، من حديث عمار بن ياسر ﵁. ورواه الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والبخاري في (الأدب الفرد)،

стр. 633

والحاكم في مستدركه، من حديث ابن عباس ﵄. ورواه الإمام أحمد أيضا، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ورواه الإمام أحمد أيضا، من حديث معن بن يزيد، أو أبي معن ﵁. ورواه البخاري في (الأدب المفرد) والتاريخ، من حديث أبي يزيد، أو معن بن يزيد ﵁. ورواه أبو داود أيضا، من حديث بريدة ﵁، وعنده، فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله ﷺ ؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وقال أبو عبيد الهروي: أي منه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غير حق، وقيل: معناه أن من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره، فيكون في معرض الذم، ويجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنه يستمال به القلوب ويترضى به الساخط ويستنزل به الصعب. وقال أيضًا: البيان: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، قيل: معناه أن الرجل يكون عليه الحق وهو أقوم بحجته من خصمه فيقلب الحق ببيانه إلى نفسه؛ لأن معنى السحر قلب الشيء في عين الإنسان وليس بقلب الأعيان، ألا ترى أن البليغ يمدح إنسانًا حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه، ثم يذمه حتى يصرفها إلى بغضه. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: البيان اثنان:

стр. 634

أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان. والآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس، حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم. وقال أيضًا: اختلف الناس في هذا وفي تأويله. فقال بعضهم: وجهه أنه ذم التصنع في الكلام، والتكلف لتحسينه وتزويقه ليروق السامعين قوله ويستميل به قلوبهم، فيحيل الشيء عن ظاهره، ويزيله عن موضوعه إرادة التلبيس عليهم، فيصير ذلك بمنزلة السحر الذي هو -أو نوع منه- تخييل لما لا حقيقة له، وتوهيم لما ليس له محصول، والسحر منه مذموم، وكذلك المشبه به. وقال آخرون: بل القصد به مدح البيان، والحث على تخير الألفاظ والتأنق في الكلام. وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا طلب إليه حاجة -كان يتعذر عليه إسعافه بها- فرقق له الكلام فيها حتى استمال به قلبه، فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال. انتهى. والقول الأول أولى؛ لأن السحر مذموم، فكذلك ما شابهه من البيان المزوق.

стр. 635

والدليل على أنه للذم ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري رحمه الله تعالى في (الأدب المفرد) بإسناد جيد، من حديث ابن عمر ﵄ قال: قدم رجلان من المشرق خطيبان على عهد رسول الله ﷺ ، فقاما فتكلما ثم قعدا، وقام ثابت بن قيس خطيب رسول الله ﷺ فتكلم، فعجب الناس من كلامهما، فقام رسول الله ﷺ يخطب فقال: «يا أيها الناس قولوا قولكم، فإنما تشقيق الكلام من الشيطان» ثم قال رسول الله ﷺ : «إن من البيان سحرًا». وقال أبو موسى المديني: تشقيق الكلام: التطلب فيه ليخرجه أحسن مخرج. وروى الإمام أحمد أيضا، من حديث معاوية ﵁ مرفوعًا: «لعن الله الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر». قال المناوي في (شرح الجامع الصغير): الشعر بكسر الشين، وسكون العين؛ أي: يلوون ألسنتهم بألفاظ الخطبة يمينًا وشمالًا، ويتكلف فيها الكلام الموزون المسجع؛ حرصا على التفصح، واستعلاء على الغير تيهًا وكبرًا، يقال: تشقق في الكلام والخصومة إذا أخذ يمينا وشمالا وترك القصد وتصلف وتكلف ليخرج الكلام أحسن مخرج. انتهى. وروى البخاري في (الأدب المفرد) من حديث أنس ﵁ قال: خطب رجل عند عمر فأكثر الكلام، فقال عمر ﵁: إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان. الشقاشق: جمع شقشقة بكسر الشين، وهي ما يخرجه الجمل في فيه إذا

стр. 636

هاج كالرئة. قال أبو عبيد الهروي: الشقشقة: الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربي من جوفه ينفخ فيها فتظهر من شدقه، ولا تكون إلا للعربي، شبه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، ونسبها إلى الشيطان لما يدخل فيه من الكذب والباطل، وكونه لا يبالي بما قال. ومما يدل أيضا على أنه للذم قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال: وفي الباب عن سعد ﵁. قال أبو السعادات ابن الأثير: هو الذي يتشدق في الكلام، ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًا. انتهى. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلَّم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً» رواه أبو داود. وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الحياء والعِيُّ شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق» رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. قال الترمذي رحمه الله تعالى: العيّ قلة الكلام، والبذاء هو الفحش في

стр. 637

الكلام، والبيان هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيتوسعون في الكلام ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله. انتهى. فهذا ونحوه من تكلف الفصاحة بالثرثرة، والتشدق، ومدح الناس وذمهم هو البيان المذموم، وهو الغالب على خطباء زماننا، والمتأكلين فيه بألسنتهم وأقلامهم. وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويرغب فيه، ويبطل الباطل ويبينه وينفر منه فهو ممدوح مرغب فيه، وليس من السحر في شيء، وإنما السحر ما قصد به الباطل، وما اجتلبت به الأمور الدنيوية، والله أعلم. وقد تقدم في أول الكتاب حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها» رواه الإمام أحمد، وأشار إليه الترمذي في جامعه. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ لكونه ﷺ أخبر عما سيقع في آخر الزمان، فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، وقد كثر هذا الضرب من الناس في زماننا، ودخل معهم كثير من المنتسبين إلى العلم والأدب، ولهم في تحصيل الحطام طرق شتى، فمنهم من يستعمل بلاغته وبيانه في الخطابة بين يدي الملوك والأكابر؛ فيتكلف الفصاحة وتحسين الكلام وتزويقه، ويتشدق فيه ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًا، وأكثرهم لا يتقيد بالجائز من الكلام، بل يتعدى إلى المنهي عنه من إطراء الملوك والرؤساء ومدحهم بما ليس فيهم، وربما تعدَّى بعضهم

стр. 638

إلى تشريكهم بالله تعالى فيما هو من خصائص الربوبية والألوهية، وقد رأينا وسمعنا وبلغنا من ذلك الشيء الكثير. ومنهم من يتأكل بشعره، ومنهم من يتأكل بما ينشره في الجرائد والمجلات ومقدمات الكتب؛ من مدح الملوك والأكابر، وكلما زادوه قليلاً من حطام الدنيا زاد في إطرائهم ومدحهم بما ليس فيهم. ومنهم من ينشر الطعن والسباب في الجرائد والمجلات، لعله أن يعطى لاتقاء شره، ومنهم من يتأكل بتصنيف الكتب في مدح الملوك وإطرائهم وتمجيدهم بما ليس فيهم، لعله أن يحظى بذلك عندهم ويحصل له الجاه والمال وغير ذلك من المآرب الدنيوية بسببهم، إلى غير ذلك من طرق المآكل وتحصيل الحطام بالتشدق والبلاغة وسحر البيان، فالله المستعان.

стр. 639

فصل ومن أعظم المنكرات التي فشت في المسلمين -فانثلم بذلك الإسلام وازداد غربة وضعفًا- تضييع الصلاة، والتهاون بالجُمع والجماعات، فكثير من المنتسبين إلى الإسلام عن صلاتهم ساهون، وبها متهاونون، فبعضهم يتركها بالكلية، وبعضهم يصلي بعضًا ويترك بعضًا، وبعضهم يجمع صلاة الأسبوع ونحوه ثم ينقرها جميعًا، وبعضهم يصلي الجمعة ويترك ما سواها، وكل هذا كفر كما تقدم تقرير ذلك بأدلته من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃. وكثير من المصلين يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو إلى آخر وقتها، ولا يبالون بتأخيرها، وسواء عندهم الصلاة في أول الوقت أو في آخره أو بعده، وهذا الفعل الذميم كثير جدًا في القراء الفسقة، وفي أرباب الوظائف والأعمال الدنيوية، فترى كثيرًا منهم يثابرون على الأعمال الدنيوية ويحافظون على الأوقات المقررة لها ولو كان في ذلك تفويت الصلاة عن وقتها، أو تأخيرها إلى آخر وقتها، وإذا جاء وقت الصلاة وكانوا في عمل من أعمالهم جعلوا ذلك العمل عذرًا لهم في تأخير الصلاة وعدم حضور الجماعة، وإن لم يكونوا في عمل حضرهم حينئذ النوم والكسل وأنواع الشواغل المثبطة، وربما تمارضوا من غير مرض، حتى إذا ما جاء وقت عمل من أعمالهم الدنيوية -في أي وقت كان من ليل أو نهار- قاموا إليه بجد ونشاط ورغبة صادقة، وقطعوا كل شاغل يشغلهم عنه؛ ولو كان من

стр. 640

أحب الأشياء إليهم، وكذلك العاكفون على أنواع اللهو واللعب وما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ مثل الراديو والسينما والكرة والجنجفة والكيرم وغيرها من أنواع الميسر والملاهي هم من أكثر الناس تهاونًا بالصلاة، وتضييعًا للأوقات، وتخلفًا عن الجماعات، وغفلة عن ذكر الله تعالى وشكره، وهذا عين النفاق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾. وفي الموطأ، والمسند، وصحيح مسلم، والسنن إلا ابن ماجة، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» هذا لفظ مسلم، والترمذي، والنسائي. ولفظ مالك، وأبي داود: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين؛ يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا». ورواه الإمام أحمد بنحوه. وفي رواية لأحمد، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بصلاة المنافق؟ يدع العصر حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام فنقرها نقرات الديك لا

стр. 641

يذكر الله فيها إلا قليلًا». وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بصلاة المنافق؟ أن يؤخر العصر حتى إذا كانت الشمس كثرب البقرة صلاها» رواه الدارقطني في سننه، والحاكم في مستدركه. قوله: «كثرب البقرة» يعني: صفراء، قد تفرق ضوأها (١) على وجه الأرض، والثرب: هو الشحم الرقيق الذي يغشي الكرش والأمعاء، شبه به نور الشمس إذا اصفر وصار في موضع دون موضع. وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». وفي رواية: «ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينا لشهدها؛ يعني صلاة العشاء» هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». قال أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: «مرماة» ما بين ظلف الشاة من اللحم. وقال أبو عبيد الهروي: «المرماة» لف الشاة، وقيل: ما بين ظلفيها،

стр. 642

وتكسر ميمه وتفتح. وقال أيضًا: «العرق» بالسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. انتهى. وفي سنن أبي داود، والنسائي، عن أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول لله ﷺ يومًا الصبح فقال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب». وفي الموطأ، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما» أو نحو هذا. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض. رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن إلا الترمذي. وقال أبو الدرداء: لأنا أعلم بشراركم من البيطار بالخيل، هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبرا، ولا يسمعون القرآن إلا هجرًا. رواه الإمام أحمد في (الزهد)، وأبو نعيم في الحلية. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ابن آدم، أي دينك يعز عليك إذا هانت عليك صلواتك، وإذا هانت عليك صلواتك فهي على الله أهون. رواه الإمام أحمد في (الزهد). وقد ورد الوعيد الشديد لمن يتهاون بالصلاة ويؤخرها عن أوقاتها؛ قال

стр. 643

الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. قال ابن مسعود، والقاسم بن مخيمرة، وإبراهيم، وعمر بن عبد العزيز: إضاعتها؛ تأخيرها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فسر الصحابة والتابعون إضاعتها بتفويت وقتها، والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها، وترك وقتها، وترك واجباتها وأركانها. انتهى. وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من ترك الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاص لله، وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر، وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه، واعتقاد ترك العود إليه. انتهى. وقد اختلف في معنى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: فقيل: عذابًا. قال الراغب الأصفهاني: سماه الغي لما كان الغي هو سببه، وذلك كتسمية الشيء بما هو سببه، قيل: معناه فسوف يلقون أثر الغي وثمرته. انتهى. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: خسرانا، وهذا قول الضحاك. وقال قتادة: شرًا.

стр. 644

وقيل: هلاكًا. وقيل: نهر في جهنم. وقيل: واد في جهنم. رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وأبي أمامة الباهلي وعائشة وأبي عياض وشفي بن ماتع وعطاء وكعب، وهذا القول يجمع الأقوال؛ لأن دخول جهنم هو غاية العذاب الأليم، ونهاية الخسران المبين، ومنتهى الشر والهلاك، عياذًا بالله من ذلك. قال البغوي في تفسيره: قال وهب: الغي؛ نهر في جهنم، بعيد قعره خبيث طعمه. وقال ابن عباس ﵄: الغي؛ واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أُعد للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولدًا. وقال عطاء: الغي؛ واد في جهنم يسيل قيحًا ودمًا. وقال كعب: هو واد في جهنم، أبعدها قعرًا، وأشدها حرًا، فيه بئر تسمى البهيم، كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتسعر بها جهنم. قلت: وذكر البخاري في (التاريخ الكبير) عن عائشة ﵂ ﴿غَيًّا﴾: نهر في جهنم. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: قال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.

стр. 645

قلت: وقد رواه الحاكم في مستدركه، من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁ في قوله : ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: نهر في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وروى ابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غيٍّ وأثام» قال: قلت: ما غي وأثام؟ قال: «بئران في أسفل جهم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقوله في الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]». قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا حديث غريب، ورفعه منكر. انتهى. وروى محمد بن نصر، والبغوي في تفسيره، كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشيم بن بشير، أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي ﵁ يقول: «إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال: صخرة تهوي، عِظمها كعشر عشروات سمان» فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غي وأثام. وقال أيوب بن بشير، عن شفي بن ماتع قال: إن في جهنم واديًا يسمى

стр. 646

غيا، يسيل دمًا وقيحًا، فهو لمن خلق له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ؛ شرّابين للقهوات -يعني الخمور- ترّاكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرّطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات، ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. ومن الوعيد الشديد للمتهاونين بالصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قال أبو السعادات ابن الأثير: السهو في الشيء تركه عن غير علم، والسهو عنه تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. انتهى. ولهذا قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل: في صلاتهم ساهون. وتقرير كلامه رحمه الله تعالى: إن السهو عن الصلاة هو إضاعتها مع العلم، وذلك مما يؤاخذ به العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. وأما السهو في الصلاة فإنما يصدر عن غير علم وقصد، وذلك معفو عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، ولقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وثبت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ -

стр. 647

«أن الله تعالى قال: نعم»، ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ «أن الله تعالى قال: قد فعلت». وفي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن حبان، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وأيضًا فالسهو عن الصلاة إنما يصدر عن نفاق، وقلة رغبة في العبادة، وأما السهو في الصلاة فإنه يصدر عن النسيان، وهو مما تتقاضاه الطباع البشرية، وقد طرأ على سيد المرسلين مرارًا -صلوات الله وسلامه عليه- وقال: «إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» الحديث، وشتان ما بين السهوين، والله أعلم. وفي ورود الوعيد خاصًا باللذين يتكاسلون عن الصلاة المكتوبة ويتهاونون بها دون أهل الخطأ والنسيان نعمة عظيمة على المؤمنين يجب شكرها، والله الموفق. وقد اختلف السلف في معنى السهو عن الصلاة: فقيل: هو تركها بالكلية. قال ابن عباس ﵄: هم المنافقون، يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا. وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب

стр. 648

القرظي عن قوله: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هو تاركها. وقال قتادة: ساهٍ عنها لا يبالي صلى أم لم يصل. وقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياء، وإن فاتته لم يندم. وقيل: هو إضاعة الوقت. قاله سعد بن أبي وقاص ﵁، وأبو العالية، ومسروق، وأبو الضحى. قال حماد بن زيد: حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أينا لا يسهو، أينا لا يحدث نفسه؟! قال: إنه ليس ذاك، ولكنه إضاعة الوقت. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي، وابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي، والبغوي، كلهم من حديث عكرمة بن إبراهيم الأزدي، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم. انتهى. وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها وسجودها. وقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت. قلت: وظاهر الآية العموم؛ فيدخل في ذلك من ترك الصلاة بالكلية، ومن فرط في وقتها، ومن تغافل عنها وتهاون بها، ومن لم يتمها على الوجه

стр. 649

المشروع. وقد قرر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ قال: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعًا فيخرجها عن وقتها بالكلية، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها؛ فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي. انتهى. وأما الويل، فقال أبو موسى المديني: هو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل. وقال ابن كثير: الويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل؛ صديد في أصل جهنم. وقال عطاء بن يسار: الويل وادٍ في جهنم، لو سُيِّرت فيه الجبال لماعت. وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره». وفي رواية بعضهم: «أربعين خريفًا» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.

стр. 650

ومن الوعيد للمتهاونين بالصلاة ما جاء في صحيح البخاري، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق -فذكر الحديث بطوله وفيه- أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة». وروى ابن جرير وغيره، عن أبي هريرة ﵁ حديث الإسراء بالنبي ﷺ وفيه: «ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة». ومن الوعيد أيضا للمتهاونين بالصلاة ما رواه الإمام أحمد، وابنه عبد الله، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، والآجري في كتاب (الشريعة) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومَن

стр. 651

لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، ويأتي يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف». قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر؛ لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة؛ وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسة من وزارة أو غيرها فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. انتهى. وروى مالك، وأحمد، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة». ورواه الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، عن عبادة ﵁ قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، فأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه». وروى أبو داود أيضًا، وابن ماجة عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 652

- ﷺ : «قال الله : إني فرضت على أمتك خمس صلوات وعهدت عندي عهدًا أنه من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي». وروى الإمام مالك في (الموطأ) أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وروى أبو نعيم في الحلية، من طريق الأوزاعي قال: كتب عمر -يعني ابن عبد العزيز- إلى عماله: اجتنبوا الاشتغال عند حضرة الصلاة، فمن أضاعها فهو لما سواها من شعائر الإسلام أشد تضييعًا. وفي الصحيحين، و (الموطأ)، والمسند، والسنن، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتر أهله وماله». وفي مسند الإمام الشافعي بإسناد صحيح، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله». قال البخاري رحمه الله تعالى: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾؛ وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً، أو أخذت له مالاً. وذكر النووي عن مالك ﵀ أنه قال: معناه: انتزع منه أهله وماله. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: معنى وتر: أي نقص أو سلب فبقي وترا فردا بلا أهل ولا مال، يريد: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. انتهى.

стр. 653

وتقدم كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا المعنى مع الأحاديث في حكم تارك الصلاة. وروى الترمذي، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والحاكم في مستدركه، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من جمع بين الصلاة من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر». وروى ابن أبي حاتم أيضا، عن أبي قتادة العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر ﵁: من الكبائر جمع بين الصلاتين؛ يعني من غير عذر، والفرار من الزحف، والنهبة. وروى أبو داود، وابن ماجة، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة؛ الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، والرجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا؛ يعني بعدما يفوته الوقت، ومن اعتبد محررًا». وما أكثر من لا يأتي الصلاة إلا دبارًا في زماننا، ولا سيما في صلاة الفجر، فإن كثيرًا من المتهاونين بالصلاة لا يصلونها إلا بعد ارتفاع الشمس، وهذا آية النفاق؛ لقول النبي ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر …» الحديث. وقد تقدم في حكم تارك الصلاة ما ذكره ابن حزم، والحافظ عبد الحق الإشبيلي، عن جملة من الصحابة، وجمع من الأئمة بعدهم: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر، ولا يبعد أن يكون

стр. 654

هؤلاء الذين يعتادون النوم عن صلاة الصبح حتى تطلع الشمس من المتعمدين للتأخير، فيدخلون في حكم المرتدين، والله أعلم. وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، عن جندب بن عبد الله بن سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» هذا لفظ مسلم. ولفظ الترمذي: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته». وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة الصبح فله ذمة الله، فلا تخفروا الله ذمته، فإنه من أخفر ذمته طلبه الله حتى يكبه على وجهه». وفي سنن ابن ماجة، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في عهده، فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه». وله أيضا عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله ». ورواه الإمام أحمد في مسنده ولفظه قال: «من صلى الغداة فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله ﵎ في ذمته». وفي جامع الترمذي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من

стр. 655

صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يتبعنكم الله بشيء من ذمته» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن جندب، وابن عمر ﵃. فدلت هذه الأحاديث على أن من تهاون بصلاة الفجر وأخرها عن وقتها فليست له ذمة الله، وهذا يشعر بخروجه من الإسلام؛ لأن كل مسلم له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ كما في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم؛ الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» رواه البخاري. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: «ليس في النوم تفريط» وفي الحديث الآخر: «رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- النائم حتى يستيقظ» فدل هذا على أن النائم عن صلاة الصبح وغيرها لا يأثم، ولا يؤاخذ به. قيل: ليس في هذا -بحمد الله تعالى- حجة لأهل الكسل، والتهاون بالصلاة، وبيان ذلك من وجهين: أحدهما: أن النائم لا يخلو إما أن يكون من أهل المحافظة على الصلاة والاهتمام بها، وإيثارها على النوم وغيره من أغراض النفس وشهواتها. وإما أن يكون من أهل السهو عنها والتهاون بها والتضييع لأوقتها. فالقسم الأول إذا غلب أحدهم النوم عنها في بعض الأحيان ولم يكن عنده من يوقظه فهو معذور وليس في نومه تفريط، والدليل على هذا ما

стр. 656

جرى على النبي ﷺ وأصحابه ﵃ في بعض أسفارهم من النوم عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وكان النبي ﷺ أمر بلالاً أن يكلأ لهم الليل ويوقظهم للصلاة، فغلبه النوم، وفي القصة أن النبي ﷺ فزع حين استيقظ وكذلك أصحابه قاموا فزعين، وقال بعضهم لبعضهم: قد فرطنا في صلاتنا، فقال النبي ﷺ : «إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة». وهكذا حال أتباعهم المحافظين على الصلاة إذا غلب أحدهم النوم عن صلاته قام فزعًا مغتمًا حزينًا على فوات الوقت، يرى أن نومه عن الصلاة مصيبة من المصائب، وهذا بخلاف حال أهل الكسل والإضاعة والتهاون بالصلاة، فإنهم يغضبون إذا أوقظوا للصلاة في وقتها، ويشق ذلك عليهم، ويكرهونه أشد الكراهة، وربما كلح أحدهم في وجه والديه إذا أيقظاه، وواجههما بالقول السيء، فيجمع بين جرمين عظيمين؛ أحدهما: التهاون بالصلاة، وثانيهما: عقوق الوالدين، ويشتم غير والديه، ويسبهم ويزجرهم عن التعرض لإيقاظه، وقلَّ أن يقوم أحدهم إلى الصلاة إذا أُوقظ لها، بل يعود إلى مضجعه حتى تشبع نفسه الخبيثة من النوم، وهذا الضرب إذا لم يخش أحدهم من التأديب على التخلف عن الصلاة لم يقم إليها في الوقت إلا نادرًا، ولا سيما في صلاة الصبح، ومن كانت هذه حاله فلا شك أنه مفرط في حال يقظته ونومه، وكيف لا يكون مفرطًا من يُمضي أكثر ليله في أشغال دنياه، أو في أشغال دنيا غيره، أو في البطالة والقيل والقال والعكوف على الملاهي وما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإذا أقبل وقت الصلاة نام ولم يبال بها، وهذا هو التفريط بعينه، والدليل على أن هؤلاء

стр. 657

غير معذورين بنومهم عن الصلاة قول النبي ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» الحديث، فلو كان للمتهاون بالصلاة أدنى عذر لعذرهم النبي ﷺ ولم يهم بتحريق بيوتهم عليهم. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء الآخرة، والحديث بعدها، وينهى عنه، كما في الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ : «كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها». وقال أبو داود في سننه: باب النهي عن السمر بعد العشاء: حدثنا مسدد، أخبرنا يحيي، عن عوف قال: حدثني أبو المنهال، عن أبي برزة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ينهى عن النوم قبلها، والحديث بعدها» إسناده صحيح. وقد خرج البخاري رحمه الله تعالى بهذا الإسناد بعينه حديث أبي برزة مطولاً في باب ما يكره من السمر بعد العشاء. وقد رواه الإمام أحمد، عن وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي المنهال، عن أبي برزة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها» إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني في معجمه الصغير، من طريق سوار بن عبد الله القاضي، عن أبي المنهال، عن أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى عن

стр. 658

النوم قبل العشاء والحديث بعدها». وروى الطبراني في معجمه الكبير، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ «نهى عن النوم قبل العشاء، وعن الحديث بعدها». وقال ابن ماجة في سننه: باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء، وعن الحديث بعدها، ساق فيه ثلاثة أحاديث. أحدها: حديث أبي برزة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يكره النوم قبلها والحديث بعدها». وثانيها: عن عائشة ﵂ قالت: «ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء ولا سمر بعدها». وثالثها: من طريق محمد بن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء» قال ابن ماجة: يعني زجرنا، إسناده كلهم ثقات. وقد رواه الإمام أحمد، من طريق خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «جدب إلينا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء» قال خالد: معنى «جدب إلينا» يقول عابه وذمه. ورواه الإمام أحمد أيضًا، عن وكيع، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يجدب لنا السمر بعد العشاء». وروى الإمام أحمد أيضا، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا سمر بعد الصلاة -يعني العشاء الآخرة- إلا لأحد رجلين: مصل أو مسافر» ورواه أبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وذكر الترمذي

стр. 659

في جامعة تعليقًا. وروى الحافظ ضياء الدين المقدسي في (الأحكام)، من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «لا سمر إلا الثلاثة: مصل، أو مسافر، أو عروس». وذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب الناس على ذلك ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره؟! قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة، وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل. انتهى. وإذا تقرر أن علة النهي عن السمر بعد العشاء الآخرة كونه مظنة لترك قيام الليل، وتفويت صلاة الفجر عن وقتها، فلا ريب أن مرتكب النهي من غير عذر شرعي لا يكون معذورًا بنومه عن الصلاة؛ لأن سمره معصية، ونومه عن الصلاة تفريط ظاهر، والله أعلم. فإن قيل: إن النبي ﷺ كان يسمر هو وأبو بكر وعمر ﵄ في الأمر من أمور المسلمين، وكان يتحدث مع أهله بعد العشاء الآخرة؛ فدل على أن في الأمر سعة. قيل: التوسع في هذا مقيد بما قام الدليل على جوازه، وما عداه يبقى

стр. 660

على أصل العموم في النهي والكراهة؛ فمن الجائز سمر ولي الأمر مع خاصته في الأمر من أمور المسلمين لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا معهما» رواه الإمام أحمد، والترمذي وقال: حديث حسن، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأوس بن حذيفة، وعمران بن حصين. وفي ذلك محادثة الرجل أهله قليلاً قبل أن يرقد؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ «تحدث مع أهله ساعة ثم رقد». ومن ذلك تقديم القِرى للضيف، ومحادثته قليلاً؛ لقصة أبي بكر الصديق ﵁ مع أضيافة؛ وهي في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄. ومن ذلك تعلم العلوم الشرعية وتعليمها والمذاكرة فيها؛ لحديث أنس، وعبد الله بن عمر ﵃ في خطبة النبي ﷺ بعد العشاء الآخرة وهما في الصحيحين. ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يخرج من الليل فيطوف بالمدينة. رواه الإمام مالك، وابن إسحاق في السيرة. قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء الآخرة؛ فكره قوم منهم السمر بعد صلاة العشاء، ورخص بعضهم إذا كان في معنى العلم،

стр. 661

وما لابد منه من الحوائج، وأكثر الأحاديث على الرخصة؛ يعني فيما ذكر. وقال النووي: اتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير. وقال في رياض الصالحين: باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة، والمراد به الحديث الذي يكون مباحًا في غير هذا الوقت وفعله وتركه سواء، فأما الحديث المحرم أو المكروه في غير هذا الوقت فهو في هذا الوقت أشد تحريمًا وكراهة، وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف، ومع طالب حاجة ونحو ذلك، فلا كراهة فيه بل هو مستحب، وكذا الحديث لعذر وعارض لا كراهة فيه. انتهى. إذا تقرر هذا فينبغي أن يراعى في السمر الجائز ما كان النبي ﷺ يفعله هو وأصحابه ﵃، فإنهم لم يكونوا يتخذون السمر عادة مستمرة كما يفعله أهل الغفلة والبطالة وأهل الجشع والحرص على جمع المال، وإنما كانوا يسمرون في الحين بعد الحين بقدر الحاجة اللازمة، ولم يكونوا يسمرون سمرًا طويلاً يفوت عليه بسببه شيء من قيام الليل؛ فضلاً أن يضيعوا صلاة الصبح ويؤخروها إلى أن ترتفع الشمس كما يفعله كثير من السمار في هذه الأزمان، فالله المستعان. ومما لا ريب في تحريمه سمر كثير من الناس على الأمور المحرمة، فبعضهم على الوقيعة في المسلمين بالبهتان والغيبة، والسب والسخرية والاستهزاء، وما في معنى ذلك من انتهاك الأعراض المحرمة ظلمًا وعدوانًا.

стр. 662

وبعضهم على اللعب بالجنجفة والمقامرة بها، وكذلك اللعب بالكيرم ونحوه، وبعضهم على اللعب بالكرة والمقامرة بها والقمار من الميسر، وبعضهم يعكف على الراديو طول ليله أو أكثره يستمع إلى الغناء وأصوات النساء ونغماتهن، وأنواع المزامير والمعازف، أو إلى الاستهزاء بالقرآن والترجيع به كما يرجع بالغناء والرهبانية والنوح، أو إلى أنواع الخلاعة والمجون وما يدعو إلى الفسوق والعصيان وارتكاب الإثم والفجور، أو إلى الأضاحيك المهزولة والقصص والأحاديث المكذوبة، وقيل وقال وزعموا، وغير ذلك من المنكرات التي مدارها على الصد عن سبيل الله، وبعضهم يسمر الليل كله أو أكثره عند السينما ليشاهد ما فيها من التخييلات السحرية التي هي أعظم من الخمر والميسر في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات التي يسمر عليها أهل الغفلة والبطالة، ويضيعون من أجلها الصلاة المكتوبة وربما تركوها بالكلية، فالله المستعان على زمان كثرت فيه الفتن، وفشت فيه المنكرات وظهرت، وضعف فيه جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتدت غربة الإسلام والإيمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 663

فصل وكما أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر؛ فكذلك تقديمها على الوقت لا يجوز؛ لأن دخول الوقت شرط من شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: مفروضا في الأوقات. قال ابن مسعود، وابن عباس ﵃: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج. قال ابن كثير: وكذا روي عن مجاهد، وسالم بن عبد الله، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، والحسن، ومقاتل، والسدي، وعطية العوفي. انتهى. وكما أنه لا يجوز الحج قبل وقته، ولا صيام رمضان قبل دخول شهره، فكذلك الصلاة المفروضة لا تجوز قبل دخول وقتها، ومن صلى قبل الوقت فلا صلاة له سوى من يجوز له الجمع بين الظهرين وبين العشاءين؛ لأن وقتي المجموعتين يصير في حقه كالوقت الواحد فيجوز له تقديم العصر مع الظهر، وتقديم العشاء مع المغرب إذا كان التقديم أرفق به، كما يجوز تأخير الظهر مع العصر، وتأخير المغرب مع العشاء إذا كان التأخير أرفق به، وأما تقديم الفجر والظهر والمغرب على أوقاتهن فلا يجوز مطلقًا لا لمعذور ولا لغير معذور، وإذا عرف هذا فكثير من الجهال واقعون في تقديم الصلاة على وقتها؛ ولا سيما النساء، فقد ذكر لنا أن كثيرًا منهن يصلين الفجر قبل طلوع الفجر، وربما صلى بعضهن العشاء قبل غيبوبة

стр. 664

الشفق من غير عذر، وذكر لنا أيضًا عن كثير من الجهال -من أئمة المساجد وغيرهم- أنهم يصلون الفجر قبل طلوع الفجر، وعن بعضهم أنهم يصلون العشاء في رمضان قبل غيبوبة الشفق؛ حرصا على تعجيل الفراغ من صلاة التراويح، وكل هذا جهل وضلال يجب على كل عالم به إنكاره بحسب قدرته، وتعليم الواقعين فيه بما يجب عليهم من انتظار دخول الوقت، وأن من صلى قبل دخوله فلا صلاة له؛ لتركه شرطًا من شروط الصلاة، والله الموفق.

стр. 665

فصل وكثير من المصلين ينقرون الصلاة، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، ولا يطمئنون فيما سوى ذلك من أفعالها، وهذا عين الاستخفاف بحق الصلاة والاستهانة بشأنها، وفاعل ذلك من أسوأ الناس سرقة؛ لما روى الإمام مالك في موطئه، عن النعمان بن مرة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟» وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هن فواحش، وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته» قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» قال النعمان: وكان عمر يقول: إن وجه دينكم الصلاة، فزينوا وجه دينكم بالخشوع. وقد رواه الإمام الشافعي في مسنده من طريق مالك مختصرًا. وروى الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه، عن أبي قتادة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته» قيل: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها، ولا سجودها» زاد أحمد: «ولا خشوعها» وفي رواية له: «ولا القراءة فيها» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وروى الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث أبي قتادة، وقال: صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.

стр. 666

ولأحمد وأبي داود الطيالسي وأبي يعلى، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وعن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا. رواه الطبراني. قال الطيبِي: جعل جنس السرقة نوعين: متعارفًا وغير متعارفٍ، وهو ما ينقص من الطمأنينة والخشوع، ثم جعل غير المتعارف أسوأ من المتعارف، ووجه كونه أسوأ أن السارق إذا وجد مال الغير قد ينتفع به في الدنيا، ويستحل صاحبه، أو يَحِد فينجو من عذاب الآخرة، بخلاف هذا، فإنه سرق حق نفسه من الثواب، وأبدل له منه العقاب في العُقبى. انتهى. ويقال أيضا: إن سارق الصلاة سارق دين، فكان أسوأ من سارق الدنيا، والصلاة عماد الدين وركنه الأعظم بعد الشهادتين، فلا ريب أن السرقة منها أسوأ وأقبح من سرقة الأموال. ويقال أيضًا: إن السارق قد استهان بالمسروق منه، حيث أقدم على الانتقاص من حقه، والصلاة من أعظم حقوق الله تعالى، فالسرقة منها أسوأ من السرقة من حقوق الآدميين، وقد روى عبد الرزاق في جامعه، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس ثم أساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه». وقال بعض العلماء: أكثر ما يفسد صلاة العامة تهاونهم بعلم الطمأنينة، والعمل بها في أركان الصلاة، وأصلها سكون على عمل الركن من ركوع أو

стр. 667

سجود أو جلوس زمنا ما. قلت: وقد جاء بيان الطمأنينة الواجبة في حديث رفاعة بن رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول، الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلة، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» رواه الشافعي، وأحمد، وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأبي داود: «ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه، وربما قال: جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعدًا على مقعده ويقيم صلبه» فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ. وفي رواية له: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وقال: إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى». وفي رواية له: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك

стр. 668

اليسرى، ثم تشهد». وفي رواية للشافعي، وأحمد: «فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك، فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت رأسك فاعتمد على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة». وفي رواية: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا فقد انتقصت من صلاتك». وفي رواية النسائي: «ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه -وقد سمعته يقول- جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته». وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاث مرات، ثم علمه الصلاة، وبيّن له الطمأنينة بنحو ما في حديث رفاعة بن رافع، ففيه دليل على أن من ترك الطمأنينة فصلاته فاسدة. وفي المسند، والسنن، عن ابن مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود»

стр. 669

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه الدارقطني في سننه وقال: إسناده ثابت صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن علي بن شيبان، وأنس، وأبي هريرة، ورفاعة الزرقي. قلت: أما حديث أبي هريرة، وحديث رفاعة ﵄ فقد سبق ذكرهما. وأما حديث علي بن شيبان ﵁ فرواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قال: خرجنا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود». وأما حديث أنس ﵁ فرواه الطبراني في الصغير قال: خرج رسول الله ﷺ فرأى في المسجد رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة رجل لا يتم الركوع والسجود». وفي الباب أيضا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» رواه البيهقي في سننه. ففي هذه الأحاديث النص على فساد صلاة من لا يقيم ظهره بعد الركوع والسجود. قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: والعمل على هذا عند أهل العلم

стр. 670

من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة؛ لحديث النبي ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». انتهى. وفي المسند، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده». وفي المسند أيضا، عن طلق بن علي الحنفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها» وفي المسند أيضًا، عن علي بن شيبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده». وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): جاء الحديث «إن الرجل يصلي ستين سنة وما له صلاة!» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع». وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه بينما يحدث أصحابه إذ قطع حديثه فقالوا: ما لك يا أبا عبد الرحمن قطعت حديثك؟ قال: إني أرى عجبًا؛ أرى رجلين، أما أحدهما فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته، قالوا: مَن هما؟ قال: أما الذي لا ينظر الله إليه فذلك الذي
следующие страницы →