← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولأحمد وأبي داود الطيالسي وأبي يعلى، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وعن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا. رواه الطبراني. قال الطيبِي: جعل جنس السرقة نوعين: متعارفًا وغير متعارفٍ، وهو ما ينقص من الطمأنينة والخشوع، ثم جعل غير المتعارف أسوأ من المتعارف، ووجه كونه أسوأ أن السارق إذا وجد مال الغير قد ينتفع به في الدنيا، ويستحل صاحبه، أو يَحِد فينجو من عذاب الآخرة، بخلاف هذا، فإنه سرق حق نفسه من الثواب، وأبدل له منه العقاب في العُقبى. انتهى. ويقال أيضا: إن سارق الصلاة سارق دين، فكان أسوأ من سارق الدنيا، والصلاة عماد الدين وركنه الأعظم بعد الشهادتين، فلا ريب أن السرقة منها أسوأ وأقبح من سرقة الأموال. ويقال أيضًا: إن السارق قد استهان بالمسروق منه، حيث أقدم على الانتقاص من حقه، والصلاة من أعظم حقوق الله تعالى، فالسرقة منها أسوأ من السرقة من حقوق الآدميين، وقد روى عبد الرزاق في جامعه، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس ثم أساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه». وقال بعض العلماء: أكثر ما يفسد صلاة العامة تهاونهم بعلم الطمأنينة، والعمل بها في أركان الصلاة، وأصلها سكون على عمل الركن من ركوع أو

стр. 667

سجود أو جلوس زمنا ما. قلت: وقد جاء بيان الطمأنينة الواجبة في حديث رفاعة بن رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول، الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلة، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» رواه الشافعي، وأحمد، وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأبي داود: «ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه، وربما قال: جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعدًا على مقعده ويقيم صلبه» فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ. وفي رواية له: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وقال: إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى». وفي رواية له: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك

стр. 668

اليسرى، ثم تشهد». وفي رواية للشافعي، وأحمد: «فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك، فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت رأسك فاعتمد على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة». وفي رواية: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا فقد انتقصت من صلاتك». وفي رواية النسائي: «ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه -وقد سمعته يقول- جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته». وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاث مرات، ثم علمه الصلاة، وبيّن له الطمأنينة بنحو ما في حديث رفاعة بن رافع، ففيه دليل على أن من ترك الطمأنينة فصلاته فاسدة. وفي المسند، والسنن، عن ابن مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود»

стр. 669

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه الدارقطني في سننه وقال: إسناده ثابت صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن علي بن شيبان، وأنس، وأبي هريرة، ورفاعة الزرقي. قلت: أما حديث أبي هريرة، وحديث رفاعة ﵄ فقد سبق ذكرهما. وأما حديث علي بن شيبان ﵁ فرواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قال: خرجنا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود». وأما حديث أنس ﵁ فرواه الطبراني في الصغير قال: خرج رسول الله ﷺ فرأى في المسجد رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة رجل لا يتم الركوع والسجود». وفي الباب أيضا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» رواه البيهقي في سننه. ففي هذه الأحاديث النص على فساد صلاة من لا يقيم ظهره بعد الركوع والسجود. قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: والعمل على هذا عند أهل العلم

стр. 670

من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة؛ لحديث النبي ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». انتهى. وفي المسند، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده». وفي المسند أيضا، عن طلق بن علي الحنفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها» وفي المسند أيضًا، عن علي بن شيبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده». وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): جاء الحديث «إن الرجل يصلي ستين سنة وما له صلاة!» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع». وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه بينما يحدث أصحابه إذ قطع حديثه فقالوا: ما لك يا أبا عبد الرحمن قطعت حديثك؟ قال: إني أرى عجبًا؛ أرى رجلين، أما أحدهما فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته، قالوا: مَن هما؟ قال: أما الذي لا ينظر الله إليه فذلك الذي

стр. 671

يمشي يختال في مشيته، وأما الذي لا يتقبل الله صلاته فذلك الذي يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده. وقد ورد النهي عن النقر في الصلاة والوعيد الشديد على فعله؛ ففي المسند من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث؛ عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». وروى الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: «نهى رسول لله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير» قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى رزين، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن النقر فقال: «ليس لنا مثل السوء، ليس منا من ينقر نقر الغراب» قال: «ونهى عن افتراش السبع». وروى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، والطبراني، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي فقال ﷺ : «ترون هذا! لو مات مات على غير ملة محمد ﷺ ؛ ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم» ثم قال ﷺ : «إنما مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين، لا يغنيان عنه شيئًا» قال أبو صالح الأشعري: فقلت لأبي عبد الله: من حدَّثك بهذا الحديث؟ قال: أمراء الأجناد؛ خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشرحبيل

стр. 672

ابن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، كل هؤلاء سمعه من النبي ﷺ . وفي صحيح البخاري، من حديث أبي وائل، عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت! قال: وأحسبه قال: ولو مت متّ على غير سنة محمد ﷺ . ورواه البخاري أيضا، من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت! ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ . ورواه النسائي، من حديث طلحة بن مصرف، عن زيد بن وهب، عن حذيفة ﵁ أنه رأي رجلا يصلي فطفف، فقال له حذيفة: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة، قال: ما صليت منذ أربعين سنة، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة مت على غير فطرة محمد ﷺ ، ثم قال: إن الرجل ليخفف ويتم ويحسن. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): قوله: «ما صليت» هو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته: «فإنك لم تصل»، قال: واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها مبطل للصلاة. انتهى. وأما قوله: «لو متّ متَّ على غير الفطرة» وفي الرواية الأُخرى: «على غير السنة» فكلاهما المراد به هنا الدين والشريعة. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: وليس المراد به فعل المستحبات، فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد، فلا يكاد

стр. 673

أحد يموت على كل ما فعله النبي ﷺ من المستحبات، ولأن لفظ الفطرة والسنة في كلامهم هو الدين والشريعة، وإن كان بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ السنة يراد به ما ليس بفرض؛ إذ قد يراد بها ذلك كما في قوله ﷺ : «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه» فهي تتناول ما سنه من الواجبات، أعظم مما سنه من التطوعات. انتهى. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): جاء الحديث «إن العبد إذا صلى فأحسن الصلاة صعدت ولها نور، فإذا انتهت إلى أبواب السماء فتحت أبواب السماء لها، وتشفع لصاحبها وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا أساء في صلاته فلم يتم ركوعها ولا سجودها ولا حدودها صعدت ولها ظلمة فتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، فإذا انتهت إلى أبواب السماء غلقت دونها، ثم لفت كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها» هكذا ذكره الإمام أحمد تعليقًا. ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو جعفر العقيلي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ . وفي المسند، عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة مكيال، فمن وفَّى وُفِّيَ له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين». وروي البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس ﵄-

стр. 674

مرفوعًا: «الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى». وروى الإمام مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب ﵁ انصرف من صلاة العصر فلقي رجلاً لم يشهد العصر، فقال عمر ﵁: ما حبسك عن صلاة العصر؟ فذكر له الرجل عذرًا، فقال عمر ﵁: طففت، قال مالك: ويقال: لكل شيء وفاء وتطفيف. وفي جامع الترمذي، وسنن النسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر …» الحديث، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وفي الباب عن تميم الداري ﵁. وروى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله. وقال الإمام أحمد في كتاب (الصلاة): جاء في الحديث «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن صلاته، فإن تُقُبِّلت تُقُبِّل منه سائر عمله، وإن رُدت صلاته رُد سائر عمله». وروى الطبراني في الأوسط، والحافظ ضياء الدين المقدسي، من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله».

стр. 675

قال الطيبِي: الصلاح كون الشيء على حالة استقامته وكماله، والفساد ضد ذلك؛ وذلك لأن الصلاة بمنزلة القلب من الإنسان، فإذا صلحت صلحت الأعمال كلها، وإذا فسدت فسدت. انتهى. وقد تقدم قول أبي العالية في تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها وسجودها. وتقدم أيضا تفسير الويل الذي توعد الله به الساهين عن الصلاة. وما أكثر سُرَّاق الصلاة، والمتهاونين بشأنها، المضيعين لأوقاتها وحدودها في زماننا هذا الذي اشتدت فيه غربة الإسلام الحقيقي، وليس ذلك في الجهال والعوام فقط، بل هو كثير جدًا في القراء المفتونين الذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون العلم لنيل الوظائف والشهوات والحظوظ العاجلة، فالله المستعان. وإذا عرف ما يلحق النقارين للصلاة، والمضيعين لأوقاتها وحدودها من الوعيد الشديد، فليعلم أيضا أن الإنكار عليهم واجب على كل من رآهم؛ لأن الاستخفاف بالصلاة والاستهانة بها من أعظم المنكرات، وقد قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 676

والمحسن في صلاته شريك المسيء في صلاته إذا لم ينهه وينصحه. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): سارق الصلاة قد وجب الإنكار عليه ممن رآه والنصيحة له، أرأيت لو أن سارقًا سرق درهمًا ألم يكن ذلك منكرًا ويجب الإنكار عليه ممن رآه؟ فسارق الصلاة أعظم سرقة من سرقة الدرهم، وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من رأى من يسيء في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها»، وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، فإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة، وإنما تضر العامة لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة، فلو أن عبدًا صلى حيث لا يراه الناس فضيع صلاته ولم يتم الركوع ولا السجود كان وزر ذلك عليه، وإن صلى حيث يراه الناس وضيع صلاته فلم يتم ركوعها ولا سجودها كان وزر ذلك عليه وعليهم إذا تركوا الإنكار عليه، فاتقوا الله عباد الله في أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، وأحكموها في أنفسكم وانصحوا فيها إخوانكم، فإنها آخر دينكم، فتمسكوا بآخر دينكم وما وصى به ربكم خاصة من بين الطاعات التي أوصى بها عامة، وتمسكوا بما عهد إليكم نبيكم ﷺ من بين عهوده إليكم فيما افترض عليكم ربكم عامة. وجاء الحديث عن النبي ﷺ أنه كان آخر وصيته لأمته عنه خروجه من الدنيا أنه قال: «اتقوا الله في الصلاة، وفيما ملكت أيمانكم»، وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وهي آخر ما يذهب من الإسلام، ليس بعد ذهابها إسلام ولا دين، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهي عمود الإسلام إذا

стр. 677

سقط الفسطاط فلا ينتفع بالأطناب والأوتاد، وكذلك الصلاة إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام، إلى أن قال ﵁: فإن رأيتم من يصلي تطوعًا ولا يقيم صلبه بين الركوع والسجود، فقد وجب عليكم أمره ونهيه ونصيحته، فإن لم تفعلوا كنتم شركاء في الإساءة والوزر والإثم والتضييع. واعلموا أن مما جهل الناس أن يصلي أحدهم متطوعًا ولا يتم الركوع ولا السجود ولا يقيم صلبه؛ لأنه تطوع، فيظن أن ذلك يجزيه وليس يجزئه ذلك التطوع؛ لأنه من دخل في التطوع فقد صار واجبًا عليه لازمًا له يجب عليه إتمامه وإحكامه، كما أن الرجل لو أحرم بحجة تطوعًا وجب عليه قضاؤها، وإن أصاب فيها صيدًا وجبت عليه الكفارة، وكما أن الرجل لو صام يومًا تطوعًا ثم أفطر عند العصر وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وكما أن الرجل لو تصدق بدرهم على فقير ثم أخذه منه وجب عليه رد ذلك الدرهم على الفقير، فكل تطوع دخل فيه لزمه، ووجب عليه أداؤه تامًا محكمًا؛ لأنه حين دخل فيه فقد أوجبه على نفسه، ولو لم يدخل فيه لم يكن عليه شيء، فإذا رأيتم من يصلي تطوعًا أو فريضة فأمروه بتمام ذلك وإحكامه، إن لا تفعلوا تكونوا آثمين، عصمنا الله وإياكم. انتهى. ومما يفعله كثير من الجهال؛ أن أحدهم إذا دخل المسجد قبل الإقامة فأحرم بصلاة نافلة ثم أخذ المؤذن بعد في الإقامة، فإن كان قد ركع مضى في صلاته، وإن لم يكن ركوع بادر بقطعها، وبعضهم يقطعها بتسليمة واحدة عن يمينه وهو قائم كما يفعل في صلاة الجنازة، وبعضهم بتسليمتين عن

стр. 678

يمينه وعن شماله، وقطعهم للنافلة والحالة هذه خطأ وإساءة، فينبغي نهيهم عن ذلك، وأمرهم بإتمام النافلة خفيفة. قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): إن أقيمت الصلاة وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها ولم يقطعها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وإن خشي فوات الجماعة فعلى روايتين: إحداهما: يتمها لذلك. والثانية: يقطعها؛ لأن ما يدركه من الجماعة أعظم أجرًا، وأكثر ثوابًا مما يفوته بقطع النافلة؛ لأن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده سبعًا وعشرين درجة. انتهى. فلم يذكر رحمه الله تعالى خلافًا في إتمام النافلة لمن أمن فوات الجماعة؛ وإنما الخلاف فيمن خشي فواتها، والجماعة إنما تفوت بالرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، والمتنفل إذا أتى بالصلاة خفيفة في تمام لم يخش فوات الجماعة قطعًا، بل الغالب أنه يدرك الركعة الأولى فيحرز نافلته تامة وفريضته تامة. وظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه إذا قطع النافلة من غير عذر وجب عليه قضاؤها؛ لأنه قد أوجبها على نفسه بالدخول فيها فلزمه القضاء، ومن ذلك هذه الصورة التي ذكرها ههنا، والله أعلم. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: «إن أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه مسلم، وأهل السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 679

ورواه الإمام أحمد بلفظ: «فلا صلاة إلا التي أقيمت». وفي الصحيحين، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً -وقد أقيمت الصلاة- يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس، فقال له رسول الله ﷺ : «آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟» هذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد بنحوه. ورواية مسلم أن رسول الله ﷺ مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فما انصرفنا أحطنا نقول: ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لي: «يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا!». ورواه الإمام أحمد، وابن ماجة بمثله. وفي رواية لمسلم والنسائي: أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي والمؤذن يقيم فقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟!». وروى أبو داود الطيالسي، وابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟». فالجواب: أن ظاهر هذه الأحاديث دال على أن المنهي عنه هو إنشاء النافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة، وهذا هو الذي فهمه النووي وغيره من المحققين، وترجم له النسائي في سننه بقوله: ما يكره من الصلاة عند الإقامة.

стр. 680

وقال النووي في شرح مسلم: باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها، وسواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا. انتهى. ويدل لما قلناه أحاديث؛ منها حديث عبد الله بن سرجس ﵁ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: «يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت، أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟» رواه مسلم، وأهل السنن إلا الترمذي. ومنها ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث ابن عباس ﵄ قال: أقيمت صلاة الصبح فقام رجل يصلي الركعتين، فجذب رسول الله ﷺ بثوبه فقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟!». وفي رواية قال: أقيمت الصلاة ولم أصل الركعتين، فرآني وأنا أصليهما، فدنا وقال: «أتريد أن تصلي الصبح أربعًا؟!» فقيل لابن عباس ﵄: عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم. ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه قال: أقيمت الصلاة، فقمت أصلي ركعتين، فجذبني رسول الله ﷺ فقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟» قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذه الرواية عند الإمام أحمد والحاكم تدفع ما لعله يفهم من رواية

стр. 681

أولئك من أن ابن عباس ﵄ شرع في النافلة قبل شروع المؤذن في الإقامة. ومنها: ما رواه الإمام مالك في موطئه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون، فخرج عليهم رسول الله فقال: «أصلاتان معًا، أصلاتان معًا؟!» وذلك في صلاة الصبح، في الركعتين اللتين قبل الصبح. ومنها: ما رواه الطبراني في معجمه الصغير، عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ رأي رجلاً صلى ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي ﷺ منكبيه وقال: «ألا كان هذا قبل ذا؟!». فهذه الأحاديث صريحة في أن المنع إنما هو عن إنشاء النافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة، فأما الاستمرار فيما شرع فيه قبل ذلك وإتمامه مع التخفيف فمستفاد من عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وأيضًا فإن النبي ﷺ اقتصر على الإنكار على من رآه يصلي بعد الإقامة، ولم يأمره بقطع ما شرع فيه، ولو كان القطع واجبًا لأمره به، فدل على أن من شرع في النافلة قبل الشروع في الإقامة أولى أن يستمر فيها ولا يقطعها، والله أعلم.

стр. 682

فصل في التحذير من أشياء يفعلها كثير من الجهال والمتهاونين بشأن الصلاة، وبيان ما ورد فيها من النهي الأكيد والوعيد الشديد. فمن ذلك مسابقة الإمام في الركوع والسجود والخفض والرفع، أو موافقته في هذه الأفعال. وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا، وما أقل من ينكر ذلك عليهم، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): ليس لمن يسبق الإمام صلاة، بذلك جاء الحديث عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين؛ جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أما يخشى الذين يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟!» وذلك لإساءته في صلاته؛ لأنه لا صلاة له، ولو كانت له صلاة لرجا له الثواب، ولم يخف عليه العقاب أن يحول الله رأسه رأس حمار. قلت: وهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى مخرج في الصحيحين، والمسند، والسنن، وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما يخشى أحدكم -أو ألا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار» هذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم: «أن يجعل الله وجهه وجه حمار». ورواه الطبراني، وابن حبان في صحيحه ولفظهما: «ما يُؤمّن أحدكم إذا

стр. 683

رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب». وعنه ﵁ مرفوعًا: «الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان» رواه البزار. ورواه الإمام مالك في موطئه، وعبد الرزاق موقوفًا، قال الحافظ ابن حجر: وهو المحفوظ. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): وجاء الحديث عن ابن مسعود ﵁ أنه نظر إلى من سبق الإمام، فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت، قال أحمد رحمه الله تعالى: والذي لم يصل وحده، ولم يقتد بإمامه فذلك لا صلاة له. وجاء الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال له: لا صليت وحدك، ولا صليت مع إمامك، ثم ضربه فأمره أن يعيد الصلاة. قال أحمد رحمه الله تعالى: فلو كان له صلاة عند عبد الله بن عمر ﵄ ما أوجب عليه الإعادة. قال: ومن العجب أن الرجل يكون في منزله فيسمع الأذان، فيقوم فزعًا يتهيأ من منزله يريد الصلاة لا يريد غيرها، ثم لعله يخرج في الليلة المطيرة ويتخبط في الطين ويخوض إلى أن تبتل ثيابه، وإن كان في ليالي الصيف فليس يأمن العقارب والهوام في ظلمة الليل، ولعله مع هذا أن يكون مريضا ضعيفًا فلا يدع الخروج إلى المسجد، فيحتمل هذا كله إيثارًا للصلاة وحبًا

стр. 684

لها وقصدًا إليها، لم يخرجه من منزله غيرها، فإذا دخل في الصلاة مع الإمام خدعه الشيطان، فسابق الإمام في الركوع والسجود والخفض والرفع، خدعًا من الشيطان لما يريده من إحباط عمله وإبطال صلاته، فيخرج من المسجد ولا صلاة له، ومن العجب أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحدًا ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام، وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم بهم، وكلهم إلا ما شاء الله يسابقونه في الركوع والسجود والرفع والخفض خدعًا من الشيطان واستخفافًا بالصلاة منهم واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام. وقد جاء في الحديث: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» فكل مستخف بالصلاة مستهين بها، فهو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم في الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاعرف نفسك يا عبد الله، واحذر أن تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك، فإنّ قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «الصلاة عمود الإسلام» ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط، لم ينتفع بالأطناب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفع بالأطناب والأوتاد، فكذلك الصلاة من الإسلام. فانظروا رحمكم الله، واعقلوا وأحكموا الصلاة، واتقوا الله فيها، وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض، والتذكر من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان، فإن الله قد أمركم أن تعاونوا

стр. 685

على البر والتقوى، والصلاة من أفضل البر، وقد جاء في الحديث «أن كل مصل راع ومسؤول عن رعيته»، وقد قيل: إن الإمام راع لمن يصلي بهم؛ فما أولى الإمام بالنصيحة لمن يصلي خلفه، وأن ينهاهم عن المسابقة في الركوع والسجود، وأن لا يركعوا ويسجدوا مع الإمام، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم بعده، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم إذا كان راعيًا لهم، وكان غدًا مسؤولاً عنهم، فرحم الله رجلاً رأى أخاه يسبق الإمام فيركع أو يسجد معه، أو يصلي وحده فيسيء في صلاته، فينصحه ويأمره وينهاه ولم يسكت عنه؛ فإن نصيحته واجبة عليه لازمة له، وسكوته عنه إثم ووزر، وإن الشيطان يريد أن تسكتوا عن الكلام بما أمركم الله به، وأن تدعوا التعاون على البر والتقوى الذي أوصاكم الله به، والنصيحة التي عليكم بعضكم لبعض؛ لتكونوا مأثومين مأزورين؛ وأن يضمحل الدين ويذهب، وأن لا تحيوا سنة ولا تميتوا بدعة، فأطيعوا الله بما أمركم به من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا تطيعوا الشيطان فإن الشيطان لكم عدو مبين. وقد قال بعض أهل الجهل: ليس على من سبق الإمام ساهيًا شيء؛ تأويلاً منهم للحديث الذي جاء «ليس على من خلف الإمام سهو» وقد جاء الحديث بذلك، ولكنهم أخطأوا معناه وتأويله؛ إنما معناه: من قام ساهيًا فيما ينبغي له أن يجلس فيه، أو يجلس ساهيًا فيما له أن يقوم فيه، أو سهى فلم يَدرِ كم صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو ترك بعض التكبيرات ساهيًا، فليس عليه سهو، وليس ذلك فيمن سبق الإمام. فلم يجئ عن النبي ﷺ ولا عن

стр. 686

المهاجرين والأنصار لمن سبق الإمام ساهيًا أو غير ساه، وقول النبي ﷺ : «أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» لم يقل إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو، وقول ابن مسعود ﵄: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت، لم يقل إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو، وقول ابن عمر ﵄: ما صليت وحدك ولا صليت مع الإمام، ولم يقل إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو، ولكن ضربه وأمره بالإعادة، وقول سلمان ﵁: الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفض قبله ناصيته بيد الشيطان يخفضه ويرفعه، ولم يقل إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو. وقد سها النبي ﷺ ، وسها عمر، وسها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فمنهم من سها وترك القراءة في الركعتين الأوليين ثم قرأ في الأخريين، ومنهم من سها فقام فيما ينبغي له أن يجلس فيه وجلس فيما ينبغي أن يقوم فيه، ففي هذا كله وفيما أشبهه سجدتا السهو، بذلك جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ وعن أصحابه ﵃، وذلك هو السنة. فأما من سبق الإمام، فإنما جاء عنهم أنه لا صلاة له؛ على ما فسرت لك من قولهم: مَن سبق الإمام فلا صلاة له، ساهيًا كان أو غير ساه، وليس للسهو هاهنا موضع يعذر فيه صاحبه، وكيف يجوز السهو هاهنا وهو إذا رأى الإمام قد هوى من قيامه بادره فيسجد قبله، أو ينظر إلى الإمام ساجدًا بعده، وهو قد رفع رأسه، أو ينظر إليه يريد أن يسجد فيبادر قبله، أو ساعة يفرغ الإمام من القراءة يبادر فيركع قبله من قبل أن يكبر الإمام فيركع، وإنما

стр. 687

ينبغي في هذا كله أن ينتظر حتى يركع أو يسجد أو يرفع أو يخفض وينقطع تكبيره في ذلك كله ثم يتبعه بعد فعل الإمام وبعد انقطاع تكبيره، وليس للسهو هاهنا موضع يعذر به صاحبه، ولم يعذره النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃، ولا أمروه بسجدتي السهو ولكن أمروه بالإعادة، وخوّفه النبي ﷺ أن يحول رأسه رأس حمار؛ إنما ذلك لاستخفافه بالصلاة واستهانته بها، وصغر خطرها في قلبه. فليحذر جاهل أن يعذر نفسه فيما لا عذر له فيه، فيحمل وزر نفسه، ووزر من يفتنه بحجة مدحوضة لم يحتج بها أحد من الأبرار، فاعتنوا عباد الله بصلاتكم؛ فإنها آخر دينكم، وليحذر امرؤ أن يظن أنه قد صلى وهو لم يصل. انتهى المقصود من كلام الإمام أحمد ﵁ ملخصًا. وفي المسند، وسنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون». وروى الإمام أحمد أيضا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، من حديث أبي موسى ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلَّمنا صلاتنا -فذكر الحديث- وفيه: «فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم» وفيه: «وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم» الحديث. وفي الصحيحين، والسنن إلا ابن ماجة، عن البراء بن عازب -رضي الله

стр. 688

عنهما- قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا قال: «سمع الله لمن حمده» لم يحن أحد ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض. زاد في رواية مسلم: «ثم يخر مَن وراءه سجدًا». وفي رواية له ولأبي داود: أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ ، فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» لم نزل قيامًا حتى نراه قد وضع وجهه في الأرض، ثم نتبعه. وفي رواية النسائي نحوه. وفي صحيح مسلم، عن عمرو بن حريث ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ الفجر فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجدًا. وفي المسند، وصحيح مسلم، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف». قال النووي رحمه الله تعالى: المراد بالانصراف السلام. وفي سنن ابن ماجة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ركعت فاركعوا، وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدت فاسجدوا، ولا ألفين رجلا يسبقني إلى الركوع ولا إلى السجود». وله أيضًا، ولأبي داود، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود، فمهما أسبقكم به

стр. 689

إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت». وفي الباب أحاديث سوى ما ذكرنا هاهنا، وفيما ذكرنا كفاية ومقنع لمن أراد الله هدايته. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن مسابقة الإمام حرام باتفاق الأئمة، قال: ومن سبقه سهوًا لم تبطل صلاته ولم يعتد له بما سبق إمامه؛ فلهذا أمره الصحابة ﵃ أن يتخلف بمقدار ما سبق به الإمام، ليكون فعله بقدر فعل الإمام، فأما إذا سبقه عمدًا ففي بطلان صلاته قولان في مذهب أحمد وغيره. انتهى. قلت: والصحيح البطلان، نص عليه أحمد رحمه الله تعالى كما تقدم في كلامه قريبًا، واستدل على ذلك بالأحاديث، وأقوال الصحابة ﵃، ولم يفرق بين المتعمد والساهي، بل جعل حكمهما سواء، ولعل ذلك -والله أعلم- فيمن سها فسبق الإمام، ثم علم بالسبق واستمر على إتمام ما سبق به إمامه، ولم يرجع ليأتي به بعد الإمام ثم يتابعه فيما بقي، والله أعلم.

стр. 690

فصل ومن الأفعال السيئة الالتفات في الصلاة، فينبغي التحذير منه، والإنكار على من فعله؛ لما رواه الترمذي في جامعة، والطبراني في المعجم الصغير، عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا بني، إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لابد ففي التطوع، لا في فريضة» قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأهل السنن إلا ابن ماجة، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وروى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي، والحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي حديث الحارث الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن يحيى بن زكريا ﵉ قال لبني إسرائيل: وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري-: الحارث الأشعري له

стр. 691

صحبه، وله غير هذا الحديث. وقال الحاكم: قد أخرج الشيخان برواة هذا الحديث عن آخرهم، والحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقال في موضع آخر: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا الحديث عظيم الشأن، ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله. انتهى. وفي المسند، عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «يا أيها الناس، إياكم والالتفات؛ فإنه لا صلاة للملتفت، فإن غُلبتم في التطوع فلا تغلبن في الفريضة». والالتفات المذموم هو ما كان لغير حاجة، أو كان لها وكثر، فأما إن كان يسيرًا لحاجة فهو معفو عنه، وقد فعله رسول الله ﷺ ، وأبو بكر الصديق، وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وفي معنى الالتفات المذموم نظر المصلي إلى ما يلهيه، كالنظر إلى السقوف والحيطان وما فيهما من نقوش وكتابة وغيرها، وكالنظر إلى ثيابه أو ما بين يديه من آدميين أو حيوانات، أو غير ذلك مما يلهيه ويشغل قلبه عن الحضور في الصلاة، وكذلك التفكر في الأمور الدنيوية وغير ذلك مما يلهي القلب ويصده عن الخشوع والحضور الذي هو روح الصلاة ومقصودها، والاسترسال مع الوساوس والأفكار إنما يكون من التفات القلب، كما أن ما ذكر قبله جامع بين التفات الوجه والقلب، وكل ذلك من اختلاس الشيطان، والله أعلم.

стр. 692

فصل ومن الأفعال السيئة رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وقد حكى ابن بطال وغيره الإجماع على كراهته، ووردت السنة بالزجر عنه، والوعيد الشديد على فعله؛ كما في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم» فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأهل السنن إلا الترمذي. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء أن تلتمع - يعني في الصلاة -» رواه ابن ماجة. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ حدثه أنه سمع رسول الله يقول: «إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء أن يلتمع بصره» رواه النسائي. وهذا الوعيد الشديد يقتضي تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة،

стр. 693

وقد صرح بذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) قال: وأفرط ابن حزم فقال يبطل الصلاة. انتهى. إذا علم هذا فكثير من الجهال واقعون في هذا المنكر الذميم، وكثير من الناس يراهم يفعلون ويسكت عنهم، ويظن أن السكوت يسعه وليس كذلك؛ لأن المحسن في صلاته شريك المسيء في صلاته إذا لم ينهه وينصحه، فكل من رآهم وجب عليه نصيحتهم والإنكار عليهم بحسب الاستطاعة، فإن لم يفعل فهو شريكهم كما قال ابن مسعود ﵁: من رأى من يسيء في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها. ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة).

стр. 694

فصل ومن ذلك العبث باللحية والشارب والأنف، وكثرة مسح الحصى وتسوية الأرض، وكثرة تعديل الثياب، وفرقعة الأصابع وتشبيكها، والتثاؤب والتمطي، وتغميض العينين، وتغطية الفم، وكثرة مسح الجبهة قبل السلام؛ فكل هذه الأفعال تنقص الصلاة، وكثير من الجهال واقعون فيها، وقد جاءت السنة بذم بعض ذلك والنهي عن بعضه، والذم يقتضي النهي، كما أن النهي يقتضي الذم على المخالفة. فمما ورد في هذا الباب من الأحاديث ما رواه الحكيم الترمذي في (النوادر) عن أبي هريرة ﵁ قال: رأي رسول الله ﷺ رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه» في إسناده سليمان بن عمرو أبو داود النخعي الكوفي، قال البخاري رحمه الله تعالى: معروف بالكذب، سمعت قتيبة يقول. وقال في تاريخه الصغير: رماه قتيبة وإسحاق بالكذب. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث. وقال الزين العراقي: متفق على ضعفه. ومن هذه الأقوال يعلم أن إسناد الحديث ساقط، وأما متنه فمعناه مستقيم وليس فيه نكارة، ولهذا يستشهد به الفقهاء في هذا الموضع. ويدل لصحة معناه ما في الصحيحين وغيرهما، من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».

стр. 695

فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن الجسد كله تبع للقلب في الصلاح أو الفساد، ومن ذلك حال العبد إذا دخل في الصلاة، إن أقبل عليها وخشع قلبه خشعت جميع الجوارح تبعًا له، وإن سها القلب ولها عمَّا هو فيه انبعثت الجوارح على أنواع العبث مما ذكرنا وما لم نذكره، فمنشأ العبث في الصلاة من غفلة القلب وعدم خشوعه، والله أعلم. ومن الأحاديث في هذا الباب أيضا ما رواه مسلم في صحيحه، وأهل السنن إلا النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مس الحصى فقد لغا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومنها ما في الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال: «إن كنت فاعلاً فواحدة». وفي رواية لمسلم قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد -يعني الحصى- قال: «إن كنت لابد فاعلاً فواحدة». وفي أخرى له أنهم سألوا النبي ﷺ عن المسح في الصلاة، فقال: «واحدة». وفي رواية أبي داود أن النبي ﷺ قال: «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة تسوية الحصى». ومنها ما في المسند، والسنن، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه» قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 696

وفي رواية لأحمد: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن مس الحصى، فقال: «واحدة، أو دع». وعنه ﵁ أنه قال: «مسح الحصى مسحة واحدة، وتركها خير من حمر النعم» رواه مالك في موطئه. ومنها ما رواه الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن مسح الحصباء؟ فقال: «واحدة، ولأن تمسك عنها خير من مائة ناقة كلها سود الحدق». ومنها ما في سنن النسائي، عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه رأى رجلاً يحرك الحصى بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له عبد الله: لا تحرك الحصى وأنت في الصلاة، فإن ذلك من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمي ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع. ومنها ما في الصحيحين، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، والسنن الأربع، عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا». وفي رواية لمسلم والنسائي: «ونهى أن يكف الشعر والثياب» ورواه الشافعي في مسنده بنحوه. وفي رواية للبخاري قال رسول الله ﷺ : «أمرنا أن نسجد على سبعة

стр. 697

أعظم، ولا نكف ثوبًا ولا شعرًا». ومنها ما في سنن ابن ماجة، عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تفقع أصابعك وأنت في الصلاة». قال أبو عبيد الهروي: التفقيع هو فرقعة الأصابع وغمز مفاصلها حتى تصوت. ومنها ما رواه الإمام أحمد، عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه». ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والترمذي، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة». ومنها ما رواه ابن ماجة، عن كعب بن عجرة أيضا ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج رسول الله ﷺ بين أصابعه. ومنها ما رواه الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم التثاؤب في الصلاة؛ قال إبراهيم: إني لأرد التثاؤب بالتنحنح. انتهى. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على

стр. 698

فيه ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك منه» رواه ابن ماجة. ومنها ما رواه الدارقطني في الأفراد، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «نهى أن يتمطى الرجل في الصلاة، أو عند النساء إلا عند امرأته أو جواريه». ومنها ما رواه الطبراني، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه» قال ابن أبي حاتم هو حديث منكر. وروي عن الإمام أحمد وسفيان أنهما قالا: هو فعل اليهود. واختار ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يكره التغميض، إذا كان في قبلة المصلي من الزخرفة والتزويق أو غيره ما يشوش قلبه، ويحول بينه وبين الخشوع، قال: والقول باستحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. انتهى. ومنها ما رواه أبو داود، وابن ماجة، والحاكم، عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن المُجَبّر أنه كان يرى سالم بن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذًا شديدًا حتى ينزعه عن فيه. ومنها ما رواه ابن ماجة أيضا، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته».

стр. 699

فصل ومن الأفعال السيئة أيضًا: النطق بالنية عند تكبيرة الإحرام وتكريرها، وذلك من البدع التي شرعها الشيطان للموسوسين وزينها لهم، وأضلهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. ويتفرع عن هذه البدعة السخيفة ستة أمور ذميمة: أحدها: الاستهزاء بالمعبود، وافتتاح عبادته ومناجاته بما يشبه هذيان المجانين، وفاعل هذا جدير بالمقت والبعد من الله تعالى، ولو أن رجلاً وقف بين يدي ملك من ملوك الدنيا لخدمته ومناجاته، وقال عند إرادة الشروع في العمل المرسوم له: نويت أن أعمل للملك كذا وكذا، وجعل يهذي بين يدي الملك بنحو ما يهذي به الموسوسون عند افتتاح الصلاة ويكرر ذلك، ويتهوع باسم الملك كما يتهوع الموسوسون بتكبيرة الإحرام لعد الملك ذلك استهزاء به، واستخفافًا بحرمته وحقه، وأهون ما يفعل مع الهاذي بين يديه أن يمقته أشد المقت، ويطرده عن حضرته. والله ﵎ له المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، الذي يستحق كمال التعظيم والخضوع والخشوع والإخبات بين يديه وإظهار الذل له والافتقار إليه في جميع الأحوال، والتأدب التام في خدمته ومناجاته، أفلا يستحي الموسوسون من مقابلتهم ملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى بما لا يرضى بمثله ملك من ملوك الدنيا، بل لا يرضى به أحد

стр. 700

من عقلاء بني آدم. الأمر الثاني: تعليم الله تعالى بما هو عالم به، لا تخفى عليه منه خافية. وقد أنكر الله تعالى مثل هذا على الأعراب بقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وأساس الدين وروحه النية كما في الحديث الصحيح: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ومحل النية القلب ولا تعلق لها باللسان أصلا، فإذا قال الموسوس: نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا لله تعالى، فإنه يعلم الله تعالى بنيته وعمله، والله ﵎ عالم الغيب والشهادة، مطلع على أعمال العباد كلها خفيها وجليها، فأي حاجة به ﵎ إلى أن يعلمه الموسوسون بنياتهم وأعمالهم وهو أعلم بذلك منهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. الأمر الثالث: التشويش على من حولهم من المصلين، حتى إن بعض الناس تلتبس عليه القراءة بسبب [جهر] (١) من حوله من الموسوسين بالنية. وقد روى مالك في الموطأ، عن أبي حازم التمار، عن البياضي أن رسول

стр. 701

الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». وروى أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد صحيحان. انتهى. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتكف، وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة» إسناده جيد. وإذا كان المصلي منفردًا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين، فنهي المبتدع عن الجهر بنيته أولى لأمرين: أحدهما: أن التأذي بالوسوسة أعظم من التأذي بالقراءة. الثاني: إن الجهر بالنية بدعة، والبدع يجب تغييرها والإنكار على

стр. 702

أهلها، والله أعلم. الأمر الرابع: مشابهة المجانين، فإن كلا من المجنون والموسوس بالنية يهذي بما يستقبحه كل عاقل. الأمر الخامس: تعذيب الموسوس نفسه بما لم يأمره الله به ولا رسوله ﷺ . وقد رأيت بعض الحجاج في المسجد الحرام يعالجون في إخراج النية أعظم شدة ومشقة، وتنتفخ أوداج بعضهم ويحمر وجهه، مما يصيبه من الكرب في إخراج النية، كأنه يستخرجها من أقصى جوفه، ثم يتهوع بتكبيرة الإحرام كما يتهوع الذي يتقيأ، وهذا من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان في أعناق الموسوسين، وأهل السنة في عافية منها، ولله والحمد والمنة. الأمر السادس: فوات الفضيلة على الموسوسين، وهم في ذلك درجات؛ فبعضهم تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام، وبعضهم تفوته قراءة الفاتحة، وبعضهم يتمادى به الوسواس ويردده الشيطان في تصحيح النية حتى تفوته الركعة، وربما فاته ركعتان أو ثلاث، وربما فاتته الصلاة كلها مع الجماعة، وربما صلى وحده صلوات كثيرة، كلما صلى صلاة جاءه الشيطان فقال: إنك لم تصحح النية فأعد صلاتك، فلا يزال في طاعة الشيطان متلددًا حيرانًا يدخل في الصلاة ثم يقطعها، أو يتمها ثم يعيدها، وهذا من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان في أعناق الموسوسين.

стр. 703

وإذا علم حاصل من اتبع البدعة ولم تسعه السنة فليعلم أيضا أن النية الواجبة في العبادات كلها محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين، حكى ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه. قال في جواب له: الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله ﷺ ، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل، بل النية الواجبة للعبادات كالوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصيام والكفارة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين، والنية هي القصد والإرادة، والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء، فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين من الأولين والآخرين، وليس في ذلك خلاف عند من يقتدي به ويفتي بقوله، ولكن بعض المتأخرين -من أتباع الأئمة- زعم أن اللفظ بالنية واجب ولم يقل إن الجهر بها واجب، ومع أن هذا القول خطأ صريح، مخالف لإجماع المسلمين؛ ولما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه، وكيف كان يصلي الصحابة والتابعون، فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية، ولا أمرهم النبي ﷺ بذلك، ولا علّمه لأحد من الصحابة، بل قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قال للأعرابي: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».

стр. 704

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليليها التسليم». وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ «كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين». وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع علماء المسلمين أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير، ولم ينقل مسلم لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا جهرًا ولا سرًا، ولا أنه أمر بذلك، ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان، وأنه يمتنع من أهل التواتر عادة وشرعًا كتمان نقل ذلك، فإذا لم ينقله أحد عُلم قطعًا أنه لم يكن. وأيضا فإن التلفظ بالنية فاسد في العقل، فإن قول القائل: أنوي أن أفعل كذا وكذا بمنزلة قوله: أنوي أكل هذا الطعام لأشبع، وأنوي ألبس هذا الثوب لأستتر، وأمثال ذلك من النيات الموجودة في القلب التي يستقبح النطق بها. وبالجملة فلا بد من النية في القلب بلا نزاع، وأما التلفظ بها سرًا فهل يكره أو يستحب؟ فيه نزاع بين المتأخرين، وأما الجهر بها فهو مكروه منهي عنه غير مشروع باتفاق المسلمين. وكذلك تكريرها أشد وأشد، وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن يجهر بلفظ النية ولا يكررها باتفاق المسلمين، بل ينهون عن ذلك.

стр. 705

انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى ملخصًا. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: علم الفاعل بما يفعله وقصده له هو النية، والعاقل المختار لا يفعل فعلاً إلا مسبوقًا بتصوره وإرادته، وذلك حقيقة النية، فليست النية أمرًا خارجًا عن تصور الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله، وبهذا يعلم غلط من ظن أن للتلفظ مدخلاً في تحصيل النية، فإن القائل إذا قال: نويت صلاة الظهر، أو نويت رفع الحدث، إما أن يكون مخبرًا أو منشئًا، فإن كان مخبرًا فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره، وكلاهما عبث لا فائدة فيه؛ لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبَر ما لم يكن عارفًا به، وهذا محال في إخباره لنفسه، وإن كان إخبارًا لغيره بالنية فهو عبث محض، وهو غير مشروع ولا مفيد، وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجة وزكاته، بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبه وبغضه، بل قد تكون في هذا الإخبار فائدة، وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهما بالنية فعبث محض، ولا يصح أن يكون ذلك إنشاء، فإن اللفظ لا ينشئ وجود النية، وإنما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها، فعلم بهذا أن التلفظ بها عبث محض، فتأمل هذه النكتة البديعة. انتهى.
следующие страницы →