← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». وروى أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد صحيحان. انتهى. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتكف، وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة» إسناده جيد. وإذا كان المصلي منفردًا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين، فنهي المبتدع عن الجهر بنيته أولى لأمرين: أحدهما: أن التأذي بالوسوسة أعظم من التأذي بالقراءة. الثاني: إن الجهر بالنية بدعة، والبدع يجب تغييرها والإنكار على

стр. 702

أهلها، والله أعلم. الأمر الرابع: مشابهة المجانين، فإن كلا من المجنون والموسوس بالنية يهذي بما يستقبحه كل عاقل. الأمر الخامس: تعذيب الموسوس نفسه بما لم يأمره الله به ولا رسوله ﷺ . وقد رأيت بعض الحجاج في المسجد الحرام يعالجون في إخراج النية أعظم شدة ومشقة، وتنتفخ أوداج بعضهم ويحمر وجهه، مما يصيبه من الكرب في إخراج النية، كأنه يستخرجها من أقصى جوفه، ثم يتهوع بتكبيرة الإحرام كما يتهوع الذي يتقيأ، وهذا من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان في أعناق الموسوسين، وأهل السنة في عافية منها، ولله والحمد والمنة. الأمر السادس: فوات الفضيلة على الموسوسين، وهم في ذلك درجات؛ فبعضهم تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام، وبعضهم تفوته قراءة الفاتحة، وبعضهم يتمادى به الوسواس ويردده الشيطان في تصحيح النية حتى تفوته الركعة، وربما فاته ركعتان أو ثلاث، وربما فاتته الصلاة كلها مع الجماعة، وربما صلى وحده صلوات كثيرة، كلما صلى صلاة جاءه الشيطان فقال: إنك لم تصحح النية فأعد صلاتك، فلا يزال في طاعة الشيطان متلددًا حيرانًا يدخل في الصلاة ثم يقطعها، أو يتمها ثم يعيدها، وهذا من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان في أعناق الموسوسين.

стр. 703

وإذا علم حاصل من اتبع البدعة ولم تسعه السنة فليعلم أيضا أن النية الواجبة في العبادات كلها محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين، حكى ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه. قال في جواب له: الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله ﷺ ، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل، بل النية الواجبة للعبادات كالوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصيام والكفارة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين، والنية هي القصد والإرادة، والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء، فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين من الأولين والآخرين، وليس في ذلك خلاف عند من يقتدي به ويفتي بقوله، ولكن بعض المتأخرين -من أتباع الأئمة- زعم أن اللفظ بالنية واجب ولم يقل إن الجهر بها واجب، ومع أن هذا القول خطأ صريح، مخالف لإجماع المسلمين؛ ولما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه، وكيف كان يصلي الصحابة والتابعون، فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية، ولا أمرهم النبي ﷺ بذلك، ولا علّمه لأحد من الصحابة، بل قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قال للأعرابي: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».

стр. 704

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليليها التسليم». وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ «كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين». وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع علماء المسلمين أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير، ولم ينقل مسلم لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا جهرًا ولا سرًا، ولا أنه أمر بذلك، ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان، وأنه يمتنع من أهل التواتر عادة وشرعًا كتمان نقل ذلك، فإذا لم ينقله أحد عُلم قطعًا أنه لم يكن. وأيضا فإن التلفظ بالنية فاسد في العقل، فإن قول القائل: أنوي أن أفعل كذا وكذا بمنزلة قوله: أنوي أكل هذا الطعام لأشبع، وأنوي ألبس هذا الثوب لأستتر، وأمثال ذلك من النيات الموجودة في القلب التي يستقبح النطق بها. وبالجملة فلا بد من النية في القلب بلا نزاع، وأما التلفظ بها سرًا فهل يكره أو يستحب؟ فيه نزاع بين المتأخرين، وأما الجهر بها فهو مكروه منهي عنه غير مشروع باتفاق المسلمين. وكذلك تكريرها أشد وأشد، وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن يجهر بلفظ النية ولا يكررها باتفاق المسلمين، بل ينهون عن ذلك.

стр. 705

انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى ملخصًا. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: علم الفاعل بما يفعله وقصده له هو النية، والعاقل المختار لا يفعل فعلاً إلا مسبوقًا بتصوره وإرادته، وذلك حقيقة النية، فليست النية أمرًا خارجًا عن تصور الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله، وبهذا يعلم غلط من ظن أن للتلفظ مدخلاً في تحصيل النية، فإن القائل إذا قال: نويت صلاة الظهر، أو نويت رفع الحدث، إما أن يكون مخبرًا أو منشئًا، فإن كان مخبرًا فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره، وكلاهما عبث لا فائدة فيه؛ لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبَر ما لم يكن عارفًا به، وهذا محال في إخباره لنفسه، وإن كان إخبارًا لغيره بالنية فهو عبث محض، وهو غير مشروع ولا مفيد، وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجة وزكاته، بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبه وبغضه، بل قد تكون في هذا الإخبار فائدة، وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهما بالنية فعبث محض، ولا يصح أن يكون ذلك إنشاء، فإن اللفظ لا ينشئ وجود النية، وإنما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها، فعلم بهذا أن التلفظ بها عبث محض، فتأمل هذه النكتة البديعة. انتهى.

стр. 706

فصل ومن الأفعال السيئة أيضًا تعويج الصفوف، وترك الفرج فيها، وذلك مما ينقص الصلاة؛ لما في الصحيحين، وسنن أبي داود، وابن ماجة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»، ولفظ البخاري: «من إقامة الصلاة». وفي المسند عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من تمام الصلاة إقامة الصف». وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة». وفيهما أيضا عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتسونّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وفي رواية لمسلم قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديًا صدره من الصف فقال: «عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة، والبراء، وجابر بن عبد الله، وأنس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃. وفي رواية لأحمد وأبي داود قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. صححه ابن خزيمة.

стр. 707

وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ نحو ذلك. وفي رواية لأبي داود عن النعمان بن بشير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ «يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة، فإذا استوينا كبر». وروى الإمام مالك في موطئه، عن نافع مولى ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر. وروى أيضا عن أبي سهيل نافع بن مالك الأصبحي، عن أبيه قال: كنت مع عثمان بن عفان، فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصباء بنعليه، حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثم كبر. وروى أيضا عن أبي النضر مولي عمر بن عبيد الله، عن مالك بن أبي عامر -وهو جد الإمام مالك- أن عثمان ﵁ كان لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف، فيخبرونه أن قد استوت، فيكبر. ورواه الشافعي في مسنده عن مالك. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): جاء عن عمر أنه كان يقوم مقام الإمام، لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف، فيخبره أنهم قد استووا فيكبر. وجاء عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك.

стр. 708

وروي أن بلالاً كان يسوي الصفوف، ويضرب عراقيبهم بالدرة، حتى يستووا. قال بعض العلماء: قد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد رسول الله ﷺ عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة. وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: روي عن عمر ﵁ أنه كان يوكل رجلاً بإقامة الصفوف، ولا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كان يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا، وكان علي يقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان. وقال ابن حزم: صح عن عمر ﵁ أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وصح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة. انتهى. وهذا الذي ذكره سويد في فعل بلال كان بعد النبي ﷺ بلا شك؛ لأن سويدًا لم يلق النبي ﷺ ، فلعل بلالاً كان يفعل ذلك في عهد النبي ﷺ وبعده، والله أعلم. وفي المسند وسنن أبي داود، عن محمد بن مسلم بن السائب -صاحب المقصورة- قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يومًا فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله, قال: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يده فيقول: «استووا واعدلوا صفوفكم». وفي رواية لأبي داود قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذ

стр. 709

بيمينه ثم التفت فقال: «اعتدلوا سووا صفوفكم» ثم أخذه بيساره فقال: «اعتدلوا سووا صفوفكم». وفي سنن النسائي، عنه ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «استووا، استووا، استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي». وفي المسند، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وابن ماجة، عن أبي مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وفي المسند، وسنن أبي داود، والترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لِيَلِنِي منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق» قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقد رواه مسلم في صحيحه، وليس عنده «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». قال الخطابي: «هيشات الأسواق» ما يكون فيها من الجلبة وارتفاع الأصوات، وما يحدث فيها من الفتن، وأصله من الهوش وهو الاختلاط، يقال: تهاوش القوم إذا اختلطوا، ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوش أي اختلاط واختلاف. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: المراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها

стр. 710

على سمت واحد، أو يراد بها: سد الخلل الذي في الصف. انتهى. قلت: كلا الأمرين من تسوية الصفوف وإقامتها، وظواهر الأحاديث التي تقدمت والتي ستأتي تشمل الأمرين، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ويدل على ذلك قول النعمان وأنس ﵄: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. وأما ما جاء من النص على سد الخلل، مع الأمر بتسوية الصفوف كما سيأتي في حديث أبي أمامة وابن عمر ﵃، فليس المراد بذلك المغايرة بين الأمرين، وإنما هو اهتمام ببعض أفراد تسوية الصفوف وإقامتها، والله أعلم. وفي قوله: «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» دليل على وجوب تسوية الصفوف، وهو ظاهر كلام الإمام أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه، ومال إليه الحافظ ابن حجر، قال: والتفريط فيه حرام. قال: واختلف في الوعيد المذكور؛ فقيل هو على حقيقته، والمراد بتسوية الوجه بتحويل خلقه عن وجهه (١) بجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار.

стр. 711

وفيه من اللطائف: وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة. ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة: «لتسوون الصفوف، أو لتطمسن الوجوه» أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. ومنهم من حملة على المجاز، قال النووي: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان على أي ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيده رواية أبي داود وغيره بلفظ: «أو ليخالفن الله بين قلوبكم». انتهى. قال أبو موسى المديني في قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم»: أراد وجوه القلوب؛ كحديثه الآخر: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» أي: هواها وإرادتها. انتهى، وهذا موافق لقول النووي. وذكر الحافظ أيضا فيه قولين ضعيفين لا حاجة إلى ذكرهما، والله أعلم. وفي المسند، وسنن أبي داود، والنسائي، عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وكان يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول». ورواه الحاكم في مستدركه بنحوه.

стр. 712

وفي المسند، وصحيح مسلم، والسنن إلا الترمذي، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف». وفي المسند أيضا، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف». وفي سنن أبي داود، والنسائي، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلال الصف، كأنها الحذف». قال الخطابي رحمه الله تعالى: الحذف غنم سود صغار، ويقال: إنها أكثر ما تكون باليمن. وقال أبو السعادات ابن الأثير: هي الغنم الصغار الحجازية؛ واحدتها حذفة بالتحريك، وقيل: هي صغار جرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها من جرش اليمن. قلت: وقد جاء تفسير الحذف مرفوعًا إلى النبي ﷺ ؛ فروى الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في الصغير، والحاكم في مستدركه، عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا صفوفكم، لا يتخللكم كأولاد الحذف» قيل: يا رسول الله، وما أولاد الحذف؟ قال:

стр. 713

«سود جرد تكون بأرض اليمن» هذا لفظ أحمد. ولفظ الطبراني قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «تراصوا في الصفوف، ولا يتخللكم الشيطان كأولاد الحذف» قيل: وما أولاد الحذف؟ قال: «ضأن سود تكون بأرض اليمن». ولفظ الحاكم قال رسول الله ﷺ : «تراصوا في الصف، لا يتخللكم أولاد الحذف» قلت: يا رسول الله، ما أولاد الحذف؟ قال: «ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي المسند، وسنن أبي داود، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، فإنما تصفون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا في أيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله ﵎، ومن قطع صفا قطعه الله» هذا لفظ أحمد ﵀، وصححه ابن خزيمة، والحاكم وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى النسائي منه قوله: «من وصل صفًا …» إلى آخره. وفي المسند، وسنن ابن ماجة، وصحيح ابن حبان، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة».

стр. 714

وروى الحاكم منه قوله: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف» ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي المسند أيضا، وسنن أبي داود، والنسائي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر». وفي سنن أبي داود، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار». وفي صحيح مسلم، والسنن إلا الترمذي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا فقال: «تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله». وفي المسند، وصحيح مسلم، والسنن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» قال الترمذي: حسن صحيح. وفي سنن ابن ماجة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير صفوف الرجال مقدمها، وشرها مؤخرها، وخير صفوف النساء مؤخرها، وشرها مقدمها». وفي الصحيحين، والموطأ، ومسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء

стр. 715

والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه» الحديث. وفي رواية لمسلم، وابن ماجة، عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو تعلمون -أو يعلمون- ما في الصف المقدم لكانت قرعة». وفي رواية لمسلم: «ما كانت إلا قرعة». وفي سنن النسائي، وابن ماجة، ومستدرك الحاكم، والحلية لأبي نعيم، عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ «كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا، وعلى الثاني واحدة» هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي نعيم نحوه، ولفظ ابن ماجة «كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا وللثاني مرة» قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح على شرطهما ولم يخرجا للعرباض. وفي المسند، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، عن البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول». ولابن ماجة أيضا، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك. وفي سنن أبي داود، وابن ماجة، وصحيح ابن حبان، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف». وإذا علم اعتناء النبي ﷺ وخلفائه الراشدين بتسوية الصفوف ورصها، وسد ما كان فيها من الفرجات، فالواجب على الأئمة أن يقتدوا بنبيهم ﷺ -

стр. 716

وبأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وأن يعتنوا بأمر المأمومين ولا يتركوهم هملاً، فإنهم مسؤولون عنهم كما جاء في الحديث الصحيح: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته»، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): جاء في الحديث: «إن كل مصل راع ومسئول عن رعيته» وقد قيل: إن الإمام راع لمن يصلي بهم، فما أولى الإمام بالنصيحة لمن يصلي خلفه، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم إذ كان راعيًا لهم وكان غدا مسؤولاً عنهم -إلى أن قال-: وَامُر يا عبد الله الإمام ألا يكبر أول ما يقوم مقامه للصلاة حتى يلتفت يمينًا وشمالاً، فإن رأى الصف معوجًا والمناكب مختلفة أمرهم أن يسووا صفوفهم وأن يحاذوا مناكبهم، فإن رأى بين كل [رجلين] (١) فرجة أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض حتى تتماس مناكبهم، واعلموا أن اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة، فاحذروا ذلك -ثم ذكر أحاديث في النهي عن ذلك وتقدم ذكرها ثم قال-: فتسوية الصفوف، ودنو الرجال بعضهم من بعض من تمام الصلاة، وترك ذلك نقص في الصلاة. انتهى. والواجب على المأمومين أن يمتثلوا أمر نبيهم ﷺ بتسوية صفوفهم ورصها، والمقاربة بينها، وسد الخلل فيها، ويبتعدوا عما نهاهم عنه من الاختلاف الذي يؤدي إلى الاختلاف بين وجوههم وقلوبهم، ويجب عليهم أن يسيروا على منهاج الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- في تعديل

стр. 717

صفوفهم ورصها، بحيث كان الرجل منهم يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه، ولا يتركوا بينهم فرجات تدخل فيها الشياطين، وينبغي لهم أيضا أن يسارعوا إلى الصف الأول، وميمنة الصف ليغتنموا فضل ذلك، ولا يتأخروا مع المتأخرين فيؤخرهم الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 718

فصل ومما يقع من كثير من الجُهَّال أن يصلي أحدهم منفردًا خلف الصف. وقد أنكر النبي ﷺ على من رآه يصلي فذا خلف الصف، وأمره أن يعيد الصلاة؛ قال علي بن شيبان ﵁: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه، قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلاً فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى انصرف قال: «استقبل صلاتك، لا صلاة للذين خلف الصف» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة وهذا لفظه، وأشار إليه الترمذي في جامعه. وفي رواية أحمد فقال له: «استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف». ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فلما قضي رسول الله ﷺ صلاته نظر إلى رجل خلف الصف وحده، فقال النبي ﷺ : «هكذا صليت؟» قال: نعم، قال: «فأَعِد صلاتك، فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وحده». وفي المسند، والسنن إلا النسائي، عن وابصة بن معبد ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده «فأمره أن يعيد الصلاة». ورواه ابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن. وقال ابن المنذر: ثبت الحديث أحمد، وإسحاق.

стр. 719

وفي رواية لأحمد قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصفوف وحده، فقال: «يعيد الصلاة». إذا عرف هذا فحكم النساء إذا كثرن كحكم الرجال؛ لقول النبي ﷺ : «خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ نحوه؛ فلو وقفت امرأة خلف صف النساء فذة لم تصح صلاتها؛ لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة لفرد خلف الصف». قال ابن حزم: على النساء من إقامة الصفوف إذا كثرن ما على الرجال لعموم الأمر بذلك. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: والمرأة إذا كان معها امرأة أخرى تصاففها كان من حقها أن تقف معها، وكان حكمها إن لم تقف معها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال؛ وهو أحد القولين في مذهب أحمد رحمه الله تعالى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها، قيل: هذا غير مسلم، بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال. انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى أيضًا في موضع آخر: فإن قيل لو وقفت

стр. 720

المرأة فذة خلف صف النساء صحت صلاتها، قيل: ليس كذلك؛ بل إذا انفردت المرأة عن صف النساء لم تصح صلاتها؛ كالرجل الفذ خلف صف الرجال، ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في تعليقه؛ لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة لفرد خلف الصف» خرج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرجال للحديث الصحيح بقي فيما عداه على هذا العموم. انتهى. والمقصود ههنا التنبيه على أن صلاة الفذ خلف الصف غير مجزئة، وعليه أن يعيد الصلاة، وأن حكم المرأة إذا كان معها من يصاففها كحكم الرجل، والله أعلم.

стр. 721

فصل ومما يفعله كثير من الجهال أنهم لا يفصلون بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة بالفصل المأمور به شرعًا، بل يصل أحدهم سلام الفريضة بالإحرام بالنافلة، وقد رأيت كثيرًا من أهل الآفاق يفعلون ذلك في المسجد الحرام أيام الموسم، يقومون في مواضعهم من حين يسلمون من الفريضة فيحرمون بالنافلة من غير فصل بينها وبين الفريضة، وما رأيت أحدًا ينكر ذلك عليهم وينهاهم عن مخالفة أمر النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إليَّ فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصليها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ «أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: السنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة. انتهى.

стр. 722

فصل قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب (الصلاة): ومن الحق الواجب على المسلمين أن يقدموا خيارهم، وأهل الدين، والأفضل منهم أهل العلم بالله تعالى، الذين يخافون الله ويراقبونه، وقد جاء الحديث: «إذا أم بالقوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سفال»، وجاء الحديث: «أجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قرائكم»، وإنما معناه الفقهاء والقراء أهل الدين والفضل والعلم بالله تعالى، والخوف من الله تعالى، الذين يعتنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم إن أساوؤا في صلاتهم، ومعنى القراء ليس على حفظ القرآن، فقد يحفظ القرآن من لا يعمل به، ولا يعبأ بدينه، ولا بإقامة حدود القرآن، وما فرض الله عليه فيه، وقد جاء الحديث: «إن أحق الناس بهذا القرآن من كان يعمل به وإن كان لا يقرأ»، فالإمام بالناس المقدم بين أيديهم أعلمهم بالله وأخوفهم له، وذلك واجب ولازم لهم فتزكو صلاتهم، وإن تركوا ذلك لم يزالوا في سفال وإدبار وانتقاص في دينهم، وبُعد من الله ورضوانه ومِن جنته، فرحم الله قومًا عنوا بدينهم وعنوا بصلاتهم، فقدموا خيارهم واتبعوا في ذلك سنة نبيهم ﷺ ، وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم. انتهى. وقد روى الدارقطني في سننه بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سركم أن تزكو صلاتكم فقدموا خياركم».

стр. 723

وفي سننه أيضًا بإسناد ضعيف، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله ». وفي سننه أيضًا، ومستدرك الحاكم بإسناد ضعيف، عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم». إذا علم هذا فمن أسفل السفال، وأسوأ الأفعال، تقديم المفتونين بالقبور ومن فيها من الأموات، وتقديم أشباههم من المشركين الذين يجعلون لبعض المخلوقين شيئا من خصائص الربوبية والإلهية، وكذلك تقديم الجهمية الذين كفّرهم السلف وأتباع السلف إلى يومنا هذا. وكذلك تقديم غيرهم من أهل البدع، ولا سيما من كان يظهر بدعته ويدعو إليها. وكذلك تقديم أهل الفسق والفجور، ولا سيما من كان يجاهر بالمعاصي ولا يبالي بإظهارها، وبعض القضاة والمدرسين الجاهلين يقدمون أمثال هؤلاء الذين ذكرنا، ويصلون خلفهم طوعًا واختيارًا من غير خوف ولا قهر من سلطان، فالله المستعان. وقد روى ابن ماجة في سننه، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَؤمَّنَّ امرأةٌ رجلا، ولا يَؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا؛ إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه» في إسناده مقال.

стр. 724

وروى أبو نعيم في الحلية، عن أحمد بن عبد الله بن يوسف قال: سمعت رجلاً يقول لسفيان -يعني الثوري-: رجل يكذب بالقدر، أأصلي وراءه؟ قال: لا تُقدِّموه، قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره، قال: لا تقدموه، لا تقدموه، وجعل يصيح. وروى أبو نعيم أيضًا، عن إبراهيم بن المغيرة قال: سألت سفيان -يعني الثوري-: أأصلي خلف من يقول: الإيمان قول بلا عمل؟ قال: لا، ولا كرامة. وروى أبو نعيم أيضا، عن بشر بن منصور قال: سمعت سفيان الثوري يقول، وسأله رجل فقال: على بابي مسجد إمامه صاحب بدعة؟ قال: لا تصل خلفه، قال: تكون الليلة المطيرة وأنا شيخ كبير؟ قال: لا تصل خلفه. وقال محمد بن يوسف بن الطباع: سمعت رجلاً سأل أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله: أصلي خلف من يشرب المسكر؟ قال: لا، قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: سبحان الله، أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر. وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب (الورع): سألت عبد الوهاب -يعني الوراق- عمن لا يُكفِّر الجهمية، قلت: يا أبا الحسن يصلى خلفه؟ قال: لا يُصلى خلفه، هذا ضال مضل، متهم على الإسلام. وقال سعيد بن أبي سعيد الأراطي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الصلاة خلف لمبتدعة؟ فقال: أما الجهمي فلا، وأما الرافضة الذين يردون الحديث فلا.

стр. 725

وقال في رواية أبي الحارث: لا يُصلي خلف مرجئ ولا رافضي ولا فاسق، إلا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد. وقال أبو داود: قلت أيام كان يصلي الجُمع الجهمية، قلت له -يعني أحمد بن حنبل-: الجمعة؟ قال: أنا أعيد، ومتى ما صليتَ خلف أحد ممن يقول: القرآن مخلوق فأعد، قلت: وتعرفه؟ قال: نعم. قال أبو داود: قلت لأحمد: أصلي خلف المرجئ؟ قال: إذا كان داعيًا فلا يُصلى خلفه. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: قلت لأحمد: أيُصلى خلف رجل يُقدِّم عليًا على أبي بكر وعمر؟ قال: لا يصلى خلف هذا. وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن الذي يشتم معاوية نصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة. وقال أبو داود: سمعت أحمد رحمه الله تعالى وقيل له: إذا كان الإمام يسكر؟ قال: لا يُصلى خلفه البتة. وقال أيضا: سمعت أحمد وسأله رجل قال: صليت خلف رجل ثم علمت أنه يسكر أعيد؟ قال: نعم أعد، قال: أيتهما صلاتي؟ قال: التي صليتَ وحدك. وقال أيضًا: سمعت رجلا سأل أحمد قال: رأيت رجلا يسكر، أنا أصلي

стр. 726

خلفه؟ قال: لا، قال: أصلي وحدي؟ قال: أين أنت؟! في البادية المساجد كثيرة، قال: أنا في حانوتي، قال: تخطاه إلى غيره من المساجد. وقال علي بن الموفق: سئل أحمد بن حنبل عن الصلاة خلف من يشرب النبيذ الذي يُلقى فيه الذاذي والأكشوث ولوز مُر؟ فقال أحمد: لا يُصلى خلف من يشرب هذا، ولا خلف من يجلس إلى من يشرب هذا. قلت: ومثله من يشرب الدخان الخبيث المسمي بالتتن؛ لأنه قد اجتمع فيه علتان من علل التحريم؛ الخبث والإسكار، فلا يُصلى خلف من يشربه، ولا خلف من يجالس شاربيه، ويماشيهم وينبسط إليهم. قال في القاموس: الذاذي: نبت له عنقود طويل، والأكشوث: نبت يتعلق بالأغصان ولا عرق له في الأرض. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: لا يجوز أن يولى الإمامة بالناس من يأكل الحشيشة، أو يفعل شيئا من المنكرات المحرمة مع إمكان تولية من هو خير منه. وقال أيضًا: لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة، مع القدرة على الصلاة خلف غيرهم. وقال في موضع آخر: ليس للناس أن يولوا عليهم الفساق. وذكر رحمه الله تعالى أن الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق، لكن اختلفوا في صحتها. فقيل: لا تصح؛ كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما.

стр. 727

وقيل: بل تصح؛ كقول أبي حنيفة، والشافعي، والرواية الأخرى عنهما، ولم يتنازعوا أنه لا ينبغي توليته. انتهى. إذا تقرر هذا فأصل الفسق في اللغة الخروج؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. والمراد به في الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ . قال أبو السعادات ابن الأثير: أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة، والجور، وبه سمي العاصي فاسقًا. وقال في القاموس: الفسق -بالكسر- الترك لأمر الله تعالى، والعصيان، والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق. وقال الراغب الأصفهاني: فسق فلان خرج عن حجر الشرع، وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تُعورف فيما كان كثيرًا، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة. انتهى. ومن المصائب المؤلمة أن كثيرًا من قراء زماننا والمنتسبين منهم إلى العلم قد خرجوا عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، وتجاسروا على إظهار أنواع الفسوق والعصيان بلا خجل منهم ولا استحياء كما تقدم وصفهم في حديث معاذ بن جبل ﵁ بأنهم «ليست لهم زعة»؛ فبعضهم يحلق لحيته ويتشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج في زماننا، وبعضهم ينتفها

стр. 728

نتفًا، وذلك مثل الحلق أو أقبح. وكثير منهم يصفقون بأيديهم في المحافل، تشبها بمشركي قريش وبطوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال في زماننا، وتشبهًا بالنساء أيضًا، وكثير منهم يشربون الدخان الخبيث المسمى بالتتن، ويدمون شربه وهو من المسكرات، وكثير منهم يتحلون بالساعات في أيديهم تشبهًا بالنساء في لبسهن الأساور، وكثير منهم يشترون المصورات ويقتنون الصور وينصبونها في مجالسهم، وكثير منهم يلعبون بالكرة والجنجفة ويأخذون القمار على الغلبة في ذلك، وهو من الميسر، وكثير منهم يتخذون آلات اللهو كالراديو والفونغراف، ويستمعون إلى الغناء والمزامير وأنواع الألحان وآلات اللهو والطرب، وأصوات النساء الأجنبيات ونغماتهن بالألحان المطربة التي تدعو إلى الفجور وارتكاب الفواحش، وبعضهم يدعو نساءه ليستمعن إلى ما ذُكر أو يجعل لهن آلة خاصة كلما اشتقن إلى سماع الغناء وآلات اللهو فتحنها، وبعضهم يحضر عند السينما الخبيثة، وربما حضر هو ونساؤه لمشاهدة ما فيها من السحر والخلاعة والمجون، وربما ترك بعضهم الصلاة المكتوبة أو أخرها عن وقتها إيثارًا لحضور السينما، أو للعكوف على الراديو، ويقدِّم ذلك على ذكر الله تعالى وعبادته، وبعضهم ينصب في مجلسه من الساعات التي فيها الموسيقي المطربة، وكثير منهم يعاشرون النساء الأجنبيات، ويخلون بهن، ويتلذذون بالنظر إليهن وإلى سماع أصواتهن، ومن فعل هذا لم يستبعد منه أن يفعل معهن ما هو أعظم من ذلك من المحرمات، وكثير منهم يعاشرون المردان

стр. 729

والأنذال والسفل الساقطين، وكثير منهم ينكرون على من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر … إلى غير ذلك مما يجاهرون به من أنواع الفسوق والعصيان. ومع هذا فمن هؤلاء من يتقدم إلى الإمامة في الصلاة، ولا يبالي بما هو مُصرّ عليه من المعاصي، ولا باللعن والوعيد الشديد ل من أَمَّ قومًا وهم له كارهون، ولا بِردِّ صلاته عليه كما في جامع الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ ثلاثة؛ رجل أم قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الفلاح ثم لم يجب» قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس، وطلحة، وعبد الله ابن عمرو، وأبي أمامة ﵃، ثم قال الترمذي: حدثنا هناد، أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق ﵁ قال: كان يقال: أشد الناس عذابًا اثنان؛ امرأة عصت زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون. قال جرير: قال منصور: فسألنا عن الإمام، فقيل لنا: إنما عني بهذا الأئمة الظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه. قلت: والأحاديث التي علقها الترمذي قد رُويت كلها موصولة، فأما حديث ابن عباس ﵄ فرواه الحاكم في مستدركه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لعنهم الله؛ من تقدم قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب».

стр. 730

وفي سنن ابن ماجة، عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا؛ رجل أَمَّ قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأَخَوَان متصارمان». وأما حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، فرواه الطبراني عنه أنه صلى بقوم، فلما انصرف قال: إني نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدم، أرضيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك؟! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل أم قومًا وهم له كارهون لم تجاوز صلاته أذنيه». وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فرواه أبو داود وابن ماجة في سننيهما قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة؛ من تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا؛ والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته، ورجل اعتبد محرره». وأما حديث أبي أمامة ﵁، فرواه الترمذي في جامعه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم؛ العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلت: وفي الباب أيضا عن جنادة بن أبي أمية ﵁ مرفوعًا: «من أَمَّ قومًا وهم له كارهون فإن صلاته لا تجاوز ترقوته» رواه الطبراني. وفي سنن أبي داود، وصحيح ابن حبان، عن أبي سهلة السائب بن خلاد -من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا أَمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: «لا يصلي لكم»، فأراد بعد ذلك

стр. 731

أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «نعم»، وحسبت أنه قال: «إنك آذيت الله ورسوله». وروى الطبراني في الكبير، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بالناس الظهر، فتفل في القبلة وهو يصلي بالناس، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر، فأشفق الرجل الأول، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، ولكنك تَفَلْتَ بين يديك وأنت تؤم الناس، فآذيت الله والملائكة». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا كان المرء يُعزل لأجل إساءته في الصلاة، وبصاقه في القبلة، فكيف بالمُصرِّ على أكل الحشيشة، لا سيما إن كان مستحلاً للمسكر منها كما عليه طائفة من الناس، فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ إذ السكر منها حرام بالإجماع، واستحلال ذلك كفر بلا نزاع. انتهى. قلت: وكذا يقال فيمن يستحل السكر، من أي نوع كان من المسكرات كالكلولونيا، والاسبرتو، والدخان المنتن الخبيث المسمى بالتتن، وغير ذلك من أنواع الخمور المسكرة، وسواءً كان المسكر مأكولاً، أو مشروبًا، أو مشمومًا، فكل ما وجد فيه الإسكار فهو حرام بالنص والإجماع، ومن استحله كفر، والله أعلم. وإذا عرف أن النبي ﷺ بادر الذي بصق في القبلة بعزله عن الإمامة ولم يعذره بالجهل؛ فالواجب على المسلمين أن يتبعوا نبيهم ﷺ في أفعاله،

стр. 732

ويمتثلوا جميع أقواله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فإذا تقدم في الإمامة مستور الحال، ثم ظهر أنه يفعل شيئًا من المنكرات التي تقدح في عدالته مما ذكرنا قريبا ومما لم نذكره فالواجب المبادرة بعزله، اقتداء بالنبي ﷺ في عزله الذي بصق في القبلة، وامتثالاً لقوله ﷺ : «ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم» رواه أبو داود، وابن ماجة، من حديث ابن عباس ﵄. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هم الفقهاء والقراء، أهل الدين والفضل والعلم بالله تعالى والخوف من الله تعالى، الذين يعتنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم إن أساؤوا في صلاتهم … إلى آخر كلامه، وتقدم في أول الفصل. وأما القراء الذين يقيمون حروف القرآن، ويضيعون حدوده، فليسوا بأهل للإمامة والولايات الدينية، وما أكثرهم في هذه الأزمان، لا كثرهم الله، وما أشبهم بالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، وتولية هؤلاء وأشباههم في الولايات الدينية خيانة قبيحة؛ لما في مستدرك الحاكم، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان ورسوله وخان المؤمنين» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فالواجب على المسلمين أن يولوا في الإمامة وغيرها من الولايات

стр. 733

الدينية من كان عدلاً مرضيًا، ولا يجوز لهم أن يولوا الفُسَّاق والجُهَّال، ولا يُقروا أحدًا منهم مع القدرة على عزله، ولا يُصلُّوا خلف فاسق مع القدرة على الصلاة خلف غيره. وكذلك ينبغي للناس أن لا يصلوا خلف من يأخذ كراء على إمامته، ولا سيما إن كان يشارط على ذلك. قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال لقوم: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟! وقد قال النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص ﵁: «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. فكل من الإمامة والأذان لا تجوز أخذ الأجرة عليه، ولا ينبغي أن يولى فيهما من طلب الأجرة عليهما، وإن أُعطي رزقًا من بيت المال بدون طلب منه ومشارطة وبغير إشراف نفس فلا بأس من أن يأخذه، والله أعلم. وقد روى أبو نعيم في الحلية، من حديث علي الطنافسي، حدثنا عبد الرحمن بن مصعب قال: كان رجل ضرير يجالس سفيان الثوري، فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى السواد، فيصلي بالناس، فيُكسى ويُعطى، فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم ويقال لمثل هذا قد تعجلت ثوابك في الدنيا، فقال: يا أبا عبد الله، تقول لي هذا وأنا

стр. 734

جليسك! قال: أخاف أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسك، أفلا نصحته؟ قلت: لعل هذا الضرير إنما كان يخرج إلى السواد يصلي بأهله من أجل ما يحصل منهم من الكسوة والعطية، وهذا من طلب الدنيا بعمل الآخرة؛ فلهذا قال له سفيان رحمه الله تعالى ما قال. وما أكثر السالكين على منهج هذا الضرير من أهل زماننا من ضريرين وأصحاء، فالله المستعان. وقد تقدم في حديثي ابن مسعود وحذيفة ﵄: «إن من أشراط الساعة التماس الدنيا بعمل الآخرة» وقد وقع الأمر طبق ما جاء فيهما، فصارت أعمال الآخرة طرقًا ووسائل لتحصيل حطام الدنيا وملاذها، ومن ذلك أخذ الأجرة على الإمامة والأذان، وتعلم العلم وتعليمه، وغير ذلك من أعمال الآخرة، والله المستعان.

стр. 735

فصل ومن أسوأ الأفعال وكبائر الإثم التخلف عن الجمعة والجماعة من غير عذر، وقد فشا هذا المنكر الذميم في زماننا وظهر، وكثر في القراء والمنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين، فضلاً عن الجهال والغوغاء ونحوهم من العوام والسوقة. وهذا مصداق ما تقدم ذكره في حديث معاذ بن جبل، وحديث أنس، وحديث حذيفة ﵃: «أنه يكون في آخر الزمان قراء فسقة»، ولهذا كثير منهم يعكفون على الراديو لاستماع ما يذاع فيه من الهذيانات وأنواع المجنون والمحرمات، ويؤْثِرون الحضور عنده على حضور الصلوات في الجماعات، وربما أخَّر أحدهم الصلاة عن وقتها إيثارًا للعكوف على الراديو أو على الجرائد والمجلات وما شابهها من الكتب العصرية التي قل خيرها وكثر شرها وعظم ضررها على الدين، وربما ترك أحدهم الصلاة بالكلية، وبعضهم إذا نُهي عن تخلفه عن الصلاة في جماعة غضب من ذلك واشمأز واستكبر عن قبول النصيحة، وأخذ يعذر نفسه بما ليس بعذر، ويجادل من نهاه عن المنكر ويقع في عرضه بالسب والتنقص وأنواع الأذى، فيجمع بين أنواع كبائر الإثم، وقد وقع هذا كثيرًا من الذين مَثَلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ وما ذاك إلا لاستهانتهم بالصلاة، وقلة رغبتهم في الباقيات الصالحات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 736

فأما الأعمال الدنيوية والوظائف التي فيها تحصيل الحطام والحظوظ العاجلة فإنهم يثابرون عليها، ويحافظون على الأوقات المقررة لها، ويقطعون كل شاغل يشغلهم عنها ولو كان من أحب الأشياء إليهم، وإذا حضر وقتها سارعوا إليها في أوله بجد ونشاط ورغبة صادقة خوفًا من العزل وخشية أن يقتطع عليهم من الراتب شيء ولو كان درهمًا أو بعض درهم، وكذلك أرباب الوظائف والأعمال الدنيوية من غير المنتسبين إلى العلم ترى كثيرًا منهم يثابرون على الوظائف والأعمال الدنيوية، ويحافظون على الأوقات المقررة لها، ويسارعون إليها في أول وقتها خوفًا من العزل بسبب التأخر، وإذا جاء وقت الصلاة وهم في عمل من أعمالهم جعلوا ذلك العمل عذرًا لهم عن حضور الجماعة، وإن لم يكونوا في عمل فإنه يحضرهم النوم والكسل وأنواع الشواغل المثبطة عن حضور الجماعة. وكذلك غيرهم من المشتغلين بالأعمال الدنيوية من غير من أشرنا إليهم، فكثير منهم لا يبالون بالصلاة، ولا بحضور الجمعة والجماعة. وكذلك العاكفون على أنواع اللهو واللعب وما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ مثل الراديو والسينما والفونغراف والكرة والجنجفة والكيرم، وغير ذلك من أنواع المسير والملاهي، هم من أكثر الناس تهاونًا بالصلاة، وتخلفًا عن الجمعة والجماعة، وقد رأينا من هذه الأجناس الرديئة كثيرًا، فالله المستعان. وقد جعل الله ﵎ الصلاة علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين، فمن اهتم بها وحافظ على أدائها تامة في أوقاتها وفي جماعة فذلك دليل على إيمانه، ومن تهاون بها فلم يتمها، أو ضيع أوقاتها أو تخلف عن

стр. 737

الجماعة من غير عذر فذلك دليل على نفاقه، قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. وفي رواية للترمذي: «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد …» والباقي نحوه.

стр. 738

وأما المنافقون فقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قال ابن عباس ﵄: هم المنافقون، يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله : شرابين للقهوات -يعني الخمور- تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجماعات، ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا». قال النووي رحمه الله تعالى: فيه الحث البليغ على حضورهما. وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): دل هذا على أن الصلاة كلها

стр. 739

ثقيلة على المنافقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما؛ لقوة الداعي إلى تركهما؛ لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم. انتهى. وفي المسند، وسنن أبي داود، والنسائي، وصحيح الحاكم، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب» قال الحاكم: قد حكم أئمة الحديث؛ يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيي الذهلي وغيرهم لهذا الحديث بالصحة، وصححه الحاكم أيضا، وأقره الذهبي في تلخيصه. وفي سنن ابن ماجة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبوًا». وروى الطبراني في الكبير، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ مثله. وفي الصحيحين، والموطأ، ومسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما لو حبوًا».

стр. 740

وروى مالك في الموطأ أيضًا، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما» أو نحو هذا. ورواه الشافعي في مسنده، عن مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة، ولم يذكر فيه سعيد بن المسيب، وما في الموطأ هو المعتمد. وروى البزار، والطبراني، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا إذا تخلف منا إنسان في صلاة العشاء والصبح في جماعة أسأنا به الظن أن يكون قد نافق. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه. وروى الإمام أحمد، والطبراني، عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله تعالى ينادي بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه». وفي سنن ابن ماجة، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق». وفي صحيح مسلم، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله؛ يعني ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن
следующие страницы →