← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عنهم- عن النبي ﷺ نحو حديث أبي هريرة ﵁. أما حديث أبي سعيد فرواه ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وأما حديث جابر فرواه ابن جرير في تفسيره. وأما حديث أبي أيوب فرواه ابن مردويه في تفسيره. الحديث الثامن عشر: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً» رواه الحافظ أبو يعلى، والبزار، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأشار إليه الترمذي في جامعه، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. الحديث التاسع عشر: عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات؛ فأما المهلكات: فَشُحٌّ مطاع، وهوى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما الكفارات: فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» رواه الطبراني وغيره.

стр. 772

الحديث العشرون: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة -قال: أحسبه في المنام- فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، أو قال: في نحري، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه … الحديث» رواه الإمام أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عائش، عن النبي ﷺ . الحديث الحادي والعشرون: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال النبي ﷺ … فذكر نحو حديث ابن عباس ﵄. رواه البغوي في تفسيره، عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي ﷺ . ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (السنة) عن أبيه بإسناده إلى عبد الرحمن بن عائش، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ . الحديث الثاني والعشرون: عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ نحو حديث ابن عباس، وفيه قال: «وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات،

стр. 773

والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات» الحديث رواه الإمام أحمد وغيره. الحديث الثالث والعشرون: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام» متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة». الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الخامس والعشرون: عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: أو قلتُ له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : «قد جمع الله لك ذلك كله» رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وهذا لفظ مسلم، وفي رواية له: «إن لك ما احتسبت» وهي رواية ابن ماجة. الحديث السادس والعشرون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة» متفق عليه.

стр. 774

الحديث السابع والعشرون: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» رواه مسلم. وفي رواية له وللإمام أحمد أنه ﷺ قال لهم: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم». الحديث الثامن والعشرون: عن أنس ﵁ قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة وقال: «يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم» فأقاموا. رواه البخاري وابن ماجة. الحديث التاسع والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا. رواه الترمذي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الثلاثون: عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ قال: فثبتوا. رواه ابن ماجة، وابن جرير، والطبراني. الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح»

стр. 775

رواه الإمام أحمد، والشيخان. الحديث الثاني والثلاثون: ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وروى الطبراني في الكبير، عن ابن مسعود ﵁ مثله مرفوعًا. الحديث الثالث والثلاثون: عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: «الغدو والرواح إلى المساجد من الجهاد في سبيل الله» رواه الطبراني وغيره. الحديث الرابع والثلاثون: عنه ﵁ أيضا، عن رسول لله ﷺ قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله ؛ رجل خرج غازيا في سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله » رواه أبو داود في سننه، والبخاري في (الأدب المفرد)، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. الحديث الخامس والثلاثون: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاهد في سبيل الله كان ضامنًا على الله، ومن جلس في بيته لا يغتاب أحدًا بسوء كان ضامنًا على الله، ومن عاد مريضًا كان ضامنًا على الله، ومن غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنا على الله،

стр. 776

ومن دخل على إمام يعزره كان ضامنًا على الله» رواه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث رواته ثقات ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة في ضمان الله ؛ رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ، ورجل خرج غازيا في سبيل الله، ورجل خرج حاجًا» رواه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا عبد الله بن الزبير، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁. الحديث السابع والثلاثون: عن جابر ﵁ مرفوعًا: «ثلاث من كن فيه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظلم، وإطعام الجائع» رواه أبو الشيخ في كتاب (الثواب)، والأصبهاني في كتاب (الترغيب والترهيب). الحديث الثامن والثلاثون: عن بريدة بن الحصيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث غريب. الحديث التاسع والثلاثون: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، عن النبي بمثل حديث بريدة. رواه ابن ماجة، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. الحديث الأربعون: عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ نحو حديث

стр. 777

بريدة وسهل ﵄. رواه ابن ماجة، والحاكم في مستدركه وقال: إنها رواية مجهولة. الحديث الحادي والأربعون: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد آتاه الله نورًا يوم القيامة» رواه أبو نعيم في الحلية. الحديث الثاني والأربعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المشاؤون إلى المساجد في الظلم، أولئك الخواضون في رحمة الله» رواه ابن ماجة. الحديث الثالث والأربعون: عن أنس ﵁ مرفوعًا: «إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم» رواه الدارقطني في الأفراد وقال: غريب. الحديث الرابع والأربعون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. الحديث الخامس والأربعون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما عمار المساجد هم أهل الله» رواه عبد بن حميد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، والبيهقي في سننه.

стр. 778

الحديث السادس والأربعون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له من حين يخرج من بيته كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة بإسناد صحيح، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأحمد والحاكم قال رسول الله ﷺ : «لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته» هذا لفظ أحمد، وفي رواية الحاكم: «كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم». الحديث السابع والأربعون: عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين؛ قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله» رواه الترمذي، والضياء في المختارة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. الحديث الثامن والأربعون: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله له بها عتقًا من النار» رواه ابن ماجة. الحديث التاسع والأربعون: عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإيمان، ومن غدا إلى

стр. 779

السوق غدا براية إبليس» رواه ابن ماجة. ومن أعظم فضائل المشي إلى المساجد للصلاة فيها مع الجماعة أن ذلك من سنن الهدى التي شرعها الله تعالى لرسوله محمد ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ متمسكًا بهذه السنة هو وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وكفى باتِّباع طريقة رسول الله ﷺ وطريقة أصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- شرفًا وفضيلة لمن اقتفى أثرهم وسار على منهاجهم، مع ما وعد الله على ذلك من محبته ورضوانه والفوز بالجنة والنجاة من النار، فانظروا أيها المخالفون للسنة المثلى بتخلفكم في البيوت والمدارس من غير عذر، ماذا فاتكم من الخيرات والفضائل! مع ما ارتكبتم من معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ بتخلفكم ومشابهتكم المنافقين الذين ذمهم الله ورسوله ﷺ ، ومع ما يلحقكم على التخلف عن الصلاة في المساجد من الوعيد الشديد كما تقدم ذكره في الفصل الذي قبل هذا. فاتقوا الله أيها المفرطون في صلاة الجماعة ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ

стр. 780

تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٨]

стр. 781

فصل وقد تلاعب الشيطان بجَهَلة المقلدين للأئمة الأربعة مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وحسَّن لهم التفرق والاختلاف الذي نهى الله عنه وذم أهله، فصاروا في بعض الأمصار يصلي كل أهل مذهب وحدهم، ولا يصلون مع أهل المذهب الآخر، وربما اجتمع الكل في بعض المساجد الكبار فيقوم فريق منهم يصلون وحدهم والباقون من أهل المذاهب جلوس ينتظرونهم، فإذا فرغوا قام أهل المذهب الثاني يصلون وحدهم، فإذا فرغوا قام أهل المذهب الثالث يصلون وحدهم، فإذا فرغوا قام أهل المذهب الرابع يصلون وحدهم، وهذا خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ولم يحدث هذا التفرق والاختلاف إلا بعد القرون المفضلة، وما زال جهال المقلدين متمسكين به إلى زماننا، ولكن ذلك في بعض الأمصار دون بعض، وقد كان معمولاً به في الحرمين الشريفين في الأزمان الماضية، حتى يسر الله محوه على أيدي النجديين (١) ولله الحمد والمنة. ولا يخفى على طالب علم لا يتعصب للمذاهب، أن تفرق المقلدين في الصلوات الخمس من الأمور المحدثة المخالفة لهدي رسول الله ﷺ ، فيكون مردودًا بنص رسول الله ﷺ كما في الصحيحين، وسنن أبي داود،

стр. 782

وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي المسند، والسنن، عن العرباص بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم، والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحق» قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعًا، ولا أعرف له علة، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد كان النبي ﷺ يصلي بأصحابه، ولا يتخلف عن الصلاة معه إلا من بعدت دورهم وشق عليهم المجيء إلى مسجده، وكذلك كان في أسفاره يصلي بأصحابه جميعًا، ولا يتخلف عن الصلاة معه إلا من كان له عذر يمنعه عن الحضور، حتى أنه كان في حال الخوف ومصافّة العدو يصلي بأصحابه جميعًا، وهذا بخلاف ما عليه جهال المقلدين في حال الأمن، فإنهم يجتمعون في المسجد الواحد فيقيمون فيه جماعتين أو ثلاثة أو أربعا من غير عذر، فهم في واد ورسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان في واد آخر، وليس لجهال المقلدين مستند فيما يفعلونه إلا الجهل الصرف والتقليد الأعمى الذي كان أئمة المذاهب ينهون أصحابهم عنه.

стр. 783

وقد كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة فرأى رجلاً معتزلاً لم يصل معهم أنكر عليه، كما في الصحيحين وغيرهما، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: «ما منعك أن تصلي؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». وفي المسند، والسنن إلا ابن ماجة، عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال: «عليَّ بهما» فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا»؛ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم. وفي الموطأ، والمسند، وسنن النسائي، عن بسر بن محجن، عن أبيه محجن بن الأدرع الأسلمي ﵁ أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى، ورجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم» قال: بلى يا رسول الله، كنت قد صليت في أهلي، فقال له: «إذا جئت المسجد وكنت قد صليت فأقيمت الصلاة فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت». وفي سنن أبي داود، عن يزيد بن عامر ﵁ قال: جئت والنبي ﷺ في الصلاة، فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله

стр. 784

- ﷺ فرأى يزيد جالسًا فقال: «ألم تُسلم يا يزيد؟» قال: بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال: «فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟» قال: إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: «إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة وهذه مكتوبة». وهذه الأحاديث دالة على أنه يجب الإنكار على جهلة المقلدين الذين يجتمعون في المسجد الواحد ويعتزل بعضهم بعضًا، وإذا كان النبي ﷺ قد أمر المصلين في رحالهم بإعادة الصلاة مع الجماعة وأنكر عليهم الاعتزال عنهم، فلا ريب أن الإنكار على المقلدين الذين وصفنا حالهم أولى، ولارتكابهم ما أنكره رسول الله ﷺ ، مع مخالفتهم لهديه وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان، فالواجب على أهل العلم وولاة الأمور الذين يعمل عندهم بالتفرق بين أهل المذهب أن يبذلوا جهدهم في محو ذلك عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وفي المسند، وسنن أبي داود، والنسائي، عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاتهم مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» وهذا الحديث دال على أن التفرق في صلاة الجماعة في المسجد

стр. 785

الواحد خلاف ما يحبه الله ويرضاه. وفي صحيح مسلم، وسنن النسائي، وابن ماجة، عن ابن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». وفي سنن أبي داود، والنسائي، عن البراء بن عازب ﵄ نحوه. وإذا كان اعوجاج الصفوف من أسباب اختلاف القلوب، فما الظن باختلاف الجماعة الواحدة وتفرقهم في المسجد الواحد كل فريق منهم يصلون وحدهم، ولا يستجيزون الصلاة مع الآخرين، فهذا أحرى باختلاف القلوب وتنافرها، فالله المستعان.

стр. 786

فصل ومن المنكر الفاشي في زماننا تحجر الأمكنة القريبة من الإمام في المسجد ولا سيما يوم الجمعة، فإن كثيرًا من الجهال يتسابقون فيه إلى تحجر الصف الأول بما يضعونه فيه من العصي والخرق والنعال وغير ذلك كالمفارش في بعض البلدان، وربما تحجروا في الصف الثاني والثالث وغيرهما من الصفوف، وكثير من الجُهَّال يتحجر موضعين وثلاثة وأكثر من ذلك له ولأبيه ومن يعز عليه من قريب وصديق وغيرهما، وكثير من الذين يتحجرون الأمكنة أو تُتَحجر لهم لا يأتون إلى المسجد إلا إذا قرب وقت الصلاة، وكثير منهم يتخطون رقاب الناس ويؤذونهم فيجمعون بين ثلاثة أشياء كل منها منهي عنه: أحدها: غصب المواضع الفاضلة، ومنع السابقين قبلهم من الصلاة فيها. الثاني: تأخير الرواح إلى الصلاة. الثالث: إيذاء الناس بتخطي رقابهم، وقد جاءت السنة بذم من فعل ذلك؛ ففي الموطأ عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة. قال ابن عبد البر: هذا المعنى مرفوع. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له

стр. 787

رسول الله ﷺ : «اجلس، فقد آذيت» زاد أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: «وآنيت» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي سنن ابن ماجة، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجعل يتخطى الناس، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس، فقد آذيت وآنيت». قال أبو عبيد الهروي: أي آذيت الناس بتخطيك، وأخرت المجيء وأبطأت. وروى الطبراني، عن أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب الناس إذ جاء رجل يتخطى رقاب الناس حتى جلس قريبا من النبي ﷺ ، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما منعك يا فلان أن تجمع معنا؟» قال: يا رسول الله، قد حرصت أن أضع نفسي بالمكان الذي ترى، قال: «قد رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ». وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر؛ رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]».

стр. 788

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عندهم، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها» قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر مثالها. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وروي أبو داود أيضًا، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظُهرًا». وروى الإمام أحمد، والطبراني في الكبير، والحاكم في مستدركه، عن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قُصْبَه في النار»؛ القصب بالضم الأمعاء. وروى الإمام أحمد أيضا، والترمذي، وابن ماجة، عن معاذ بن أنس الجُهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم» قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتخطى

стр. 789

الرجل يوم الجمعة رقاب الناس، وشددوا في ذلك، وقد تكلم بعض أهل العلم في رشدين بن سعد وضعفه من قبل حفظه. انتهى. وجزم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وغير واحد من علماء الحنابلة أنه يحرم تخطي رقاب الناس. قلت: ودليل التحريم ظاهر من الأحاديث التي ذكرنا. وقال أبو العباس في موضع آخر: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس، ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى. وحكى رحمه الله تعالى الاتفاق على النهي عن تقديم المفارش إلى المسجد. ومثل ذلك ما يفعل في زماننا من تقديم العصي والخرق والنعال. قال رحمه الله تعالى في جواب له: وأما ما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها قبل ذهابهم إلى المسجد فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين، بل يحرم، وهل تصح صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، ومن صلى في بقعة في المسجد مع منع غيره أن يصلي فيها فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة؟ على وجهين، وفي الصلاة في الأرض المغصوبة قولان للعلماء، وهذا مستند من كره الصلاة

стр. 790

في المقاصير التي يمنع الصلاة فيها عموم الناس. والمشروع في المسجد أن الناس يُتمون الصف الأول كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أن قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا». والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من وجه تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه للسابقين أن يصلوا فيه وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا وفي الحديث «الذي يتخطى رقاب الناس يتخذ جسرًا إلى جهنم». ثم إذا فرش هذا فهل لمن يسبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له؛ لأنه تصرف في ملك الغير. والثاني: وهو الصحيح أن لغيره رفعه والصلاة مكانه؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم، وهو مأمور بذلك أيضا، وهو لا يتمكن من فعل المأمور به واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش، وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، وأيضا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب وذلك منكر، وقد قال ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، لكن

стр. 791

ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وأما إذا تقدم الرجل بنفسه إلى مكان فاضل في المسجد، وصلى فيه ما تيسر ثم وضع فيه عصاه أو نعليه أو خرقة أو غير ذلك، وخرج لأكل، أو شرب، أو وضوء، أو غلبة نوم، أو قام إلى ناحية من نواحي المسجد لشمس أو ظل أو نحو ذلك، فقد قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين رحمه الله تعالى: إن هذا ما يقال فيه شيء. وقال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى وضوء فله الخروج، وإذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به، وحكمه في التخطي حكم من رأى بين يديه فرجة. انتهى. قلت: والأولى اجتناب التخطي مهما أمكن؛ لأمرين: أحدهما: رجاء أن يحوز فضل الجمعة تامًا؛ لقوله في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم «… ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام» ونحوه ما في حديثه الآخر، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄. الثاني: السلامة من الوعيد لمن تخطى رقاب الناس، والله أعلم.

стр. 792

فصل وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ يدخلون المسجد في نعالهم وخفافهم، ويصلون فيها، كما في الصحيحين، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك ﵁: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم. ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن حريب، وشداد بن أوس، وأوس الثقفي، وأبي هريرة، وعطاء؛ رجل من بني شيبة. وفي الصحيحين عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله ﵁ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل، فقال: «رأيت النبي ﷺ صنع مثل هذا» هذا لفظ البخاري. وفيهما أيضا عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «وضأت النبي ﷺ فمسح على خفيه وصلى» هذا لفظ البخاري. وفي سنن ابن ماجة، عن ابن أبي أوس قال: كان جدي أوس أحيانًا يصلي فيشير إليَّ وهو في الصلاة، فأعطيه نعليه، ويقول: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه». وله أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لقد رأينا رسول الله ﷺ يصلي في النعلين والخفين».

стр. 793

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وفيه قصة وهي: أن عبد الله بن مسعود ﵁ أتى أبا موسى الأشعري في منزله، فحضرت الصلاة، فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنا وأعلم، قال: لا، بل تقدم أنت، فإنما أتيناك في منزلك ومسجدك فأنت أحق، فتقدم أبو موسى فخلع نعليه، فلما سلم، قال: ما أردت إلى خلعهما، أبالوادي المقدس أنت؟! «لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي في الخفين والنعلين». وفي المسند، وسنن أبي داود، وابن ماجة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا وحافيًا ومنتعلاً». وروي أبو نعيم في الحلية، من حديث مكحول، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا، ومنتعلاً، وينصرف عن يمينه، وعن شماله». وفي سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القومُ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا» وقال: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا فليمسحه وليصل فيهما». ورواه الإمام أحمد، والحاكم بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط

стр. 794

مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي بنعليه وفيهما قذر فأخبره جبريل فحذفهما وأتم صلاته». وفي صحيح الحاكم عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة قط إلا مرة واحدة، خلع فخلع الناس فقال: «مالكم؟» قالوا: خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: الصلاة في النعلين، وقد صلى رسول الله ﷺ في نعليه، فخلعهما، فخلع الناس، فلما قضى الصلاة قال: «لم خلعتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: «إن جبريل ﵇ أتاني فقال: إن فيهما دم حلمة». وفي سنن أبي داود، وصحيح الحاكم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأبي داود: «إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب». وله أيضا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمعناه. وروى أبو داود أيضا، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا

стр. 795

يصلون في نعالهم ولا خفافهم». ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: «صلوا في نعالكم، ولا تشبهوا باليهود» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي السنن إلا الترمذي، عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يصلي يوم الفتح، ووضع نعليه عن يساره». وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: «حضرت رسول الله ﷺ يوم الفتح، وصلى في قِبَل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره …» وذكر تمام الحديث. وقد رواه الحاكم في مستدركه مستشهدًا به لحديث أبي هريرة ﵁ المذكور بعده، وهو ما رواه أبو داود في سننه، والحاكم من حديث يوسف بن ماهك، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره؛ فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد رواه أبو داود، والحاكم أيضا من حديث الأوزاعي، حدثني محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجمعهما بين رجليه أو ليصل فيهما» هذا لفظ أبي داود.

стр. 796

ولفظ الحاكم: «إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه، أو ليصل فيهما» قال الحافظ الذهبي في تلخيصه: على شرطهما؛ يعني الشيخين. وقد رواه الحاكم أيضًا من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله القرشي، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه، أو ليخلعهما بين رجليه، ولا يؤذ بهما غيره» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد -وهو ضعيف- عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألزِم نعليك قدميك، فإن خلعتهما فاجعلهما بين رجليك، ولا تجعلهما عن يمينك ولا عن يمين صاحبك ولا ورائك فتؤذي من خلفك». ورواه الطبراني في الصغير، من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليخلعهما بين رجليه» في إسناده يحيى بن عبد الله البابلتي، روى له البخاري تعليقًا، وتكلم فيه ابن حبان وابن عدي. وفي الموطأ، عن أبي سهيل نافع بن مالك الأصبحي، عن أبيه قال: كنت مع عثمان، فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصا بنعليه، حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أن قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثم كبَّر.

стр. 797

فهذا ما تيسر إيراده من الأحاديث في هذا الفصل، وقد اشتملت على فوائد كثيرة نذكر منها ما يتعلق بالمقصود ههنا: إحداها: أن الصلاة في النعال والخفاف سُنّة عن رسول الله ﷺ ، أمر بها، وفعلها هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ولهذا لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أيصلي الرجل في نعليه؟ قال: إي والله. فأما الصلاة في الخفاف فلا يزال العمل بها باقيًا في كثير من البلاد الإسلامية حتى الآن، وأما الصلاة في النعال فقد عفى أثرها في هذه الأزمان حتى صارت في بعض الأماكن من قبيل البدع ومنكرات الأفعال. الثانية: جواز دخول المساجد في النعال والخفاف خلافًا لما عليه كثير من الناس. الثالثة: أمر من جاء إلى المسجد أن يقلب نعليه أو خفيه وينظر فيهما، فإن رأى فيهما قذرًا أو أذى مسحه بالتراب، وصلى فيهما. الرابعة: أن مسحهما بالتراب يطهرهما ولا حاجة إلى الغسل. الخامسة: أن من نسي أن ينظر في نعليه أو خفيه حتى فرغ من صلاته فصلاته صحيحة، ولو كان فيهما نجاسة. السادسة: أن من علم بنجاسة نعليه وهو في الصلاة فعليه أن يخلعهما، فإن لم يفعل بطلت صلاته لملابسته للنجاسة عالمًا مختارًا. السابعة: نهي المصلي أن يؤذي أحدًا بنعليه إذا خلعهما. الثامنة: نهيه أن يضعهما عن يمينه أو عن يمين غيره.

стр. 798

التاسعة: إرشاده إلى وضعها بين رجليه، أو عن يساره إن كان إمامًا، وكذلك المأموم والمنفرد، إذا لم يكن عن يسارهما أحد. ويفهم من فحوى حديث أبي هريرة ﵁ أنه لا يجوز للمصلي أن يضع نعليه قِبَل وجهه؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بوضعهما بين الرجلين أو عن اليسار إذا كان خاليًا، فدل على أنه لا يجوز وضعهما قِبَل الوجه. وأيضا فإن جهة الإمام في حال الصلاة أشرف من جهة اليمين فما نزهت عنه جهة اليمين فجهة الإمام أولى بالتنزيه عنه، ويدل على ذلك ما في الصحيحين وغيرهما، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى». وفي الصحيحين وغيرهما، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدميه». وفي رواية للبخاري: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبَل قِبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه». وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه

стр. 799

فيدفنها» هذا لفظ البخاري. وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى». وفي سنن أبي داود أيضا، وصحيح الحاكم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والمَلَك عن يمينه، فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه، وليبصق تحت قدمه اليسرى أو عن يساره» هذا لفظ الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن جهة قبلة المصلي أشرف من جهة يمينه، وأنه يجب تنزيههما عن البصاق، فدل ذلك على أنه ينبغي تنزيه جهة القبلة عن وضع النعلين فيهما كجهة اليمين، بل هي أولى بالتنزيه والاحترام، والله أعلم. وقد جاء في هذا حديث مرفوع، فروى الطبراني في الصغير بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا خلع أحدكم نعليه في الصلاة فلا يجعلهما بين يديه فيأتم بهما، ولا من خلفه فيأتم (١) بهما أخوه المسلم، ولكن ليجعلهما بين رجليه». وقد خفي الأمر بوضع النعلين بين الرجلين في الصلاة أو عن اليسار إذا

стр. 800

كان خاليًا على كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا هذا فضلا عن العامة، وقلَّ أن يُرى أحد يعمل في هذا بمقتضى حديث أبي هريرة ﵁، بل قد صار عمل الخاصة والعامة على خلافه، فتراهم يضعون النعال أمامهم وعن أيمانهم وعن أيمان الغير، ولا يرون بذلك بأسًا، والحامل لهم على هذا جهلهم بالسنة، فالواجب على من علم بأمر الرسول ﷺ في هذا وغيره أن يُعلِّم الجاهلين به، فقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: جاء الحديث عن النبي ﷺ أن قال: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه». والواجب على الجاهل أن يقابل أمر الرسول ﷺ بالرضا والتسليم. وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس ﵁ مرفوعًا: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم» وإنما يكون الويل للعالم إذا ترك تعليم الجاهل كما هو مصرح به في الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والويل للجاهل إذا أمره العالم بمعروف فلم يأتمر أو نهاه عن منكر فلم ينته، والله أعلم. العاشرة: من فوائد الأحاديث المتقدمة أن العمل اليسير في الصلاة معفو عنه. الحادية عشرة: أن الأمة أُسوتها نبيُّها ﷺ في الأحكام ما لم يرد دليل على الاختصاص، ولهذا لما خلع النبي ﷺ نعليه بادر الصحابة ﵃ فخلعوا نعالهم تأسيًا به. الثانية عشرة: أن ترك الصلاة في النعال والخفاف من فعل اليهود.

стр. 801

الثالثة عشرة: الأمر بمخالفتهم والنهي عن التشبه بهم. الرابعة عشرة: الرد على الموسوسين الذين لا يصلون في النعال والخفاف، ولا يدخلون المساجد فيها إما بالكلية كما في بعض الأماكن وإما إلى موضع الصلاة كما في أماكن أخرى، وهذا من الغلو والتعمق، والرغبة عما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وقد جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب، فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قالت: صنع رسول الله ﷺ أمرًا فترخص فيه، فبلغ ذلك ناسًا من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فقام خطيبًا فقال: «ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية». وفي لفظ له: قالت: رخص رسول الله ﷺ في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: «ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية». وفي الصحيحين أيضا من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رغب عن سُنتي فليس مِنِّي».

стр. 802

ومن غلو الموسوسين وتعمقهم أنهم يمنعون غيرهم من دخول المساجد في النعال والخفاف، وينكرون ذلك عليهم أشد الإنكار، ولا سيما في المسجد الحرام والمسجد النبوي، فإن العامة لا يمكِّنون أحدا من الدخول فيهما بنعليه ولا خفيه إلا أن يكونا في يده، ولو رأوا أحدًا يدخل فيهما بنعليه أو خفيه لاستعظموا ذلك واشتد إنكارهم على فاعله، وربما عدوه مبتدعًا أو مرتكبًا لكبيرة من الكبائر، وإنما يحملهم على هذا جهلهم بالسنة، وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- من التيسر وترك التعسير، كما في صحيح البخاري، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا أبا داود، عن أنس بن مالك ﵁ نحوه. ولابن ماجة أيضا عن واثلة بن الأسقع ﵁ نحو ذلك. وفي المسند، وسنن أبي داود، عن ابن عمر ﵄ قال: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. ورواه البخاري في صحيحه مختصرًا معلقًا بصيغة الجزم. وفي صحيح البخاري أيضًا، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا الترمذي،

стр. 803

عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله. الحديث. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد» الحديث. وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد ومسلم: «حتى أناخ بفناء الكعبة». وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر». وعن جابر بن عبد الله، وعائشة، وأبي الطفيل، وصفية بنت شيبة، وابن عباس ﵃ نحو ذلك. فأما حديث جابر ﵁ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وأما حديث عائشة ﵂ فرواه مسلم، والنسائي. وأما حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة ﵁ فرواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة. وأما حديث صفية بنت شيبة ﵂ فرواه أبو داود، وابن ماجة. وأما حديث ابن عباس ﵄ فرواه الإمام أحمد، وأبو داود وفيه: «فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين».

стр. 804

وفي الصحيحين، والموطأ، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا الترمذي، عن أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ : إني اشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور. وفي رواية للبخاري والنسائي، فقال النبي ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس». ففي هذه الأحاديث بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من التيسير على أمته. فمن ذلك أنه ترك الأعرابي الجاهل يتم بوله في المسجد، ونهى أصحابه أن يزرموه بأن يقطعوا عليه بوله، وأمرهم أن يصبوا على بوله ذنوبًا من ماء، ثم دعا الأعرابي فعلمه برفق وقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ . رواه مسلم من حديث أنس ﵁. وعند ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إليَّ بأبي وأمي فلم يؤنب ولم يسب فقال: «إن هذا المسجد لا يبال فيه، وإنما بني لذكر الله وللصلاة …» الحديث، وهذا بعكس ما يفعله كثير من الجهال في هذه الأزمان مع متبعي السنة، فإنهم إذا رأوا أحدًا منهم يدخل المسجد في نعليه كان أهون ما يفعلون معه أن يعنفوه ويوبخوه على فعله، ولا يردهم عنه كونه ينظر في نعليه قبل أن يدخل المسجد ويمسح ما فيهما من الأذى والقذر، وهذا في الحقيقة إنكار للسنة، ورد على النبي ﷺ كما

стр. 805

هو معلوم من الأحاديث التي تقدمت في أول الفصل، والله أعلم. ومن ذلك أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد النبوي في زمان رسول الله ﷺ ، ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- يعبأون بذلك، وهذا أعظم مما ينكره الجهال من المشي في المساجد بالنعال والخفاف. ومن ذلك أنه ﷺ أدخل بعيره في المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأفضلها على الإطلاق، وأعظمها حرمة عند الله تعالى، وأولاها بالتطهير والتنزيه من جميع الأقذار، وطاف ﷺ راكبًا عليه، وأناخه في المسجد بفناء الكعبة، وأمر أم سلمة ﵂ أن تطوف على بعيرها، وأقرَّ الأعرابي على إدخاله بعيره في المسجد النبوي وعقله إياه فيه، وهذا أعظم مما ينكره الجهال من المشي بالنعال والخفاف في المسجدين الشريفين وغيرهما من المساجد؛ لأن ما يخشى من تلويث المسجد بما يعلق بالنعال والخفاف من الأذى والقذر يخشى أكثر منه في أخفاف البعير؛ فإن الإنسان يحترز غالبًا من وطء الأقذار بخلاف البعير، وأيضًا فإن الإنسان مأمور إذا أتى المسجد أن ينظر في نعليه ويمسح ما يراه فيهما من الأذى والقذر، وبذلك يطهران ويزول عنهما ما يخشى من تلويث المسجد، وأيضا فإن البعير لا يؤمن أن يلوث المسجد برجيعه وبوله، وهما وإن كانا طاهرين فتنزيه المسجد منهما أولى، ولما كان الشارع المبعوث بالتيسير والحنيفية السمحة لم يعبأ بشيء مما يحتمل وقوعه من البعير، ولم يُنقل عنه أنه نظر في أخفاف بعيره لما أراد أن يدخله المسجد الحرام، ولا أمر أم سلمة

стр. 806

والأعرابي بشيء من ذلك، دل هذا على أن في الأمر سعة، ولكن الجهال الموسوسين قد أبوا ذلك، وضيقوا على الناس، حتى منعوهم من دخول المسجدين بالنعال والخفاف فضلا عما فعله رسول الله ﷺ وأمر به وأقره، فالله المستعان (١). وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، وابن ماجة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد، ومسلم، والبخاري تعليقًا مجزومًا به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». ورواه الدارقطني في سننه، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بلفظ: «من فعل أمرًا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: المراد بأمره ههنا: دينه وشرعه. انتهى. والرد هنا: بمعنى المردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول. قال النووي وغيره: معناه فهو باطل غير معتد به. انتهى. ومن تأمل الأحاديث التي ذكرنا في أول الفصل علم أن إنكار دخول المساجد في النعال والخفاف وإنكار الصلاة فيها إنما هو جهل صرف، وأمر محدث، ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، والله أعلم.

стр. 807

فصل ومن المذموم شرعًا زخرفة المساجد والمباهاة فيها، وقد فشا ذلك في هذه الأزمان، وسيأتي الكلام عليه وسياق ما ورد في ذلك من الأحاديث في فصول التحذير من التشبه باليهود والنصارى والمشركين إن شاء الله تعالى، وبه الثقة (١).

стр. 808

فصل وقد أحدث الجهال في الأذان محدثات زينها لهم الشيطان اللعين. فمنها: المبالغة في التطريب به في بعض الأماكن، حتى يصير شبيهًا بالغناء والأصوات الموسيقية. ومنها: الانتفاض حال التأذين في أماكن أخرى، بحيث يكون المؤذن كالمحموم، أو المصاب بالبرد الشديد. ومنها: تمطيطه والتنطع في إخراجه حتى يتولد من الحرف حرف آخر أو حرفان أو ثلاثة أو أكثر من شدة التمطيط، وفي هذه الأفعال المبتدعة من الاستهزاء بذكر الله تعالى، والاستخفاف بشأن الأذان ما لا يخفى على من في قلبه حياة، وتسمية أهلها بالمستهزئين بذكر الله تعالى أولى من تسميتهم بالمؤذنين، فالواجب على المسلمين تغيير هذه المنكرات بحسب القدرة، والواجب على ولاة الأمور أن يفعلوا مع المطربين بالأذان ونحوهم من المبتدعين فيه مثل ما فعله النبي ﷺ مع سلفهم في هذه البدعة، وما فعله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أيضا؛ ففي سنن الدارقطني، عن ابن عباس ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب، فقال رسول الله ﷺ : «إن الأذان سمح سهل؛ فإن كان أذانك سهلاً سمحًا وإلا فلا تؤذن». وذكر البخاري في صحيحه تعليقًا مجزومًا به، ووصله ابن أبي شيبة: أن مؤذنًا أذَّن فطرّب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا.

стр. 809

وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على المطرب في الأذان فالإنكار على الذين يجعلونه شبيهًا بالغناء والأصوات الموسيقية أولى وأحرى، وكذلك الذين يمططونه، ويتنطعون فيه، وينتفضون معه، فكل هؤلاء أولى بأن ينكر عليهم؛ لأنهم أعظم استخفافًا بالأذان ممن يطرب به. ويجب أيضا تغيير ما زادته الرافضة في الأذان من الجُمل التي ما أنزل الله بها من سلطان، إنما هي من تزيين الشيطان وكيده؛ كقولهم: أشهد أن عليًا ولي الله، وكقولهم: حي على خير العمل. والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

стр. 810

فصل ومن الاستهزاء بذكر الله تعالى ما يفعل في المسجد الحرام يوم العيد، من التجاوب بالتكبير بين أهل المنارات وأهل المقامات بأصوات عالية ملحنة، يخرجونها مخرجًا واحدًا على نحو ما يفعله أهل الغناء المحرم، وقد رأيت بعض الحاضرين يطربون لهذه الأصوات كما يطرب المفتونون بالغناء للغناء، وفعلهم هذا من البدع التي يجب إنكارها، وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ ما هو دون ذلك، وعده ابن مسعود ﵁ من البدع؛ فروى الطبراني في الكبير، عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعودا على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى ﵁ فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود ﵁ فقال: أبا موسى، ما جاء بك هذه الساعة؟ قال: لا والله، إلا إني رأيت أمرا ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير؛ قوم جلوس في المسجد ورجل يقول: سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معه (١) حتى أتاهم فقال: ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وأزواجه شواب، وثيابه وآنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم. وروى الدارمي، عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة فإذا
следующие страницы →