والأعرابي بشيء من ذلك، دل هذا على أن في الأمر سعة، ولكن الجهال الموسوسين قد أبوا ذلك، وضيقوا على الناس، حتى منعوهم من دخول المسجدين بالنعال والخفاف فضلا عما فعله رسول الله ﷺ وأمر به وأقره، فالله المستعان (١).
وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، وابن ماجة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وفي رواية لأحمد، ومسلم، والبخاري تعليقًا مجزومًا به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
ورواه الدارقطني في سننه، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بلفظ: «من فعل أمرًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: المراد بأمره ههنا: دينه وشرعه. انتهى.
والرد هنا: بمعنى المردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول.
قال النووي وغيره: معناه فهو باطل غير معتد به. انتهى.
ومن تأمل الأحاديث التي ذكرنا في أول الفصل علم أن إنكار دخول المساجد في النعال والخفاف وإنكار الصلاة فيها إنما هو جهل صرف، وأمر محدث، ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، والله أعلم.
стр. 807
فصل
ومن المذموم شرعًا زخرفة المساجد والمباهاة فيها، وقد فشا ذلك في هذه الأزمان، وسيأتي الكلام عليه وسياق ما ورد في ذلك من الأحاديث في فصول التحذير من التشبه باليهود والنصارى والمشركين إن شاء الله تعالى، وبه الثقة (١).
стр. 808
فصل
وقد أحدث الجهال في الأذان محدثات زينها لهم الشيطان اللعين.
فمنها: المبالغة في التطريب به في بعض الأماكن، حتى يصير شبيهًا بالغناء والأصوات الموسيقية.
ومنها: الانتفاض حال التأذين في أماكن أخرى، بحيث يكون المؤذن كالمحموم، أو المصاب بالبرد الشديد.
ومنها: تمطيطه والتنطع في إخراجه حتى يتولد من الحرف حرف آخر أو حرفان أو ثلاثة أو أكثر من شدة التمطيط، وفي هذه الأفعال المبتدعة من الاستهزاء بذكر الله تعالى، والاستخفاف بشأن الأذان ما لا يخفى على من في قلبه حياة، وتسمية أهلها بالمستهزئين بذكر الله تعالى أولى من تسميتهم بالمؤذنين، فالواجب على المسلمين تغيير هذه المنكرات بحسب القدرة، والواجب على ولاة الأمور أن يفعلوا مع المطربين بالأذان ونحوهم من المبتدعين فيه مثل ما فعله النبي ﷺ مع سلفهم في هذه البدعة، وما فعله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أيضا؛ ففي سنن الدارقطني، عن ابن عباس ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب، فقال رسول الله ﷺ : «إن الأذان سمح سهل؛ فإن كان أذانك سهلاً سمحًا وإلا فلا تؤذن».
وذكر البخاري في صحيحه تعليقًا مجزومًا به، ووصله ابن أبي شيبة: أن مؤذنًا أذَّن فطرّب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا،
وإلا فاعتزلنا.
стр. 809
وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على المطرب في الأذان فالإنكار على الذين يجعلونه شبيهًا بالغناء والأصوات الموسيقية أولى وأحرى، وكذلك الذين يمططونه، ويتنطعون فيه، وينتفضون معه، فكل هؤلاء أولى بأن ينكر عليهم؛ لأنهم أعظم استخفافًا بالأذان ممن يطرب به.
ويجب أيضا تغيير ما زادته الرافضة في الأذان من الجُمل التي ما أنزل الله بها من سلطان، إنما هي من تزيين الشيطان وكيده؛ كقولهم: أشهد أن عليًا ولي الله، وكقولهم: حي على خير العمل.
والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
стр. 810
فصل
ومن الاستهزاء بذكر الله تعالى ما يفعل في المسجد الحرام يوم العيد، من التجاوب بالتكبير بين أهل المنارات وأهل المقامات بأصوات عالية ملحنة، يخرجونها مخرجًا واحدًا على نحو ما يفعله أهل الغناء المحرم، وقد رأيت بعض الحاضرين يطربون لهذه الأصوات كما يطرب المفتونون بالغناء للغناء، وفعلهم هذا من البدع التي يجب إنكارها، وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ ما هو دون ذلك، وعده ابن مسعود ﵁ من البدع؛ فروى الطبراني في الكبير، عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعودا على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى ﵁ فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود ﵁ فقال: أبا موسى، ما جاء بك هذه الساعة؟ قال: لا والله، إلا إني رأيت أمرا ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير؛ قوم جلوس في المسجد ورجل يقول: سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معه (١) حتى أتاهم فقال: ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وأزواجه شواب، وثيابه وآنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم.
وروى الدارمي، عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة فإذا
стр. 811
خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أَخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ! أو مفتتحي باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه!
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في (زوائد الزهد)، والطبراني، وأبو الفرج بن الجوزي واللفظ له، عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قومًا ما يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل
стр. 812
يقول كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فاتِنِي فأَخبِرنِي بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء -وكان رجلاً حديدًا- فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا! عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لتضلن ضلالا بعيدًا.
وفي رواية الطبراني: فأمرهم أن يتفرقوا.
وروى محمد بن وضاح، أن عبد الله بن مسعود ﵁ حُدِّث أن ناسًا يسبحون بالحصى في المسجد، فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى، فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو قد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا!
إذا علم هذا، فصنيع المتجاوبين بالتكبير يوم العيد مما لا ريب أنه من المنكرات، وأنه أعظم مما أنكره ابن مسعود وأبو موسى ﵄، وأولى بأن ينكر على فاعليه، ويمنعوا منه، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: ما في فعل المتجاوبين بالتكبير من التطريب به، واجتماع الجماعة على إخراجه بأصوات عالية متطابقة، كأنها من تطابقها صوت واحد على نحو ما يفعله المغنون، وهذا المسلك مما ينبغي تنزيه ذكر الله وإجلاله عنه.
الثاني: التشويش على من في المسجد الحرام من التالين للقرآن والذاكرين الله تعالى بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح وغير ذلك من
стр. 813
أنواع الذكر والدعاء، فتلتبس القراءة على القاري والذكر على الذاكر والدعاء على الداعي، وقد نهي النبي ﷺ عن الجهر بالقرآن إذا حصل من الجهر به تشويش على الغير، كما في الموطأ، عن أبي حازم التمار، عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة -أو قال- في الصلاة».
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. انتهى.
وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتكف، وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة» إسناده جيد.
وإذا كان المصلي منفردًا، ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين فنهي
стр. 814
المتجاوبين بالتكبير أولى؛ لأن صنيعهم فيه من المحدثات، مع ما في ذلك من التشويش على التالين والذاكرين والداعين، وقد قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الشيخان، وأبو داود، وابن ماجة، من حديث عائشة ﵂.
وفي رواية لأحمد، ومسلم، والبخاري تعليقًا مجزومًا به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
стр. 815
فصل
ومن أعظم أسباب اغتراب الإسلام تهاون الأكثرين بالزكاة المفروضة؛ إيتاءً، وتفريقًا، وأخذًا.
فأما الإيتاء فالناس فيه على طرائق شتى:
منهم من يترك الزكاة بالكلية ولعلهم الأكثرون من المنتسبين إلى الإسلام.
ومنهم من يخرج الزكاة عن بعض ماله ويترك بعضه فلا يزكيه.
ومنهم من يخرجها عن الأموال الظاهرة ويتركها عن الخفية.
وكثير من أهل الزروع والثمار لا يخرجون الزكاة إلا بقدر المخروص عندهم، ولا يخرجونها عما زاد عليه، وبعضهم يخرج الزكاة من رديء ما عنده، وبعض الناس تكون عنده الأعناب الكثيرة وغيرها من أنواع الحبوب والثمار التي تكال وتدخر فلا يخرج منها الزكاة.
ومن التجار من يخرجها عما عنده من الذهب والفضة ولا يخرجها عن عروض التجارة.
ومنهم من لا يعتني بإحصاء ماله، بأن يعد المعدودات ويقوم غيرها من العروض بقيمتها وقت إخراج الزكاة ليخرج الزكاة كاملة عن الجميع، وإنما يخرج عنها بالحدس والتخمين، ونحو ذلك مما لا تبرأ به الذمة.
وبعض الناس تكون تجارته في الرقيق أو في المواشي أو في العقارات كالأراضي والبيوت والدكاكين وغيرها، أو في السيارات وغيرها من المتحركات، فإذا جاء وقت الزكاة أهملها ولم يسلك بهذه الأشياء سبيل عروض التجارة؛ بأن يقومها بقيمتها حينئذ، ليخرج الزكاة عنها كاملة
стр. 816
موفرة؛ وإنما يخرج عنها بالحدس والتخمين، وبعضهم يترك الزكاة عنها بالكلية ولا يعبأ بها.
فكل هؤلاء الذين ذكرنا متهاونون بالزكاة، مفرطون في ركن عظيم من أركان الإسلام، وأقل الناس من يخرج الزكاة من أصناف ماله كاملة موفرة طيبة بها نفسه، وقد تقدم الكلام في حكم تارك الزكاة عمدًا، وذكرت هناك أن طائفة من السلف ذهبوا إلى تكفيره، وذكرت دليل قولهم من الكتاب والسنة واتفاق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة، والحكم عليهم بالردة، وذكرت أيضًا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب (السنة) بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم.
وروى عبد الله أيضًا بإسناد صحيح عنه أنه قال: من أقام الصلاة ولم يؤد الزكاة فلا صلاة له.
وروى أيضا بإسناد صحيح عنه أنه قال: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له.
وروى أسد بن موسى، عن الضحاك قال: لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها:
إحداها: قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [التغابن: ١٢]، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
стр. 817
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
وذكر هذا الأثر الحافظ الذهبي في كتاب (الكبائر).
وعنه ﵁ أنه قال: صلاتنا وزكاتنا أُختَان.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا ابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن الله قرن الزكاة في كتابه مع الصلاة، فمن ترك الزكاة فلا صلاة له. ذكره الآجري في كتابه (الشريعة).
وقد جاء في هذا حديث مرفوع رواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن أسلم الطواسي، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا عبد الحكم، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة رجل لا يؤدي الزكاة حتى يجمعهما؛ فإن الله تعالى قد جمعهما، فلا تفرقوا بينهما».
قلت: وقد تتبعت الآيات التي قُرنت فيها الصلاة والزكاة فوجدت ذلك في سبعة وعشرين موضعًا، وذكرت الزكاة وحدها في مواضع كثيرة، وهذا مما يدل على شرفها وعظم شأنها عند الله تعالى، ولهذا كانت أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين والصلاة.
стр. 818
ومن فضائلها: أن الله تعالى جعلها طُهرة وزكاة لأهل الأموال كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال البغوي رحمه الله تعالى: تطهرهم بها من ذنوبهم، وتزكيهم بها أي ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وقيل: تنمي أموالهم. انتهى.
قلت: ولا منافاة بين القولين، وكلا المعنيين موجود في الزكاة، فإن فيها تطهير للمزكين وتنمية لأموالهم، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد، والحاكم، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضره، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «تخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومن فضائلها أيضًا: أن الله تعالى جعل أداءها آية من آيات الإيمان والإحسان، وسببا من أسباب الهداية والفلاح، والرحمة والمغفرة والرضوان، والفوز بالجنة والنجاة من النار، قال الله تعالى: ﴿الم * تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ١ - ٥]، وقال تعالى: ﴿طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى
стр. 819
وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقد تقدم قريبًا قول ابن إسحاق البغوي: إن عسى من الله حق، وقول البغوي وابن كثير: إن عسى من الله واجبة.
قال البغوي: أي فأولئك هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة. انتهى.
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا
معاوية الغاضري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من فعلهن فقد ذاق طعم الإيمان؛ من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام؛ ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيرها، ولم يأمركم بشرها وزكى نفسه» فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: «أن يعلم أن الله معه حيث كان» هذا لفظ الطبراني.
وروى أبو جعفر ابن جرير وأبو بكر الآجري، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة؛ من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها، وكأنه يقول: وأيم والله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأدى الأمانة» قال أبو الدرداء: وما أداء الأمانة؟ قال: «الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها».
ورواه الطبراني في الصغير، وأبو نعيم في الحلية بنحوه.
وهذا الحديث في سنن أبي داود، من رواية أبي سعيد ابن الأعرابي عنه، وفيه اختصار يسير عما هنا.
وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة نور، والصدقة برهان …» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه النسائي وابن ماجة بلفظ: «الصلاة نور والزكاة برهان».
стр. 822
قال الراغب الأصفهاني: البرهان: أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا لا محالة.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: البرهان: الحجة والدليل، أي أنها حجة لطالب الأجر من أجل أنها فرض يجازي الله به وعليه، وقيل: هي دليل على صحة إيمان صاحبها لطيب نفسه بإخراجها، وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال. انتهى.
وعلى القول الأخير اقتصر النووي في شرح الأربعين، قال: وسميت صدقة لأنها دليل على صدق إيمانه؛ وذلك أن المنافق قد يصلي ولا تسهل عليه الصدقة غالبًا، ونقل نحو هذا في شرح مسلم، ثم قال: فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه، والله أعلم. انتهى.
وروى ابن ماجة، والبزار، والحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راضٍ» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي أيوب ﵁ أن أعرابيًا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار، قال: فكفّ النبي ﷺ ثم نظر في أصحابه ثم قال: «لقد وفق، أو لقد هدي» قال: كيف؟ قال: فأعاد، فقال النبي ﷺ : «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم
стр. 823
الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة» هذا لفظ مسلم.
وفيهما أيضا، عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».
وروى الإمام أحمد، وأهل السنن إلا أبا داود، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الطبراني وغيره، من حديث المغيرة بن عبد الله اليشكري، أن أباه حدثه قال: انطلقت إلى الكوفة فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له ابن المنتفق وهو يقول: وُصف لي رسول الله ﷺ ، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه حتى خلصت إليه، فأخذت بخطام راحلته، فما غير عليّ، قال: شيئين أسألك عنهما؛ ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى السماء ثم أقبل عليَّ بوجهه الكريم فقال: «لإن كنت أوجزت
стр. 824
المسألة، لقد أعظمت وطولت فاعقل عليَّ، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان».
وفي الصحيحين، والموطأ، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال رسول الله ﷺ : «وصيام رمضان» قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق»، وفي رواية: «أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق».
وروى الإمام أحمد، والبخاري تعليقًا، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «صدق» قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله» قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: «نعم»
стр. 825
قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: «صدق» قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؟ فقال النبي ﷺ : «لئن صدق ليدخلن الجنة».
وقد رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس ﵁ بنحوه، ورواية أبي داود مختصرة.
وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه أيضا.
وكذا لأحمد، والحاكم، من حديث ابن عباس ﵄ وفي آخره فقال رسول الله ﷺ : «إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة».
ورواه أبو داود مختصرًا، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن حبان في صحيحه، والدارقطني في سننه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي، من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» قال الترمذي: هذا حديث حسن
стр. 826
صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علة ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه.
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث يزيد بن مرثد، عن أبي الدرداء ﵁ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: «ما عصمة هذا الأمر، وعراه، ووثائقه؟» قال: فعقد بيمينه فقال: «أخلصوا عبادة ربكم، وأقيموا خمسكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، تدخلوا جنة ربكم».
وروى الطبراني في الأوسط والصغير، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمن حوله من أمته: «اكفلوا لي ست خصال أكفل لكم الجنة؛ الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان» قال المنذري: إسناده لا بأس به، وقال الهيثمي: فيه حماد الطائي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
وفي سنن النسائي، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، فقيل له: ادخل بسلام».
ورواه البخاري في تاريخه، وابن جرير في تفسيره، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند، وسنن النسائي، عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 827
- ﷺ : «من عَبَدَ الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة، أو دخل الجنة».
ورواه الحاكم في المستدرك بنحوه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعراف له علة، ولم يخرجاه.
وفي سنن النسائي أيضا، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ومات لا يشرك بالله شيئًا، كان حقًا على الله أن يغفر له، هاجر أو مات في مولده» الحديث.
وروى ابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه، عن عبيد بن عمير، عن أبيه ﵁ أنه حدثه -وكانت له صحبة- أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: «ألا إن أولياء الله المصلون، من يقيم الصلوات الخمس التي كتب الله عليه، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها» ثم إن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: «تسع؛ الشرك بالله، وقتل نفس المؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا» ثم قال: «لا يموت رجل لم يعمل هذه الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي ﷺ في دار أبوابها مصاريع من ذهب».
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد روى أبو داود، والنسائي في سننيهما طرفًا منه في ذكر الكبائر فقط.
стр. 828
وكل ما جاء في القرآن والسنة من مدح الإنفاق والصدقة، ووعد المنفقين والمتصدقين بجزيل الأجر والثواب، فعمومه يشمل الواجب والمندوب، والله أعلم.
ومن فضائل الزكاة أيضا أنها تطهر المال، وتطيبه وتذهب شره، كما في صحيح البخاري، وسنن ابن ماجة، عن خالد بن أسلم قال: خرجت مع عبد الله بن عمر ﵄ فلحقه أعرابي، فقال له قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال ابن عمر ﵄: مَن كنزها، فلم يؤد زكاتها، فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهورًا للأموال.
زاد في رواية ابن ماجة: ثم التفت فقال: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا، أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله .
وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم».
قال: فكبر عمر ﵁. الحديث.
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم
стр. 829
يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومن فضائل الزكاة أيضا: أن في أدائها براءة من الشح الذي هو أشد البخل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي، والطبراني وغيرهما، عن خالد بن زيد بن حارثة الأنصاري ﵁ مرفوعًا: «برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة».
وروى الطبراني أيضا في معجمه الصغير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح؛ من أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب».
ومن فضائلها أيضا: أنها حصن للمال، وحرز له من التلف والآفات، وهذا أمر معروف عند الناس؛ حتى إن العامة يقولون في المال إذا وقع في مظان الهلكة وسلم منها: هذا مال مزكى، ويقولون مثل هذه الكلمة أيضا في الشيء يضيع أو يسرق ثم يجده صاحبه.
وقد روى الطبراني، وأبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف، عن ابن مسعود
стр. 830
- ﵁ مرفوعًا: «حصِّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء».
وروى أبو داود في مراسيله، عن الحسن مرسلاً نحوه.
وروى الطبراني أيضا بإسناد فيه ضعف عن عمر ﵁ مرفوعًا: «ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة».
وله أيضا من حديث عبادة نحوه وزاد: «فحرزوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا طوارق البلايا بالدعاء، فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، ما نزل يكشفه وما لم ينزل يحبسه».
ومن فضائل الزكاة أيضًا: أنها سبب لنماء المال وكثرته، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]: إن المعنى تنمي أموالهم.
قال النووي في شرح مسلم: الزكاة في اللغة النماء والتطهير، فالمال ينمي بها من حيث لا يُرى، وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب، وقيل: ينمي أجرها عند الله تعالى، وسميت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوي فيها، وقيل: لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة إيمانه. انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: سُمِّيت بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس أي تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها. انتهى.
стр. 831
وأيضا فإن إيتاء الزكاة على الوجه المأمور به من أعظم الشكر على نعمة المال، وقد وعد الله الشاكرين بالمزيد، وأقسم على ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
ومن فضائل الزكاة أيضا: أنها من الخصال التي اهتم بها النبي ﷺ عند موته، وأوصى بها أمته -إن صح الحديث بذلك- فروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، والبخاري في (الأدب المفرد) عن علي ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: قلت: إني أحفظ وأعي، قال: «أُوصِي بالصلاة، والزكاة، وما ملكت أيمانكم».
فهذا ما يسره الله تعالى من بيان فضائل الزكاة، وحيث كانت بهذه المثابة فينبغي لكل مسلم أن يبادر إلى إخراجها إذا جاء وقتها ولا يؤخرها، ويخرجها من أوسط ما عنده من الأموال كاملة موفرة طيبة بها نفسه، ولا يتبعها منا ولا أذى، ولا يريد بها رياء ولا سمعة، ولا يبتغي بها محمدة الناس وثنائهم عليه، بل يخرجها إيمانًا واحتسابًا يريد بها وجه الله تعالى ويرجو برها وذخرها في الدار الآخرة، ومن أخرجها على هذا الوجه فعسى أن يحوز فوائدها الدنيوية والأخروية، ولو لم يكن للأغنياء فيها من الفوائد إلا أن أموالهم تحفظ بسببها وتنمو وتكثر، لكان ينبغي لهم أن يبادروا إلى إخراجها لأجل هذه الفائدة، والله الموفق.
стр. 832
فصل
وقد ورد الوعيد الشديد لمانع الزكاة والتصريح بلعنه، قال الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وقد تقدم الكلام على معنى الويل مستوفى عند ذكر الوعيد للمتهاونين بالصلاة فليراجع.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وفي المسند، وصحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوي بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم
стр. 833
كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله إما إلى لجنة وإما إلى النار» قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار …» وذكر تمام الحديث.
ورواه أبو داود في سننه بنحو مما ذكر ههنا.
ورواه البخاري، والنسائي مختصرًا، وزاد النسائي قال: «ويكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعًا أقرع، يفر منه صاحبه ويطلبه: أنا كنزك، فلا يزال حتى يلقمه أصبعه».
ورواه ابن ماجة من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تأتي الإبل التي لم يعط الحق منها تطأ صاحبها بأخفافها، وتأتي البقر والغنم تطأ صاحبها بأظلافها وتنطحه بقرونها، ويأتي الكنز شجاعًا أقرع فيلقى صاحبه يوم القيامة فيفر منه صاحبه مرتين ثم يستقبله، فيقر فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا كنزك أنا كنزك، فيتقيه بيده فيلقمها».
قوله: «شجاعًا»: هو بضم الشين؛ الحية الذكر، و «الأقرع» الذي قد تمعط جلد رأسه؛ لكثرة سمه وطول عمره. قاله أبو عبيد الهروي وغيره من أئمة اللغة.
стр. 834
وقال القرطبي: الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم، ومن الناس الذي لا شعر برأسه.
قال النووي: وقيل: الشجاع الذي يواثب الراجل والفارس ويقوم على ذَنَبِه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحاري.
وفي صحيح مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر، تستن عليه بقوائمها وأخفافها، ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها، ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جمَّاء ولا منكسر قرنها، ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فرّ منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لابد منه سلك يده في فيه، فيقضمها قضم الفحل».
وقال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: «حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله».
ثم رواه مسلم، والنسائي من وجه آخر، عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي
стр. 835
حقها إلا أُقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جمّاء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله، ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه، ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا رأى أنه لابد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل».
وفي الصحيحين، والمسند، والسنن إلا أبا داود، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس».
وروى الحافظ أبو يعلى، وابن جرير، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك بعده كنزًا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يتبعه، فيقول: من أنت ويلك؟! فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الحافظ الذهبي في تلخيصه: على شرطهما؛ يعني الشيخين.
وفي مستدرك الحاكم أيضا، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعًا أقرع ذا زبيبتين يتبع صاحبه وهو يتعوذ منه، فلا يزال يتبعه وهو يفر منه حتى يلقمه إصبعيه» قال
стр. 836
الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قوله: «له زبيبتان»؛ قال الجوهري وغيره: هما الزَّبَدتان في الشدقين.
وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عيني الحية.
وقال غيره: هما نقطتان تكتنفان فاها.
وقيل: هما في حلقها بمنزلة زنمتي العنز.
وقيل: لحمتان على رأسها مثل القرنين.
وقيل: نابان يخرجان من فيها.
وفي صحيح البخاري، وسنن النسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه الله ما لا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعًا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية. وقد رواه مالك في موطئه، والشافعي في مسنده، من طريق مالك مختصرًا موقوفًا.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، ولفظه قال رسول الله ﷺ : «من كان له مال فلم يؤد حقه جعل يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يتبعه حتى يضع يده في فيه، فلا يزال يقضمها حتى يقضى بين العباد».
وفي المسند، وسنن النسائي، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك، أنا كنزك».
وروى الشافعي، وأحمد، وأهل السنن إلا أبا داود، عن عبد الله بن
стр. 837
مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، حتى يطوق عنقه» ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. هذا لفظ ابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن خزيمة والحاكم.
وفي الصحيحين، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: «بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل» قال: فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا. وذكر تمام الحديث، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية له، عن الأحنف بن قيس قال: كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر وهو يقول: «بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم» قال: ثم تنحى فقعد، قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر، قال: فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئا قد سمعته من نبيهم ﷺ ، قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه.
وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: والله الذي لا إله غيره لا يكوى عبد بكنز، فيمس دينار دينارًا، ولا درهم درهمًا، ولكن يوسع جلده
فيوضع كل دينار ودرهم على حدته.
стр. 838
إذا عرف هذا، فللكنز معنيان؛ لغوي، وشرعي.
فأما معناه في اللغة، فقال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى: الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض أم على ظهرها.
قال النووي رحمه الله تعالى: وزاد صاحب العين وغيره: وكان مخزونًا.
قلت: وكذا قال الراغب الأصفهاني: الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من كنزت التمر في الوعاء. انتهى.
واقتصر الجوهري وغيره من أئمة اللغة على تعريف الكنز بأنه المال المدفون.
والصحيح ما قاله غيرهم؛ لأن الله تعالى أطلق اسم الكنز على المدفون وعلى غير المدفون؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] فهذا في المدفون، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨] فهذا في غير المدفون، وقال تعالى فيما جمع بعضه على بعض: ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦].
وأما معناه في الشرع، فقال الإمام مالك في موطئه: عن عبد الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ وهو يسأل عن الكنز، ما هو؟
стр. 839
فقال: هو المال الذي لا تؤدي منه الزكاة.
ورواه الإمام الشافعي في مسنده من طريق مالك.
وروى الشافعي أيضا، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يقول: كل مال تؤدي زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا، وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونًا.
وقال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب ما أدى زكاته فليس بكنز، لقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ثم ذكر ما رواه الزهري ﵁ عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر ﵄ فقال أعرابي: أخبرني عن قوله الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عمر ﵄: من كنزها فلم يؤد زكاتها، فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال.
ورواه ابن ماجة في سننه وزاد: ثم التفت فقال: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله .
وروى البيهقي، من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا وموقوفًا: «كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض».
قال البيهقي رحمه الله تعالى عن المرفوع: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة ﵃ موقوفًا، ومرفوعًا.
стр. 840
قلت: أما حديث ابن عباس ﵄ فروى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: ما أدى زكاته فليس بكنز.
وأما حديث جابر وأبي هريرة ﵄ فسيأتي ذكرهما قريبا إن شاء الله تعالى.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض.
ويشهد لهذه الآثار ما تقدم قريبا في حديث جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن مسعود ﵃ أن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوقه، ويقول: أنا مالك، أنا كنزك.
وفي سنن أبي داود، والدارقطني، ومستدرك الحاكم، عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال أبو السعادات ابن الأثير: الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب عليه لم يبق كنزًا وإن كان مكنوزًا، وهو حكم شرعي تجوز فيه عن الأصل.
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: والاسم الشرعي قاض على الاسم اللغوي، ولا أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤد زكاته إلا شيئاً روي عن علي، وأبي ذر، والضحاك، وذهب إليه قومٌ من أهل الزهد، قالوا: إن في
المال حقوقًا سوى الزكاة.
стр. 841
ثم استدل ابن عبد البر وغيره لقول الجمهور بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الحاكم، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الترمذي: وقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه أنه ذكر الزكاة فقال رجل: هل علي غيرها؟ فقال: «لا، إلا أن تطوع».
قلت: والأحاديث التي تقدمت قريبًا عن جابر، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن مسعود ﵃ تدل بظاهرها لقول الجمهور، وحديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم قريبًا نص صريح الدلالة لقولهم، ونحوه ما تقدم من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كبُر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم …» الحديث. رواه أبو داود، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي مستدرك الحاكم أيضًا، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ : «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومن الوعيد أيضا على منع الزكاة: ما رواه الترمذي في جامعة، عن ابن
стр. 842
عباس ﵄ قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو يجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١١] قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتي درهم فصاعدًا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.
ورواه الترمذي أيضا مرفوعًا، وذكر أن الموقوف أصح.
ومن الوعيد الشديد أيضا على منع الزكاة: ما رواه الطبراني في الصغير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مانع الزكاة يوم القيامة في النار».
وروى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال، وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور».
وفي المسند وسنن النسائي، من حديث الحارث، عن علي ﵁ أن
стр. 843
رسول الله ﷺ «لعن مانع الصدقة».
ورواه الترمذي في جامعة معلقًا موقوفًا فقال: وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «لعن مانع الصدقة».
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى، والطبراني، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، عن ابن مسعود ﵁ قال: «آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيًا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قوله: «ولاوي الصدقة» يعني المماطل بها والممتنع من أدائها.
وكما أن منع الزكاة من موجبات اللعن والعذاب الأليم في الآخرة، فكذلك هو من أعظم الأسباب لتلف المال وحبس القطر من السماء، كما في الحديث الذي رواه الطبراني، عن عمر ﵁ مرفوعًا: «ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة».
وروى الشافعي في مسنده، والبخاري في التاريخ الكبير، وابن عدي، والبيهقي في سننه، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما خالطت صدقة مالا قط إلا أهلكته».
ورواه الحميدي وزاد: قال: «يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيُهلك الحرامُ الحلالَ».
стр. 844
وفي سنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، والحلية لأبي نعيم، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن؛ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد روى الطبراني في الكبير طرفًا منه، وهو قوله: «ولم يمنع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا».
وروى الطبراني أيضا، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «خمس بخمس» قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال والميزان إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» قال المنذري: سنده قريب من الحسن وله شواهد.
стр. 845
وفي مستدرك الحاكم، من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.