ثم استدل ابن عبد البر وغيره لقول الجمهور بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الحاكم، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الترمذي: وقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه أنه ذكر الزكاة فقال رجل: هل علي غيرها؟ فقال: «لا، إلا أن تطوع».
قلت: والأحاديث التي تقدمت قريبًا عن جابر، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن مسعود ﵃ تدل بظاهرها لقول الجمهور، وحديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم قريبًا نص صريح الدلالة لقولهم، ونحوه ما تقدم من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كبُر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم …» الحديث. رواه أبو داود، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي مستدرك الحاكم أيضًا، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ : «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومن الوعيد أيضا على منع الزكاة: ما رواه الترمذي في جامعة، عن ابن
стр. 842
عباس ﵄ قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو يجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١١] قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتي درهم فصاعدًا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.
ورواه الترمذي أيضا مرفوعًا، وذكر أن الموقوف أصح.
ومن الوعيد الشديد أيضا على منع الزكاة: ما رواه الطبراني في الصغير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مانع الزكاة يوم القيامة في النار».
وروى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال، وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور».
وفي المسند وسنن النسائي، من حديث الحارث، عن علي ﵁ أن
стр. 843
رسول الله ﷺ «لعن مانع الصدقة».
ورواه الترمذي في جامعة معلقًا موقوفًا فقال: وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «لعن مانع الصدقة».
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى، والطبراني، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، عن ابن مسعود ﵁ قال: «آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيًا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قوله: «ولاوي الصدقة» يعني المماطل بها والممتنع من أدائها.
وكما أن منع الزكاة من موجبات اللعن والعذاب الأليم في الآخرة، فكذلك هو من أعظم الأسباب لتلف المال وحبس القطر من السماء، كما في الحديث الذي رواه الطبراني، عن عمر ﵁ مرفوعًا: «ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة».
وروى الشافعي في مسنده، والبخاري في التاريخ الكبير، وابن عدي، والبيهقي في سننه، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما خالطت صدقة مالا قط إلا أهلكته».
ورواه الحميدي وزاد: قال: «يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيُهلك الحرامُ الحلالَ».
стр. 844
وفي سنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، والحلية لأبي نعيم، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن؛ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد روى الطبراني في الكبير طرفًا منه، وهو قوله: «ولم يمنع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا».
وروى الطبراني أيضا، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «خمس بخمس» قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال والميزان إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» قال المنذري: سنده قريب من الحسن وله شواهد.
стр. 845
وفي مستدرك الحاكم، من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
стр. 846
فصل
وأما تفريق الزكاة، فالأغنياء فيه على طرائف شتى:
منهم من يدفع زكاته أو بعضها إلى أقاربه الذين لا حظ لهم في الزكاة؛ إما لغناهم أو لكونهم أقوياء على التكسب، وهذا الدفع لا تبرأ به ذمة الغني من الزكاة.
ومثل هذا من يقي ماله بالزكاة، فيستخدم بها، ويكافئ من له عليه معروف، ويصل أصدقاءه الذين ليسوا من أهل الزكاة ونحو ذلك.
وبعض الأغنياء يحابي بها أقاربه المحتاجين، ويترك من هو أشد حاجة منهم من الفقراء والمساكين، وهذا فيه نوع اعتداء في تفريق الزكاة، وهو أخف مما قبله.
وبعد الولاة يعطي الفقراء قسمًا يسيرًا من الزكاة ويفرق أكثرها على مقتضى نظره في غير الأصناف الثمانية.
وبعض المؤتمنين على تفريق الزكاة يعطون من ليس من أهلها، ولا سيما من يخافون من لسانه، وهذا وما أشبهه من الاعتداء في الزكاة، والتهاون بشأنها، وتبديل الحكم الشرعي فيها.
وقد روى الإمام أحمد، وأهل السنن إلا النسائي، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المعتدي في الصدقة كمانعها» قال الترمذي: حديث غريب، قال: وفي الباب عن ابن عمر، وأم سلمة، وأبي هريرة ﵃.
قلت: وفيه أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي
стр. 847
- ﷺ : «المعتدي في الصدقة كمانعها» رواه البخاري في تاريخه.
قال الترمذي: وقوله: «المعتدي في الصدقة كمانعها» يقول: على المعتدي من الإثم كما على المانع إذا منع. انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والحاكم في مستدركه، عن أنس ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك، فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدلها» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
إذا علم هذا، فأقل الأغنياء في زماننا من يفرق زكاة ماله على الوجه المشروع، ويتوخى بها الأحوج فالأحوج من الفقراء والمساكين، ولو أن الأغنياء في هذه الأزمان أخرجوا زكاة أموالهم كاملة، وفرقوها على الوجه المشروع، لأوشك أن يستغني كل فقير؛ لأن الأموال قد كثرت جدًا، وفاضت فيضانًا لا حد له.
стр. 848
فصل
وأما التهاون بالأخذ من الزكاة فكثير من أهل الجشع والهلع ممن لا تحل لهم الزكاة، يزاحمون الفقراء في الأخذ من أوساخ الناس، ولا يرون بذلك بأسًا، وهذا في الحقيقة دناءة وعدم مروءة، وبعضهم إذا لم يعط من الزكاة شيئًا أو أعطي منها قليلاً غضب من ذلك، وجدَّ واجتهد في الطلب والاستكثار مما لا يحل له، فإن عجز ولم يحصل له مراده، فغايته الحقد على الذين يفرقون الزكاة، وإكثار التشكي والتظلم منهم، والوقيعة في أعراضهم بغير حق، فيجمع بين ثلاثة أنوع من الظلم:
أحدها: طلب ما لا يحل له.
الثاني: مزاحمة الفقراء في حقوقهم.
الثالث: إيذاء الناس بالسب والغيبة.
وقد روى البخاري في التاريخ الكبير، عن عطاء بن زهير، عن أبيه قال: لقيت عبد الله بن عمرو ﵄ فقلت: أخبرني عن الصدقة، قال: شر مال، مال العميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به، قلت: إن للعاملين عليها فيها حقًا؟ قال: بقدر عمالتهم، قلت: والمجاهدين؟ قال: قوم قد أحل لهم، إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا
стр. 849
تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» قال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم في مستدركه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال في رواية الدارقطني: «لذي مرة قوي».
وفي رواية لأحمد، وأبي داود، والحاكم مثله، وقال الترمذي: حديث حسن.
وروى الدارقطني أيضًا، عن جابر ﵁ قال: جاءت رسول الله ﷺ صدقة، فركبه الناس، فقال: «إنها لا تصلح لغني، ولا لصحيح سوي، ولا لعامل قوي».
قال الجوهري، والهروي، وغيرهما من أهل اللغة: «المرة» القوة والشدة.
قال الجوهري: ورجل مرير أي قوي.
وقال الراغب الأصفهاني: أمررت الحبل إذا فتلته، ومنه فلان ذو مرة كأنه محكم الفتل.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: «المرة» القوة، وأصلها من شدة فتل الحبل، يقال: أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، فمعنى المرة في الحديث شدة الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب. انتهى.
وأما السوي: فهو الصحيح الأعضاء، فمتى كان المرء صحيح الأعضاء قويا على التكسب فلا حظ له في الصدقة، إلا أن يكون من الخمسة الذين
стр. 850
يأتي ذكرهم في حديث أبي سعيد ﵁.
وروى الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلّب فيهما البصر، فرآهما جلدين فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب».
وروى أبو داود، والدارقطني، عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ : «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم فيها هو، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك».
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة؛ لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
إذا عرف هذا، فهؤلاء الذين لا مروءة لهم، ولا يأنفون من التزيي بزي الفقراء، ومزاحمتهم في أوساخ الناس، إذا أخذ أحدهم شيئا من الزكاة كان سببا لهلاك ماله كما تقدم في حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما خالطت صدقة مالا قط إلا أهلكته» وفسر ذلك
стр. 851
الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأن يأخذ الرجل الزكاة وهو غني عنها، فيضعها مع ماله فتهلكه.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارَك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى».
ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، وألحفت عليه فقال: «ما أنكر مسألتك يا حكيم، إنما هذا المال خضرة حلوة، وإنما هو أوساخ أيد الناس، ويد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد السائل، ويد السائل أسفل الأيدي» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل -أو كما قال النبي ﷺ : «وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة».
وفي رواية لمسلم: «فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع».
وروى مالك، والشيخان أيضا، عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله،
стр. 852
وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
ولأحمد، والنسائي، والدارقطني عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف».
ورواه أبو داود مختصرا.
وفي المسند، والسنن، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش أو كدوح في وجهه» فقيل: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: «خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب» هذا لفظ أبي داود، والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي المسند، وسنن أبي داود، عن سهل بن الحنظلية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم» قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «ما يغديه أو يعشيه» هذا لفظ أحمد، وفي بعض ألفاظ أبي داود: «أن يكون له شبع يوم وليلة».
وفي المسند أيضًا، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء فليستبق على وجهه».
وفي المسند أيضا، وصحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ﵎ وليس في وجهه مزعة لحم».
стр. 853
وفي رواية لمسلم: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم».
وفي المسند أيضًا، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، والدارقطني، عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا».
والأحاديث في ذم السؤال كثيرة جدًا، وفيما ذكرت ههنا كفاية إن شاء الله تعالى، وعموماتها تشمل من سأل من الزكاة المفروضة، ومن سأل من صدقات التطوع، ومن سأل سوى ذلك من أموال الناس إلا أن يكون من الثلاثة الذين تحل لهم المسألة، وكذلك الفقير والضعيف الذي لا يقدر على التكسب إذا سألا من الصدقة، لمفهوم قوله ﷺ : «لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب».
ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا أن كثيرًا من الناس إذا تحمل حمالة لم يقتصر في السؤال على قدر ما تحمله ثم يمسك، بل لا يزال يسأل الناس ليحصل له فضل عما تحمله، فربما حصل لبعضهم ضعف ما تحمله أو أضعافه، وهذا الفضل سحت؛ لقول النبي ﷺ : «فما سواهن من المسألة
стр. 854
سحت يأكلها صاحبها سحتًا»، ولقوله ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجة، من حديث أبي هريرة ﵁.
والمقصود مما ذكرنا في الزكاة خمسة أمور:
أحدها: إرشاد الأغنياء إلى فضائل الزكاة، وإعلامهم بما هو مرتب على أدائها من نماء المال ونزول البركة فيه، وما وعد الله على ذلك من جزيل المثوبة في الآخرة.
الثاني: تحذيرهم مما هو مرتب على منعها من العقوبات العاجلة والآجلة.
الثالث: تحذيرهم أيضًا وتحذير غيرهم من المؤتمنين على تفريق الزكاة من الاعتداء في تفريقها، فيصير عليهم من الإثم مثل ما على مانعها.
الرابع: حثهم على العدل في تفريقها، وإعلامهم بما في ذلك من الفضل وما يرجى عليه من جزيل الأجر، كما في جامع الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته» قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً موفرًا طيبة به
стр. 855
نفسه، حتى يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين».
الخامس: تحذير من ليس من أهل الزكاة من الأخذ منها فإن ذلك لا يحل، فإن ضم إلى ذلك السؤال منها كما يفعله كثير من الناس فذلك أسوأ، وأسوأ منه وأقبح أن يلح في السؤال، ويكثر التشكي، ويظهر الفاقة، ويجحد ما أنعم الله به عليه من الغنى أو القوة على التكسب، كما يفعله كثيرون أيضا، وفاعل هذا متعرض للمقت والعقوبة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 856
فصل
ومن أسباب اغتراب الإسلام أيضًا الاستخفاف بصيام شهر رمضان في كثير من الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام.
ففي بعض البلدان تقام أسواق الأكل والشرب في نهار رمضان علانية، وينتابها الفئام من المنتسبين إلى الإسلام فيأكلون ويشربون جهارًا، وليس ثَمَّ من ينكر ذلك عليهم، وليس معهم من الإيمان ما يكفهم عن انتهاك حرمات الله وتعدي حدوده، وليس ثَمَّ وازع سلطاني يأخذ على أيديهم، ويأطرهم على الحق أطرًا، ويؤدبهم على المعاصي، وإنما هم متروكون هملاً كالأنعام السائمة، يأكلون ويشربون ما شاءوا من المحرمات، ويرتكبون ما شاءوا من الفواحش والقاذورات، وسواء عندهم في ذلك شهر رمضان وغيره من الشهور، وهذا من نتائج قبولهم للحرية الإفرنجية، وابتعادهم عن الشريعة المحمدية، فالله المستعان.
وبعض البلدان التي قد غلبت فيها الحرية الإفرنجية يستتر أهلها بهذه الأفعال في نهار شهر رمضان بعض الاستتار، لكن مواضع الأكل والشرب والفواحش معروفة عند الكبير منهم والصغير، فمن أراد شيئًا من ذلك ذهب إلى موضعه فأصاب حاجته، ولا صاد له عن ذلك ولا راد.
وبعد المباشرين للأعمال التي ربما حصل منها بعض التعب والمشقة يفطرون في رمضان من غير ضرورة تبيح لهم الفطر.
وبعض الناس يترك الصيام طاعة لبعض الأطباء الكفرة من يهودي أو
стр. 857
نصراني أو غيرهما؛ فإذا قال له عدو الله: إن الصيام يؤدي إلى نقص صحتك، فلا تصم عشرة أعوام أو أقل أو أكثر، بادر إلى قبول قوله، وقابل أمره بالتسليم والتقديم على أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، ولم يعلم المسكين أن عدو الله لا يألوه خبالاً وإركاسًا في الفتن، وإفسادًا لدينه مهما أمكنه، ولو طمع عدو الله أن المسكين يجيبه إلى الكفر بالله تعالى ورسوله ﷺ لأمره بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].
فاحذروا أيها المسلمون غوائل أعداء الله ومكائدهم، واجتنبوا حبائلهم ومصائدهم، ولا يغرنكم منهم الابتسام ولين الكلام وإظهار الشفقة والنصيحة، فإن ذلك منهم في الغالب مكر وخديعة، واعتبروا بما فعله شيخهم ومقدمهم إبليس لعنه الله من المكر والخديعة لأبوي البشر آدم وزوجه، فإن في ذلك أعظم عبرة وعظة، والسعيد من وعظ بغيره، قال الله تعالى: ﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٩ - ٢٢]، ثم حذر ﵎ بني آدم من فتنة الشيطان وقبيله، وذكَّرهم بصنيع الخبيث مع أبويهم؛ ليعتبروا بذلك، ويأخذوا حذرهم من عدو الله وذريته وأوليائه من الكفار والمنافقين، فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ
стр. 858
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
فينبغي للمسلم أن يحذر غاية الحذر من مكائد الشيطان وحزبه، ويجعل قصة شيخهم وإمامهم على باله كل وقت، ولا يسترسل مع أعداء الله، ولا يطمئن إلى قولهم، ولا يثق بنصحهم، ولا سيما إذا تضمن الأمر بترك واجب أو فعل محرم، فإنه يكون مثل نصح إبليس للأبوين سواء بسواء، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، والآيات في التحذير من طاعة أعداء الله كثيرة جدًا، وفيما ذكرنا ههنا كفاية لمن أراد الله هدايته ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وبالجملة فكل من أفطر في رمضان متعمدًا من غير عذر شرعي يبيح له الفطر، فهو في الحقيقة مستهين بأمر ربه، ومستخف بدين الإسلام، ولو كان عنده للإسلام قدر لحافظ على القيام بأركانه مهما أمكنه، وقد روى الإمام أحمد، والبخاري تعليقًا، وأهل السنن، وابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني، والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفطر يومًا من رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر».
قال البخاري رحمه الله تعالى: وبه قال ابن مسعود ﵁.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): أثر ابن مسعود ﵁ وصله
стр. 859
البيهقي، ورويناه عاليًا في جزء هلال الحفار، من طريق منصور، عن واصل، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: من أفطر يومًا من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقي الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
ووصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من وجه آخر، عن واصل، عن المغيرة، عن فلان بن الحارث، عن ابن مسعود ﵁.
ووصله الطبراني والبيهقي أيضا من وجه آخر، عن عرفجة قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: من أفطر يومًا في رمضان متعمدًا من غير علة، ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه.
وبهذا الإسناد عن علي ﵁ مثله.
وذكر ابن حزم من طريق ابن المبارك بإسناد له فيه انقطاع أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لعمر بن الخطاب ﵁ فيما أوصاه به: من صام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه لو صام الدهر أجمع. انتهى ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى.
وقد تقدم ذكر الأحاديث، وأقوال العلماء، في تكفير من ترك صيام رمضان عمدًا من غير عذر عقب الكلام في كفر تارك الصلاة، فليراجع.
ونذكر ههنا قصة عجيبة فيها عظة لمن أراد الله هدايته ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
حدثنا بعض الثقات عن رجل كان من جيراننا مدة وهو ممن يقبل خبره، قال: ركبنا بحر فارس للغياصة فيه ابتغاء الدر، فلما دخل شهر رمضان
стр. 860
صام من في السفينة معنا إلا واحدًا ماجنا أبى أن يصوم؛ وكنا ننهاه عن انتهاك حرمة رمضان ونخوفه من العقوبة، فيسخر منا ويستهزئ بنا، فلما كان يوم عيد الفطر صدنا سمكًا كثيرًا، وجعلنا نشوي منه ونأكل، فنشب في حلق ذلك الماجن عظم فمات، فذهبنا به إلى الساحل لندفنه هناك، فلما وضعناه في اللحد ذهبنا نطلب أحجارًا لننصبها على اللحد، فوجدنا حجرًا كبيرًا، فلما قلبناه خرج من تحته ثعبان عظيم، فأردنا قتله فأعجزنا هربا، وسعى بين أيدينا قاصدًا نحو القبر حتى دخل مع الميت في لحده، فاجتهدنا أن نقتله أو نخرجه من عنده فلم نستطع، فسوينا عليه التراب والثعبان معه، قال: وما زلت وجلاً خائفا مما رأيت من عقوبة ذلك الماجن.
قلت: وفي هذه القصة عبرة لمن اعتبر، فليحذر المخالفون لأوامر الله، والمرتكبون لنواهيه، من حلول النقمات والمثلات بهم، ولا يغتروا بحلم الله عنهم، وإمهاله لهم، فقد قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 861
فصل
ومن أعظم أسباب غربة الإسلام تشييد البناء على القبور، ومضاهاة كثير منها بمواضع الحج، بحيث تكسى جدران الضريح كما تكسى الكعبة، ويجعل حوله بلاط يطاف فيه كما يطاف حول الكعبة، وينتابه الفئام من الجهلة الطغام الذين هم أضل سبيلاً من الأنعام، يأتون إليه مشاة وركبانا مما قرب منه ومما بعد عنه مسافة أيام وشهور، فيطوفون بالضريح كما يطوف المسلمون بالبيت العتيق، ويستلمون أركانه ويقبلون حيطانه مضاهاة لتقبيل المسلمين الحجر الأسود واستلامهم إياه مع الركن اليماني، ويضجون في طوافهم حول الضريح بدعاء صاحب القبر كما يضج المسلمون حول البيت العتيق بدعاء رب البيت ﵎، ويقربون القرابين لصاحب الضريح ويحلقون الرؤوس عنده، مضاهاة لما يفعله الحاج بمنى، إلى غير ذلك مما يفعلونه حول القبور يضاهئون به أفعال الحاج إلى البيت الحرام، ويحادون به الله ورسوله، وكثير منهم يرون أن زيارتهم للوثن وحجهم إليه يماثل الحج إلى بيت الله الحرام، وبعضهم يفضل زيارة الوثن على الحج، وبعض غلاتهم يزعم أنها أفضل من سبع حجج، وبعضهم يزعم أنها أفضل من سبعين حجة، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
والآفة كل الآفة من طواغيتهم، وقادتهم الذين يضلونهم بغير علم، ويصنفون لهم الكتب في مناسك حج القبور، والترغيب في زيارتها، والحج إليها واتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، فيزيدون جهالهم الطغام شرًا
стр. 862
إلى شرهم وهلاكًا إلى هلاكهم، وقد قال الله تعالى في أشباههم وسلفهم من المشركين الأولين: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
وأعظم هذه الأوثان التي أشرنا إليها فتنة مشهد البدوي بمصر، ومشهد علي، ومشهد الحسين، ومشهد الشيخ عبد القادر الجيلاني بالعراق، فهذه المشاهد التي بعضها مكذوب ينتابها من الزوار والحجاج أكثر مما ينتاب بيت الله الحرام، وربما قصد الواحد منها أكثر من الحاج.
وفي كثير من الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام أوثان كثيرة سوى ما ذكرنا، يقصدها من الزوار والحجاج فئام من أشباه الأنعام، وهم مع هذا ينتسبون إلى الإسلام ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ١٨ - ٢١]، وأي محادة لله ورسوله أعظم من الشرك بالله، وابتداع دين لم يأذن به الله، يريد بذلك أعداء الله ورسوله مضاهاة ما شرعه الله للحنفاء من حج البيت العتيق، وما في ضمن ذلك من أنواع العبادات التي أمر الله بها ورضيها لعباده، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]،
стр. 863
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٥ - ٦].
فأما المسلمون فكثير من جهالهم يتهاونون بالحج، ويتثاقلون عن أداء الفريضة مع استطاعتهم السبيل إلى البيت، وبعضهم يموت وهو لم يحج، وقد قدمنا الكلام في حكم تارك الحج متعمدًا عقب الكلام في حكم تارك الصلاة، وذكرنا هناك قول من قال بتكفيره، وما روي في ذلك من الأحاديث وأقوال الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أكابر العلماء فليراجع، وليراجع أيضا ما رواه الترمذي في جامعه، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا أنه قال: «من كان له مال يبلغه حج بيت الله أو تجب فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت» الحديث، وقد تقدم قريبًا في ذكر عقوبة مانع الزكاة.
وقد جاء الأمر بالتعجل بالحج من قبل أن تعوق العوائق بين المرء وبينه؛ ففي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي، عن أبي صفوان الجمال قال: سمعت أبن عباس ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضًا، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له».
стр. 864
ورواه الإمام أحمد أيضًا، وابن ماجة، والبيهقي في سننه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة».
وفي رواية لأحمد مثله، إلا أنه قال: «وتضل الراحلة».
وروى الدارقطني والبيهقي في سننيهما، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حجوا قبل أن لا تحجوا» قالوا: وما شأن الحج يا رسول الله؟ قال: «تقعد أعرابها على أذناب أوديتها، فلا يصل إلى الحج أحد».
وروى الحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليا ﵁ يقول: «حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصمع أفدع بيده معول يهدمها حجرًا حجرًا» فقلت له: شيء تقوله برأيك أو سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكني سمعته من نبيكم ﷺ . في إسناده مقال، ولكن له شاهد في الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة».
وفي صحيح البخاري، ومسند الإمام أحمد، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «كأني به أسود أفحج يقلعها حجرًا حجرًا».
وفي المسند أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها
стр. 865
حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله».
وفي مستدرك الحاكم عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي صحيح الحاكم، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين، ويرفع الثالثة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومما ينبغي تنبيه الجهال عليه: ما يفعله كثير منهم، من الدفع من عرفات قبل غروب الشمس ثم لا يعودون إليها، وهذا خلاف سنة رسول الله ﷺ ، وقد حكي عن مالك أنه قال: من دفع قبل الغروب فلا حج له، والجمهور من العلماء على أن حجه صحيح، وعليه دم.
ومما ينبغي تنبيه الجهال عليه أيضا: ما يفعله كثير منهم، من النزول في بطن عرنة، والوقوف فيه إلى غروب الشمس، ظنًا منهم أنه من عرفات وليس هو من عرفات ولا من الحرم، وإنما هو برزخ بين المشعرين الحلال والحرام، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: بينه وبين الموقف نحو ميل.
قلت: لعله يريد بالموقف هنا موقف النبي ﷺ عند الصخرات، وجبل
стр. 866
إلال الذي تسميه العامة جبل الرحمة.
فأما أول موضع الوقوف فهو من حين يخرج الإنسان من بطن عرنة ذاهبًا نحو جبل إلال، وهناك ميلان طويلان قد جعلا علمين لتمييز موضع الوقوف من بطن عرنة، فما كان شرقًا عنهما فهو من موضع الوقوف، وما كان غربًا عنهما فهو من بطن عرنة غربًا بالعلمين الفاصلين بين المزدلفة وبطن عرنة.
وفي بطن عرنة المسجد الذي يصلي فيه الإمام الظهر والعصر يوم عرفة، ويسمى مسجد إبراهيم، قال بعضهم: نسبة إلى إبراهيم خليل الرحمن، وقال بعضهم: نسبة إلى إبراهيم الإمام أخي السفاح والمنصور، وهذا القول الأخير أقرب.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإنما بني في أول دولة بني العباس. انتهى.
ولا يجزئ الوقوف في المسجد ولا ما حوله، وما يُسامت ذلك شمالاً وجنوبًا مما هو خارج عن حدود عرفات (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: عرنة بضم العين وفتح الراء، وبعدها نون، وليست من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا فقال: هي من عرفات. انتهى.
стр. 867
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): ليس وادي عرنة من الموقف، ولا يجزئه الوقوف فيه.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وقف به لا يجزئه، وحكي عن مالك أنه يهريق دمًا وحجة تام، ولنا قول النبي ﷺ : «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة» رواه ابن ماجة. ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزئه كما لو وقف بالمزدلفة. انتهى.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا: ما عظمت به البلوى في زماننا من اغتصاب أكثر منى بالبناء والتحجر، وإبعاد كثير من الحجاج عنها، واضطرارهم إلى النزول في وادي محسر وما وراءه من ناحية مزدلفة، بحيث يفوت عليهم ما يجب عليهم من المبيت بمنى ليالي منى (١)، وسيأتي الكلام على حكم البناء في منى في فصل التحذير من الظلم إن شاء الله تعالى (٢).
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً: أن كثيراً من جهال المسلمين وغيرهم من المنتسبين إلى الإسلام يرون أن من تمام الحج زيارة قبر النبي ﷺ - قبل الحج أو بعده، ويتعلقون في ذلك بأحاديث واهية لا تقوم بشيء منها حجة، ويعدلون عن النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن اتخاذ قبره عيدًا يعتاد المجيء إليه والاجتماع عنده وتشد إليه الرحال؛ كما في سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» صححه النووي.
стр. 868
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن، ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقًا، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو لين تعرف وتنكر، قال الشيخ: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إسناده حسن، ورواته كلهم ثقات مشاهير.
وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة. انتهى.
ومن شواهده التي ذكرها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وغيره، ما رواه سعيد بن منصور في سننه، حدثنا حبان بن علي، حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».
وقال سعيد أيضا: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليَّ
стр. 869
فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: ورواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ ) ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: ما أنتم ومن بالأندلس سواء.
قلت: ورواه عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي، قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد، وهو السلام المشروع الذي رُوي عن النبي ﷺ ، وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد وهذا مشروع في كل مسجد.
وقال الشيخ في موضع آخر: هذان المرسلان، من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لاسيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسنده غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندًا! انتهى.
وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في التاريخ الكبير، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا
стр. 870
بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».
ورواه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه (المختارة) -وهو ما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين- قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي، وأبي حاتم البستي ونحوهم، فإن الغلط في هذا قليل ليس هو مثل تصحيح الحاكم.
قال الشيخ: فهذا علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أجلِّ التابعين علمًا ودينا حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميًا مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته، بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا.
وقال الشيخ في موضع آخر: انظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط. انتهى.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد؛ مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): قوله: «لا تشد الرحال» بضم
стр. 871
أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها، قال الطيبِي: هو أبلغ من صريح النهي؛ كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختصت به، وكنَّى بشَدِّ الرحال عن السفر لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر». انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي» هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
وروى ابن ماجة في سننه، من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النبي ﷺ بنحو رواية البخاري.
وروي الطبراني في الصغير، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
وفي الموطأ، وسنن النسائي وغيرها، عن بصرة بن أبي بصرة ﵁ أنه قال لأبي هريرة ﵁، وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
стр. 872
ورواه البخاري في التاريخ الكبير بنحوه.
وفي المسند وغيره، عن قزعة قال: أتيت ابن عمر ﵄ فقلت: إني أريد الطور، فقال: لا، إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور، فلا تأته.
فتحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي، والنهي، والحصر، وكل واحدة من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة، سوى المساجد الثلاثة، وباجتماع هذه الصيغ الثلاث يزداد المنع شدة، والله أعلم.
وقد أبى الجاهلون والغالون في القبور إلا أن يرتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ ؛ وذلك بشدهم الرحال إلى قبره، واتخاذهم بيته عيدًا، يعتادون المجيء إليه والاجتماع عنده، ويختلط الرجال بالنساء، ويضجون بالأصوات المرتفعة، ويسيئون الأدب مع النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، فنهى ﵎ عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن الجهر لرسوله ﷺ بالقول كما يجهر بعضهم لبعض، وأخبرهم أن ذلك من أسباب حبوط الأعمال الصالحة، لأنه خلاف ما أمر الله به من توقيره واحترامه وحسن الأدب معه، ثم أثنى ﵎ على الذين يوقرون رسوله ﷺ ويحترمونه ويستعملون أحسن الآداب معه، ووعدهم على ذلك المغفرة
стр. 873
والأجر العظيم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وكما أنه لا يجوز الضجيج ورفع الأصوات عند النبي ﷺ في حال حياته، فكذلك لا يجوز شيء من ذلك حول قبره؛ لأن حرمته ميتًا كحرمته حيًا بأبي هو وأمي ونفسي صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
وقد روى البخاري في صحيحه، عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟!
وروي النسائي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟!
فدل هذا الحديث والذي قبله على أن رفع الأصوات في مسجد رسول الله ﷺ من المنكرات التي يجب تغييرها.
وجاء في حديث ضعيف أن ذلك عام في جميع المساجد، فروى ابن ماجة في سننه، عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجُمع».
стр. 874
وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا؛ فلبعضه شواهد في الصحيحين وغيرهما تُقويه.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في الكلام على حديث عمر ﵁ قوله: «لو كنتما» يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك، وفيه المعذرة لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفي مثله، قوله «لأوجعتكما» زاد الإسماعيلي «جلدًا»، ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر ﵁ لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي. انتهى.
وإذا كان هذا قول أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه لرجلين رفعا أصواتهما في مسجد النبي ﷺ ، فكيف يقال في جهال أهل هذه الأزمان وغوغائهم، الذين يفعلون هذا المنكر كثيرًا في غالب الأوقات، ويضمون معه منكرات أخر.
منها: إساءة الأدب مع النبي ﷺ بكثرة الضجيج حول قبره ورفع الأصوات عنده.
ومنها: اختلاط الرجال بالنساء، وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة. رواه الخلال بإسناده.
واختلاط الرجال بالنساء مما يثير الشهوة، ويدعو إلى الفتنة والشر والفساد، وقد ذكر لنا أن بعض السفهاء هناك يغامزون النساء، وربما مس بعضهم فروج بعضهن؛ ليعلموا من تلين معهم فتجيبهم إلى الفاحشة ممن تأبى ذلك.
وربما وقع من بعضهم ما هو أعظم من ذلك وأطم، وهو الشرك الأكبر
стр. 875
ووسائله، وقد حدثني بعض أصحابنا من قضاة المدينة النبوية أن خُدَّام المسجد النبوي إذا كان ليلة الجمعة أخرجوا ما يلقيه الغوغاء داخل الشباك الذي حول الحجرة من أواني الطيب والكتب الكثيرة، قال: وقد عرض عليَّ بعض الكتب التي تلقى هناك فإذا هي مشتملة على الشرك الأكبر، فبعضهم يسأل المغفرة والرحمة من النبي ﷺ ، وبعضهم يسأل منه أن يهب له الأولاد، وبعضهم يطلب منه تيسير النكاح إذا تعسر عليه، إلى غير ذلك من الأمور التي يفزعون فيها إلى النبي ﷺ ، وينسون الرب الواحد الأحد الفرد الصمد المالك المتصرف في خلقه بما يشاء، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وقد قال ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، وقد عكس المشركون هذا الأمر فزعموا أن الرسول ﷺ يملك لهم الضر والرشد، والإعطاء والمنع، وهذا عين المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ .
وهذه الأمور الشركية التي تفعل عند قبر النبي ﷺ ، وعند غيره من قبور الصالحين أو من يظن صلاحه، هي من ثمرات الغلو الذي حذر منه رسول الله ﷺ أمته؛ كما في المسند، وسنن النسائي، وابن ماجة، ومستدرك الحاكم، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» هذا لفظ ابن ماجة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 876
ومن ذلك: التشويش على من حولهم في المسجد من المصلين، والتالين للقرآن.
وقد روى مالك في الموطأ، عن أبي حازم التمار، عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. انتهى.
وإذا كان المصلي منفردا، ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين للقرآن، فنهي أهل هذه الاجتماعات المحدثة والضجيج المنكر في مسجد رسول الله ﷺ وحول قبره يكون بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
ومن ذلك: اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا ومخالفة نهيه عن ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
стр. 877
ومن ذلك: زيارة النساء للقبر الشريف، وقبري أبي بكر وعمر ﵄، وذلك لا يجوز لهن؛ لما في المسند، والسنن، عن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن ابن عباس، وحسان بن ثابت ﵃.
قلت: أما حديث ابن عباس ﵄ فهو ما تقدم آنفًا، وأما حديث حسان بن ثابت ﵁ فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن حسان، عن أبيه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح، ورجاله ثقات. انتهى.
وهذه الأحاديث دالة على أن زيارة القبور حرام على النساء مطلقًا، سواء في ذلك قبر النبي ﷺ وقبر غيره، ولم يثبت عن النبي ﷺ ما ينافي هذه الأحاديث أو يخصصها، فوجب منع النساء من زيارة قبر النبي ﷺ ومن زيارة غيره من سائر القبور، والله أعلم.
إلى غير ذلك من المنكرات التي تكون في كثير من تلك الاجتماعات المحدثة، والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين لإنكار المنكرات، والأخذ علي أيدي السفهاء، والسير فيهم
стр. 878
بسيرة الخليفة الراشد العادل الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه؛ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فكفى به قدوة بعد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ وأرضاه.
وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه، عن حذيفة بن اليمان ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وللترمذي، والحاكم أيضًا، من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي المسند، والسنن، من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحق» قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعا ولا أعرف له علة، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الخطابي رحمه الله تعالى في قوله: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين»: فيه دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى. انتهى.
стр. 879
وهذه الاجتماعات عند قبر النبي ﷺ من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام، فلا ريب أنها داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ أمته، والله أعلم.
وكذلك شد الرحال لأجل القبر هو من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام، وقد اتفق الأئمة على عدم جوازه، لأنه سفر معصية.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره، ومالك والأكثرون قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية، ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع، بل يستحب الوفاء، وقيل: يجب، على قولين للشافعي، والوجوب مذهب مالك، وأحمد، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة، فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده؛ كالسفر لأجل مسجد قباء، أو لزيارة القبور التي فيها قبر الرسول الله ﷺ ، وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. انتهى.
ونقل أيضا ما ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه (المبسوط) أنه رُوي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ ؟ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته، وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». انتهى.
فالواجب على المسلمين عامة، وعلى علمائهم وولاة أمورهم خاصة،
стр. 880
إنكار هذه المنكرات التي تفعل في مسجد رسول الله ﷺ وعند قبره، والإنكار على من يشد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وغيره من القبور والمساجد والأماكن المعظمة سوى المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى، وإنكار غير ذلك من المنكرات الظاهرة في جميع البلاد الإسلامية.
وكل أحد ينكر على حسب قدرته؛ كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية للنسائي: «من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان».
وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».