ومن ذلك: التشويش على من حولهم في المسجد من المصلين، والتالين للقرآن.
وقد روى مالك في الموطأ، عن أبي حازم التمار، عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. انتهى.
وإذا كان المصلي منفردا، ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين للقرآن، فنهي أهل هذه الاجتماعات المحدثة والضجيج المنكر في مسجد رسول الله ﷺ وحول قبره يكون بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
ومن ذلك: اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا ومخالفة نهيه عن ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
стр. 877
ومن ذلك: زيارة النساء للقبر الشريف، وقبري أبي بكر وعمر ﵄، وذلك لا يجوز لهن؛ لما في المسند، والسنن، عن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن ابن عباس، وحسان بن ثابت ﵃.
قلت: أما حديث ابن عباس ﵄ فهو ما تقدم آنفًا، وأما حديث حسان بن ثابت ﵁ فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن حسان، عن أبيه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح، ورجاله ثقات. انتهى.
وهذه الأحاديث دالة على أن زيارة القبور حرام على النساء مطلقًا، سواء في ذلك قبر النبي ﷺ وقبر غيره، ولم يثبت عن النبي ﷺ ما ينافي هذه الأحاديث أو يخصصها، فوجب منع النساء من زيارة قبر النبي ﷺ ومن زيارة غيره من سائر القبور، والله أعلم.
إلى غير ذلك من المنكرات التي تكون في كثير من تلك الاجتماعات المحدثة، والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين لإنكار المنكرات، والأخذ علي أيدي السفهاء، والسير فيهم
стр. 878
بسيرة الخليفة الراشد العادل الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه؛ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فكفى به قدوة بعد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ وأرضاه.
وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه، عن حذيفة بن اليمان ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وللترمذي، والحاكم أيضًا، من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي المسند، والسنن، من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحق» قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعا ولا أعرف له علة، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الخطابي رحمه الله تعالى في قوله: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين»: فيه دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى. انتهى.
стр. 879
وهذه الاجتماعات عند قبر النبي ﷺ من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام، فلا ريب أنها داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ أمته، والله أعلم.
وكذلك شد الرحال لأجل القبر هو من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام، وقد اتفق الأئمة على عدم جوازه، لأنه سفر معصية.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره، ومالك والأكثرون قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية، ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع، بل يستحب الوفاء، وقيل: يجب، على قولين للشافعي، والوجوب مذهب مالك، وأحمد، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة، فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده؛ كالسفر لأجل مسجد قباء، أو لزيارة القبور التي فيها قبر الرسول الله ﷺ ، وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. انتهى.
ونقل أيضا ما ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه (المبسوط) أنه رُوي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ ؟ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته، وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». انتهى.
فالواجب على المسلمين عامة، وعلى علمائهم وولاة أمورهم خاصة،
стр. 880
إنكار هذه المنكرات التي تفعل في مسجد رسول الله ﷺ وعند قبره، والإنكار على من يشد الرحال إلى قبر النبي ﷺ وغيره من القبور والمساجد والأماكن المعظمة سوى المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى، وإنكار غير ذلك من المنكرات الظاهرة في جميع البلاد الإسلامية.
وكل أحد ينكر على حسب قدرته؛ كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية للنسائي: «من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان».
وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
стр. 881
فصل
ومن أعظم أسباب اغتراب الإسلام ترك الجهاد في سبيل الله ، والاعتياض عن ذلك بالهوان، والتذلل لأعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين، ومصادقتهم والإلقاء إليهم بالمودة.
وبسبب النكول عن الجهاد في سبيل الله ، وكثرة المخالفات لأوامر الله وارتكاب نواهيه، وتخاذل المسلمين وتفرق كلمتهم استولى أعداء الله على أكثر الممالك الإسلامية، بعضها أخذوه بالقوة، وبعضها أخذوه بالمكر والحيلة، حتى صار كثير من المسلمين تحت حكم أعداء الله تعالى، يستذلونهم كما يستذل أهل الذمة في صدر الإسلام، ويحكون فيهم بحكم الطاغوت من قوانينهم وسياساتهم الخاطئة الفاجرة، ويحملونهم على التحاكم إليها، وقد جاء في بعض الآثار: يقول الله تعالى: «إذا عصاني من يعرفني، سلطت عليه من لا يعرفني».
وقد تقدم في أول الكتاب حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي في دلائل النبوة.
وتقدم أيضا في أوله حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت
стр. 882
رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» رواه الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان.
ورواه أبو داود بلفظ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
وهذا الحديث وحديث ثوبان فيهما علم من أعلام النبوة؛ لكونه ﷺ أخبر عما سيقع في آخر الزمان، فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، فقد تداعت أمم الكفر والضلال على المسلمين من كل جانب، ونزع الله من صدورهم المهابة من المسلمين، وقذف في قلوب المسلمين الوهن والخور، وسلط عليهم الذل والخوف من الأعداء جزاء على نكولهم عن الجهاد في سبيل الله وحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت في سبيل الله ، مع ما عليه أكثرهم من مخالفة أوامر الله وارتكاب نواهيه.
ولن يستعيد المسلمون عزَّهم التالد، ومجدهم الشامخ حتى يراجعوا دينهم؛ فيطيعوا الله ورسوله باتباع الأوامر واجتناب النواهي، ويجاهدوا في سبيل الله، ويبذلوا مهجهم وأموالهم في قتال أعداء الله، حتى لا
стр. 883
تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولهم في الجهاد إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة؛ كما سيأتي بيان ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وما ضم إليه من الأحاديث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣ - التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 884
قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]، ثم قال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، والآيات في الأمر بالجهاد والحث عليه وبيان فضائله، وما وعد الله المجاهدين في سبيله من النصر وجزيل الثواب والأجر كثيرة جدًا لا يتسع هذا الموضع لذكرها.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة» هذا لفظ البخاري.
وفي جامع الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يعني يقول الله-: «المجاهد في سبيلي هو علي ضمان، إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته رجعته بأجر وغنيمة» قال الترمذي: هذا حديث غريب صحيح من هذا الوجه.
وفي سنن النسائي، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي
стр. 885
ضمن له أن أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له ورحمته».
وفي سنن ابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «المجاهد في سبيل الله مضمون على الله، إما أن يكفته إلى مغفرته ورحمته، وإما أن يرجعه بأجر وغنيمة، ومثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر حتى يرجع».
وفي الموطأ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع».
وروى أبو داود في سننه، والبخاري في (الأدب المفرد)، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله ؛ رجل خرج غازيا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة …» الحديث. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي جامع الترمذي، ومستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟! اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
стр. 886
وفي السنن إلا أبا داود، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة» قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وصححه أيضًا الحاكم وقال: على شرط مسلم.
وفي الصحيحين، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».
وفي صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف».
وفي المسند أيضًا، عن المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: «إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم».
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن عظيم.
стр. 887
قلت: وقد رواه الحاكم في مستدركه مختصرًا من حديث أبي أمامة ﵁، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم».
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض».
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي سنن النسائي، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا.
وفي صحيح البخاري، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، عن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار» هذا لفظ البخاري.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها».
وفيهما أيضًا، عن أبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي ﵄، عن النبي ﷺ نحوه.
ولفظ حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: «لغدوة أو روحة في سبيل
стр. 888
الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب».
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ نحوه.
وروى الإمام أحمد أيضًا، وابنه عبد الله، والترمذي، من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ نحو حديث أنس ﵁، وقال الترمذي: حسن غريب.
وروى الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم».
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروي ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق».
وروى أبو داود أيضًا، وابن ماجة، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من لم يغز ويجهز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة».
وفي جامع السنن، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لقي الله وليس له أثر في سبيل الله، لقي الله وفيه ثلمة».
стр. 889
وفي المسند، والسنن إلا أبا داود، عن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه البخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
والأحاديث في فضل الجهاد والحث عليه، وبيان ما وعد الله المجاهدين في سبيله من جزيل الأجر والثواب كثيرة جدًا، لا يتسع لذكرها هذا الموضع، وفيما ذكرنا ههنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وكما أن في الجهاد إحدى الحسنيين فكذلك في تركه الهم والغم؛ كما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁، وقد تقدم قريبًا.
وفي تركه أيضًا الذل والتهلكة؛ كما تقدم بيان ذلك في حديث ثوبان وحديث عبد الله بن عمر ﵃.
وفي السنن إلا ابن ماجة، عن أسلم أبي عمران التجيبِي قال: كنا بمدينة الروم؛ فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يُلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁ فقال: يا أيها الناس، إنكم لتُأوِّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد
стр. 890
أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض [الروم] (١). هذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومع ما عليه المسلمون في زماننا من ترك الجهاد في سبيل الله، ورضى كثير منهم بالذل والهوان والتهلكة، فقد قام فيهم كثير من المنتسبين إلى العلم يرغبونهم في مصادقة أعداء الله، ويثبطونهم عن الجهاد في سبيل الله، ويستدلون على ذلك بالمتشابه والمنسوخ؛ كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وآخرون من الجبناء يفتّون في أعضاد المسلمين، ويرهبونهم من شدة بأس أعداء الله وكثرة عَدَدهم وقوة عُدَدهم وكثرتها، ونسوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ونسوا أيضًا أن أصحاب رسول الله ﷺ ومن معهم من المسلمين قهروا المرتدين من أحياء العرب وهم أضعاف
стр. 891
أضعافهم، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها في مدة يسيرة، وظهروا على الفرس والروم والقبط وأنواع السودان والترك والصقالبة وغيرهم من أعداء الله تعالى مع كثرة عدد أعداء الله تعالى وقوة عددهم، وقلة عدد المسلمين وضعف عددهم، وغاب عنهم أيضًا ما وعد الله به رسول الله ﷺ أمته في آخر الزمان من قتل اليهود وأمم الكفر والضلال، والظهور عليهم ولا سيما يوم الملحمة الكبرى، ويومئذ لا ينفع أعداء الله كثرتهم ولا تغني عنهم قوتهم وعددهم شيئا.
فليبشر المسلمون بالنصر والظفر على الأعداء والتمكين في الأرض إذا هم أطاعوا الله ورسوله؛ بامتثال المأمورات واجتناب المحظورات، وساروا على منهاج أصحاب رسول الله ﷺ في جهاد المرتدين وغيرهم من أصناف الكفار والمنافقين، مع الغلظة عليهم ومصارمتهم وإظهار البغض والعداوة لهم، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦].
стр. 892
فصل
وقد رأيت لبعض المنتسبين إلى العلم في زماننا مقالاً زعم فيه أن ابتداء المشركين بالقتال على الإسلام غير مشروع، وإنما يشرع القتال دفاعًا عن الإسلام إذا اعتدى المشركون على المسلمين، أو حالوا بينهم وبين الدعوة إلى الإسلام، فحينئذ يحاربون، لا ليسلموا بل ليتركوا عدوانهم، ويكفوا عن وضع العراقيل في طريق الدعاة، فأما إذا لم يحصل منهم اعتداء، ولا وضع عراقيل في طريق الدعاة، فأساس العلاقة بينهم وبين المسلمين المسالمة والمتاركة.
زعم أيضا أن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، كما لا يجيز مطلقا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم، هذا حاصل مقاله.
وقد أطال الكلام في تقرير هذا الرأي الخاطئ، واستدل له بقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وبقوله تعالى ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وبقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، ثم قال: وهذا الرأي هو المعقول المقبول، وهو الرأي الذي تتفق معه نظرة علماء القانون الدولي في الأساس الذي تبني الدولة عليه علاقاتها بعضها
стр. 893
ببعض … إلى آخر كلامه المصادم للآيات المحكمات، ونصوص الأحاديث الصحيحة، وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكفى بالوصول إلى هذه الغاية السيئة جهلاً وخذلانًا لصاحب المقال وأشباهه من المثبطين عن الجهاد في سبيل الله، المائلين إلى آراء أعداء الله وقوانينهم المخالفة لدين الله وما شرعه لعباده المؤمنين.
وأنا أذكر بعون لله وتأييده من نصوص القرآن، والأحاديث الصحيحة، وإجماع الصحابة ﵃، ما يبطل قول صاحب المقال، ويكشف شبهته ويسفه رأيه.
أما نصوص القرآن فكثيرة جدًا منها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: قال الحسين بن الفضل: هذه الآية نَسَخَت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: هذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نَسَخَت كل عهد بين النبي ﷺ وبين أحد المشركين وكل عقد وكل مدة.
وقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم،
стр. 894
ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد، إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمى لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأول. انتهى.
فقد أباح الله ﵎ في هذه الآية الكريمة دماء المشركين، وأمر المسلمين أن يقتلوهم حيث وجدوهم من الأرض، ويأخذوهم أسرى، ويقصدوهم بالحصار في بلادهم، ويضيقوا عليهم بوضع الأرصاد لهم في طريقهم ومسالكهم حتى يسلموا، أو يستسلموا للقتل أو الأسر، وهذا يبطل ما زعمه صاحب المقال من أن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، ويبطل أيضا قوله: إن الإسلام لا يجيز مطلقًا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم، فإن ما أمر به في هذه الآية لا يمكن المسلمين فعله إلا بالقوة.
ودلت الآية على أن العلة في قتال الكفار هي ما هم عليه من الشرك بالله تعالى، والإعراض عن دين الإسلام، فيجب قتالهم ما دامت العلة موجودة فيهم، فإذا زالت العلة وجب الكف عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وهذا يبطل قول صاحب المقال: إنهم إنما يُقَاتلوا لترك العدوان لا ليسلموا.
ودلت الآية أيضا على أنهم يُبدءون بالقتال، من أجل ما هم عليه من الشرك، وإن لم يحصل منهم اعتداء على المسلمين، ولا وضع عراقيل في
стр. 895
طريق الدعاء إلى الإسلام، وهذا يبطل قول صاحب المقال: إنهم إنما يقاتلون دفاعًا عن الإسلام، إذا اعتدوا على المسلمين، أو وضعوا العراقيل في طريق الدعوة.
وهذه الآية الكريمة كافية في إبطال ما قرره هذا المثبط الذي أشرنا إليه، وما كان يدعوا إليه هو وأشباهه من مسالمة الكفار ومتاركتهم.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣].
الآية الرابعة: قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩].
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فدلت هذه الآية الكريمة على أن العلة في قتال أهل الكتاب هي ما هم عليه من الكفر بالله واليوم الآخر، وتحليل ما حرم الله ورسوله، والإعراض عن الإسلام الذي هو دين الحق، ولو كان الاعتداء ووضع العراقيل علة للقتال لذكر ذلك ولم يهمله؛ قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
стр. 896
ودلت الآية أيضا على مشروعية ابتداء أهل الكتاب بالقتال على الإسلام وإن لم يحصل منهم اعتداء على المسلمين، ولا وضع عراقيل في طريق الدعاة إلى الإسلام، ويدل على ذلك أيضًا فعل النبي ﷺ ؛ فإنه لما نزلت عليه هذه الآية تجهّز يريد قتال الروم بالشام وأوعب المسلمون معه، فسار بهم حتى بلغ تبوك فأقام بها قريبا من عشرين يوما، ثم رجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس، ثم غزاهم المسلمون بعد ذلك في ديارهم وبدأوهم بالقتال لما أبوا قبول الدعوة الإسلامية أو بذل الجزية حتى أثخنوهم قتلاً وأسرًا وتشريدًا، كما هو معروف في كتب المغازي والسير، والله أعلم.
وهؤلاء الآيات الخمس كلها من سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن، ولم ينسخ منهن شيء.
ومن الآيات المحكمات أيضا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]، وهذه الآية الكريمة مما نزل بعد صلح الحديبية، ولم ينسخها شيء، وقد قال تعالى فيها: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ فأوجب ابتداءهم بالقتال واستمراره معهم ما داموا على الشرك، فدل على أنه هو علة القتال، ولو كانت العلة اعتدائهم ووضعهم العراقيل في طريق الدعاة -كما قال هذا المثبط وأمثاله- لكان ينبغي الكف عنهم إذا زالت هذه العلة، وهذا خلاف نص القرآن.
ومن الآيات المحكمات أيضا: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
стр. 897
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: يعني لا يكون شرك.
وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، ذكره عنهم الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره.
وقال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ يعني المشركين ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك؛ يعني: قاتلوهم حتى يسلموا، فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام، فإن أبى قُتل ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ أي الطاعة والعبادة ﴿لله﴾ وحده فلا يعبد شيء دونه. انتهى.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أي يخلص التوحيد لله.
وقال الحسن وقتادة: أن يقال: لا إله إلا الله.
وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا يكون مع دينكم كفر.
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة براءة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، كقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقد زعم صاحب المقال
стр. 898
الذين أشرنا إليه أن معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أي حتى لا تحول القوة بين الإسلام وقلوب الناس، ويصبح الدين لله لا يتدخل في شأنه أحد من الناس ليرغم أحدًا آخر على قبول رأي معين، هذا تفسير صاحب المقال للآية، وهو تفسير جديد لم يسبقه إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، وهو كما قال: مما يتفق مع نظرة علماء القانون الدولي من طواغيت الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، ولعل ميله إليهم، وإعجابه بآرائهم وقوانينهم هو الذي حداه على التخبيط في تفسير هذه الآية وغيرها بمجرد رأيه، وإطراح ما قال ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ وغيره من أئمة السلف.
ولا يبعد أن يكون صاحب المقال وأشباهه ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، ومغزاه في تفسير هذه الآية ظاهر؛ وهو الدعوة إلى إبطال الجهاد الذي أوجبه الله على عباده المؤمنين وجعله سنامًا لدين الإسلام.
ومن الآيات المحكمات أيضا: قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [محمد: ٤].
قال البغوي رحمه الله تعالى: معنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر؛ حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. انتهى.
стр. 899
وهذه الآية تبطل ما زعمه صاحب المقال من أن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، وما زعمه أيضًا من أن الإسلام لا يجيز مطلقا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم، وقد أبانت هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث كذبه على الإسلام، وقوله على الله بغير علم، ولولا اتخاذ المسلمين للقوة لما استطاعوا قتل أعداء الله، وإثخانهم، وأخذهم أسرى.
ودلت الآية على مشروعية ابتداء الكفار بالقتال، إذا كانوا ممن بلغتهم الدعوة الإسلامية فلم يقبلوها.
ودلت أيضًا بظاهرها على أنه لا فرق بين الكفار المعتدين وغير المعتدين؛ لأن العلة الموجبة لقتالهم هو ما هم عليه من الكفر بالله تعالى، وذلك مما يستوي فيه المعتدون وغيرهم.
وقد قيل في قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: إن ذلك منسوخ بآية السيف، وقيل: ليس بمنسوخ، فأما ضرب رقاب المشركين وإثخانهم، وأخذهم أسرى فهذا من المحكم الموافق لآية السيف، والله أعلم.
والآيات في الرد على صاحب المقال كثيرة ليس هذا موضع استقصائها، وفيما ذكرنا ههنا كفاية لمن وفقه الله تعالى وأراد هدايته، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
стр. 900
فصل
وأما الأحاديث في إبطال ما ادعاه فكثيرة أيضًا.
منها: ما في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
وفي المسند، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ نحوه.
وفي المسند، وسنن ابن ماجة أيضا، عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا، ورواية ابن ماجة في كلا الحديثين مختصرة.
وفي سنن النسائي، ومستدرك الحاكم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، فقال عمر ﵁: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر ﵁: إنما قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين، والمسند، والسنن إلا ابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من
стр. 901
العرب، قال عمر ﵁: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله»؟! قال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يوؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ للقتال فعرفت أنه الحق.
وفي الصحيحين، والمسند، والسنن الأربع، عن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله».
زاد أحمد والنسائي في رواية لهما: فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر ﵄: أتقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما، وقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدًا.
وفي رواية لأحمد نحوه وفيه: فلما قام أبو بكر، وارتد من ارتد، أراد أبو بكر قتالهم، قال عمر: كيف تقاتل هؤلاء القوم وهم يصلون؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن قومًا ارتدوا عن الزكاة، والله لو منعوني عناقًا مما فرض الله ورسوله ﷺ لقاتلتهم، قال عمر: فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم عرفت أنه الحق.
وفي صحيح مسلم، وسنن ابن ماجة، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ -
стр. 902
نحو حديث أبي هريرة ﵁.
وفي سنن النسائي، عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ نحوه أيضًا.
وللنسائي أيضًا، وابن ماجة، عن أوس بن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وفي صحيحه أيضا، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله».
وفي رواية له: «من وحد الله» والباقي مثله.
ورواه الإمام أحمد في مسنده بمثل الرواية الأخيرة.
وفي صحيح البخاري، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا ابن ماجة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها؛ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين».
فهذه أحاديث متواترة عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين،
стр. 903
وهي من أوضح البراهين على أن ابتداء المشركين بالقتال مشروع، وأن دماءهم وأموالهم حلال للمسلمين ما داموا على الشرك، وظاهرها أنه لا فرق في ذلك بين الكفار المعتدين وغير المعتدين، ومن وقف منهم في طريق الدعاة إلى الإسلام ومن لم يقف في طريقهم، فكلهم يُقَاتلون ابتداء لما هم عليه من الشرك بالله تعالى حتى يتركوا الشرك ويدخلوا في دين الإسلام ويلتزموا بحقوقه.
وفي الباب أيضا أحاديث كثيرة تدل على ما دلت عليه هذه الأحاديث التي ذكرنا وفيها زيادة أحكام، فنذكر منها ههنا ما تيسر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.
فمنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» وروى البخاري بعضه تعليقًا، وأخرج أبو داود منه قوله: «من تشبه بقوم فهو منهم».
ومنها: ما في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، والسنن إلا النسائي، عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصيته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم
стр. 904
إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» وذكر تمام الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن النعمان بن مقرن ﵁.
قلت: وحديث النعمان هذا ساق مسلم، وأبو داود، وابن ماجة إسناده عقب حديث بريدة، وأحال الراوي بالمتن على حديث بريدة، فعند مسلم قال: نحوه، وعند أبي داود وابن ماجة قال: مثله.
ومنها: ما في مسند الإمام أحمد، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: «اخرجوا باسم الله؛ تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع».
ومنها: ما في المسند أيضا، وسنن ابن ماجة، عن صفوان بن عسال ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فقال: «سيروا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا».
ومنها: ما في مستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن
стр. 905
رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف ﵁ يتجهز لسرية بعثه عليها، وأمر بلالاً أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ ثم قال: خذ ابن عوف فاغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه ﷺ . قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها: ما في سنن أبي داود، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين».
ومنها: ما رواه الطبراني في معجمه الصغير، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا بعث سرية قال: «بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوالدان».
ومنها: ما رواه الطبراني في الصغير أيضا، عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قال: «اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا».
ومنها: ما في جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
стр. 906
وقد تقدم في بيان فضل الجهاد بأطول من هذا.
ومنها: ما في السنن إلا أبا داود، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة» قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وصححه أيضا الحاكم وقال: على شرط مسلم.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، من حديث عبادة الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا الناس في الله، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم».
ومنها: ما في صحيح البخاري، عن جبير بن حية الثقفي قال: بعث عمر ﵁ الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فذكر الحديث وفيه أن المغيرة بن شعبة ﵁ قال لترجمان جيش كسرى: «أمرنا نبينا، رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم».
ومنها: ما في المسند، وجامع الترمذي واللفظ له، عن أبي البختري، أن جيشًا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي ﵁ حاصروا قصرًا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا تنهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو، فأتاهم سلمان ﵁ فقال: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعوني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي
стр. 907
لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، قال: ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، قالوا: ما نحن بالذي يعطي الجزية، ولكننا نقاتلكم، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا تنهد إليهم؟ قال: لا، قال: فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم ففتحنا ذلك القصر. قال الترمذي: حديث حسن.
ومنها: ما في الصحيحين، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، وسنن أبي داود، عن أبن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارّون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم؛ وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث. حدثني به عبد الله بن عمر ﵄ وكان في ذلك الجيش.
ومنها: ما في صحيح البخاري، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار بعد ما يصبح».
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، ولفظ مسلم: «كان يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار» وذكر تمام الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ومنها: ما رواه الشافعي، وأحمد أيضًا، وأبو داود، والترمذي، عن عصام المزني ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فقال: «إذا رأيتم مسجدا أو
стр. 908
سمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا أحدًا» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ومنها: ما رواه أبو داود أيضا، وابن ماجة، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁، فغزونا ناسا من المشركين، فبيّتناهم فقتلناهم، قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين.
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على نقيض ما قرره صاحب المقال وأشباهه من المعجبين بآراء أعداء الله تعالى وقوانينهم، وقد اشتملت هذه الأحاديث التي ذكرنا ههنا على فوائد كثيرة نذكر منها ما نحن بصدده:
فمنها: مشروعية ابتداء المشركين بالقتال، إذا كانوا ممن بلغتهم دعوة الإسلام فلم يقبلوها، وهذا يرد قول صاحب المقال أنه لا يجوز قتالهم ابتداء، وإنما يقاتلون دفاعًا عن الإسلام إذا اعتدوا على المسلمين، أو وقفوا في طريق الدعاة.
ومنها: تعليل قتال المشركين وأهل الكتاب بما هم عليه من الكفر بالله وتعالى، فيقاتلون على الإسلام حتى يدخلوا فيه، أو يبذلوا الجزية إذا كانوا ممن تقبل منهم الجزية، والنصوص على ذلك واضحة في كثير من هذه الأحاديث، وهذا يرد قول صاحب المقال أنهم إنما يقاتلون لترك العدوان، لا ليسلموا.
ومنها: أنه لا فرق بين من اعتدى منهم على المسلمين، ومن لم يعتد، ومن وقف منهم في طريق الدعاة إلى الإسلام، ومن لم يقف، فكلهم
стр. 909
يقاتلون ابتداءً من أجل الشرك، ولو كان التفريق بينهم معتبرًا لَبَيَّنه النبي ﷺ ولم يهمله.
ومنها: أن قتال الكفار على الإسلام من ملة رسول الله ﷺ وسنته، بخلاف مسالمتهم ومتاركتهم من غير جزية تؤخذ منهم، فإن ذلك من سياسات أعداء الله، ونظرات علماء قوانينهم الدولية وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، ويستثنى من ذلك ما إذا عقد المسلمون بينهم وبين الكفار هدنة على ترك القتال مدة معلومة، فإن ذلك جائز للحاجة والمصلحة للمسلمين، ويجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في (المغنى): ولا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة، لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية. انتهى، وكذا قال غيره من أكابر العلماء، والله أعلم.
ومنها: جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من الكفار في حال غرتهم وغفلتهم، وجواز تبييتهم في الليل.
ومنها: جواز قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم، ففيه رد على صاحب المقال الذي أشرنا إليه، حيث زعم أن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، ولعل صاحب المقال أخذ هذا القول من نظرات علماء القانون الدولي وما تقتضيه الحرية الإفرنجية ثم نسبه إلى الإسلام، والإسلام بريء من هذا القول المفترى عليه كما تدل على ذلك الآيات والأحاديث الصحيحة مما ذكرنا ومما لم نذكره.
стр. 910
ويكفي في رد هذا القول ما فعله رسول الله ﷺ مع بني المصطلق، وما فعله أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه مع غيرهم بأمر رسول الله ﷺ له بذلك، وفي الصحيحين، والمسند، والسنن، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
وفي المسند، وسنن النسائي، وابن ماجة، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها».
وفي المسند، وسنن أبي داود، والنسائي، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إسلامه، أو النفس بالنفس».
وفي صحيح البخاري، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، والسنن، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من بدل دينه فاقتلوه».
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي، أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى ﵁ إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل ﵁، فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال له: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله.
стр. 911
وفي المسند، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال: والشرخ؛ الغلمان الذين لم ينبتوا.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن تفسير هذا الحديث «اقتلوا شيوخ المشركين» قال: يقول: الشيخ لا يكاد أن يسلم، والشاب أي يسلم كأنه أقرب إلى الإسلام من الشيخ، قال: والشرخ الشباب.
وفي الصحيحين، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، والسنن إلا النسائي، عن الصعب بن جثامة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: «هم منهم»، زاد أبو داود: قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان.
وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن عمه ﵁، أن النبي ﷺ لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والولدان.
وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة يوم فتح مكة مقتولة فقال: «ما كانت هذه تقاتل»، ثم نهى عن قتل النساء والصبيان.
وفي الموطأ، عن يحيى بن سعيد، أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال ليزيد بن أبي سفيان: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قومًا فحصوا عن أوساط
стр. 912
رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا … وذكر تمام الحديث.
فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما تقدم ذكرها، ومما لم نذكره، تدل على أن الإسلام يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله، إذا لم يدن بالإسلام، ولم يبذل الجزية، إذا كان من أهل الكتاب ونحوهم ممن تؤخذ منهم الجزية، إلا ما استثني فيها من النساء والصبيان والشيوخ الفانين وأصحاب الصوامع؛ فهؤلاء لا يجوز قتل أحد منهم إلا أن يباشر القتال أو يعين عليه ولو بالرأي، فيقتل كما قتل دريد بن الصمة.
وقد روى أبو داود في سننه، من حديث صخر بن العيلة الهذلي الأحمسي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن القوم إذا أسلموا فقد أحرزوا دماءهم وأموالهم».
ورواه الإمام أحمد في مسنده بمعناه، وفيه دليل على إهدار دماء المشركين، وحل أموالهم للمسلمين ما داموا على الشرك، والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وقال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق على صحته: «أحل الله لنا الغنائم»، وقال أيضا في حديث جابر بن عبد الله ﵄ المتفق على صحته: «أحلت لي الغنائم»، ورتب صلوات الله وسلامه عليه في الأحاديث المتقدمة عصمة
стр. 913
دماء المشركين وأموالهم بالدخول في الإسلام، وعصمة دماء أهل الكتاب وأموالهم بذلك أو ببذل الجزية، ومع هذا كله يقول صاحب المقال إن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، وهذا منه جرأة عظيمة على الله ﵎ وعلى رسوله ﷺ ، وتكذيب منه لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، فالله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ومن فوائد الأحاديث المتقدمة أيضا: وجوب اتخاذ القوة؛ لتأييد الدعوة الإسلامية وقتال من خالفها، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، فإن الأمر بالقتال يتضمن الأمر باتخاذ القوة لذلك؛ لأن القتال بدون القوة غير ممكن، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويدل عليه أيضا ما كان النبي ﷺ يفعله من بعث الجيوش والسرايا لقتال من لم يدخل في الإسلام، وما فعله مع بني المصطلق وغيرهم من المشركين وأهل الكتاب؛ من الإغارة عليهم ومهاجمتهم بما معه من القوة، وما فعله أصحابه ﵃ من بعث الجيوش والقوات لقتال المرتدين وغيرهم من أمم الكفر والضلال، وهذا يبطل ما زعمه صاحب المقال من أن الإسلام لا يجيز مطلقًا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم.
ومن فوائدها أيضا: وجوب التثبت في أمر الكفار إذا أظهروا شعائر الإسلام؛ بأن سمع عندهم أذان أو رُؤي عندهم مسجد، فلا يغار عليهم والحالة هذه، ولا يقتل منهم أحد، بل يجب الكف عنهم حتى تتضح حقيقية
стр. 914
أمرهم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إظهار شعائر الإسلام في القتال وعند شن الغارة يحقن به الدم، وليس كذلك حال السلامة والطمأنينة التي يتسع فيها معرفة الأمور على حقائقها واستيفاء الشروط اللازمة فيها. انتهى.
وظاهر حديث أنس، وحديث عصام المزني أن النبي ﷺ لم يكن يخص بالإغارة المعتدين من الكفار، والواقفين منهم في طريق الدعاة إلى الإسلام دون غيرهم، بل كان يغير ويأمر بالإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية فلم يقبلوها، سواء كانوا معتدين أو غير معتدين، وسواء كانوا من الواقفين في طريق الدعاة إلى الإسلام أو لم يكونوا منهم، والله أعلم.
стр. 915
فصل
وقد أجمع الصحابة ﵃ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه على قتال المرتدين، من سائر أحياء العرب، فساروا إليهم في ديارهم، وبدأوهم بالقتال حتى فرغوا منهم، ثم ساروا بأمر الصديق ﵁ وأرضاه إلى قتال فارس والروم، فدعوهم إلى الإسلام، وقاتلوهم عليه، واستمر الأمر كذلك في خلافة عمر وعثمان ﵄ وأرضاهما- حتى دوخوا كثيرًا من أمم الكفر والضلال في مشارق الأرض ومغاربها، وأثخنوهم قتلاً وأسرًا، وسبوا من ذراريهم وغنموا من أموالهم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وضربوا الجزية على من صالحهم من تلك الأمم، وظهر بذلك مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، ثم كان الأمر كذلك في دولة بني أمية وصدر من دولة بني العباس، فكثرت الفتوحات، واتسعت الممالك الإسلامية، حتى بلغت من ناحية المشرق إلى أطرف الصين، وبلغت من ناحية المغرب إلى البحر المحيط، وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ في حديث ثوبان ﵁: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» رواه مسلم، وأهل السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسند، من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
ولا يعرف عن أحد من الصحابة ﵃، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا أنه طعن على أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من