Полный текст (956 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وفي المسند، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال: والشرخ؛ الغلمان الذين لم ينبتوا.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن تفسير هذا الحديث «اقتلوا شيوخ المشركين» قال: يقول: الشيخ لا يكاد أن يسلم، والشاب أي يسلم كأنه أقرب إلى الإسلام من الشيخ، قال: والشرخ الشباب.
وفي الصحيحين، ومسندي الإمامين الشافعي وأحمد، والسنن إلا النسائي، عن الصعب بن جثامة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: «هم منهم»، زاد أبو داود: قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان.
وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن عمه ﵁، أن النبي ﷺ لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والولدان.
وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة يوم فتح مكة مقتولة فقال: «ما كانت هذه تقاتل»، ثم نهى عن قتل النساء والصبيان.
وفي الموطأ، عن يحيى بن سعيد، أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال ليزيد بن أبي سفيان: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قومًا فحصوا عن أوساط
стр. 912
رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا … وذكر تمام الحديث.
فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما تقدم ذكرها، ومما لم نذكره، تدل على أن الإسلام يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله، إذا لم يدن بالإسلام، ولم يبذل الجزية، إذا كان من أهل الكتاب ونحوهم ممن تؤخذ منهم الجزية، إلا ما استثني فيها من النساء والصبيان والشيوخ الفانين وأصحاب الصوامع؛ فهؤلاء لا يجوز قتل أحد منهم إلا أن يباشر القتال أو يعين عليه ولو بالرأي، فيقتل كما قتل دريد بن الصمة.
وقد روى أبو داود في سننه، من حديث صخر بن العيلة الهذلي الأحمسي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن القوم إذا أسلموا فقد أحرزوا دماءهم وأموالهم».
ورواه الإمام أحمد في مسنده بمعناه، وفيه دليل على إهدار دماء المشركين، وحل أموالهم للمسلمين ما داموا على الشرك، والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وقال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق على صحته: «أحل الله لنا الغنائم»، وقال أيضا في حديث جابر بن عبد الله ﵄ المتفق على صحته: «أحلت لي الغنائم»، ورتب صلوات الله وسلامه عليه في الأحاديث المتقدمة عصمة
стр. 913
دماء المشركين وأموالهم بالدخول في الإسلام، وعصمة دماء أهل الكتاب وأموالهم بذلك أو ببذل الجزية، ومع هذا كله يقول صاحب المقال إن الإسلام لا يجيز قتل الإنسان وإهدار دمه وماله لمجرد أنه لا يدين به، وهذا منه جرأة عظيمة على الله ﵎ وعلى رسوله ﷺ ، وتكذيب منه لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، فالله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ومن فوائد الأحاديث المتقدمة أيضا: وجوب اتخاذ القوة؛ لتأييد الدعوة الإسلامية وقتال من خالفها، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، فإن الأمر بالقتال يتضمن الأمر باتخاذ القوة لذلك؛ لأن القتال بدون القوة غير ممكن، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويدل عليه أيضا ما كان النبي ﷺ يفعله من بعث الجيوش والسرايا لقتال من لم يدخل في الإسلام، وما فعله مع بني المصطلق وغيرهم من المشركين وأهل الكتاب؛ من الإغارة عليهم ومهاجمتهم بما معه من القوة، وما فعله أصحابه ﵃ من بعث الجيوش والقوات لقتال المرتدين وغيرهم من أمم الكفر والضلال، وهذا يبطل ما زعمه صاحب المقال من أن الإسلام لا يجيز مطلقًا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم.
ومن فوائدها أيضا: وجوب التثبت في أمر الكفار إذا أظهروا شعائر الإسلام؛ بأن سمع عندهم أذان أو رُؤي عندهم مسجد، فلا يغار عليهم والحالة هذه، ولا يقتل منهم أحد، بل يجب الكف عنهم حتى تتضح حقيقية
стр. 914
أمرهم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إظهار شعائر الإسلام في القتال وعند شن الغارة يحقن به الدم، وليس كذلك حال السلامة والطمأنينة التي يتسع فيها معرفة الأمور على حقائقها واستيفاء الشروط اللازمة فيها. انتهى.
وظاهر حديث أنس، وحديث عصام المزني أن النبي ﷺ لم يكن يخص بالإغارة المعتدين من الكفار، والواقفين منهم في طريق الدعاة إلى الإسلام دون غيرهم، بل كان يغير ويأمر بالإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية فلم يقبلوها، سواء كانوا معتدين أو غير معتدين، وسواء كانوا من الواقفين في طريق الدعاة إلى الإسلام أو لم يكونوا منهم، والله أعلم.
стр. 915
فصل
وقد أجمع الصحابة ﵃ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه على قتال المرتدين، من سائر أحياء العرب، فساروا إليهم في ديارهم، وبدأوهم بالقتال حتى فرغوا منهم، ثم ساروا بأمر الصديق ﵁ وأرضاه إلى قتال فارس والروم، فدعوهم إلى الإسلام، وقاتلوهم عليه، واستمر الأمر كذلك في خلافة عمر وعثمان ﵄ وأرضاهما- حتى دوخوا كثيرًا من أمم الكفر والضلال في مشارق الأرض ومغاربها، وأثخنوهم قتلاً وأسرًا، وسبوا من ذراريهم وغنموا من أموالهم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وضربوا الجزية على من صالحهم من تلك الأمم، وظهر بذلك مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، ثم كان الأمر كذلك في دولة بني أمية وصدر من دولة بني العباس، فكثرت الفتوحات، واتسعت الممالك الإسلامية، حتى بلغت من ناحية المشرق إلى أطرف الصين، وبلغت من ناحية المغرب إلى البحر المحيط، وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ في حديث ثوبان ﵁: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» رواه مسلم، وأهل السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسند، من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
ولا يعرف عن أحد من الصحابة ﵃، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا أنه طعن على أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من
стр. 916
غزواتهم، وبدئهم الكفار بالقتال على الإسلام، واتخاذهم القوة لذلك، واستحلالهم لدماء أعداء الله وأموالهم.
وكذلك لا يعرف عن أحد من التابعين وتابعيهم بإحسان، أنه طعن على بني أمية وبني العباس في شيء من هذه الأمور الشرعية، حتى جاء صاحب المقال وأشباهه من المعجبين بآراء أعداء الله تعالى وقوانينهم الدولية، فأصدروا المقالات التي ظاهرها الطعن على الجميع، تقليدًا منهم لأعداء الله تعالى، وتقربًا إليهم بما يوافق أهواءهم، بل ظاهرها الطعن على النبي ﷺ فيما كان يفعله مع المشركين وأهل الكتاب، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقاتلهم على الإسلام، ويهاجمهم إذا لم يقبلوا دعوته، ويغير عليهم في حال غرتهم، وكل ذلك على زعم صاحب المقال لا يجوز له، وكان ﷺ يستحل دماءهم وأموالهم، وذلك على زعم صاحب المقال لا يجوز له.
وكان ﷺ يعد لأعداء الله تعالى ما استطاع من القوة، ويجاهد بها من أبى منهم قبول الدعوة، وذلك على زعم صاحب المقال لا يجوز له.
وكان ﷺ يقاتل المعرضين عن الإسلام سواء كانوا من المعتدين أو غير المعتدين، وعلى زعم صاحب المقال أن قتال غير المعتدين لا يجوز له.
فانظروا أيها المسلمون إلى جريرة التقليد لأعداء الله تعالى، والاغترار بآرائهم الفاسدة وقوانينهم الباطلة، كيف أوقعا هذا المسكين في هذه الأوحال التي تناقض دين الإسلام، وتقتضي المروق منه بالكلية، وقد قال
الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي
стр. 917
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
فالحذر الحذر أيها المسلمون من الاغترار بزخارف أعداء الله تعالى وأباطيلهم، فإنهم لا يألون المسلمين خبالاً وإضلالاً، قال الله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]، ثم إن صاحب المقال لم يكتف بما ظاهره الطعن على رسول الله ﷺ وعلى أصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وعلى من بعدهم من المسلمين الذين جاهدوا الكفار على الإسلام، وبدأوهم بالقتال، واستحلوا دماءهم وأموالهم لما أعرضوا عن قبول الدعوة، بل تجاوز ذلك إلى ما يفهم منه تسفيه آرائهم في قتال الذين لم يعتدوا عليهم ولم يقفوا في طريق الدعاة وإن كانوا ممن بلغتهم الدعوة الإسلامية فلم يقبلوها، ولم يبذلوا الجزية، وهذا من صاحب المقال أقبح وأبشع وأفظع مما قبله، وعنده وعند أشباهه أن الرأي المعقول المقبول هو ما يتفق مع نظرة علماء القانون الدولي، من مسالمة أعداء الله ومتاركتهم ما لم يعتدوا على المسلمين أو يقفوا في طريق الدعاة إلى الإسلام، ومفهوم هذه العبارة لا يخفى على طال علم، فالله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد تقدم قول أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها؛ فعلل قتاله للمرتدين
стр. 918
بمنعهم للزكاة التي هي من آكد حقوق الإسلام، وقد وافقه عمر ﵁ وأرضاه وجميع الصحابة ﵃ على ذلك، وقال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، وقال أبو هريرة ﵁: قاتلنا معه فرأينا ذلك رشدًا، ولو كانت العلة ما يقوله صاحب المقال وأشباهه لكان ينبغي لأبي بكر ﵁ أن يقول: نقاتلهم على اعتدائهم علينا ووقوفهم في طريق الدعاة إلى الإسلام.
وتقدم أيضًا قول أبي بكر ﵁ ليزيد بن أبي سفيان ﵄: ستجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. رواه مالك في الموطأ، وهؤلاء هم الشمامسة من النصارى، والعلة في قتلهم هي مخالفتهم للإسلام وهديه الذي هو خير الهدي، ولو كان الأمر كما يقوله صاحب المقال وأشباهه لعلل الصديق ﵁ وأرضاه بذلك.
وتقدم أيضا ما رواه البخاري في صحيحه، عن جبير بن حية الثقفي قال: بعث عمر ﵁ الناس في أفناء الأمصار، يقاتلون المشركين -فذكر الحديث- وفيه أن المغيرة بن شعبة ﵁ قال لترجمان جيش كسرى: «أمرنا نبينا رسول الله ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم»، ففي هذا الحديث بيان العلة التي لأجلها بعث عمر ﵁ الجيوش إلى الأمصار يقاتلون الناس؛ وهي ما هم عليه من الشرك بالله تعالى واتخاذ الآلهة من دونه، ولو كان الأمر كما يقوله صاحب المقال لقال جبير: يقاتلون من اعتدى على
стр. 919
المسلمين، ولقال المغيرة: أمرنا أن نقاتلكم حتى تنتهوا عن اعتدائكم على المسلمين، وقد صرح المغيرة ﵁ أن قتالهم للمشركين بعد وفاة رسول الله ﷺ صادر عن أمر رسول الله ﷺ لهم بذلك.
وتقدم أيضًا ما فعله سلمان الفارسي ﵁ لما حاصروا قصرًا من قصور فارس؛ فإنه دعاهم إلى الإسلام، ثم إلى بذل الجزية، فلما لم يقبلوا قاتلهم بمن معه حتى فتحوا القصر، ولو كان الأمر كما يقول صاحب المقال لقال لهم سلمان ﵁: ندعوكم إلى المسالمة، وترك العدوان علينا، وأن تكفوا عن وضع العراقيل في طريق الدعاة.
وروى مالك في الموطأ بلاغًا أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عامل من عماله: إنه بلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية يقول لهم: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا»، فقل ذلك لجيوشك وسراياك إن شاء الله، والسلام عليك.
فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين أمر جيوشه بقتال المشركين، وعلل قتالهم بما علل به رسول الله ﷺ من كفرهم بالله تعالى، ولم يعلل بما علل به صاحب المقال وأشباهه من المتحذلقين.
والمقصود هاهنا أن قتال المشركين، واستباحة دمائهم وأموالهم من أجل شركهم بالله تعالى أمر مجمع عليه، وصادر عن أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم عن الله تعالى ورسوله ﷺ ،
стр. 920
ومعرفة بسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين في جهاد المشركين وأهل الكتاب، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر معاند للحق، يتعامى عنه لما عنده من الميل إلى الحرية الإفرنجية والتعظيم لأعداء الله تعالى والإعجاب بآرائهم وقوانينهم الدولية، فلذلك يروم كثير منهم التوفيق بينها وبين الأحكام الشرعية، وما أكثر هذا الضرب الرديء في زماننا لا كثرهم الله.
وقد وردت أحاديث كثيرة أخبر فيها رسول الله ﷺ بمغازي المسلمين من بعده وفتوحاتهم، وهي من الأدلة على مشروعية ابتداء المشركين وأهل الكتاب بالقتال على الإسلام، وإن لم يتقدم منهم اعتداء على المسلمين ولا وقوف في طريق الدعاة.
فمن ذلك: ما رواه أبو داود في سننه، عن أبي أيوب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم الأمصار، وستكون جنود مجندة» الحديث.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» هذا لفظ أحمد ومسلم.
ولفظ الترمذي: «ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤنة، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه».
ومنها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعة، والحاكم
стр. 921
في مستدركه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر» وذكر تمام الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها: ما رواه مسلم، وأهل السنن إلا النسائي، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسند، من حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ نحوه.
قال النووي: قال العلماء: المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنز كسرى وقيصر ملكي العراق والشام.
ومنها: ما في الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله».
وفيهما أيضًا، عن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ مثله.
ولمسلم عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتفتحن عصابة من المسلمين، أو من المؤمنين كنز آل كسرى الذي في الأبيض».
وروى الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه، عن
стр. 922
عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتفتحن لكم الشام، ثم لتقسمن كنوز فارس والروم …» الحديث. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن المعلوم أن المسلمين هم الذين ساروا إلى الفرس والروم في ديارهم، وإلى غيرهم من أمم الكفر والضلال في مشارق الأرض ومغاربها، فدعوهم إلى الإسلام، وقاتلوا من أبى منهم الدخول فيه أو بذل الجزية، وسبوا ذراريهم، وغنموا أموالهم وأنفقوها في سبيل الله كما أخبرهم بذلك رسول الله ﷺ ، ولا يعرف عن أحد من تلك الأمم التي ظهر عليها المسلمون أنهم ساروا قبل ذلك إلى البلاد العربية يريدون قتال المسلمين والتضييق عليهم ومنعهم من بعث الدعاة إلى الإسلام، حتى يكون قتال المسلمين إياهم دفاعا كما زعمه صاحب المقال، وإنما الأمر كان بالعكس؛ فالمسلمون هم الذي ساروا إلى أعداء الله تعالى في ديارهم، وقاتلوهم على الإسلام، وضيقوا عليهم المسالك، فقاتلهم المشركون دفاعًا عن أنفسهم وأموالهم، فما نفعهم ذلك شيئًا، وكانت العاقبة بالنصر والتمكين لأولياء الله وحزبه، كما وعدهم بذلك نبيهم الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجة، والبخاري في تاريخه، عن نافع بن عتبة بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تقاتلون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تقاتلون فارس فيفتحها الله لكم، ثم تقاتلون الروم فيفتحها الله لكم، ثم تقاتلون الدجال فيفتحه الله لكم».
стр. 923
وقد رواه ابن جرير، وابن عبد البر من طريقه، والحاكم في مستدركه، من حديث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر المسلمون على جزيرة العرب، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على الأعور الدجال».
وفي قوله: «تقاتلون جزيرة العرب، ثم تقاتلون فارس، ثم تقاتلون الروم» إشارة إلى أن المسلمين هم الذين يبدءون هذه الأمم بالقتال على الإسلام، وقد وقع الأمر طبق ما في هذا الحديث، وسيقع ما أخبر به من قتال الدجال والظهور عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
ومنها: ما رواه النسائي في سننه، عن أبي سكينة -رجل من المحررين- عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لما أمر النبي ﷺ بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر -فذكر الحديث في ضرب النبي ﷺ إياها ثلاث مرات حتى ذهبت وفيه- قال سلمان ﵁: يا رسول الله، رأيتك حين ضربتَ، ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ قال له رسول الله ﷺ : «يا سلمان رأيت ذلك؟!» فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله، قال: «فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني»، قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله، أدع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ بذلك، «ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي
стр. 924
مدائن قيصر وما حولها، حتى رأيتها بعيني»، قالوا: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ذراريهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ بذلك، «ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني»، قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم».
وقد روى أبو داود في سننه طرفا منه وهو قوله: «دعوا الحبشة …» إلى آخره.
ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجة في سننيهما، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله قال: «إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتًا يقال لها الحمامات …» الحديث.
ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أم حرام ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا» قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: «أنت فيهم» ثم قال النبي ﷺ : «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا».
ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا».
وفي رواية: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط»
стр. 925
والباقي بنحوه.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁ قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند، فإن أدركتها أنفق نفسي ومالي، فإن أقتل كنت من أفضل الشهداء، وإن أرجع فأنا أبو هريرة المحرر.
وفي رواية لأحمد قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق رسول الله ﷺ : «إنه يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند …» وذكر بقيته بنحوه وزاد: «قد أعتقني من النار» وهذه الزيادة تبين معنى قوله المحرر.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني وغيرهم، عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار، عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام».
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن جرير، وأبو بكر الآجري، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أخبر عن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- أنه يقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام.
وهذا الحديث يدل على أن مشروعية ابتداء المشركين بالقتال لا تزال باقية ما بقي المسلمون، وعلى أن عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يسير على منهاج رسول الله ﷺ في قتال أصناف المشركين حتى لا يبقى إلا الإسلام، وعلى أنه يتخذ القوة لقتال أعداء الله تعالى؛ لأن اتخاذ القوة من اللوازم الضرورية للقتال، وعلى أنه لا يخص بالقتال المعتدين من
стр. 926
الكفار دون غيرهم، بل يقاتلهم جميعًا، وعلى أن مسالمة الكفار ومتاركتهم ليست من أمور الإسلام، وما كان من ذلك في أول الإسلام فإنه منسوخ بآية السيف وغيرها من آيات براءة، ويستثنى من ذلك عقد الهدنة على مدة معلومة كما تقدم تقريره قريبا، والله أعلم.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ قال رسول الله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
ومنها: ما رواه الإمام أحمد أيضا، والنسائي، والبخاري في تاريخه، عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه وقال: «كذبوا، الآن جاء القتال، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله» وذكر تمام الحديث. وهذا لفظ النسائي.
وقوله: «أذال الناس الخيل» معناه: أنهم سيَّبوها كما تدل على ذلك رواية الإمام أحمد.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: الإذالة: الإهانة والابتذال.
ومنها: ما في صحيح مسلم، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما
стр. 927
قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة».
ومنها: ما في صحيحه أيضا، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة …» الحديث.
ومنها: ما في صحيحه أيضًا، عن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة».
ومنها: ما في سنن أبي داود، ومستدرك الحاكم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ومنها: ما في سنن أبي داود أيضًا، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل».
ومنها: ما رواه أبو نعيم في الحلية، من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة، لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل».
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن قتال الكفار على الإسلام
стр. 928
مشروع إلى قرب قيام الساعة.
وفيها الرد على صاحب المقال وأشباهه، من المثبطين الذين يُرغِّبون المسلمين في مسالمة أعداء الله تعالى ومتاركتهم أبدًا، موافقة لما تقتضيه الحرية الإفرنجية، التي قد فشت في أكثر الأقطار الإسلامية، وعظم شرها وضررها على الشريعة المحمدية، فالله المستعان.
وأما قول صاحب المقال: إن الإسلام لا يجيز مطلقا أن يتخذ المسلمون القوة من سبل الدعوة إلى دينهم، فهو كذب منه على الإسلام، يرده قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ويرده أيضًا آية السيف وغيرها من الآيات التي أمر الله فيها بقتال المشركين وأهل الكتاب، فإن كل آية منها تقتضي الأمر باتخاذ القوة للقتال؛ لأن القتال لا يُستَطَاع بدون القوة، فالأمر بها ضمنًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو مقرر عند الأصوليين، والله أعلم.
ويرده أيضًا ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن إلا النسائي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي».
ويرده أيضا ما تقدم قريبا من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك
стр. 929
له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي …» الحديث رواه الإمام أحمد وغيره.
ويرده أيضاً ما رواه ابن ماجة في سننه، والأثرم واللفظ له، عن عليِّ ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يتوكأ على قوس له عربية إذ رأى رجلاً معه قوس فارسية فقال: «ألقها فهي ملعونة، ولكن عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن لكم في الأرض».
وروى الطبراني، من حديث عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ نحوه.
ويرده أيضا ما في الصحيحين، والمسند، والسنن إلا ابن ماجة، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.
ويرده أيضا ما رواه النسائي في سننه، عن الحسن بن مسلم قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ سهم الرسول، وسهم ذي القربى، فقال قائل: سهم الرسول ﷺ للخليفة من بعده، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الرسول ﷺ ، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا في ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄.
ويرده أيضًا ما رواه البخاري في التفسير من صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ -
стр. 930
موقوفًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
ورواه في الجهاد من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل».
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل».
ورواه ابن حبان في صحيحه ثم قال: والقصد في هذا الخبر السبي الذين يسبيهم المسلمون من دار الشرك مُكتّفين في السلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلوا الجنة. انتهى.
وقد قرر هذا المعنى أيضاً ابن الجوزي أحسن تقرير فقال: معناه أنهم أُسروا وقُيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل، ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب. انتهى.
وفي المسند، عن أبي أمامة ﵁ قال: ضحك رسول الله ﷺ فقلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «عجبت من قوم يُقادون في السلاسل إلى الجنة».
وفي المسند أيضًا، عن سهل بن سهل الساعدي ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بالخندق فأخذ الكِرْزين فحفر به، فصادف حجرًا فضحك، قيل:
стр. 931
ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ضحكت من ناس يؤتى بهم من قبل المشرق في النكول يساقون إلى الجنة».
وقد كان رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدون من بعده، وأمراء المسلمين من بعدهم يعدون ما استطاعوا من القوة لقتال أعداء الله، وإرهاب القريب والبعيد منهم بذلك؛ امتثالاً لما أمرهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية، وكانوا يجعلون القوة ردءا للدعوة إلى الإسلام، فكل قوم بلغتهم الدعوة الإسلامية فلم يقبلوها ولم يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تؤخذ منهم الجزية فإنهم يهاجمونهم بما أعدوا لهم من القوة حتى يضطروهم إلى القتل أو الأسر أو الهرب، وهذا معلوم من سيرتهم مع أعداء الله تعالى، ولا ينكره إلا جاهل أو مكابر معاند، وقد جعل الله لهم في اتخاذ القوة خيرًا كثيرا ونصرهم وظفرهم، وفتح لهم مشارق الأرض ومغاربها، ومكن لهم في الأرض، وأظهرهم على الأمم الكثيرة من أعداء الإسلام، ومنحهم أكتافهم، وملكهم رقابهم، يقتلون فريقًا منهم ويأسرون فريقًا آخر، حتى اتسعت رقعة الإسلام ودخل فيه من تلك الأمم ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وكثير منهم إنما دخلوا في الإسلام بسبب القوة التي غلبتهم على أنفسهم، وأوقعتهم أسارى في أيدي المسلمين، فصار ذلك سببا لمعرفتهم الإسلام، ورغبتهم الدخول فيه باختيار منهم، وظهر بذلك مصداق قول النبي ﷺ : «عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل».
وليس العجب من صاحب المقال في تعاميه عن هذه الأمور الجلية،
стр. 932
ومعارضته لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، ومكابرته في إنكار ما هو معلوم بالضرورة، وإنما العجب من الذين يثقون به وبأشباهه، ويأتمنونهم على التعليم وغيره، فالله المستعان.
стр. 933
فصل
وقد زعم صاحب المقال أن شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه يوافقه على الرأي الذي شذ به هو وأشباهه عن جماعة المسلمين؛ قال في آخر مقاله: وهذا الرأي الأخير أعني القائل بأن الحرب للدفاع عن الدعوة ضد المعتدين عليها هو الرأي المعقول المقبول، فليس مما يشرف الدعوة الإسلامية أو أية دعوة أخرى أن تتخذ القوة وسيلة لنشرها، وإرغام الناس على قبولها، وهو الرأي الذي تتفق معه نظرة علماء القانون الدولي في الأساس الذي تبني الدول عليه علاقاتها بعضها ببعض، وهو الرأي الذي يرى ابن تيمية فيه أنه هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. هذا كلام صاحب المقال.
ويفهم من فحواه أنه يحوم حول الاعتراض على النبي ﷺ وعلى أصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- في اتخاذهم القوة لجهاد الكفار على الإسلام، ولا سيما في قوله: فليس مما يشرف الدعوة … إلى آخر العبارة، فإنه يكاد أن يكون صريحًا في الاعتراض؛ ولهذا سوى بين اتخاذهم القوة لإعلاء كلمة الله تعالى وبين اتخاذ غيرهم القوة لإعلاء باطلهم وكلمتهم؛ فالكل في ظاهر كلامه على حد سواء، وهذا ينبئ عن خبث طوية وعقيدة سيئة، وقد تقدم له غير ذلك مما نبهت عليه في أول الفصل.
وأما ما نسبه إلى شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فالظاهر والله أعلم أنه مكذوب على الشيخ، وليس صاحب المقال هو الذي
стр. 934
كذب عليه؛ ولكنه اغتر برسالة منسوبة إلى الشيخ يظهر لمن تأملها من ذوي العلم والفهم أنها ليست من تصانيفه لمناقضتها لما قرره في كثير من كتبه، وقد حدثنا بعض المشايخ أن شيخه العلامة المحقق سليمان بن سحمان قدس الله روحه وقف على تلك الرسالة فرد عليها ردًا جيدًا، أكثره من كلام شيخ الإسلام وتقريراته، ونكتفي في رد ما ذكره صاحب المقام هنا بكلام للشيخ قدس الله روحه في أجوبة له ثلاثة:
قال في إحداها:
كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين؛ وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها؛ مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي
стр. 935
توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين لله.
وقال في الجواب الثاني:
اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها؛ فإذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة أو الزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع الإسلام؛ فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله.
وقال في الجواب الثالث:
أيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. انتهى.
стр. 936
فانظر إلى توافق كلام الشيخ قدس الله روحه في هذه الأجوبة الثلاثة، وتصديق بعضه بعضًا، وانظر إلى تصريحه بوجوب جهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإنه صريح في وجوب قتال الطلب دفعًا لمفسدة الكفر، وصريح أيضًا في رد ما ذكره صاحب المقال عنه أنه لا يرى الحرب إلا للدفاع عن الدعوة ضد المعتدين عليها.
وتأمل ما ذكره من الاتفاق على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، ومنها جهاد الكفار على الإسلام وضرب الجزية على أهل الكتاب.
وتأمل أيضا قوله: فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
وتأمل أيضًا ما صرح به من تكفير الجاحد لوجوب شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، ومنها جهاد الكفار على الإسلام، وضرب الجزية على أهل الكتاب، فكل جملة من هذه الجمل ترد ما نسب إليه من القول بأنه لا يرى الحرب إلا للدفاع عن الدعوة ضد المعتدين عليها.
وكلام الشيخ قد الله روحه في وجوب جهاد الكفار على الإسلام كثير في مواضع من كتبه، وفيما ذكرنا ههنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وتأمل قوله في الجواب الأول: إن الطائفة الممتنعة إذا أظهرت التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين فإنها تقاتل على ذلك، وكذلك إذا أظهرت الطعن في السابقين الأولين من
стр. 937
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
ثم تأمل سيرة المسلمين مع الكفار على عهد الخلفاء الراشدين؛ فإنهم كانوا يقاتلونهم على الإسلام، لا فرق عندهم بين المعتدين منهم وغير المعتدين، وكانوا يبدءونهم بالقتال إذا لم يقبلوا الدعوة الإسلامية، أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب ونحوهم، وكانوا يتخذون القوة لقتال أعداء الله، وكانوا يستحلون دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وكانوا لا يسالمون أحدًا منهم ويتاركونه إلا بجزية يبذلها لهم، أو في هدنة لمصلحة المسلمين.
وكل هذه الأمور المعروفة عنهم ينكر صاحب المقال جوازها، والظاهر من كلامه أنه يكذب بها، فكلامه دائر بين التكذيب بسيرة المسلمين مع أعداء الله، وبين الطعن عليهم فيما يفعلونه مما زعم أن الإسلام لا يجيزه، فعلى ما قرره شيخ الإسلام قدس الله روحه في الجواب الأول ينبغي استتابة صاحب المقال؛ وتأديبه بما يليق بجرمه، وأنه لو كان في جماعة ممتنعة يرون رأيه وجب قتالهم حتى يتوبوا عن رأيهم الفاسد الذي شذوا به عن جماعة المسلمين وعارضوا به نصوص القرآن والسنة، والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويقيم لدينه حماة يجاهدون المبطلين بالحجة والبرهان، ويجالدون المعاندين بالسيف والسنان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 938
فصل
وأما استدلال صحاب المقال على رأيه بالآيات الأربع المذكورات مع كلامه في أول الفصل الذي قبل هذا الفصل، فهو استدلال غريب لا نعلم أن أحدًا من أئمة التفسير سبقه إليه؛ لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من أئمة العلم والهدى من بعدهم، إذ ليس أحد منهم يرى مسالمة الكفار ومتاركتهم بدون جزية يبذلونها للمسلمين إن كانوا من أهل الجزية، أو مهادنة يعقدها المسلمون بينهم وبين أعداء الله، وإنما يرى ذلك صاحب المقال وأشباهه من المتأثرين بالحرية الإفرنجية والقوانين الدولية، الحائمين حول إبطال الجهاد في سبيل الله بالكلية، فلذلك يحملون الآيات على غير محاملها وما يراد بها، ويتأولونها على غير تأويلها المأثور عن علماء التفسير من أكابر السلف وأئمة الخلف، وليس لصاحب المقال في الآيات المذكورات ما يتعلق به.
أما على قول من قال بنسخهن، ونسخ ما أشبههن بآية السيف التي في سورة براءة فظاهر، وقد تقدم ما نقله البغوي عن الحسين بن الفضل في ذلك، وما نقله ابن كثير عن ابن عباس ﵄، والضحاك بن مزاحم.
وأما على قول من لم ير النسخ فإحكام هذه الآيات معروفة عند علماء السنة سلفًا وخلفًا، وليس فيها ما يوافق رأي صاحب المقال وأشباهه.
فأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فقد ذكر ابن كثير وغيره فيها قولين عن العلماء:
стр. 939
أحدهما: أنها محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل، إذا بذلوا الجزية.
قال البغوي: قال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن العرب كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام، فلما أسلموا طوعًا وكرهًا أنزل الله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية، فمن أعطى منهم الجزية لم يكره على الإسلام. انتهى.
والقول الثاني: أنها منسوخة بآية السيف.
قال البغوي رحمه الله تعالى: وهو قول ابن مسعود ﵁.
وأما آية النساء وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ففيها قولان أيضًا:
أحدهما: أن المسلمين إذا عقدوا بينهم وبين قوم من الكفار مهادنة، أو عقدوا لقوم من أهل الكتاب ذمة، فإن حكم من يلجأ إليهم من غيرهم كحكمهم.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير.
والقول الثاني أنها منسوخة؛ قال ابن كثير: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية.
وأما آية الأنفال وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾
стр. 940
[الأنفال: ٦١] ففيها أيضًا قولان:
أحدهما: أنها دالة على مشروعية المصالحة والمهادنة مع المشركين إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
اختار هذا القول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو ظاهر اختيار البخاري رحمه الله تعالى، قال في آخر كتاب الخمس من صحيحه: باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره وإثم من لم يف بالعهد.
وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ قال الحافظ ابن حجر: معنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرًا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا. انتهى.
والقول الثاني: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة، ذكره عنهم الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، وذكره البغوي عن الحسن وقتادة.
وأما آية الممتحنة وهي قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، فإنها دالة على جواز البر والإحسان إلى ضعفة المعاهدين؛ كالنساء والصبيان ونحوهم ممن ليس من أهل الشوكة والقتال، ولا سيما إذا كان الضعفة من الأقارب كما يرشد إلى ذلك سبب نزول الآية الكريمة،
وقد استدل بها البخاري رحمه الله تعالى على جواز الهدية للمشركين.
стр. 941
وقال أيضًا: باب صلة الوالد المشرك، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام بن عروة، أخبرني أبي، أخبرتني أسماء ابنة أبي بكر ﵄ قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ : أصلها؟ قال: «نعم». قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: أتتني أمي راغبة في عهد قريش، فسألت رسول الله ﷺ : أصلها؟ قال: «نعم».
وقد رواه البخاري أيضا، ومسلم، من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قدمت علي أمي وهي راغبة، أَفَأَصِل أمي؟ قال: «نعم، صِلي أمك».
ورواه أبو داود في سننه، من حديث عيسى بن يونس، عن هشام بنحوه، وترجم عليه بقوله: باب الصدقة على أهل الذمة. وهذا من قوة فقهه ودقة فهمه رحمه الله تعالى، يعني أنه إذا جاز بر المعاهدين والصدقة عليهم فبر أهل الذمة والصدقة عليهم جائز كذلك وأولى.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ بنحو رواية
стр. 942
الصحيحين.
وروى الإمام أحمد أيضًا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وغيرهم، عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ﵄ بهدايا ضباب وقرظ وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى آخر الآية، «فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها».
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وزاد ابن أبي حاتم: إنها قدمت في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله ﷺ ، وقد قيل: إن الآية منسوخة.
قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ.
وقال قتادة: نسخ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقريب من هذا قول الحسن: إنها خاصة بحلفاء النبي ﷺ ، ومن بينه وبينه عهد.
فهذه أقوال المفسرين في الآيات الأربع، ليس فيها ما يوافق رأي صاحب المقال وأشباهه فيما شذوا به عن المسلمين وأرادوا به التوفيق بين الأحكام الشرعية في الجهاد وبين آراء أعداء الله وقوانينهم.
والمقصود ههنا التحذير من هذا المقال وغيره من مقالات المتهوكين
стр. 943
وآرائهم وتخرصاتهم؛ فإن كثيرًا منها مأخوذ من آراء الإفرنج، وأمثالهم من أمم الكفر والضلال، وما تقتضيه قوانينهم وحريتهم ومدنيتهم.
وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه، والبخاري في التاريخ الكبير، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم».
وفي رواية لمسلم: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم» ولا يبعد أن يكون صاحب المقال ممن أشار إليهم النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح، والله أعلم.
стр. 944
فصل
ونذكر ههنا مسألتين مهمتين من المسائل المتعقلة بالجهاد، ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بهما، وأن يعيذهم من اتِّباع شياطين الإنس والجن الداعين إلى التهاون بهما.
إحداهما: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
وألحق جماعة من العلماء بدار الكفر دار البغاة ودار البدع المضلة كالرفض والاعتزال.
وألحق آخرون بذلك أيضًا دار المعاصي إذا لم يقدر على تغييرها.
قال البغوي رحمه الله تعالى: يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة، قال: وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرض الله واسعة.
قلت: وقد رواه أبو نعيم في الحلية بإسناده عنه.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يهلك الناس هذا الحي من قريش» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم».
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): يؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك.
стр. 945
قال ابن وهب، عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف. انتهى.
وفي المسند، وسنن أبي داود، والكنى للبخاري، عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».
وفي المسند أيضًا، وسنن النسائي، وصحيح ابن حبان، والحلية لأبي نعيم، عن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ قال رسول الله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب (المغني): الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار؛ فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه لقول
стр. 946
الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨]، ولا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له، ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة. انتهى.
قال في (الفروع): وذكر ابن الجوزي أنها تجب عليه -يعني على هذا الضرب الأخير- قال: وأطلق ذلك. انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره ابن الجوزي جيد قوي، يدل عليه ظاهر القرآن والأحاديث الآتية.
أما القرآن فإن الله تعالى لم يعذر عن الهجرة إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ولو كان للقوي القادر على إظهار دينه في دار الكفر عذر لعذره الله تعالى كما عذر المستضعفين، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فقطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فدل على أنه لا عذر إلا للمستضعفين الذين نص عليهم في سورة النساء.
وأما الأحاديث: فالأول ما رواه أبو داود في سننه، عن سمرة بن جندب
стр. 947
- ﵁ قال: أما بعد، قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله».
ورواه الترمذي في جامعه معلقًا بصيغة الجزم فقال: وروى سمرة بن جندب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم».
ورواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث الحسن، عن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا» قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ورمز الحافظ الذهبي في تلخيصه إلى أنه على شرط الشيخين.
وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارًا منه لذلك لا اضطرارًا وعجزًا.
الحديث الثاني: عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: «لا ترآءى ناراهما» رواه أبو داود، والترمذي بهذا اللفظ.
ورواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في سننه بلفظ: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة».
قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد رحمه الله تعالى يُسأل عن معنى «لا ترآءى ناراهما» فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدتَ رأوا فيه
стр. 948
نارك، وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم، ولكن تباعد عنهم.
قلت: وفي هذين الحديثين وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارًا، فليحذر المسلمون المقيمون بين الوثنيين، والمرتدين، والنصارى، والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى أن يلحقهم هذا الوعيد الشديد، وكذلك ليحذروا أن يلحقهم الوعيد الشديد المذكور في سورة النساء.
الحديث الثالث: عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» رواه الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، والنسائي، وأبو يعلى.
قال بعض العلماء: معناه: لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: معناه لا تستشيروهم ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلاً للرأي عند الحيرة.
قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري.
وعنه أيضا أنه قال: نهى النبي ﷺ أن يستعان بالمشركين على شيء.
والظاهر أن النهي شامل للأمرين كليهما، فلا يجوز للمسلم مساكنة المشركين اختيارًا، ولا مشاورتهم وأخذ آرائهم، والقول الأول أظهر، ويدل لذلك قوله ﷺ : «لا تراءى نارهما»، وقوله في حديث الزهري: «وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» والله أعلم.
الحديث الرابع: عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ﵁ أن رسول الله
стр. 949
- ﷺ قال: «لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين» رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الخامس: عن يزيد بن الشخير قال: بينا أنا مع مطرف بالمربد، إذ دخل رجل معه قطعة أدم قال: كتب لي هذه رسول الله ﷺ فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت: أنا أقرأ، فإذا فيها: «من محمد النبي ﷺ لبني زهير بن أقيش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأقروا بالخُمس في غنائمهم وسهم النبي وصفيه؛ أنهم آمنوا بأمان الله ورسوله» رواه الإمام أحمد، والنسائي.
الحديث السادس: عن جرير ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشركين» رواه النسائي.
وفي رواية له قال جرير: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله، أبسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين».
الحديث السابع: عن أبي اليسر كعب بن عمرو ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع الناس فقلت: يا رسول الله، أبسط يدك حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم بالشرط، قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلم، وتفارق المشرك» رواه الحاكم
في مستدركه.
стр. 950
الحديث الثامن: عن الزهري مرسلاً، أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال: «تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» رواه ابن جرير.
فليتأمل المسلمون الساكنون مع أعداء الله تعالى هذا الأحاديث، وليعطوها حقها من العمل، فقد قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
следующие страницы →