← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شركٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ. •---------------------------------• «إِلَّا قُطِعَتْ» فيه دلالة على وجوب قطع كل ما عُلِّق لأجل دفع العين ونحوها من الآفات؛ لأنه لا يرد الضرر ولا يدفعه إلَّا الله سبحانه. ومناسبة الحديث للباب: هي أن القلائد التي تعلق على رقبة البعير من التمائم المنهي عنها؛ ولهذا جاء الأمر بقطعها. «وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديثه عند أحمد وأبي داود (١)، وإسناده ضعيف.

стр. 107

«إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ» سبق التعريف بالرقى والتمائم في بداية هذا الباب. «التِّوَلَةَ» خرز أو نحوه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى زوجته (١)، وهو نوع من السحر يسمى العطف. وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود في رواية ابن حبان (٢): «قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن». وصارت التولة شركًا؛ لأنها ليست بسبب شرعي ولا قدري للمحبة، وهي نوع من أنواع السحر.

стр. 108

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالتِّرْمِذِيُّ. •---------------------------------• حديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وغيرهما (١)، وإسناده ضعيف. «مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا» أي: اعتمد على شيء، واستمسك به، وعلَّق به خوفه ورجاءه. «وُكِلَ إِلَيْهِ» أي: وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك (٢).

стр. 109

التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ. مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. •---------------------------------• «التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» هذا تعريف من المصنف للتمائم، وقد سبق الحديث عنها. وقوله: «شيءٌ يُعَلَّقُ» يشمل الخرز والوَدْع والورق وغيرها من الأشياء التي تعلق. وقوله: «يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ» هذا الغالب في التمائم، وإلا فهي تعلق على الكبار من الرجال والنساء، وتعلق على الدواب، والبيوت، وغير ذلك. وقوله: «يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» الغالب في التمائم أن يتقى بها العين، وتعلق أيضًا من أجل دفع المضار وجلب المنافع. «لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ ... إلخ». اختلف العلماء في حكم التمائم إذا كانت من القرآن، على رأيين: الرأي الأول: جواز ذلك، وهو مروي عن بعض الصحابة: كعائشة (١)، وعبد الله بن عمرو (٢).

стр. 110

ومروي عن بعض التابعين: كابن المسيب (١)، وابن سيرين (٢)، وعطاء (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي جعفر الباقر (٥). وقال به بعض فقهاء الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، وأحمد في رواية (٩).

стр. 111

وذهب إلى ذلك القرطبي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وابن حجر (٤)، وغيرهم. واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي: ١ - ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ»، وكان عبد الله بن عمر يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه (٥). ٢ - ما روي عن عائشة أنها قال: «التَّمَائِمُ مَا عُلِّقَ قَبْلَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وَمَا عُلِّقَ بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِتَمِيمَةٍ» (٦).

стр. 112

الرأي الثاني: النهي عن ذلك، وهو مروي عن ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وحذيفة (٣)، وعقبة بن عامر (٤)، وعكيم (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، والحسن البصري (٧)، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه (٨). واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:

стр. 113

وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ. •---------------------------------• ١ - عموم النهي الوارد في تحريم التمائم، ولا مخصص لهذا العموم. ٢ - سد الذريعة؛ فإن تعليق ما فيه قرآن يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. ٣ - أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك (١). وأجابوا عن أدلة الرأي الأول: بأن الرواية عن عبد الله بن عمرو ضعيفة، وعلى فرض صحتها، فإن ذلك يُعَدُّ اجتهادًا من عبد الله بن عمرو، وقد وُجد من خالفه من الصحابة. وأثر عائشة أيضًا يعد اجتهادًا منها، ثم إن الاستدلال به ليس ظاهرًا. والذي يظهر - والله أعلم - جواز تعليق التمائم من القرآن والأدعية المشروعة، إلا أن سبيل الاحتياط ترك ذلك، فهو أولى احتياطًا وسدًّا للذريعة. «وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ» العزائم: جمع عزيمة، وهي قراءة الآيات على المريض رجاء بركتها والبُرْءِ بها (٢). «وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ » يدل على أن الأصل في الرقى المنع؛ لقوله: «رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ »؛ لأن الترخص لا يكون إلا بعد المنع كما هو مقرر في علم الأصول، ومراد المصنف أن هناك مستثنيات من المنع، وهي الرقى الخالية من الشرك.

стр. 114

وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله? : «يَا رُوَيْفِعُ، ......... •---------------------------------• «مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ» «ظاهر كلام المؤلف: أن الدليل لم يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة)، لكن ورد بغيرهما؛ فقد كان النبي ﷺ ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده وهذا من الرقية، وليس عينا ولا حمة» (١). «وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا» عرفها بذلك ابن مسعود ﵁ في إحدى الروايات كما مر معنا. «وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ ... » عند أحمد وغيره (٢)، وإسناده ضعيف.

стр. 115

لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا, أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ». •---------------------------------• و«رُوَيْفِعُ»: هو ابن ثابت بن السكن، الأنصاري المدني صحابي، له ثمانية أحاديث، نزل مصر وولي بَرْقَة، وتوفي بها سنة (٥٦ هـ) (١). «لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ» فيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه وقع كما أخبر، فإنَّ رويفعًا عاش بعد النبي ﷺ ستًّا وأربعين سنة. «فَأَخْبِرِ النَّاسَ» فيه دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصًّا برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية. «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ» النهي عن عقد اللحية فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه نهى عن عقدها لكونه من زِيِّ الكفار، وعادة بعض الأعاجم، وكانوا يعقدونها في الحرب وغيرها.

стр. 116

والثاني: أن المراد النهي عن معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد؛ لأنه من زي أهل التَوضُّع والتأنيث (١). والثالث: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول ﷺ بريء منه (٢). «أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا» الوَتر: بالفتح: وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط (٣). علة النهي عن تقليد الوتر واختلفوا في علية النَّهي عن تقليد الوتر وغيره على عدة آراء (٤): أحدها: أن النهي من أجل العوذ والتَّمائم المشتملة على رُقَى الجاهلية، كانوا يعلِّقونها في الرِّقاب، ويشدُّونها بالأوتار، ويرونها تدفع الآفات، فنهى عنها. والثاني: نهى عنها بسبب الأجراس التي تعلَّق فيها، فهي مزامير الشيطان. والثالث: نهى عن تعليق الأوتار في رقاب الخيل؛ لئلَّا تختنق بها عند شِدَّة الركض لانتفاخ أوداجها. ولعل الأقرب القول الأول. «أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ» (الاستنجاء): لغة القطع، واصطلاحًا: قطع أثر الخارج من السبيلين بالماء أو الحجارة أو نحوهما. ورجيع الدابة: هو الروث والعذرة، سميا رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان علفًا أو طعامًا (٥).

стр. 117

وما سبب النَّهي عن الاستنجاء برجيع الدابة أو العظم ؟ اختلف في ذلك، فقيل: لأنَّ رجيع الدواب والعظام جُعلا رزقًا للجن، والاستنجاء بهما يفسده عليهم، ولهذا جاء النهي عن ذلك (١). ودليل هذا القول: حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» (٢). وقيل: إنَّ رجيع الدواب والعظام لا ينقيان محل النجاسة؛ لهذا جاء النهي عن الاستنجاء بهما (٣). ودليل هذا القول: حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ, وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَانِ» (٤). ويمكن الجمع بين القولين، فيقال: إنَّ النهي يشمل الأمرين جميعًا، وإن كان القول الأول أظهر وأشهر، والله أعلم. «فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» «أي: بريءٌ من فعله، وقاله بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر» (٥). واعترض بعضهم على هذا التأويل، بأنه بعيد، وخلاف ظاهر الحديث؛ لأن الضمير في: «مِنْهُ» يعود إلى (مَنْ) في قوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ» (٦).

стр. 118

وقد ذكر شيخنا عبد الله الغنيمان في هذه المسألة كلامًا جيدًا، فقال: «للعلماء في هذا مذهبان مشهوران: المذهب الأول: أنه لا بد من تأويل ذلك؛ لأن الفاعل لهذه الأمور لا يكون كافرًا، فقالوا في مثل قوله ﷺ : (إن محمدًا بريء منه) يعني: بريء من فعله، أو أنه برئ منه في هذه الحال، فإذا راجع ربه، وتاب، وأقلع عن ذلك الذنب، فإنه لا يكون بريئًا منه ... المذهب الثاني: مذهب كثير من المحققين، يقولون: هذا التأويل خطأ، وإنما الواجب أن تبقى هذه النصوص كما جاءت، مع اعتقاد أن الفاعل لها لا يكون كافرًا، ولا يكون خارجًا من الملة، ولكن لا يجوز لنا أن نتأولها؛ لأن تأويلها يكون فيه محذوران: الأول: الخطر في ذلك، لأننا لا ندري مراد الله ومراد الرسول ﷺ من هذا، فإذا عينا شيئًا فإننا نكون على خطر، فقد يكون هذا الشيء الذي عيناه ليس هو مراد الله ولا مراد رسوله ﵊. الثاني: أن هذه النصوص إذا تركت كما جاءت فإن هذا يكون أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف مثل هذه الذنوب، وهذا هو الراجح» (١). والشاهد الذي من أجله أورد المصنف هذا الحديث في الباب: قوله: «تَقَلَّدَ وَتَرًا»؛ لأن ذلك يُعد نوعًا من أنواع التمائم المنهي عنها.

стр. 119

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» رَوَاهُ وَكِيعٌ. وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيْرِ القُرْآنِ». •---------------------------------• «وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ... » هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (١). «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» «هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون على هذا مرسلًا، لأن سعيدًا تابعي» (٢). وقوله: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ» هذا من باب الإنكار باليد، ولا يكون ذلك إلا ممن يقدر عليه، مع مراعاة المصلحة والمفسدة. والأثر يشمل من تسبب في قطع التميمة بأي صورة من الصور، ولو كان القاطع الحقيقي للتميمة صاحب التميمة نفسه. وقوله: «كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» أي: ما يعدل عتق رقبة، ولعل وجه ربط قطع التميمة بعتق الرقبة هو أنَّ الذي يقطع التميمة تسبب في عتق صاحبها من العبودية لغير الله، ومن ثَمَّ عتقه من النار، والله أعلم. «وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ» (وله): أي: وكيع، وإبراهيم هو: ابن يزيد النخعي، التابعي المشهور. «كَانُوا يَكْرَهُونَ» هذه الصيغة يستخدمها النخعي في حكاية أقوال أصحاب ابن مسعود، كالأسود، وعلقمة، ومسروق، وغيرهم.

стр. 120

والكراهة عند المتقدمين المقصود بها التحريم، قال شيخ الإسلام ﵀: «والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يراد بها التحريم» (١). وقال ابن القيم ﵀: «فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم» (٢). والكلام عن التمائم وتعليقها سبق الحديث عنه بما فيه الكفاية.

стр. 121

بَابُ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها . ومناسبة هذا الباب للأبواب السابقة أنه يُعَدُّ تكملةً لها؛ لأنه ذكر لبس الحلقة والخيط، وذكر الرُّقَى ولبس التمائم؛ فناسب هنا أن يذكر النهي عن التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وأن ذلك من الشرك بالله تعالى. فإن القاسم المشترك بين كل هذه الأبواب أنها تتعلق بالاعتقاد بغير الله تعالى، وأنها من الشرك الأصغر في أصلها، وإن كانت قد ترتقي إلى الأكبر إذا اعتقد الفاعل لذلك استقلال المُعَلَّق أو المُتَبَرَّك به في التأثير. و(مَنْ) هنا يمكن أن تكون موصولة بمعنى (الذي)، والتقدير: (باب بيان حكم الذي يتبرك بشجرة أو حجر ونحوهما). ويمكن أن تكون شرطية، والتقدير: (باب من تبرك بشجرةٍ أو حجرٍ ونحوهما فقد أشرك)، والأقرب أنها موصولة. والمصنف لم يصرح بالحكم في هذه الترجمة؛ لأن الحكم مرتبط باعتقاد المُتبَرِّك وقصده. فإذا كان يعتقد أن هذا المتبرَّك به ينفع ويضر من دون الله فهو شرك أكبر. وإذا لم يعتقد ذلك ولم يدل الدليل على أنه مما يُتبرك به، فهذا قد يؤول بالمرء إلى الوقوع في الشرك، وإن لم يكن شركًا أكبر. «مَنْ تَبَرَّكَ» التبرك في اللغة: طلب البركة، والبركة: النماء والزيادة (١)، وفي الشرع: ثبوت الخير الإلهي في الشيء (٢).

стр. 122

وهل التبرك كله ممنوع؟ الجواب: التبرك ينقسم إلى قسمين: الأول: التبرك المشروع وهو أنواع: النوع الأول: التبرك بذات النبي ﷺ ، وما انفصل من جسده، من شعرٍ، أو عَرَقٍ، أو لباسٍ، وما استعمله من ماءٍ أو إناءٍ، ونحو ذلك. فإِنَّ كل ذلك مباركٌ، يجوز التبرك به. وقد دلت الأدلة على ذلك، ولكن في هذا الباب لا بد من التنبيه على أمور: أولها: أَنَّ هذا خاصٌّ به لا يَتَعَدَّاه إلى غيره. والنوع الثاني: عدم إمكانية الحصول على هذه الأشياء المنفصلة عن جسده ﷺ ؛ وخاصةً مع تقادم الزمان، والبعد عن عهده؛ فإن الحصول على ذلك في هذه العهود بات أمرًا نادرًا أو معدومًا، ولو وُجِدَ لَمَا أمكن القطع بذلك على وجه اليقين. الثاني: التبرك المشروع بالأقوال والأفعال، والأمكنة، والأزمنة، والأطعمة، كما يلي: أولًا: التبرك المشروع بالأقوال: كقراءة سورة البقرة: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ» (١). ثانيًا: التبرك بالأفعال: كالاجتماع على الطعام.

стр. 123

الثالث: من التبرك المشروع: التبرك بالأمكنة. كالأماكن التي فيها نص كالمساجد؛ فإنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى الله مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى الله أَسْوَاقُهَا» (١). وكيف يكون التبرك بالمساجد؟ الجواب: يكون ذلك بفعل ما دل الشرع على جوازه، فإن كان بيتَ المقدس بشد الرحال إليه وكثرة الصلاة فيه، وكذلك المسجد الحرام، والمسجد النبوي فبشد الرحال إليهما وكثرة الصلاة فيهما. الرابع: من التبرك المشروع التبرك بالأزمنة: كليلة القدر: وتلتمس بركتها بقيام ليلها وصيام نهارها، وهكذا يوم الجمعة، وشهر رمضان، ويوم عرفة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، يشرع أن يفعل فيها ما دل عليه الدليل. الخامس: من التبرك المشروع التبرك بالأطعمة وما في حكمها: كالزيت المستخرج من شجرة الزيتون لقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]. ومن ذلك: اللبن، والحبة السوداء، والعجوة، والكمأة، والعسل، والخيل، والغنم، والنخل. وأيضًا ماء زمزم: لحديث: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ» (٢)، وماء المطر: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩].

стр. 124

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآية [النجم: ١٩]. •---------------------------------• القسم الثاني: التبرك الممنوع: وهو كل تبرك بشيء لم يدل الدليل على مشروعية التبرك به، كالتبرك بالأمكنة أو الجمادات أو الأزمنة التي لا دليل على ثبوت بركتها، ويدخل في التبرك الممنوع، التبركُ بالأمكنة المباركة على غير ما ورد به الشرع، كتقبيل أبواب المساجد، والتمسح بأعتابها والاستشفاء بتربتها، ومثل ذلك: التمسح بجدران الكعبة، أو مقام إبراهيم، وغير ذلك من التبرك الممنوع. ومن ذلك أيضًا: الذهاب إلى القبور لا لقصد الزيارة، وإنما لقصد الدعاء عندها. ومن ذلك: تخصيص أزمنة معينة بنوع من التعظيم، والاحتفالات، والعبادات؛ كيوم مولد الرسول ﷺ ، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة، وغير ذلك؛ فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ معناه: أفرأيتم أيها المشركون هذه الآلهة التي تعبدونها: اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى هل نفعتكم أو ضرَّتكم حتى تجعلوها شركاء لله؟ و﴿اللَّاتَ﴾ بتخفيف التاء، على قراءة الجمهور، قيل: إنها مأخوذة من الإله. وبتشديد التاء (اللاتَّ) على قراءة ابن عباس ﵁، قيل: إنه رجل بالطائف كان يلت السويق للحجاج، فلما مات؛ عظموه، وعكفوا على قبره.

стр. 125

﴿وَالْعُزَّى﴾ مأخوذة من اسم العزيز، وقيل: هو اسم شجرة كانت تعبد. قال ابن كثير: «كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها» (١). ﴿وَمَنَاةَ﴾ مأخوذة من اسم المنان (٢)، وقيل: سميت بذلك لكثرة ما يُمْنَى -أي: يراق- عندها من دماء. وقوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى «إشارة إلى أن التي تعظمونها، وتذبحون عندها، وتكثر إراقة الدماء حولها، أنها أخرى بمعنى متأخرة؛ أي: ذميمة حقيرة» (٣). والأصنام التي كان يعبدها المشركون كثيرة وجاء النص على هذه الثلاثة؛ لأنها كانت الأشهر عند العرب. ومناسبة الآية للترجمة: أن هذه الأصنام من الحجارة، أو الأشجار، التي كان المشركون يتقربون إليها بالذبائح وغيرها طلبًا للنفع وجلبًا للبركة، ودفعًا للشر، أو رفعه، كل ذلك من الضلال والشرك بالله تعالى.

стр. 126

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِي ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشركِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله? : «الله أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» رواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه. •---------------------------------• حديث أبي واقد رواه الترمذي وغيره (١)، وإسناده صحيح.

стр. 127

«وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ» أي: جديدون في الإسلام، وقريبو عهد بكفر، وهذا اعتذار عن الزلة العظيمة التي وقعت منهم بسبب ذلك، وفي هذا دليل على أن حديث العهد بالكفر يعذر بجهله. «وَلِلْمُشركِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا» العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته (١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. فالمشركون لازموا هذه السدرة وأقبلوا عليها عبادة وتعظيمًا، وطلبًا للبركة. «وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ» من ناط الشيء ينوطه نوطًا، أي علَّقه (٢)، والمعنى: أنهم كانوا يعلقون أسلحتهم على هذه الشجرة طلبًا للبركة.

стр. 128

«يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ» أي: تسمى أو تلقب بذات أنواط، «وإنما سميت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح» (١). «فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ» أي: اجعل لنا شجرة نعلق عليها أسلحتنا فتنالها البركة؛ فتصبح أمضى وأقوى، مثل ما يحصل لأسلحة المشركين. «الله أَكْبَرُ» وفي رواية الترمذي: «سُبْحَانَ الله» والتكبير والتسبيح هنا وقعا موقع التعجب والاستنكار واستعظام الأمر، ومعناهما تعظيم الله تعالى وتنزيهه عن الشرك، وعما لا يليق به. «إِنَّهَا السَنَنُ» أي: السنن الإلهية الكونية في تتبع اللاحقين للسابقين في طرقهم ومذاهبهم، وهي سنة لا تتغير، ولا تتبدل. «قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسرائِيلَ لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾» فقاس ﷺ مقالة صحابته على مقالة بني إسرائيل، فهؤلاء قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما للمشركين، وأولئك قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» «يحتمل أن يكون بفتح السين, أي: طريق من كان قبلكم من الأولين, ويحتمل أن يكون بضمها, فيكون المراد بها الطرائق, أي: لتأخذن أو لتأتن ما أتاه من قبلكم من الخلائق» (٢).

стр. 129

ومناسبة الحديث للباب واضحة وظاهرة لا تحتاج إلى بيان. وفيه النهي عن التشبه بأهل الجاهلية من أهل الكتاب والمشركين، وفيه من اللطائف: أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة؛ كما وقع فيمن قبلها، ففيه رد على من قال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ومن لطائف الحديث: العذر بالجهل وعدم التسرع في إطلاق وصف الشرك على من وقع في فعل أو قول شركي لداعٍ وبالأخص من كان حديث عهد بكفر.

стр. 130

بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ الله •---------------------------------• مقصود الترجمة بيان حكم الذبح لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر. ومناسبة الباب للأبواب السابقة: أَنَّ تلك الأبواب كانت عن الشرك الأصغر؛ فناسب هنا أن يبدأ بذكر أنواع الشرك الأكبر؛ لأن خطة المصنف أَنْ يتقدم في ترتيب هذا الأمر تصاعديًّا، من الأدنى إلى الأعلى، والأبواب السابقة في الشرك الأصغر والوسائل المفضية إلى الشرك، وهذا الباب وما بعده في الشرك الأكبر. وقوله: «مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ الله» أي: ما جاء من الوعيد في الذبح لغير الله، وبيان أنه من الشرك بالله. ولم يجزم المصنف بالحكم في هذا الباب؛ لأن مسألة الذبح لغير الله فيها تفصيل «ولا شك أنه يرى تحريم الذبح لغير الله على سبيل التقرب والتعظيم، وأنه شرك أكبر، لكنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا نوع من التربية العلمية، فإن المعلم أو المؤلف يدع الحكم مفتوحًا، ثم يأتي بالأدلة لأجل أن يكل الحكم إلى الطالب، فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلة» (١). و «الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا؛ فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة. القسم الثاني: أن يذبح لغير الله فرحًا وإكرامًا؛ فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانًا، فالأصل أنها مباحة.

стр. 131

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية, [الأنعام: ١٦٢]. •---------------------------------• فلو قدم السلطان إلى بلد، فذبحنا له، فإن كان تقربًا وتعظيمًا؛ فإنه شرك أكبر، أما لو ذبحناها له إكرامًا وضيافة، وطبخت، وأكلت؛ فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك» (١). قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله، معلنًا لهم قيامك بالتوحيد الخالص. ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ الصلاة لغةً: الدعاء (٢)، وشرعًا: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء (٣). ﴿وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، وقيل المراد الأضحية؛ لأنها تسمى نسكًا، وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نسك. وقيل: تعني العبادة وجميع أنواع الطاعات، من قولك: نسك فلان نسكًا إذا تعبد. ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أحيا لله وأموت في سبيل الله. كما قال معاذ بن جبل: «أَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي» (٤) أي: أتقوى بهذا النوم على طاعة الله أو أعطي بدني حقه امتثالًا؛ لقوله ﷺ في الصحيح: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (٥).

стр. 132

وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. •---------------------------------• ومناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة عظيمة؛ ولذلك جاءت مقترنة بالصلاة، فإذا ثبت أنها عبادة فصرفها لغير الله شرك أكبر، كما أن صرف الصلاة وغيرها من العبادات لغير الله شرك أكبر. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هذا أمر من الله تعالى لنبيه بأن يجعل صلاته وذبيحته خالصة له تعالى، خلافًا للذين يشركون في عباداتهم وينحرون لغير الله. والنحر: من نحر ينحر نحرا إذا أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحرًا: طعنه في منحره، حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر (١). وللمفسرين أقوال في المراد بالصلاة، والنحر، في الآية، فقيل: المراد بالصلاة: صلاة عيد الأضحى، والمراد بالنحر: نحر الأضاحي يوم العيد. وقيل معناه: اجعل يدك اليمنى على اليسرى عند النحر في الصلاة. ولعل الأقرب إلى الصواب أن الصلاة هنا عامة، والنحر أيضًا عام، ويؤيد ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح قرن بالصلاة ولم يخصص، وكذلك الصلاة لم تخصص. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وقوله: (وانحر): مطلق، فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق» (٢). ومناسبة الآية للباب: كمناسبة الآية التي قبلها، وهي أن النحر عبادة يجب صرفها إلى الله تعالى، ومن صرفها لغيره فهو مشرك شركًا أكبر.

стр. 133

عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ الله ﷺ بَأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» رَوَاهُ مُسْلِمُ. •---------------------------------• حديث عليٍّ ﵁ عند مسلم كما ذكر المصنف (١). «لَعَنَ اللهُ» اللعن الطرد والإبعاد من الخير، وجمع اللعنة: لِعانٌ ولَعَناتٌ. واللعن من الله: الطرد والإبعاد للملعون عن رحمته، ومن الإنسان: السب والدعاء، وهو طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله لهذا العبد (٢). «وقوله: (لعن): يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول ﷺ يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب» (٣). «مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله» قال النووي ﵀: «وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا ... فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا» (٤). «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» أَي: أباه وأمه وإن عَلَوَا.

стр. 134

ولعن الولد لوالديه قد يكون من باب التسبب، وذلك بأن يلعن والد رجلٍ آخر، فيرد عليه هذا فيسب والده، وقد فسَّر ذلك النبي ﷺ في خبر سب الرجل والديه، حيث قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (١). قال المناوي ﵀: «ولعل وجه تفسيره بذلك استبعاده أن يسب الرجل والديه بالمباشرة، فإن وقع سبهما يكون واقعًا بالتسبب» (٢). وقد يكون اللعن من الولد لوالديه مباشرًا؛ وهذا لا شك أنه أعظم وأخطر من الأول، ولا يتوقع صدوره من مسلم، «فإذا استحق من تسبب لسبهما اللعنة فكيف حال المباشر؟ ! » (٣). «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» أي: ضمه إليه وحماه. «والإحداث يشمل الإحداث في الدين: كالبدع. والإحداث في الأمر، أي في شؤون الأمة: كالجرائم وشبهها» (٤). «لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» جمع منارة، وهي العلامة التي تجعل في الحدود بين أرضين.

стр. 135

ومناسبة الحديث للباب: قوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله»؛ واللعن لا يأتي إلا على كبيرة من الكبائر، وهذا مؤشر على خطورة الذبح لغير الله، وتدل الأدلة الأخرى على أنه شرك. ما حكم اللعن على سبيل العموم؟ ظاهر هذا الحديث جواز لعن الفاسقين على العموم، وقد لعن الله الظالمين على العموم، فقال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]. وأيضًا في سورة هود ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وتقدم أن الرسول ﷺ لعن لعنًا عامًّا، كما في لعن الواشمة والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة، والواصلة والمستوصلة، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، واليهود والنصارى، ومن لعن والديه. وما حكم لعن المعين الفاسق؟ الجواب: اختلف فيه العلماء على قولين: القول الأول: يجوز، واختاره ابن الجوزي وغيره. القول الثاني: لا يجوز، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الأكثر. وقد جاءت جملة من الأحاديث في النهي عن اللعن، منها: ١. حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» (١).

стр. 136

وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ» , قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟ •---------------------------------• ٢. حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). ٣. حديث أبي هريرة قال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (٢). ٤. عن ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ قال: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (٣). «وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ» الحديث رواه أحمد في الزهد وغيره (٤)، موقوفًا على سلمان، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، كما ذكر المصنف، ولعله تبع ابن القيم في ذلك (٥).

стр. 137

قَالَ: «مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ .................................... •---------------------------------• وقول المصنف في نهاية الحديث: (رواه أحمد) يوهم أنه في مسنده، وليس كذلك، بل هو في الزهد كما سبق. والأثر صحيح موقوفًا، ولم يصح مرفوعًا (١)، ولكن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ذلك من الإسرائيليات (٢). «دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ» أي: بسبب ذباب؛ لأن (في) هنا للسببية، ومثل ذلك قوله ﷺ : «دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» (٣)، أي: بسبب هرة. «مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ» الصنم ما له شكل وصورة، ويطلق عليه الوثن أيضًا؛ لأن الوثن يطلق على ما له صورة وعلى غيره (٤).

стр. 138

لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا، فَقَالُوا لأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قالَ: لَيْسَ عَنْدِي شيءٌ أُقَرِّبُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. •---------------------------------• «لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا» أي: لا يمر أحدٌ بهذا الصنم ويتعداه إلا بعد أن يقدم له قربانًا، ومن لم يقرب له شيئًا ضربت عنقه. «فَقَرَّبَ ذُبَابًا» أي: قتل ذبابًا - وهو الحشرة المعروفة - تقربًا للصنم. «فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ» أي: تركوه وسبيله، ولم يتعرضوا له بشيء. «فَدَخَلَ النَّارَ» أي: دخل النار بسبب الذباب الذي قرَّبه إلى الصنم، وهذا محل الشاهد من الحديث للباب؛ لأن قتل الذباب تقربًا للصنم بمنزلة الذبح له، وهذا المُقَرَّب بالرغم من أنه حقيرٌ كان سببًا لدخول النار؛ لأنه صُرِفَ لغير الله تعالى. ومن هذا يستفاد أنَّ صرف أي شيء مهما كان حقيرًا لغير الله تعالى على وجه التقرب والعبادة فهو شرك موجب لفاعله النار. قال سليمان آل الشيخ ﵀: «في هذا بيان عظمة الشرك ولو في قليل، وأنه يوجب النار» (١). وأما من فعل ذلك وهو لا يقصد التقرب به، وإنما فعله خوفًا من المُكْرِه، فلا يكفر؛ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].

стр. 139

وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شيئًا دُونَ الله ، فَضربُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ». رواه أحمد. •---------------------------------• «مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شيئًا دُونَ الله ، فَضربُوا عُنُقَهُ فَدَخَلَ الجَنَّةَ» وعدم أخذه بالرخصة يحتمل أمرين: الأول: أن شريعتهم ليس فيها عذر بالإكراه، ولهذا لم يأخذ بالرخصة ويتخلص من شرهم. الثاني: يحتمل أنه ترك الرخصة وأخذ بالعزيمة لقوة إيمانه ويقينه فقتلوه. وفي شريعتنا أن من أكره على الشرك ففعل ما أكره عليه بقصد التخلص من شرهم، ولم يطمئن بذلك فلا حرج؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، فيأخذ بالرخصة حتى لو قال الكفر بلسانه (١). وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: هل الأولى للإنسان إذا أُكره على الكفر أن يصبر ولو قُتِل، أو يوافق ظاهرًا فيها ويتأول؟ هذه المسألة فيها تفصيل: أولًا: أن يوافق ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا يجوز لأنه ردة. ثانيًا: أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، ولكن بقصد التخلص من الإكراه؛ فهذا جائز. ثالثًا: أن لا يوافق لا ظاهرًا ولا باطنًا ويقتل، وهذا جائز، وهو من الصبر، لكن أيهما أولى أن يصبر ولو قتل أو أن يوافق ظاهرًا؟

стр. 140

فيه تفصيل: إذا لم يكن في موافقته ضرر على الإسلام، فالأولى أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، أما إذا كان في موافقته ضرر على الإسلام فإنه يجب عليه الصبر؛ لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، وذلك كمحنة الإمام أحمد ﵀ (١). هذا رأي شيخنا ﵀، لكن نقل ابن بطال الاتفاق على أن من اختار القتل فهو أعظم أجرًا ممن اختار الرخصة (٢).

стр. 141

بَابٌ لا يُذبَحُ للهِ بمكانٍ يُذبَح فيه لغير الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان تحريم الذبح لله في مكانٍ يُذْبَحُ فيه لغير الله، وهذا الحكم عام فـ «لا يجوز للمؤمنين التشبه بأهل المعاصي ولا مشاركتهم في أماكن المعصية وفي أماكن تعبدهم ولو بغير الذبح، حتى لا ينسب إليهم ويشاركهم» (١). ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أنه تابعٌ له ومُكَمِّلٌ له؛ فالباب السابق يتكلم عن الذبح لغير الله وهو شركٌ، وهذا الباب هو سدٌّ للذريعة التي تؤدي إلى الذبح لغير الله. وقد أحسن المؤلف ﵀ حيث أتبع هذا الباب الباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة؛ فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها وشركا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم (٢). «لَا يُذبَحُ» بالبناء للمجهول، و (لا) هنا يجوز فيها وجهان: الأول: أن تكون نافية (لا يُذْبَحُ) بضم الحاء، ويكون النفي بمعنى النهي. والثاني: أن تكون لا ناهية (لا يُذْبَحْ) بإسكان الحاء، فتكون الجملة واضحةً في النهي.

стр. 142

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. •---------------------------------• في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي من الله لنبيه أن يقوم في مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى، فبناه المنافقون؛ لأغراض فاسدة جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. وأمره أن يقوم بمسجد قباء الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم. ووجه مناسبة الآية للباب: من جهة القياس، فمَنْعُ النبي ﷺ من أن يقوم في مسجد الضرار مع أنه يتعبد فيه لله، دليل على أنَّ المكان الذي يعصى الله فيه لا يصح أن يقام فيه، فكذلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، لا يجوز أن يذبح فيها لله. «ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه ﷺ أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو ﷺ لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح» (١).

стр. 143

عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ » قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ » قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله? : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَإِسْنَادُهُ عَلَى شرطِهِمَا. •---------------------------------• حديث ثابت بن الضحاك رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.

стр. 144

«نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ» بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر (١). «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ » «هذا السؤال يدل على أنه لو وجد هذا الوصف، وهو أنه كان ثَمَّ وثن من أوثان الجاهلية يعبد، لم يجز النحر في ذلك الموضع، وهو المراد من إيراد هذا الحديث في الباب، وهو وجه الاستدلال» (٢). «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ » أي: هل كان هذا الموضع الذي تريد أن تنحر فيه، من الأماكن التي اعتاد أهل الجاهلية المجيء إليها، ليتقربوا فيها إلى معبوداتهم بإراقة الدماء، وغيرها من العبادات الشركية. فالذبح لله في أماكن يذبح فيها لغيره، وسيلة إلى الذبح إلى غير الله في تلك الأماكن، وهو شرك. والنبي ﷺ سأل عن أمرين: عن الشرك، ووسائله. فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ولما كانت الإجابة بالنفي قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» أي: إذا انتفت الأوصاف السابقة في المكان الذي نذرت أن تذبح فيه، فأوف بنذرك؛ لأنه انتفى المانع.

стр. 145

«فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله» أي: لو ثبت أنَّ هناك وثنًا يعبد، أو عيدًا من أعياد الجاهلية، فإنه لا يجوز الوفاء بالنذر حينئذٍ. وفي هذا «دليل على أن هذا نذر معصية لو قد وجد في المكان بعض الموانع. وما كان من نذر المعصية، فلا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء» (١). «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» «الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين: الأول: ما لا يملك فعله شرعا، كما لو قال: لله علي أن أعتق عبد فلان، فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه. الثاني: ما لا يملك فعله قدرًا، كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي، فهذا لا يصح لأنه لا يملكه. والفقهاء ﵏ يمثلون بمثل هذا للمستحيل» (٢).
следующие страницы →