← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد. •---------------------------------• حديث محمود بن لبيد عند أحمد، والبيهقي وغيرهما (١)، وهو مرسل.

стр. 72

«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ» دل الحديث على أن النبي ﷺ يخاف على أصحابه مع قوة إيمانهم من الشرك الأصغر، فنحن مع ضعف إيماننا وقلة معرفتنا يجب أن نخاف من الشركين الأصغر والأكبر من باب أولى. «فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» الرياء لغة: مشتق من الرؤية، يقال: راءيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه (١). والرياء في الشرع: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (٢). والرياء ينقسم -باعتبار إبطاله للعبادة- إلى قسمين (٣): الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤). الثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره. القسم الثاني: أن يسترسل معه؛ فهذا باطل، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أو لا؟

стр. 73

وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري. •---------------------------------• لا يخلو هذا من حالين: الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيًّا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة. مثال ذلك: الصلاة فلا يصح أولها مع فساد آخرها. الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلًا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين أخرى بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها. «وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: ... » الحديث في الصحيحين (١). «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا» (مَنْ) شرطية، ويحتمل أنها موصولة، وهي من ألفاظ العموم، فتعمُّ الذكر والأنثى والعالم وغير العالم. وقوله: «وَهُوَ يَدْعُو» يشمل الدعاء بقسميه: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وقوله: «مِنْ دُونِ الله نِدًّا» الند هو: الشَّبيه والمثيل والنَّظير، و (نِدًّا) هنا جاءت نكرة في سياق الشرط، فتعم كل نِدٍّ. «دَخَلَ النَّارَ» هذا جواب الشرط، وإذا قلنا: إنها موصولة، فالجملة خبر المبتدأ، والمعنى: دخل النار خالدًا فيها؛ لأن الشرك يخلد صاحبه في النار.

стр. 74

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ». •---------------------------------• «وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: ... » الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه (١) كما ذكر المصنف. «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا» أي: من لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع المُجْمَع عليه عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ من مات على ذلك، فلا بُدَّ له من دخول الجنة، وإن جَرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويخلدُ في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين (٢). وقوله في الحديث: «شيئًا» نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم، والمراد لا يشرك مع الله غيره لا في الربوبية ولا في الألوهية ولا في الأسماء والصفات. ومناسبة الحديثين للترجمة: أنَّ الشرك تترتب عليه عواقب وخيمة إذا مات الإنسان قبل أن يتوب منه، ومن هذه العواقب خلوده في النار، وهذا أكبر مُخَوِّف عن الشرك. هل المشرك يخلد في النار؟ - مسألة: هل المشرك يُخَلَّد في النار؟ الجواب: أنَّ هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار، وإن كان أكبر؛ فإنه يلزم منه الخلود في النار، وهذا هو مقتضى الآيات الواردة في كتاب الله عن الشرك.

стр. 75

بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ •---------------------------------• مقصود الترجمة: أنه لما سبق الكلام عن التوحيد والحَثِّ عليه، وعن الشرك والتحذير منه، ناسب هنا بيان أنه لا ينبغي لمن عرف هذا الحق أن يقف به عند نفسه، بل عليه أن يدعو غيره إلى ذلك؛ لأن هذه سنة الأنبياء، وهو الواجب على كل من عرف التوحيد. وهذا الباب يتناسب في ترتيبه مع الأبواب السابقة، فإن المؤلف ذكر وجوب التوحيد وفضله، والحث عليه وعلى تكميله، والتحقق منه ظاهرًا وباطنًا، والخوف من ضده، وبذلك يكمل العبد نفسه. ثم ذكر في هذا الباب تكميله لغيره بالدعوة إلى شهادة (أن لا إله إلا الله)، فإنه لا يتم التوحيد حتى يكمل العبد جميع مراتبه ثم يسعى في تكميل غيره، وهذا هو طريق جميع الأنبياء (١). «وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾» قال ابن كثير ﵀: «يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي» (٢). وذكر المصنف هذه الآية بعد الترجمة؛ لأن فيها الدعوة إلى الله وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما بيَّن الإمام ابن كثير.

стр. 76

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أفرد هنا السبيل، وهو الصراط المستقيم؛ لأنه سبيل واحد. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على علم، والبصيرة عليها مدار الدعوة إلى الله، وقد جاءت نصوص كثيرة تبين أن الداعي ينبغي له أن يكون عليمًا فيما يأمر به، عليمًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، فقد قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وقال الرسول ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (١)، وقال ﷺ : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا (٢)»، (٣). والداعي إلى الله له شروط وصفات، منها: الصفة الأولى: أن يكون مخلصًا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. الصفة الثانية: أن يكون على بصيرة. الصفة الثالثة: الصبر على الدعوة. الصفة الرابعة: العلم بأحوال المدعوين (٤).

стр. 77

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, (وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ)، •---------------------------------• حديث ابن عباس ﵁ أخرجه البخاري ومسلم (١). «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ» هذه توطئة «للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهلِ الكتاب أهلَ علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصهم بالذكر تفضيلا لهم على غيرهم» (٢). و«أخبره النبي ﷺ بذلك؛ لأمرين: الأول: أن يكون بصيرا بأحوال من يدعو. الثاني: أن يكون مستعدا لهم؛ لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم» (٣). «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًّا» (٤).

стр. 78

فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، ................................................ •---------------------------------• وهل يجب على كل مسلم أن يدعو إلى الله؟ ذكر شيخنا ابن باز ﵀: أن الأصل أنها واجب على الكفاية، وإن قام بها البعض سقطت عن الباقين، شريطة أن تكون الأمة أو الطائفة التي تدعو تكفي، فإذا لم تكن تكفي تعين على الجميع أن يسدوا هذا الواجب، فعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته (١). «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» قال ابن حجر ﵀: «قوله خمس صلوات استدل به على أن الوتر ليس بفرض» (٢). «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وأنها لا تنفع إلَّا من وحد الله وصلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها، وقد قرن الله الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه (٣). «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة (٤).

стр. 79

فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» أخرجاه. •---------------------------------• وقوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليل على جواز إعطاء الزكاة لصنف واحد. وقد بوب البخاري: (باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا) وهذا يدل على أن البخاري يرى جواز نقل الزكاة إلى بلاد المسلمين الأخرى؛ لعموم قوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان، كان ذلك جائزًا. «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» «إِيَّاكَ» تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي (١). و «كَرَائِمَ» جمع كريمة أي نفيسة، وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال؛ لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه (٢). «وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ» «فيه: أن للإمام أن يعظ من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم، ويحذره وباله» (٣). «فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» هذا تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار السلطان متظلمًا فلا يحجب (٤). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: فيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة، وأنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم (٥).

стр. 80

وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» , ..... •---------------------------------• حديث سهل بن سعد أخرجه البخاري ومسلم (١). «لأُعْطِيَنَّ» هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الأول: القسم المقدر، والثاني: اللام، والثالث: النون، والتقدير: والله لأعطين (٢). «الرَّايَةَ» أي: العَلَم، وسمي راية، لأنه يُرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه (٣). قال ابن القيم ﵀: «وكانت له راية سوداء يقال لها: العقاب، وفي سنن أبي داود عن رجل من الصحابة قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء وكانت له ألوية بيضاء» (٤). «رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» فيه اختصاص علي ﵁ دون غيره من الصحابة بهذه البشارة، مع أنهم جميعًا يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله، وهي منقبة عظيمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هذا الحديث أصح ما روي لعلي ﵁ من الفضائل» (٥). وهل هذا لاختصاص يعني أنه أفضل الصحابة كما تقول الرافضة؟ الجواب: إن الخصوصية لا تعني الأفضلية وربما يختص بعض الصحابة ببعض المناقب ولا يكون دليلًا على أنه أفضل من غيره.

стр. 81

فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ » , فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِي بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، ................................................... •---------------------------------• وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ سأل سؤالًا فلم يعرفه إلا ابن عمر وكان أصغر الموجودين، وكان في المجلس أبو بكر، وعمر، وكان هذا السؤال عن الشجرة التي لا يسقط ورقها (١) فوقع في نفسه الجواب، وهذا لا يعني أنَّ ابن عمر كان أفضل الحاضرين. وقوله: «يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه، فكان الأمر كذلك، ففيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله (٢). «فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا» يدوكون: أصله من الدَّوْك، من داك يدوك دوكًا، والدوك هو الاختلاط، والمعنى أي يخوضون ويموجون ويختلفون. أي: كلهم باتوا يفكرون أيهم يعطاها، ليس للإمارة في حد ذاتها وإنما لحب الله ورسوله لمن يعطاها. «كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا» عمر كان أيضًا يرجوها، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم (٣): أن عمر ﵁ قال: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ».

стр. 82

فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ، فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». يَدُوكُونَ: أَيْ يَخُوضُونَ. •---------------------------------• «فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ » فيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقد أحوالهم (١). «فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ» أي: من الرمد كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص، فقال: «فَأُتِىَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ» (٢). «فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ» فيه آية من آيات النبوة، وفي رواية: «مَا رَمِدْتُ وَلَا صُدِّعْتُ مُنْذُ دَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيَّ بِالرَّايَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» (٣). «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ» أي: مَهْلِك، مأخوذ من رسل الناقة؛ أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينا هوينا؛ لأن المقام خطير؛ لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر (٤). «حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ» أي: حتى تبلغ فناءهم من أرضهم. «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ» هذا محل الشاهد من الحديث للباب، «باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله».

стр. 83

حيث قال: «ادعهم إلى الإسلام» فهذا فيه دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام، وأن العدو يُدعى قبل أن يُقاتل، ولا يُبدأ بالقتال قبل الدعوة (١). والدعوة من حيث حال المدعو تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون طالبًا للحق محبًا له مؤثرًا له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال. الثاني: أن يكون معرضًا مشتغلًا بضد الحق، ولكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. الثالث: أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع إلى الحق، وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن (٢). «وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ» أي: فأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه التي لا بد من فعلها كالصلاة والزكاة. «فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا» فيه جواز القسم بغير استحلاف، لبيان عظم الأمر وتأكيد وقوعه، وقد حلف النبي ﷺ من غير استحلاف في ثمانين موضعًا كما ذكر ابن القيم.

стр. 84

«خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» قال النووي ﵀: «تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية، خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها» (١). وقوله: «حُمْرِ النَّعَمِ»: هي الإبل الحمراء، وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم. فائدة: (حُمْر): بسكون الميم لا ضمها: جمع أحمر، أما بالضم (حُمُر): جمع حمار، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدَّثر: ٥٠]. و(النَّعَم): بفتح النون لا كسرها: الإبل، وأما (النِّعَم) بالكسر: جمع نعمة. ومناسبة هذا الحديث والذي قبله للباب أن النبي ﷺ أمر معاذًا لمَّا بعثه إلى اليمن وعليًّا في خيبر أن يبدآ بالدعوة إلى (لا إله إلا الله).

стр. 85

بَابُ تَفْسيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أَنَّ التوحيد ليس اسمًا لا معنى له، أو قولًا لا حقيقة له، كما يتصوره بعض الجهال. وعطف المصنف الشهادة على التوحيد من باب عطف المترادفين؛ لأنهما بمعنى واحد، وإن اختلفت ألفاظهما. «وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]» يتضح معناها بذكر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. قال ابن جرير ﵀: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرٍّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم» (١). «﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾» أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب; فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟ ! (٢)

стр. 86

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الآية, وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. •---------------------------------• وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أفادت الآية أن التوحيد معناه تجرد الإنسان من الشرك وإنكاره له. قال شيخنا ابن باز ﵀: «هذا تفسير التوحيد بمعناه فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كقولنا: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كقولنا: إلا الله، فبين أن معنى التوحيد البراءة من عبادة غير الله، والتوحيد لله وحده بجميع أنواع العبادات» (١). وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية أفادت هذه الآية الكريمة أن من أطاع غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه ربًّا ومعبودًا، وذلك ينافي التوحيد. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله» (٢). وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية، أفادت هذه الآية الكريمة: أن من أشرك مع الله غيره في المحبة، فقد جعله شريكًا في العبادة، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.

стр. 87

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى الله ». وَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ. •---------------------------------• و«الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادًا» (١). «وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح مسلم (٢)، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه: طارق بن أَشْيَمَ الْأَشْجَعِيِّ. «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» أي: نطق بها وعرف معناها وأقر بها وعمل بمقتضاها. «وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله» أي: تبرأ وأنكر كل معبود سوى الله بقلبه ولسانه، كان حكمه أنه «حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» فلا يحل للمسلمين أخذ ماله وسفك دمه, بناءً على ما ظهر منه. «وَحِسَابُهُ عَلَى الله » فهو الذي يتولى حساب من تلفَّظ بالشهادة، فيجازيه على حسب اعتقاده، فإن كان صادقًا أثابه، وإن كان منافقًا عذبه. وقد علق النبي ﷺ - في هذا الحديث وغيره - عصمة المال والدم بأمرين: الأمر الأول: قول: لا إله إلا الله.

стр. 88

والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله. وقد أجمع العلماء على ذلك، وعلى أنه لا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك. لكن بعض من وقع في الشرك في هذه الأزمنة، وفي زمن الإمام المجدد، وقبله لا يقولون: سنتخذ مع الله إلهًا آخر، وإنما يقولون: شيخًا، وسيِّدًا، وفقيهًا، وأبًا. وشركهم مع الله يسمونه توسلًا، وواسطةً، ونحو ذلك. والمعنى واحدٌ، وتغيير الأسماء لا يغير من الحقيقية شيئًا. «وَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ» أي: هذا الباب: (تفسير التوحيد وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) يأتي شرحه وبيانه في الأبواب التالية له.

стр. 89

بَابٌ مِنَ الشركِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلاءِ أَوْ دَفْعِهِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: لمَّا ذكر المصنف في الباب السابق معنى «لا إله إلا الله»، وتفسير التوحيد؛ ناسب أن يذكر في هذا الباب وبعده أنواعًا من الشرك الأصغر والأكبر، وهذا في غاية المناسبة؛ إذ إِنَّ الشيء بعد أن يُعَرَّف يُؤْتَى بأنواعه وأشكاله. «مِنَ الشركِ» (مِنْ) هنا تبعيضية، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد: لبس الحلقة والخيط ونحوهما، وليس ذلك كل الشرك. وقد يكون شركًا أكبر على ما يأتي تفصيله إن شاء الله. «لِرَفْعِ البَلاءِ أَوْ دَفْعِهِ» الفرق بين (الرَّفْع) و (الدَّفْع)؛ أن الرَّفْع: هو إزالة البلاء بعد وقوعه. والدَّفْع: منع نزوله. فالأول علاج، والثاني وقاية. وهذا الباب الذي عقده المصنف ﵀ يخص ما يتعلق بالأسباب، قال السعدي ﵀: «هذا الباب يتوقف فهمه على معرفة أحكام الأسباب ، وتفصيل القول فيها: أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: أحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا. ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها، مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها. ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه» (١).

стр. 90

«وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية» (١). واعلم أن «الناس في الأسباب طرفان ووسط: الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله، كالجبرية، والأشعرية. الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلون ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم. الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًا أو كونيًا. وهؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًا، وآمنوا بحكمته» (٢)، وهم الوسط بين هؤلاء وهؤلاء. ما حكم لبس الحلقة والخيط ونحوهما ؟ الجواب: أن لبس الحلقة ونحوها الأصل فيه أنه من الشرك الأصغر، ولكن قد يرتقي إلى الشرك الأكبر، فإن اعتقد لابسها أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، وإن اعتقد أنها مؤثرةٌ بنفسها دون الله، فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره.

стр. 91

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية. •---------------------------------• كيف ندرك أن السبب صحيح؟ الجواب: العلم بأن الشيء سبب صحيح، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وكقراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وإما عن طريق القدر، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا (١). «وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ﴾ الآية» أي: قل لهم: هل تستطيع هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله أن تُبْعِدَ عني أذًى قدَّره الله عليَّ، أو تزيلَ مكروهًا لَحِق بي؟ وهل تستطيع أن تمنع نفعا يسَّره الله لي، أو تحبس رحمة الله عني؟ و(ما) في قوله: ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ عامة؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي؛ فتشمل كل ما يدعى من دون الله. واستعملت (ما) في الآية لبيان أنَّ آلهتهم لا تعقل؛ لأن (ما) في اللغة تستعمل لغير العاقل. والضمير ﴿هُنَّ﴾ في قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ يؤكد أيضًا أنَّ آلهتهم لا تعقل شيئًا؛ لأن الضمير ﴿هُنَّ﴾ إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل، والأخير يتناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل.

стр. 92

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟ » قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ، فَقَالَ: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» رواهُ أحمدُ بسندٍ لا بأسَ بِهِ. •---------------------------------• وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُر سوء الحال، ويشمل المرض والفقر والبلاء والشدة ونحوها. «والشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ فليست أسبابا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري؛ فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله» (١). «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ ... » الحديث رواه أحمد، وابن ماجه وغيرهما (٢)، وإسناده مرفوعًا ضعيف، والصحيح وقفه.

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 94

«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا» لم يذكر اسم الرجل في أكثر الروايات، ورواية الحاكم تبين أنَّ الذي كان لابسًا للحلقة هو عمران نفسه، حيث قال: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عَضُدِي حَلْقَةُ صُفْرٍ» (١). وقوله في رواية حديث الباب: «فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ» وفي رواية عند البيهقي: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ» (٢). والحلقة في اللغة: كل شيء استدار كحلقة الذهب والفضة، ويقال حلقة القوم دائرتهم (٣). وكان المشركون يجعلون في أعضادهم حلقة من صفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبسها للبركة، أو لمنع بعض الأمراض. «مِنْ صُفْرٍ» الصُّفر - بضم الصاد وسكون الفاء - النُّحَاس. «فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ » يحتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها؛ لأنه قد يكون لابسًا لها زينةً، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهذا أقرب، وتؤيده رواية: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ » (٤).

стр. 95

«مِنَ الوَاهِنَةِ» الوَاهِنَة: علة تصيب الذراع أو العضد فتضعف قوته وحركته (١). «انْزِعْهَا» أي: أزلها، وأصل النزع في اللغة: الجذب والقلع (٢). «فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنَّ هذه الحلقة التي تلبسها من أجل الواهنة فإنَّها لا تزيدك إلا ضعفًا. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «(لا تزيدك إلا وهنًا)، أي: وهنًا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنًا في الجسم، أما وهن النفس؛ فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها، ونسيت الاعتماد على الله عزوجل ... فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض ... ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا; فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الموهوم حقيقة» (٣). «فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبدًا. وبهذا استدل القائلون بأن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركًا أصغر، يُعذَّب به صاحبه، وإن كان لا يعذَّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلَّد في النار، لكن يعذَّب بها بقدره (٤).

стр. 96

وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ». •---------------------------------• حديث عقبة بن عامر عند أحمد وغيره (١)، وإسناده ليس بالقوي.

стр. 97

«وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ» هذه الرواية أخرجها أحمد والحاكم وغيرهما (١)، من طريق دخين الحجري، كما في تخريج الحديث. «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً» التميمة: هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام (٢). وهذا بعض أنواعها وهو المعروف عند العرب قديمًا، ولكن معناها أعم من ذلك، فكل ما يُعَلَّق على الشيء بقصد دفع الضرر وجلب النفع فهو تميمة، والكلمة مأخوذة من الإتمام أي إتمام الدواء والشفاء المطلوب (٣). «فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ» فيه الدعاء على من اعتقد في التمائم وعلقها على نفسه بضد قصده وهو عدم التمام لما قصده من التعليق (٤). «وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً» الودعة: شيء أبيض يشبه الصدف مشقوق الوسط، يقذفه البحر، فيثقب ويعلق على الشيء لدفع العين (٥). «فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ» أي لا جعله في دعة وسكون. وقيل: هو لفظ مبني من الودعة: أي لا خفف الله عنه ما يخافه (٦). «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ» دلَّ على أن من علق تميمة معتقدًا فيها النفع فقد أشرك؛ لأنَّ جلب النفع ودفع الضر من الأفعال الخاصة بالله.

стр. 98

وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلاَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. •---------------------------------• وتعليق التمائم يكون شركًا أكبر إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون الله، وإلَّا فهو أصغر. قال ابن الأثير ﵀: «إنما جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه» (١). ومناسبة الحديث للباب ظاهرة: وهي أن تعليق التميمة والودعة ونحوهما؛ لأجل رفع البلاء أو دفعه شرك، كما جاء ذلك صريحًا في الرواية الثانية للحديث. «وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ... » الأثر عند ابن حاتم وغيره، وإسناده صحيح (٢).

стр. 99

«أَنَّهُ رَأَى رَُجُلًا» جاء في رواية: «رَجُل مِنْ بَنِي عَبْسٍ»، وفي رواية أخرى: «رَجُلٍ مِنَ النَّخَعِ» (١)، والنخع: قبيلة عربية من اليمن نزلت الكوفة (٢). «فِي يَدِهِ خَيْطٌ»، جاء في رواية: «رأى في عَضُدِهِ سَيْرًا»، وفي رواية: «فَرَأَى تَعْوِيذًا عَلَى عَضُدِهِ»، كما جاء في التخريج. «مِنَ الحُمَّى» (من) هنا للسببية؛ أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه أو يشفى منها (٣). و«الحُمَّى»: - بضم الحاء وتشديد الميم - معروفة، وهي: عِلَّة يسْتَحِرُّ بِها الجسم، من الحميم، وسميت بذلك لما فيها من الحرارة المفرطة (٤). «فَقَطَعَهُ» دلَّ على أمرين: الأول: أنَّ ربط الخيط ونحوه من أجل الحمى وغيرها منكر عظيم، يجب إنكاره.

стр. 100

والآخر: أنَّ السلف كانوا يغيرون المنكر باليد، إن لم يكن هناك مفسدة. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «قوله: (فقطعه) ... يدل على غيرة السلف الصالح، وقوتهم في تغيير المنكر باليد وغيرها» (١). «وَتَلاَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾» الروايات الأخرى لهذا الأثر - وهي الأصح - ليس فيها ذكر هذه الآية، وإنما فيها قول حذيفة للرجل: «لَوْ مِتَّ وَهَذِهِ عَلَيْكَ؛ مَا صَلَّيْتُ عَلَيْكَ» فاستدل حذيفة بهذه الآية على أن تعليق الخيط ونحوه مما ذكر شرك، أي: أصغر كما تقدم في الحديث، وفيه صحة الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر (٢). وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم» (٣).

стр. 101

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم الرُّقَى والتمائم، ولم يجزم في الترجمة بأن ذلك من الشرك؛ لأن الرقى منها ما هو جائزٌ، ومنها ما هو شركٌ، وكذلك التمائم اختلف في بعض أنواعها كتعليق القرآن والأدعية المأثورة كما سيأتي بيانه. وهذا بخلاف الباب السابق؛ فإنه نص فيه على أن الحلقة والخيط من الشرك. ومناسبة هذا الباب لما قبله واضحة جليةٌ؛ وذلك لأن هذا الباب يُعَدُّ مكملًا للباب السابق: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما ... ) والذي ذُكِر فيه أنواعٌ أخرى من أنواع الشرك الأصغر في ذات السياق المرتبط بالتعاويذ والرقى، و الفرق بين الرقى والتمائم هو أَنَّ الرُّقَى هي العوذة التي يعوذ بها من الكلام، والتمائم هي ما يعلق لتتميم الأمر جلبًا لنفعٍ أو دفعًا لضرٍّ، والفرق بينهما من جهة أن الرقى عوذة ملفوظة وينفث بها، وأن التمائم عوذة مكتوبة تعلق (١). وقوله: «الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ» (الرُّقَى): جمع رقية، وهي تعاويذ وأدعية تقرأ؛ لتحصين المرقى عليه أو إشفائه (٢). و(التمائم): مضى التعريف بها في الباب السابق، وهي: اسم جامع لكل ما عُلق من أسباب غير شرعية أو قدرية لدفع ضر أو لرفعه سواء كانت من خشب أو خرز أو معدن أو غيرها.

стр. 102

تعليق التمائم هل هو من الشرك الأكبر أم الأصغر؟ الجواب فيها تفصيل: «فمنها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين. ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك. وأما التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم؛ ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل بها المواضع القذرة» (١). والرقى على ثلاثة أقسام: القسم الأول: الرقية المشروعة: وهي ما اجتمع فيها ثلاثة أمور: الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو صفاته أو ما أثر عن النبي ﷺ . الثاني: أن تكون باللسان العربي. الثالث: أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها بل بإذن الله. وقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع هذه الشروط، كما حكاه عدد من المحققين (٢). القسم الثاني: الرقية الممنوعة: وهي ما اختلَّ فيها شرط من شروط الرقية المشروعة، وهي على نوعين:

стр. 103

النوع الأول: الرقية الشركية: وهي التي يستعان فيها بغير الله، فيذكر فيها أسماء الجن وغيرهم من الخلق، وقد تكون بغير العربية ولكن يُتيقن أنها تتضمن الاستعانة بالجن وذكر أسمائهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الرقى؛ والعزائم الأعجمية: هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون؛ ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك» (١). وقال في موضع آخر: «إن المشركين يقرؤون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة للجن وتعظيم لهم، وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن؛ ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك وإن لم يعرف الراقي أنها شرك» (٢). وجاء بيان هذا النوع من الرقى في أحاديث كثيرة، منها: حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁، قال: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٣).

стр. 104

فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، •---------------------------------• حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (١). النوع الثاني: الرقية البدعية: وهي التي تكون على صفة مخالفة للرقية المشروعة، ولكنها لم تشتمل على شرك، كالرقية باللسان غير العربي، أو بما لا يعرف معناه؛ لأنها مظنة أن يدخلها شرك أو كفر. قال السعدي ﵀ في معرض حديثه عن الرقى والتمائم: «منها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين ... ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك» (٢). «فِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري وصحيح مسلم (٣). «عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ ﵁» صحابي ممن شهد الخندق، وهو مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، فقيل: قيس بن عبيد من بني النجار، وقيل: لا يوقف له على اسم صحيح (٤). «فَأَرْسَلَ رَسُولًا» قال ابن عبد البر ﵀: «رواه روح بن عبادة عن مالك فسمى الرسول فقال فيه: (أرسل زيدًا مولاه) وهو عندي زيد بن حارثة» (٥).

стр. 105

فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ». •---------------------------------• «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ» كلمة (لَا يَبْقَيَنَّ): نهي مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة، والأصل في النهي التحريم. وقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» البعير: يطلق على الذكر والأنثى من الإبل، وجمعه أبعرة، وأَباعِرُ، وبُعْرانٌ (١). وقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب عند العرب تعليق بعض الأشياء على رقبة البعير يعتقدون أنها تدفع العين عنه؛ ولذلك فالنهي يشمل التعليق على البعير أو غيره، وسواء كان التعليق على الرقبة أو أي موضع. «قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ» شك من الراوي، والأولى أرجح؛ لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلُّق بما ليس بسبب، والتعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك؛ لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي ﷺ أن تقطع هذه القلائد. أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام؛ فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد (٢). وقوله: «وَتَرٍ» المراد به وتر القوس، وقد كان الناس يقلدون الإبل أوتارًا لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا (٣).

стр. 106

وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شركٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ. •---------------------------------• «إِلَّا قُطِعَتْ» فيه دلالة على وجوب قطع كل ما عُلِّق لأجل دفع العين ونحوها من الآفات؛ لأنه لا يرد الضرر ولا يدفعه إلَّا الله سبحانه. ومناسبة الحديث للباب: هي أن القلائد التي تعلق على رقبة البعير من التمائم المنهي عنها؛ ولهذا جاء الأمر بقطعها. «وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديثه عند أحمد وأبي داود (١)، وإسناده ضعيف.

стр. 107

«إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ» سبق التعريف بالرقى والتمائم في بداية هذا الباب. «التِّوَلَةَ» خرز أو نحوه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى زوجته (١)، وهو نوع من السحر يسمى العطف. وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود في رواية ابن حبان (٢): «قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن». وصارت التولة شركًا؛ لأنها ليست بسبب شرعي ولا قدري للمحبة، وهي نوع من أنواع السحر.

стр. 108

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالتِّرْمِذِيُّ. •---------------------------------• حديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وغيرهما (١)، وإسناده ضعيف. «مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا» أي: اعتمد على شيء، واستمسك به، وعلَّق به خوفه ورجاءه. «وُكِلَ إِلَيْهِ» أي: وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك (٢).

стр. 109

التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ. مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. •---------------------------------• «التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» هذا تعريف من المصنف للتمائم، وقد سبق الحديث عنها. وقوله: «شيءٌ يُعَلَّقُ» يشمل الخرز والوَدْع والورق وغيرها من الأشياء التي تعلق. وقوله: «يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ» هذا الغالب في التمائم، وإلا فهي تعلق على الكبار من الرجال والنساء، وتعلق على الدواب، والبيوت، وغير ذلك. وقوله: «يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» الغالب في التمائم أن يتقى بها العين، وتعلق أيضًا من أجل دفع المضار وجلب المنافع. «لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ ... إلخ». اختلف العلماء في حكم التمائم إذا كانت من القرآن، على رأيين: الرأي الأول: جواز ذلك، وهو مروي عن بعض الصحابة: كعائشة (١)، وعبد الله بن عمرو (٢).

стр. 110

ومروي عن بعض التابعين: كابن المسيب (١)، وابن سيرين (٢)، وعطاء (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي جعفر الباقر (٥). وقال به بعض فقهاء الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، وأحمد في رواية (٩).
следующие страницы →