← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بَابٌ لا يُذبَحُ للهِ بمكانٍ يُذبَح فيه لغير الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان تحريم الذبح لله في مكانٍ يُذْبَحُ فيه لغير الله، وهذا الحكم عام فـ «لا يجوز للمؤمنين التشبه بأهل المعاصي ولا مشاركتهم في أماكن المعصية وفي أماكن تعبدهم ولو بغير الذبح، حتى لا ينسب إليهم ويشاركهم» (١). ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أنه تابعٌ له ومُكَمِّلٌ له؛ فالباب السابق يتكلم عن الذبح لغير الله وهو شركٌ، وهذا الباب هو سدٌّ للذريعة التي تؤدي إلى الذبح لغير الله. وقد أحسن المؤلف ﵀ حيث أتبع هذا الباب الباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة؛ فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها وشركا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم (٢). «لَا يُذبَحُ» بالبناء للمجهول، و (لا) هنا يجوز فيها وجهان: الأول: أن تكون نافية (لا يُذْبَحُ) بضم الحاء، ويكون النفي بمعنى النهي. والثاني: أن تكون لا ناهية (لا يُذْبَحْ) بإسكان الحاء، فتكون الجملة واضحةً في النهي.

стр. 142

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. •---------------------------------• في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي من الله لنبيه أن يقوم في مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى، فبناه المنافقون؛ لأغراض فاسدة جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. وأمره أن يقوم بمسجد قباء الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم. ووجه مناسبة الآية للباب: من جهة القياس، فمَنْعُ النبي ﷺ من أن يقوم في مسجد الضرار مع أنه يتعبد فيه لله، دليل على أنَّ المكان الذي يعصى الله فيه لا يصح أن يقام فيه، فكذلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، لا يجوز أن يذبح فيها لله. «ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه ﷺ أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو ﷺ لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح» (١).

стр. 143

عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ » قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ » قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله? : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَإِسْنَادُهُ عَلَى شرطِهِمَا. •---------------------------------• حديث ثابت بن الضحاك رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.

стр. 144

«نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ» بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر (١). «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ » «هذا السؤال يدل على أنه لو وجد هذا الوصف، وهو أنه كان ثَمَّ وثن من أوثان الجاهلية يعبد، لم يجز النحر في ذلك الموضع، وهو المراد من إيراد هذا الحديث في الباب، وهو وجه الاستدلال» (٢). «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ » أي: هل كان هذا الموضع الذي تريد أن تنحر فيه، من الأماكن التي اعتاد أهل الجاهلية المجيء إليها، ليتقربوا فيها إلى معبوداتهم بإراقة الدماء، وغيرها من العبادات الشركية. فالذبح لله في أماكن يذبح فيها لغيره، وسيلة إلى الذبح إلى غير الله في تلك الأماكن، وهو شرك. والنبي ﷺ سأل عن أمرين: عن الشرك، ووسائله. فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ولما كانت الإجابة بالنفي قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» أي: إذا انتفت الأوصاف السابقة في المكان الذي نذرت أن تذبح فيه، فأوف بنذرك؛ لأنه انتفى المانع.

стр. 145

«فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله» أي: لو ثبت أنَّ هناك وثنًا يعبد، أو عيدًا من أعياد الجاهلية، فإنه لا يجوز الوفاء بالنذر حينئذٍ. وفي هذا «دليل على أن هذا نذر معصية لو قد وجد في المكان بعض الموانع. وما كان من نذر المعصية، فلا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء» (١). «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» «الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين: الأول: ما لا يملك فعله شرعا، كما لو قال: لله علي أن أعتق عبد فلان، فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه. الثاني: ما لا يملك فعله قدرًا، كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي، فهذا لا يصح لأنه لا يملكه. والفقهاء ﵏ يمثلون بمثل هذا للمستحيل» (٢).

стр. 146

بابٌ مِنَ الشركِ النَّذْرُ لِغَيْرِ الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم النذر لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر المخرج عن الملة. ومناسبة هذه الترجمة للباب الذي قبلها: أنه جاء في سياق سرد الأبواب المتعلقة بالشرك الأكبر؛ فلما تكلم في الباب السابق عن الذبح في مكانٍ يذبح فيه لغير الله، الذي هو تكملةٌ لبابٍ سابقٍ له عن الذبح لغير الله ناسب هنا أن يتكلم عن النذر لغير الله، الذي هو نوعٌ آخر من أنواع الشرك الأكبر. وقوله: «مِنَ الشركِ النَّذْرُ لِغَيْرِ الله» أي: من أنواع الشرك الأكبر النذر لغير الله، وقطع المصنف في الحكم؛ لوضوح ذلك، وصراحة الأدلة فيه. والنذر في اللغة: الإيجاب والإلزام (١). وفي الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا (٢). «والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه، لأن النبي ﷺ نهى عنه، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٣)؛ ولأنه إلزام لنفس الإنسان بما جعله الله في حل منه، وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه. ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم» (٤).

стр. 147

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآيَةُ [الإنسان: ١٧] , وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]. •---------------------------------• قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآيَة قال ابن كثير ﵀: «أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر» (١). وما علاقة الآية بالباب؟ الجواب: أن وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى على المؤمنين لوفائهم بنذورهم، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: كل ما تنفقون من نفقة قليلة أو كثيرة، في حق أو باطل، في سر أو علانية، وكل ما تنذرون من نذر في طاعة أو معصية، فإن الله يعلمه، وهو المُطَّلِع على نياتكم، وسوف يجازيكم على ذلك. ووجه مناسبة الآية للباب: أنَّ الله تعالى أخبر في هذه الآية أنه يعلم كل نفقة تنفق، وكل نذرٍ ينذر، فما كان خيرًا جازى عليه بالثواب الجزيل، وما كان شرًّا جازى عليه بالعقاب الأليم، وترتب الجزاء على هذه الأعمال يدل على أنها من العبادات، وصرف العبادة لغير الله شرك، والنذر أحد هذه العبادات المنصوص عليها في الآية.

стр. 148

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ, وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ». •---------------------------------• «وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري (١). «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» فيه دليل على أن من نذر طاعة يلزمه الوفاء به، وإن لم يكن معلقًا بشيء، وقال بعضهم يجب إذا كان معلقًا بشرط، ووجد ذلك الشرط (٢). وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة بشرط يرجوه كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه أن يوفي بها مطلقًا إذا حصل الشرط. «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ» وهنا: مسألة: هل ينعقد نذر المعصية ؟ الجواب: لا ينعقد؛ ولذا قال الإمام الخطابي ﵀ شارحًا هذه العبارة: في هذا بيان أن النذر في المعصية غير لازم، وأن صاحبه منهي عن الوفاء به، وإذا كان كذلك لم تجب فيه كفارة، ولو كان فيه كفارة لأشبه أن يجري ذكرها في الحديث، وأن يوجد بيانها مقرونًا به (٣). ومناسبة الحديث للباب: أنه دل على أن النذر قد يكون طاعةً أو معصيةً، وإذا كان طاعة وجب الوفاء به، وهذا يدل على أنه عبادة؛ وصرف العبادة لغير الله شرك.

стр. 149

بَابٌ مِنَ الشركِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم الاستعاذة بغير الله، وأنها إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي من الشرك الأكبر المخرج عن الملة. ومناسبة الباب للباب الذي قبله: أنه جاء على ذات النسق المنتظم المتسلسل المتعلق بذكر أنواع الشرك الأكبر بدءًا بالذبح لغير الله، ثم النذر، ثم الاستعاذة. وجزم المصنف هنا بالحكم لدلالة الأخبار التي ذكرها في الباب على ذلك. «وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة» (١). والاستعاذة هي: اللجوء إلى الشيء، والاعتصام به (٢). والاستعاذة بالله عبادة من العبادات، وطلبها من الله توحيد. وما حكم الاستعاذة بالمخلوق ؟ الجواب: أن فيه تفصيلًا يتبين بذكر أقسام الاستعاذة بغير الله، وهي: أولًا: استعاذة بغير الله جائزة، وهي الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يستطيعه، ودليل ذلك حديث أبي مسعود ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَاللهِ لله أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ» (٣).

стр. 150

وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. •---------------------------------• ثانيًا: استعاذة بغير الله ممنوعة، وهي نوعان: الأول: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما لا يستطيعه إلا الله، فهذا شرك أكبر. الثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الغائب أو الميت فيما لا يستطيعه إلا المخلوق الحي الحاضر، وهي شرك أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ذكر المفسرون أنه كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض، استعاذ بالجن، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (١). قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ أي: يستعيذون، من العوذ، وهو الالتجاء إلى الشيء طلبًا للنجاة. وما الفرق بين العياذ واللياذ ؟ الجواب: العياذ يكون لدفع الشر مما يخاف، واللياذ يكون لطلب جلب الخير فيما يؤمل، ومن ذلك قول المتنبي، وهو يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله: يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ... وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ (٢)

стр. 151

وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شر مَا خَلَقَ لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. •---------------------------------• ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زادتهم الجن خوفًا وإرهابًا وذعرًا، وذلًّا وصغارًا، وازداد الجن طغيانًا وتكبرًا. «ووجه الاستدلال بالآية على الترجمة: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول ﷺ وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله» (١). «وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ» حديث خولة رواه مسلم كما ذكر المصنف (٢). «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا» يشمل منزل السفر والحضر، والمنزل المؤقت، والمنزل الدائم؛ لأن كلمة (مَنْزِلًا) جاءت نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم. «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله» يشمل جميع كلام الله تعالى، القرآن وغيره، وفي هذا دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. قال الخطابي ﵀: «كان أحمد بن حنبل يستدل بقوله: (بكلمات الله التامة)، على أن القرآن غير مخلوق؛ وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق إلّا وفيه نقص والموصوف منه بالتمام هو غير المخلوق وهو كلام الله سبحانه» (٣).

стр. 152

«التَّامَّاتِ» «قيل: معناه: الكاملة التي لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام البشر. وقيل: التامة: النافعة الشافية» (١)، والأقرب أنها تشمل المعنيين معًا ولا تعارض بينهما. وقد جاء التصريح بتمام الكلمات في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، والإشارة إلى التمام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. «مِنْ شر مَا خَلَقَ» أي: من شر كل ذي شر من الإنس، والجن، والدواب، والهوام، والرياح، والصواعق، وغيرها. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ١) شر محض: كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير. ٢) خير محض: كالجنة، والرسل، والملائكة. ٣) فيه شر وخير: كالإنس، والجن، والحيوان» (٢). «لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ» نكرة في سياق النفي، فتفيد عموم الأشياء التي يأتي منها الضرر والشرور.

стр. 153

«حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» قال القرطبي ﵀: «هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب ... فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (١). ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان الاستعاذة المشروعة والإرشاد إليها، وهي الاستعاذة بكلمات الله التي هي صفة من صفاته، وبيان أنَّ الاستعاذة المشروعة نافعة للمستعيذ، خلافًا لاستعاذة المشركين الشركية بالجن وغيرهم، والتي لا تفيد ولا تنفع بل تزيد المستعيذ خوفًا وذعرًا. وذكر هذا الحديث بعد الآية يدل على فقه المصنف ﵀، حيث ذكر الاستعاذة الممنوعة في الآية، ثم ذكر البديل لذلك وهو الاستعاذة المشروعة في الحديث.

стр. 154

بَابٌ مِنَ الشركِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ الله أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أَنَّ الاستغاثة بغير الله ودعاء غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك الأكبر المخرج عن الملة. وأما مناسبة هذا الباب للأبواب التي قبله: فهي أَنَّه جاء في سلك الأبواب المتعلقة ببيان أنواع الشرك الأكبر. قوله: «مِنَ الشركِ» هنا قطع المصنف بالحكم لدلالة النصوص التي ذكرها في الباب على ذلك. تعريف الاستغاثة: الاستغاثة في اللغة: طلب العون والنصر، مأخوذة من الغوث، وهو: الإغاثة والنُّصرة عند الشِّدَّة (١). والاستغاثة شرعًا: لا تخرج في المعنى عن التعريف اللغوي. قال شيخ الإسلام ﵀: «والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون» (٢). «بِغَيْرِ الله» أي: الاستغاثة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ لأن الاستغاثة ثلاثة أنواع: ١ - استغاثةٌ شرعية: وهي استغاثة المخلوق بربه وإلهه ، وهي عبوديةٌ لله تعالى واجبةٌ يؤجر عليها العبد.

стр. 155

٢ - استغاثةٌ مباحة: وهي الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فهذه مباحةٌ جائزةٌ، وإن تركها دون ضررٍ أو عنتٍ فهو أولى. ٣ - استغاثةٌ شركية: وهي الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويدخل في ذلك الاستغاثة بالميت أو الحي الغائب فيما يقدر عليه الحي الحاضر. «أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ» أي: من الشرك أن يدعو غير الله؛ لأنه معطوف على قوله: «أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ الله» فأخذ المعطوف حكم المعطوف عليه. وأصل الدعاء: النداء والطلب مطلقًا. والدعاء في الاصطلاح الشرعي: اسم لجميع العبادة القولية والفعلية، وهو نوعان: دعاء العبادة، ومعناه: الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي. دعاء المسألة: ومعناه: المسألة، والطلب بالصيغة القولية. والدعاء عبادة من العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر، ومن الأدلة على أنه عبادة، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله ﷺ : «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (١).

стр. 156

وَقَوْل الله تعَاَلىَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]. •---------------------------------• «والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. فعطف الدعاء على الاستغاثة من باب عطف العام على الخاص. فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة» (١). وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ظاهر الخطاب في الآية للنبي ﷺ ، وهو عام لكل من يصح خطابه من الإنس والجن، وتوجيهه إلى النبي ﷺ لا يقتضي أن يكون ذلك ممكنًا منه، بل حاشاه ﷺ أن يدعو من دون الله شيئًا، ولا يمكن أن يقع منه ﷺ ، باعتبار حاله شرك أبدًا. والحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيًا به، فإذا كان النهي موجهًا إلى من لا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله فهو إلى من يمكن منه من باب أولى (٢). ومعنى الآية: ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك إن عبدته ودعوته، ولا يضرك إن تركت عبادته، «وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى» (٣).

стр. 157

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [يونس: ١٠٦]. •---------------------------------• وقوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فإن فعَلْت ذلك ودعوت من دون الله فإنك إذًا من المشركين بالله، الواضعين العبادة في غير موضعها، الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعصية. قال السعدي ﵀: «فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟ ! » (١). وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، «هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾؛ لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي: لا يقدر أحد من الخلق أن يرد فضله وإحسانه» (٢). ومناسبة الآيتين للباب: ما جاء فيهما من النهي عن دعاء من لا يملك ضرًّا ولا نفعًا؛ بل الله مالك كل ذلك، وإن أصاب بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا هو جلَّ وعلا، وإن أراد أحدًا برخاء أو نعمة لا يمنعه عنه أحدٌ؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، فمن دعا غيره أو استغاث بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو فهو مشرك شركًا أكبر.

стр. 158

وَقَوْله: وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية [العنكبوت: ١٧]. وَقَوْله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٤٦]. وَقَوْله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. •---------------------------------• ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ أي: إنَّ أوثانكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدر أن ترزقكم شيئًا، فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، وأخلصوا له العبادة والشكر على رزقه إياكم (١). ومناسبة الآية للباب: أن الله أمر في هذه الآية بطلب الرزق من عنده وحده دون سواه؛ لأنه القادر عليه، فمن طلب الرزق من غيره فيما لا يقدر عليه؛ فقد أشرك. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا أو أمواتًا من دون الله، ويطلب منها ما لا تستطيعه، وهي لن تستجيب له أبدًا. ومناسبة الآية للباب: أنَّ الآية فيها بيان أن الله وحده هو الذي يجيب الدعاء، وأنَّ من يدعو الأصنام والأموات التي لا تسمع الدعاء ولا تجيب مِنْ أضلِّ النَّاس؛ وهذا يدل على أن الدعاء عبادة لا تصرف لغير الله تعالى. وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: أنَّه لا أحدَ يجيب المستغيث المضطر ويكشف عنه السوء غير الله؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة فلا يدعى غيره ولا يستغاث بغيره؛ لأن ذلك من الشرك.

стр. 159

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ? : «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله». •---------------------------------• هذه الحديث عزاه المصنف للطبراني (١)، وهو ضعيف جدًّا، لكن المعنى الذي اشتمل عليه الحديث صحيح.

стр. 160

«مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ» «هذا المنافق لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أُبَيٍّ، فإنه معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في أعراضهم ونحو ذلك، أما أذاهم بنحو ضرب أو زجر، فلا نعلم منافقًا بهذه الصفة» (١). «فَقَالَ بَعْضُهُمْ» جاء في كل الروايات التي وقفت عليها أنَّ القائل هو أبو بكر الصديق ﵁. «قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله» أي: فيما يقدر عليه، لا الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» وجاء في رواية بدل هذا: «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لله». «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة. فعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول ﷺ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه حال حياته، أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي ﷺ منها، فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية =

стр. 161

= لأن النبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقامًا ظاهرًا، إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا، فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله» (١). «وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» أراد بذلك الاستغاثة المطلقة الكاملة التي لا تكون إلا لله تعالى، وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، بشرط أن يُعْتَقد أن المغيث الحقيقي هو الله، وأما المخلوق فإنما هو سبب، وقد دل على الجواز قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]. ومناسبة الحديث للباب: نهي النبي ﷺ صحابته عن الاستغاثة به، فإذا كان ذلك في الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ !

стр. 162

باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ . •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان الأدلة الدالة على بطلان عبادة غير الله تعالى، وإيراد دليل عجز المخلوقين عن الخلق، وقدرة الله الخالق سبحانه على ذلك. وعلاقة هذا الباب بالأبواب السابقة: أَنَّ المصنف في الأبواب السالفة تكلم عن أنواع الشرك الأكبر من الاستعاذة والاستغاثة بغير الله وغير ذلك؛ فناسب هنا أن يتكلم عن الأدلة والبراهين التي تدل على ذلك، وتَرُدُّ على أهل الإشراك. وثمرة هذا الدليل أَنَّ الرب الخالق المدبر هو المستحق للعبادة دون سواه مِمَّن لا قدرة له ولا ملك. والمؤلف حينما يذكر هذه الأمور يقرر بذلك أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية (١). قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الاستفهام هنا للتقريع والتوبيخ (٢)، والمعنى: كيف يشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يقدرون على خلق شيءٍ من الأشياء، بل هم مخلوقون (٣).

стр. 163

وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. •---------------------------------• وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي: «أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحل بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ » (١). ووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله تعالى احتج على المشركين -الذين يعبدون غيره من المخلوقات كالملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام وغيرها- بحجتين عظيمتين: الحجة الأولى: أن هؤلاء مخلوقون ولا يستطيعون خلق شيء. والحجة الثانية: أنهم لا قدرة لهم على نفعكم ولا نفع أنفسهم. وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله؛ لأن المخلوق العاجز عن الخلق والنفع لا يستحق العبادة (٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ المعنى: أيها الناس إن الذين تعبدونهم من دون ربكم لا يملكون قطميرًا، والقطمير هو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون عليها، فضلًا عما هو فوقه (٣). ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع، أو أموات لا حيلة لهم (٤).

стр. 164

﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي لو جعلنا لهم عقولًا وحياةً وسمعًا فسمعوا دعاءكم قيل: ما استجابوا لكم؛ لأنها عاجزة، وليس كل سامعِ قولٍ يتيسرله الجواب عنه، وقيل: لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر (١). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي يوم القيامة لا يرضون ولا يُقِرُّون به، بل يتبرأون منكم (٢)، «ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين؛ أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًّا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضًا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلًا للعبادة» (٣). ووجه الدلالة من الآية على الباب: هو أن الله تعالى بَيَّنَ لهؤلاء المشركين أن الذين تدعونهم لا يملكون شيئًا، والمستحق للعبادة هو الخالق المالك المدبر لا غيره، وأكبر دليل على ذلك أنكم لو دعوتموهم لما استجابوا لكم، ولو سمعوا دعاءكم لكانوا عاجزين عن أن يفعلوا لكم شيئًا، وعلاوةً على ذلك أنهم يوم القيامة سوف يتبرأون منكم، ولا يرضون بعبادتكم لهم.

стр. 165

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ » فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. •---------------------------------• حديث أنس في صحيح مسلم (١). «شُجَّ النَّبِيُّ? »: «الشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء» (٢). «وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ»: الرَّبَاعِيَة: -بفتح الراء- هي السن التي تلي الثنية من كل جانب، وللإنسان أربع رباعيات (٣). «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ » المعنى: كيف تتحقق السعادة والرضا والفوز لأمثال هؤلاء وهم يفعلون هذا مع نبيهم (٤)، وهذا «استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به» (٥)، فاستدرك الله على نبيه بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تُنَفذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري

стр. 166

وَفِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الفَجْرِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا» بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ, فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. •---------------------------------• أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي (١). ومناسبة الحديث السابق للباب: هو أن النبي ﷺ لا يستحق شيئًا من العبادة؛ لأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، بل هو مبلغ عن الله تعالى، وإذا كان هذا بالنسبة له فغيره من الأولياء والصالحين من باب أولى، وفي هذا أبلغ رد على المشركين الذين يتعلقون به ﵊، فكيف بمن يتعلق بمن هو دونه؟ (٢). «وَفِيهِ»: أي الصحيح، والمراد به هنا صحيح البخاري (٣). «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا»: هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام كما جاء في الرواية الأخرى التي تليها. وقد ثبت في صحيح مسلم أنه لعن أحياء من العرب، كما في رواية يونس عن الزهري عند مسلم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ» (٤).

стр. 167

وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ, وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْروٍ, وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. •---------------------------------• «وَفِي رِوَايَةٍ»: أي في الصحيح (١)، وفيها توضيح من أبهم في الرواية السابقة، كما أشرنا إليه في موضعه. في الحديث دلالة على أن النبي ﷺ لا يملك الضر لأحد، حيث نهي عن الدعاء عليهم وعن لعنهم، فصار من باب أولى أن غيره لا يملك الضر، فبطل بذلك التعلق به - ومن هو دونه من سادة الأولياء من باب أولى - في الضر والنفع (٢). وهنا لطيفة: وهي أنَّ الإمام بالبخاري ﵀ أدخل هذه الترجمة في كتاب الاعتصام بالسنة؛ ليحقق أن الاعتصام في الحقيقة إنما هو بالله، لا بذات الرسول ﷺ ، إذ الرسول ﷺ معتصم بأمر الله، ليس له من الأمر شيء إلا التبليغ. والتبليغ أيضًا من فضل الله وعونه؛ ألا إلى الله تصير الأمور (٣).

стр. 168

وَفِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ , فَقَالَ: «يَا مَعْشر قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شيئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شيئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله ﷺ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا». •---------------------------------• حديث أبي هريرة في صحيحي البخاري ومسلم (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فيه تربية الداعية بأن يبدأ في دعوته بأهل بيته وخاصته، ثم جيرانه وأهل بلده، ثم من حوله من البلاد. «و السر في الأمر بإنذار الأقربين أولًا ، أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع» (٢). «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ»: أي أسلموا بإخلاص العبادة لله وحده، ونبذ الشرك، تسلموا من عذاب الله، فتكون الطاعة ثمنًا للنجاة والفوز يوم القيامة (٣). «سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ» قال الطيبي: «أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء، إنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال لا سيما بمكة» (٤).

стр. 169

«لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا»: وهذا هو الشاهد من الحديث على الترجمة في هذا الباب، أي لا أدفع أو لا أنفع (١). وفي الحديث «بيان القاعدة الكلية في التوحيد، وهي أن (ما كان لله لا يطلب من غير الله)، فلا يخفى الفرق -إن شاء الله تعالى- بين قوله (من مالي) وبين (من الله شيئًا)» (٢). وفيه حجة على من تعلق بالأنبياء والصالحين، ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه، أو يدفعوا عنه؛ فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله تعالى، وأقام نبيه ﷺ بالإنذار عنه (٣). ووجه مطابقة الحديث للباب: أنه إذا كان «هذا كلام النبي ﷺ لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ ! فعدم إغنائه عنهم شيئًا من باب أولى؛ فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول ﷺ ويلوذون به ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق، لأنهم تعلقوا بما ليس بمُتَعَلق، إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول ﷺ هو الإيمان به واتباعه» (٤).

стр. 170

باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. •---------------------------------• مقصود الترجمة: أمران: الأول: «بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم مَنْ عُبِدَ مِن دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى، وهيبتهم منه، وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله؟ ! وإذا كانوا لا يُدْعَون مع الله تعالى لا استقلالًا، ولا وساطة بالشفاعة، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء -من الأموات والأصنام- أولى أن لا يدعى، ولا يعبد، ففيه الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من لا يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم» (١). الثاني: ذكرُ برهانٍ آخر على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وهو إيراد الأدلة التي تدل على عظمة الرب ﵎ وكبريائه، وخضوع الكون كله من أحياءٍ وجماداتٍ له. وهي تدل بطريق اللزوم على توحيد العبادة؛ فإن الرب الذي له صفات الكمال، وله الجبروت والعظمة هو المستحق للعبادة، والمصنف يريد بذلك إثبات توحيد الألوهية من خلال توحيد الأسماء والصفات؛ فإن الثاني مستلزم للأول (٢). وبهذا تُعلم مناسبة الباب الظاهرة لكتاب التوحيد.

стр. 171

وأما علاقة هذا الباب بالأبواب التي قبله: فهي إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بطلان الشرك. ففي الأبواب السابقة بيَّن الشيخ ﵀ بيان بطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنة. وفي هذا الباب يبين بطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمل للأبواب السابقة التي قبله في بيان بطلان عبادة كل من عبد من دون الله؛ من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنه إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة -وهم أقوى الخلق خِلْقةً، ومن أقربهم إلى الله منزلة- فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى» (١). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾: حتى إذا كُشِف وجُلِّى وأُزيل عن قلوبهم، والضمير عائد على الملائكة (٢). وقُرئ (افْرُنْقِعَ) عن قلوبهم بمعنى انكشف عنها (٣).

стр. 172

﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾: «يسأل أهل كل سماء الذين فوقهم إذا خُلي عن قلوبهم ماذا قال ربكم؟ » (١). ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾: «فيقولون الحق؛ أي: هو الحق يعنون: الوحي» (٢). ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: تشمل أنواع العلو الثلاثة: ١ - علو القدر. ٢ - علو الذات. ٣ - علو القهر. فهو ﴿الْعَلِيُّ﴾ بذاته، فوق جميع مخلوقاته، وقهره لهم، وعلو قدره، بما له من الصفات العظيمة، جليلة المقدار ﴿الْكَبِيرُ﴾ في ذاته وصفاته» (٣). وفي الآية فائدة: وهي إثبات صفة القول لله تعالى. وتدل الآية على أن الملائكة مع علو مقامهم يخافون من الله ويخشونه ويتذللون له، فهذا يدل على أن الله وحده هو المنفرد بالعظمة والجبروت والكبرياء؛ فإذا كان ذلك كذلك فكيف يُقْدِم بعضُ المشركين على عبادة هؤلاء الملائكة الذين هم عبيدٌ لله، وما بالك بِمَن يعبدُ مَن هو دونهم مِن الأولياء والصالحين؟ ! (٤).

стр. 173

فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضربَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. •---------------------------------• «فِي الصَّحِيحِ»: أي صحيح البخاري (١). «كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ»: الصفوان هو الصخر الأملس (٢)، فإذا جُرَّت عليه سلاسل الحديد أزعجت القلوب بالرعب (٣). «وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي ﷺ أن يُحْمَل شيء من كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله » (٤). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل المراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه بفزع من يسمع سلسلة على صفوان» (٥). «يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: أي القول، والضمير في (ينفذهم) عائد على الملائكة، أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه.

стр. 174

فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، (وَصَفُهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِه)، فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا, وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». •---------------------------------• «فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»: أي: يسمع مسترقو السمع، وهم الشياطين، الكلمة التي يقضيها الله ؛ بأن يركب بعضهم فوق بعض، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر الذي يقضيه الله (١). «فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا» الشهاب مفرد شُهُب: وهو جرم سماوي يسبح في الفضاء، فإذا دخل في الغلاف الجوي اشتعل وصار رمادًا، وقد جعل الله هذه الشُّهُب رجومًا للشياطين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [المُلك: ٥]، فمن يسترق السمع من الشياطين، يرجمه الشهاب كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجر: ١٨]. و«مناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن فيه الرد على المشركين؛ فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله مع ما أعطاهم الله من القوة، عُلم أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لهم، فكيف بمن دونهم» (٢).

стр. 175

وَعَنِ النَّوَّاسِِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)، خَوْفًا مِنَ الله ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهَلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لله سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمَهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَالَ الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْي إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ ». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. •---------------------------------• حديث النواس رواه ابن أبي حاتم وغيره (١)، وفي إسناده ضعف.

стр. 176

«إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ»: «(بالأمر) أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام» (١). «أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)» «وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة؛ لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح» (٢). و«هذا -والله أعلم- في جميع الأمور التي يقضيها الرب ﵎، كما يدل عليه عموم اللفظ» (٣). وحديث النواس، وإن كان في إسناده ضعف، إلا أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، وأنه الله العظيم المستحق للتعظيم والعبادة، وأن مَنْ سواه مخلوق مربوب فقير إلى الله تعالى، فدل ذلك على إبطال كل عبادة لغير الله سبحانه، وأن كل من عبد من دون الله، فإنه لا يملك شيئًا ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٥].

стр. 177

بَابُ الشَّفَاعَةِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: ذكر دليل آخر من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ألا وهو امتلاك الله للشفاعة وحده دون من سواه. وإذا كان ذلك كذلك فإنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا غيره. وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أنه يحتوي على الحجج والبراهين التي ترد شبهة من أعظم الشبه التي يتذرع بها أهل الإشراك: ألا وهي الشفاعة؛ حينما يقولون: نحنُ نؤمن بربوبية الله، ولكن نحنُ ضعاف، وهؤلاء الأولياء يشفعون لنا عند الله؛ لجاههم وعظمتهم، وهذه حجة المشركين الأوائل. وقول المؤلف: «بَابُ الشَّفَاعَةِ»: «أي بيان الشفاعة المثبَتة والمنفية، والحق والباطل فيها» (١). والشفع لغةً: ضد الوتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. والشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة ليدخلوها. ومثال دفع المضرة: شفاعة النبي ﷺ لمن استحق النار أن لا يدخلها. أقسام الناس في الشفاعة: انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاث طوائف: طرفان ووسط: الطائفة الأولى: منكرو الشفاعة: كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب. وقالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، فخالفوا بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة.

стр. 178

الطائفة الثانية: الغالون في الشفاعة: وهم الذين أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين. الطائفة الثالثة: أهل الوسطية: وهم الذين أثبتوها بالشرع لله تعالى وحده وبإذنه، ولأهلها الذين يستحقونها برضا الله عنهم، وهم أهل السنة والجماعة (١). و الشفاعة الوارة في القرآن والسنة من حيث الإثبات والنفي نوعان: النوع الأول: الشفاعة المنفية: وهي الشفاعة التي نفاها الله عن أهل الكفر والإشراك؛ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال ﷻ : ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. النوع الثاني: الشفاعة المثبتة: وهي الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل التوحيد (٢). وتدل النصوص على أنها لا تتم إلا بشرطين: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع: قال الله : ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِي﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 179

الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له: قال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد (١). والشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ : وهي أنواع: النوع الأول: الشفاعة العظمى: وهي الشفاعة الخاصة بنبينا محمد ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وهي المقام المحمود: وأدلة هذه الشفاعة كثيرة في القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، فمن القرآن قول الله : ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال النبي ﷺ حينما سُئِلَ عن هذه الآية: «هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ» (٢). ومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وهو حديثٌ مشهورٌ طويلٌ، وفيه ذهاب الناس للأنبياء من آدم إلى عيسى ﵈، فيعتذرون بأعذارٍ إلى أن ينتهوا إلى محمد ﷺ : « ... فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا =

стр. 180

= إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (١). النوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في أن يدخلوا الجنة: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي ﷺ إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، كما في حديث أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢). النوع الثالث: شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب: ودليل ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، وذكر عنده عمه، فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (٣).
следующие страницы →