← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

«إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ»: «(بالأمر) أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام» (١). «أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)» «وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة؛ لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح» (٢). و«هذا -والله أعلم- في جميع الأمور التي يقضيها الرب ﵎، كما يدل عليه عموم اللفظ» (٣). وحديث النواس، وإن كان في إسناده ضعف، إلا أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، وأنه الله العظيم المستحق للتعظيم والعبادة، وأن مَنْ سواه مخلوق مربوب فقير إلى الله تعالى، فدل ذلك على إبطال كل عبادة لغير الله سبحانه، وأن كل من عبد من دون الله، فإنه لا يملك شيئًا ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٥].

стр. 177

بَابُ الشَّفَاعَةِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: ذكر دليل آخر من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ألا وهو امتلاك الله للشفاعة وحده دون من سواه. وإذا كان ذلك كذلك فإنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا غيره. وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أنه يحتوي على الحجج والبراهين التي ترد شبهة من أعظم الشبه التي يتذرع بها أهل الإشراك: ألا وهي الشفاعة؛ حينما يقولون: نحنُ نؤمن بربوبية الله، ولكن نحنُ ضعاف، وهؤلاء الأولياء يشفعون لنا عند الله؛ لجاههم وعظمتهم، وهذه حجة المشركين الأوائل. وقول المؤلف: «بَابُ الشَّفَاعَةِ»: «أي بيان الشفاعة المثبَتة والمنفية، والحق والباطل فيها» (١). والشفع لغةً: ضد الوتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. والشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة ليدخلوها. ومثال دفع المضرة: شفاعة النبي ﷺ لمن استحق النار أن لا يدخلها. أقسام الناس في الشفاعة: انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاث طوائف: طرفان ووسط: الطائفة الأولى: منكرو الشفاعة: كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب. وقالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، فخالفوا بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة.

стр. 178

الطائفة الثانية: الغالون في الشفاعة: وهم الذين أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين. الطائفة الثالثة: أهل الوسطية: وهم الذين أثبتوها بالشرع لله تعالى وحده وبإذنه، ولأهلها الذين يستحقونها برضا الله عنهم، وهم أهل السنة والجماعة (١). و الشفاعة الوارة في القرآن والسنة من حيث الإثبات والنفي نوعان: النوع الأول: الشفاعة المنفية: وهي الشفاعة التي نفاها الله عن أهل الكفر والإشراك؛ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال ﷻ : ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. النوع الثاني: الشفاعة المثبتة: وهي الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل التوحيد (٢). وتدل النصوص على أنها لا تتم إلا بشرطين: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع: قال الله : ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِي﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 179

الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له: قال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد (١). والشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ : وهي أنواع: النوع الأول: الشفاعة العظمى: وهي الشفاعة الخاصة بنبينا محمد ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وهي المقام المحمود: وأدلة هذه الشفاعة كثيرة في القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، فمن القرآن قول الله : ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال النبي ﷺ حينما سُئِلَ عن هذه الآية: «هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ» (٢). ومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وهو حديثٌ مشهورٌ طويلٌ، وفيه ذهاب الناس للأنبياء من آدم إلى عيسى ﵈، فيعتذرون بأعذارٍ إلى أن ينتهوا إلى محمد ﷺ : « ... فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا =

стр. 180

= إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (١). النوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في أن يدخلوا الجنة: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي ﷺ إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، كما في حديث أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢). النوع الثالث: شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب: ودليل ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، وذكر عنده عمه، فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (٣).

стр. 181

فإن قيل: هذا النوع من الشفاعة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، قيل الجواب من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المراد بالآية هنا: لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الخروج من النار؛ كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة (١). الوجه الثاني: أن هذه حالة خاصة بنبينا محمد ﷺ في حق أبي طالب خاصة، وهي مستثناة من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، ونحوها من الآيات؛ وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي ﷺ ودفاع عنه، وهو مع ذلك لم يخرج من النار. الوجه الثالث: أن هذه الشفاعة هي شفاعة تخفيف فقط، فالنبي ﷺ لم يشفع له في دخول الجنة ولا الخروج من النار، وإنما شفع له في تخفيف العذاب (٢). النوع الرابع: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب: جاء هذا في حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (٣).

стр. 182

القسم الثاني: الشفاعة العامة له ﷺ ولجميع المؤمنين وهي أنواع: النوع الأول: الشفاعة فيمن استحق النار من أهل التوحيد أن لا يدخلها: عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (١). النوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل التوحيد أن يخرج منها: «وقد تواترت بها الأحاديث وأجمع عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج؛ فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقًا؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي ﷺ وغيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع» (٢). وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٣).

стр. 183

وَقَوْلِ الله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. •---------------------------------• النوع الثالث: شفاعته ﷺ في رفعة درجات أهل الجنة: ودليلها في حق النبي ﷺ دعاؤه لأبي سلمة حينما قال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ (١)» (٢). وفي حق أمته قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. وَقَوْلِ الله : ﴿وَأَنذِرْ﴾: «الإنذار: هو الإعلام المتضمن للتخويف، أما مجرد الخبر؛ فليس بإنذار، والخطاب للنبي ﷺ » (٣). والضمير في ﴿بِهِ﴾: يعود للقرآن الكريم (٤). ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المؤمنون، «يخافون مما يقع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر» (٥). ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: الآية فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين، وعلى نفيها بغير إذن الله، وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن الله كما ادعته المعتزلة، وقد سبقت الأدلة في ذلك.

стр. 184

وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. •---------------------------------• والمقصود من سياق الآية هنا ما دلت عليه من نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، وهي شفاعة المخلوق على سبيل الاستقلال، فيكون طلبها من المخلوق شركًا أكبر، ومن ذلك طلبها من الأوثان التي زعموا أنهم يعبدونها للشفاعة، وفي ذلك ردٌّ على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة (١). وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ اللام في قوله: ﴿لِّلَّهِ﴾ لام الملك، ولفظ الجلالة خبر مقدم، والشفاعة مبتدأ مؤخر، والقاعدة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، أي أن الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، ومن ثم: فهي تُطلب منه وحده، لا تُطلب من غيره، لأن الذين تُطلب منهم الشفاعة لا يملكون منها شيئًا؛ ولأن ذلك عبادة وتأله وتقرب لا يصلح ولا يكون إلا لله تعالى (٢). وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه الآية السابقة: وهو أن الشفاعة لله سبحانه وحده، إذ إنها لا تقع إلا لأهل التوحيد خاصة، وبشرط إذنه ورضاه (٣). وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ «في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر

стр. 185

وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. •---------------------------------• ذلك عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه وأن أحدًا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]» (١). ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذه الآية دلت على ما دلت عليه الآيات السابقات من أن الشفاعة لا يقبلها الله إلا لمن يأذن له، ولا يقبلها إلا فيمن رضي عنه. و«هذا توبيخ من الله تعالى ذكره لعبدة الأوثان والملأ من قريش وغيرهم الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣] فقال الله جلَّ ذكره لهم: ما تنفع شفاعة ملائكتي الذين هم عندي لمن شفعوا له، إلا من بعد إذني لهم بالشفاعة له ورضاي، فكيف بشفاعة من دونهم، فأعلمهم أن شفاعة ما يعبدون من دونه غير نافعتهم» (٢). قال ابن كثير ﵀: «فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟ » (٣).

стр. 186

وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. •---------------------------------• ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾: هذا أمر تعجيز والمراد منه التوبيخ، والمعنى: «ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا بالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إبآس، فإن لم يقدروا على ذلك فاعلموا أنكم مبطلون؛ لأن الشركة في الربوبية لا تصلح ولا تجوز» (١). ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾: أي لا يملكون شيئًا منفردين بملكه من دون الله: لا استقلالًا، ولا على سبيل الشركة؛ لا من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ (٢). ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾: أي ليس لله تعالى معين يعينه - على خلق شيء ولا حفظه - من هذه الآلهة التي يعبدونها ويدعونها من دونه سبحانه؛ لأنها لم يكن لها حظ من الملك لا مشاعًا ولا مقسومًا (٣). ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: «أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة» (٤).

стр. 187

قَالَ أَبُو العَبَّاسِ: نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشركُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ عَوْنًا له، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ , فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا المُشركُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا القُرْآنُ. وَأَخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». •---------------------------------• و«هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها» (١). «فإذا كانت الشفاعات لا تنفع عند الله أحدًا إلا لمن أذن الله في الشفاعة له، والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعمًا منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله زلفى وليشفع لكم عند ربكم» (٢). «قَالَ أَبُو العَبَّاسِ»: هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية. «وقد ساق المصنف ﵀ كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لِمَا في هذا الباب من الآيات، وهو كافٍ وافٍ بتحقيقٍ مع الإيجاز» (٣). «وَأَخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا»: هذا هو حديث الشفاعة الطويل في الصحيحين (٤).

стр. 188

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله، وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ، لِيُكْرِمَهُ وَيَنَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ. فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا القُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شركٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. •---------------------------------• «وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ »: هذا الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام في صحيح البخاري (١). «فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله ... » الخ: هذا بيان وتبيين لشروط الشفاعة المعتبرة شرعًا، وقد تكلمنا عنها في بداية الباب؛ بما أغنى عن إعادتها هنا. قال ابن القيم ﵀ في معنى حديث أبي هريرة: «تأمَّل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع» (٢).

стр. 189

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية . •---------------------------------• مقصود الترجمة: «الرد على عباد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين أنهم ينفعون ويضرون، فيسألونهم مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، وهداية القلوب، وغير ذلك من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية، ويعتقدون أن لهم التصرف بعد الموت على سبيل الكرامة» (١). و«إذا كان رسول الله ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب شيئًا، وأنه نهي عن الاستغفار له، ففي حق غير النبي ﷺ من باب أولى، فدل ذلك على أنه ﷺ لا يدعى من دون الله، ولا يطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله» (٢). وهذا الباب مقارب لما قبله، فإذا لم يكن أحد يستطيع أن ينفع أحدًا بالشفاعة والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدًا؛ فيقوم بما أمر الله به. مسألة: كيف نوفق بين قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]؟ الجواب: أنَّ الهداية قسمان: الأول: هداية توفيق وقبول: وهي المنفية، بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾.

стр. 190

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ, عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: لما حَضرتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، •---------------------------------• والثاني: هداية دلالة وإرشاد: وهي المثبتة، ولا يلزم حصول الهدى بها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾: أي أن الله وحده هو الذي يملك هداية التوفيق والقبول والتغيير لا أحد سواه. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: أي: أن الله أعلم بالذين يستحقون الهداية من الذين يستحقون الغواية (٢). وهذه فيها دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ لا يملك ضرًّا ولا نفعًا ولا عطاءً ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، ففيها الرد على الذين ينادونه لتفريج الكربات وقضاء الحاجات. «وَفِي الصَّحِيحِ»: أي البخاري ومسلم، واللفظ الذي ذكره المصنف لمسلم (٣). «لما حَضرتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ»: معناه: حضرت علامات الوفاة وقارب الموت، وليس المراد أنه نزل به الموت؛ لأنه إذا نزل الموت بالمحتضر، وبلغت الروح الغرغرة لا تقبل منه توبة، ولا ينفعه إيمان، ويدل على ذلك ما وقع من المراجعة بينه وبينهم.

стр. 191

جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ وَعِنْدَهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ, فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عَنْدَ الله» , فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ? ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ? : «لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. •---------------------------------• «جَاءَهُ رَسُولُ الله? »: «حرصًا على هدايته وشفقة عليه، لما رأى منه النصح والاجتهاد، فيما يصلح أمره، والذب عنه بماله وحاله وولده، وصنع الصنائع التي لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد معه ﷺ » (١). «وَعِنْدَهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ»: «يحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم وهو أيضًا مخزومي، وكانوا يومئذ كفارًا فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران» (٢). «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله»: أي: قل هذه الكلمة، لأنه يعرف علم أبي طالب بمعناها وهو إخلاص التوحيد ونفي الشرك، ولم يذكر شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأنها تبعٌ لكلمة لا إله إلا الله ولا بد من الإتيان بها (٣). «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عَنْدَ الله»: (أُحَاجُّ): بتشديد الجيم من (الْمُحَاجَّة) وهي مفاعلة من (الْحُجَّة).

стр. 192

«فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ »: «القائلان هما: عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، والاستفهام للإنكار عليه؛ لأنهما عرفا أنه إذا قالها - أي كلمة الإخلاص - كان موحدًا بريئًا من آلهة قومه، وذكرا له ما تَهِيجُ به نُعَرَتُه (١)، وهي ملة عبد المطلب حتى لا يخرج عن ملة آبائه وقد مات أبو جهل على ملة عبد المطلب، أما عبد الله بن أبي أمية والمسيب الذي روى الحديث، فأسلما؛ فأسلم من هؤلاء الثلاثة رجلان، ﵄. «مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ»: أي: دين عبد المطلب، وهو دين أهل الجاهلية القائم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان. ومناسبة هذا الحديث للباب: أن النبي ﷺ قال: «لأستغفرن لك» ... فالاستغفار حصل منه ﷺ لعمه، ولكن: هل نفع استغفار النبي ﷺ له؟ الجواب: لم ينفعه ذلك. فدل على أن الرسول ﷺ لا يملك نفعًا لمن هو أقرب الناس إليه. وهذا يبطل التعلق بالنبي ﷺ لجلب النفع أو دفع الضر، وغيره من باب أولى (٢).

стр. 193

بَابُ مَا جَاء أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان السبب الذي من أجله وقع الناس في الشرك بالله تعالى وهو الغلو في الصالحين بمجاوزة الحد في حقهم قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا، وهذا أصل الشرك قديمًا وحديثًا. و«مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لَمَّا بَيَّنَ بعض ما يفعله عُبَّاد القبور مع الأموات من الشرك المضاد للتوحيد أراد في هذا الباب أن يُبَيِّنَ السبب في ذلك؛ لِيُحْذَر ويُجْتَنَب وهو الغلو في الصالحين» (١). والمؤلف ﵀ لما انتهى في الأبواب السابقة من أنواع الشرك الأصغر والأكبر، والأدلة على بطلان ذلك، أراد أن يشرع في ذكر الأسباب المؤدية إلى هذا الإشراك بالله، والذرائع المفضية إلى الكفر به سبحانه، وهذا في غاية المناسبة؛ فإنه شروعٌ في الأسباب والذرائع، بعد ذكر الأصول والعقائد (٢). «و الناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام: أهل الجفاء الذين يهضمون حقوقهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم. وأهل الغلو الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها. وأهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية ولكنهم يبرؤون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم» (٣).

стр. 194

وَقَوْلِ الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. •---------------------------------• وَقَوْلِ الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: هم اليهود والنصارى. ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: الغلو: هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به. والمعنى: لا تتجاوزوا الحد في دينكم فتقولوا على الله ما لا يليق ولا يحل، ولا تقولوا في عيسى غير الحق (١). والمعنى المقصود هنا: أي لا ترفعوا المخلوق-وهو المسيح ابن مريم- عن منزلته التي أنزله الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله؛ لأن باقي الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾. والخطاب-وإن كان لأهل الكتاب- فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرًا لهم أن يفعلوا بنبيهم ﷺ فعل النصارى في عيسى، واليهود في عزير، ويدل لذلك قوله ﵊: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَت النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ (٢)» (٣). قال ابن تيمية: «ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراطٍ فيه أو تفريطٍ، وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم كالخوارج المارقين من الإسلام» (٤).

стр. 195

فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قَالَ: هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، •---------------------------------• ومناسبة الآية للباب ظاهرة: وهي: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ نهيٌ لأهل الكتاب عن الغلو في الدين، و (تغلو): فعل مضارع جاء في سياق النهي، والقاعدة: أن الفعل المضارع لاشتماله على نكرة ينزل منزلتها؛ فيفيد العموم في سياق النهي أو النفي. فهو هنا يعم جميع أنواع الغلو في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين؛ فنهوا عن أي نوع من أنواع الغلو. فيدخل في هذا عموم الغلو في الصالحين وغيرهم (١). «فِي الصَّحِيحِ»: أي في صحيح البخاري (٢)، وهذا الحديث قد اختصره المصنف، ولفظه: عن ابن عباس ﵄: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ».

стр. 196

فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشيطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسِونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلكَ أُولَئِكَ وَنُسي العِلْمُ، عُبِدَتْ. •---------------------------------• قوله: «وَنُسي العِلْمُ»: هكذا نقلها الماتن، والرواية التي بين أيدينا من نسخ البخاري: «وَتَنَسَّخَ العِلْمُ» (١): أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وغلب الجهال؛ فوقع الناس في الشرك؛ لعدم تمييزهم بينه وبين التوحيد (٢). «أَوْحَى الشيطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ»: الوحي: إلقاء في خفاء، فأوحى الشيطان إليهم في روعهم ذلك، وهو وحي وسوسة، وليس وحي إلهام (٣). «أَنْصَابًا»: جمع نُصب، وهو ما ينصب لغرض كالعبادة، والمراد به هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسموها بأسمائهم (٤). وهذا الأثر يدل على أن هذا الفعل الذي فعله هؤلاء بوحي من الشيطان هو من الغلو في الصالحين، الذي تدَرج بهم وكان سببًا من أسباب عبادتهم لهم من دون الله، وهذا هو عين الشرك بالله تعالى (٥).

стр. 197

وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، •---------------------------------• «وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ» (١): وهو بمثابة تفسير لما قاله ابن عباس ﵄ في الأثر الذي مَرَّ معنا آنفًا. «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ» «الظاهر أن ابن القيم ذكر ذلك بالمعنى لا باللفظ، وقد رُوِيَ عن غير واحد من السلف معنى ذلك، منهم أبو جعفر الباقر، وغيره» (٢). «لما مَاتُوا»: أي لما مات هؤلاء الأولياء والصالحون «عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ»: هذه الخطوة الأولى من خطوات التدرج في الغلو في الصالحين، حيث عكفوا على قبورهم، أي أطالوا البقاء والمكث في مكان قبورهم. «ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ»: وهذه هي الخطوة الثانية، وكان القصد من ذلك في أول الأمر التأسي بهم، وتذكرهم في عبادتهم (٣). قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور؛ ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها (٤).

стр. 198

ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ». وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أَخْرَجَاهُ. •---------------------------------• «ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ»: وهذه الخطوة الثالثة، والمعنى: فلما طال عليهم الزمان، نسوا المقصد الذي قصده آباؤهم الأولون بتصوير صور هؤلاء الصالحين؛ فعبدوهم من دون الله؛ فوقعوا في الشرك (١). ومناسبة كلام ابن القيم ﵀ للترجمة: هو أن هؤلاء غلوا في صالحيهم حتى إذا ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ونصبوا الأنصاب في أماكنهم؛ ليتذكروهم في عبادتهم ويتأسوا بهم، ثم تدرج بهم الأمر حتى عبدوهم من دون الله؛ فكان الغلو في الصالحين هو السبب الأساسي في عبادة الأولياء والصالحين (٢). حديث عمر قال المصنف: «أَخْرَجَاهُ»: أي البخاري ومسلم، وهو وَهْمٌ من المصنف ﵀؛ فإن الحديث قد رواه البخاري وحده دون مسلم (٣). «لَا تُطْرُونِي»: الإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح بالكذب فيه، تقول: أطريت فلانًا: أي مدحته فأفرطتُ في مدحه، والمقصود به: المبالغة في المدح والغلو في الثناء (٤).

стр. 199

«كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ»: أي: لا تغلوا في مدحي، ولا تصفوني بما ليس فيَّ من الصفات، تبتغون بذلك مدحي، كما غلت النصارى في عيسى؛ حتى ادعوا فيه الربوبية والألوهية (١). «وهذا النهي عام ... ؛ فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه، ويكون قوله: (كما أطرت) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأن إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم ﷺ حيث جعلوه ابنا لله وثالث ثلاثة» (٢). «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ»: هذا من تواضعه وهضمه نفسه، والمعنى: ليس لي من ملك الربوبية شيءٌ، ولا من حق الألوهية نصيب، ولا أي شيء مما يختص به الله . «فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ»: بيَّن لنا النبي ﷺ طريقة مدحه، فقال: صفوني بما وصفني به ربي بكوني عبدًا من خاصة عبيده، ونبيًّا ورسولًا من عنده (٣). مناسبة الحديث للباب: أن الرسول ﷺ نهى عن الغلو في حقه بإعطائه شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية؛ لأن ذلك يفضي إلى الشرك الذي يخرج المسلم من الإسلام، كما أخرج النصارى من دينهم؛ لأنهم غلوا في عيسى ﵇ (٤).

стр. 200

قالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله? : «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ، فَإِنمَّا أَهَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ» رواه أحمد. •---------------------------------• قوله: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ»: الحديث رواه أحمد وغيره (١)، وإسناده صحيح. قال شيخ الإسلام: الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، وهو عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال (٢).

стр. 201

وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا. •---------------------------------• وهل قوله: (فَإِنمَّا أَهَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ) على سبيل الحصر؟ الجواب: ليس المراد بذلك حصر سبب هلاك الأمم السابقة في الغلو، إنما ذلك على سبيل التمثيل بالغالب، ويدل على ذلك أن هنالك أحاديث أضاف النبي ﷺ الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله ﷺ : «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» (١). وقوله ﷺ : «فَوَالله لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (٢). «مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو مطلقًا، وبيان أنه سببٌ للهلاك في الدنيا والآخرة، فيدخل فيه النهي عن الغلو في الصالحين من باب أولى؛ لأنه سبب للشرك» (٣). «وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ... » الحديث رواه مسلم كما أشار المؤلف (٤).

стр. 202

«هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ»: «المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم» (١). ووجه مناسبة الحديث للباب: أن التنطع من الغلو والزيادة في الدين المنهي عنها، ويدخل في ذلك الغلو في تعظيم الصالحين؛ حتى يؤدي إلى الشرك بالله تعالى (٢).

стр. 203

بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَكَيْفَ إِذَا عَبَدَهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ .................................... •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أَنَّ العبادة عند قبور الصالحين سببٌ من أسباب الوقوع في الشرك بالله تعالى؛ ولذلك فهي محرمةٌ أشد التحريم، وقد ورد فيها من النصوص التي هددت من ذلك، وغَلَّظَت في الأمر، وجاءت بالوعيد الشديد فيه؛ فإذا كان هذا فيما يتعلق بالعبادة عند هذه القبور، فكيف بمن يعبد صاحب القبر نفسه، ويصرف له ألوان العبادات التي لا يستحقها إلا الله؟ (١). ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن عبادة الله تعالى عند قبور الأولياء والصالحين وسيلةٌ إلى الشرك بالله الذي ينافي التوحيد ويناقضه (٢). «فِي الصَّحِيحِ» أي البخاري ومسلم (٣). «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ»: أغلب الروايات في الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة، وعلى هذا رواية مسلم، وغالب روايات البخاري، ما عدا التي نقلها الماتن هنا؛ جاءت أم سلمة دون أم حبيبة، وعليها اقتصر المصنف.

стр. 204

ذَكَرَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَو العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ................... •---------------------------------• «ذَكَرَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ »: وجاء في روايات عند البخاري ورواية مسلم أن الرائي أم حبيبة وأم سلمة: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ» (١). «كَنِيسَةً»: بفتح الكاف وكسر النون: وهي معبد النصارى، وجاء في نفس رواية الحديث: أن الكنيسة يقال لها (مارية) (٢). «إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَو العَبْدُ الصَّالِحُ»: «هذا والله أعلم شك من بعض رواة الحديث؛ هل قال النبي ﷺ هذا أو هذا، ففيه التحري في الرواية، وجواز رواية الحديث بالمعنى» (٣). «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا»: أي: موضعًا للعبادة، وإن لم يسم مسجدًا كالكنائس والمشاهد (٤). «وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ»: أشار النبي ﷺ بهذا الكلام إلى ما ذكرته أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث «فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا (٥)» (٦).

стр. 205

أُوْلَئِكِ شرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله». فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ القُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ. •---------------------------------• «أُوْلَئِكِ شرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله»: ذم النبي ﷺ هؤلاء وجعلهم شرار الخلق؛ لأنهم كانوا يتعبدون عند تلك القبور، وعملهم هذا وسيلة إلى الشرك والكفر بالله (١). وهذا الحديث يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه (٢). وقال ابن رجب ﵀: «هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت عليه النصوص» (٣). قوله: «فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ القُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ»: هذا من كلام ابن القيم (٤)، ذكره المصنف ﵀ كالتوضيح لمعنى الحديث، وأتى به غير منسوب؛ لأنه معلوم عند غالب من يقرأ هذا الكتاب (٥).

стр. 206

وَلَهُمَا عَنْهَا قَالَتْ: لمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ الله ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ. •---------------------------------• «فِتْنَةِ القُبُورِ»: لأنهم بنوا المساجد عليها، وعظموها تعظيمًا مبتدعًا؛ فهي الفتنة العظمى والأولى (١). «وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ»: لأنهم صوروا الصور في قبور الصالحين بعد أن بنوا عليها؛ فآل أمرهم إلى عبادتها بعد ذلك، وهذه الفتنة الثانية (٢). والشاهد من الحديث: قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله، ووجه الدلالة من الحديث: أن هذا الكلام فيه التغليظ فيمن عبد الله في الكنيسة، التي فيها القبور والصور، وتعظيم القبور وعبادة الله عندها وتعليق الصور ونصبها من وسائل الشرك بالله جل وعلا المنافي للتوحيد (٣). «وَلَهُمَا عَنْهَا»: أي: للبخاري ومسلم (٤) عن عائشة. «لَمَّا نُزِلَ»: هو بضم النون وكسر الزاي. أي نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈، وفي رواية (نَزَلَت) أي حضرت الوفاة والموت (٥). «طَفِقَ» -بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح وبه جاء القرآن-: ومعناه جعل يفعل، يقال: طفق يفعل كذا؛ أي جعل يفعل كذا (٦).

стр. 207

فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. أَخْرَجَاهُ. •---------------------------------• «خَمِيصَةً»: الخميصةُ-بفتح الخاء وكسر الميم-كساء أسود معلمٌ من الصوف أو الخز ونحوهما (١). «فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا»: اغتم افتعل من الغم، وهو: التغطية والستر، أي: إذا احتبس نفسه عن الخروج (٢). «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: هذه الجملة تعليل لقوله: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى»، كأن قائلًا يقول: ولماذا لعنهم النبي ﷺ ؟ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي: أمكِنة للسجود، سواءٌ بنوا مسجدًا أم لا. يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور (٣). ما معنى اتخاذ القبور مساجد؟ اتخاذ القبور مساجد، يشمل ثلاثة معان: الأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها. الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء. الثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها (٤).

стр. 208

قال ابن القيم: «فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبرٌ، بل أيهما طرأ على الآخر مَنَعَ منه، وكان الحكم للسابق، فلو وُضِعَا معًا لم يَجُزْ، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا» (١). فإذا قال قائل: أليس قبر النبي ﷺ في مسجده؟ كان الجواب على هذه الشبهة من عدة وجوه: الوجه الأول: أنَّ المسجد لم يبن على القبر، بل بُني المسجد في حياة النبي ﷺ ، والقبر بعد ذلك. الوجه الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يدفن في المسجد، حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته. الوجه الثالث: أنَّ إدخال بيوت الرسول ﷺ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلَّا القليل. وذلك عام (٩٤ هـ) تقريبًا، فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أنَّ بعضهم خالف في ذلك، وممَّن خالف أيضًا سعيد بن المسيب من التابعين. الوجه الرابع: أنَّ القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله؛ لأنَّه في حجرة مستقلَّة عن المسجد؛ فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جُعل هذا المكان محفوظًا ومحوطًا بثلاثة جدران.

стр. 209

«وَلَوْلَا ذَلِكَ»: أي: لولا تحذير النبي ﷺ مما صنعوا، وخشية أن يتخذ قبره مسجدًا، «أُبْرِزَ قَبْرُهُ»: يعني: لأظهر وأخرج قبره، ودفن مع سائر القبور في البقيع أو غيرها (١). «غَيْرَ أَنَّهُ خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»: (خُشِيَ) بضم الخاء على المبني للمجهول، ورُوِيَ (خَشِيَ) بفتح الخاء بالبناء للمعلوم، ورجح بعضهم رواية الضم (٢)، ولكن الروايتان صحيحتان (٣)؛ فعلى رواية الضم يكون الذين خشوا هم الصحابة الكرام، وعلى رواية الفتح يكون الذي خشي هو النبي ﷺ ، وفي واقع الأمر: كلا الأمرين صحيح (٤). «يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»: من اتخاذهم القبور مساجد، والبناء عليها (٥). وهذه جملة أخرى مستأنفة، هي من كلام الراوي، كأنه سُئِلَ عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت؛ فأجاب بهذا الجواب (٦). خلاصة المقصود: أن الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على القبور، وعبادة الله عندها؛ لما في ذلك من تعظيم أصحابها، والتعظيمُ عبادة، وصرفُ العبادة لغير الله شرك، فإذا كان ذلك كذلك فكيف بعبادة أصحاب القبور؟ ! (٧).

стр. 210

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ قَد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». •---------------------------------• «وَلِمُسْلِمٍ»: في صحيحه (١). «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله»: أي أبعد عن هذا، وأمتنع وأنقطع عنه، وأنكره ولا أتصل به (٢). «أَنْ يَكُونُ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ»: (الخليل): هو المختص بشيء دون غيره؛ ولا يجوز أن يختص رسول الله ﷺ أحدا بشيء من أمور الديانة دون غيره، وقيل: هو المنقطع إليه، وقيل: من (الْخُلَّة) بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب؛ فنفى ﷺ أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى (٣). «لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا»: يدل على أن مقام الخلة أعلى من مقام المحبة (٤)، وفيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق ﵁ (٥).

стр. 211

فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السياقِ- مَنْ فَعَلَهُ, وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» , فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ? : «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». متفق عليه. •---------------------------------• «كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: «إنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن» (١). وعلاقة الحديث بالباب ظاهرة، وهي: أنه حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، مع أنه قد يكون العابد لا يعبد إلا الله؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، والوسائل تفضي إلى ما بعدها، وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب (٢). قوله: «فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ»: هذا مِن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣)، وقد جعله المصنف كالتعليق على الحديثين السابقين.

стр. 212

والناهي: هو النبي ﷺ ، والمنهي عنه: هو اتخاذ القبور مساجد، كما في حديث جندب الآنف الذكر (١). «ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ»: كما في حديث عائشة السابق: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». «وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ»: يعني أن الصلاة عند القبور هي نوعٌ من أنواع اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يكن هنالك مسجد، ولذلك قال العلماء: لا تجوز الصلاة إلى القبور (٢). ومصداق ذلك ما جاء في الحديث: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٣). «وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا - أي: عائشة - «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»: هذا استدلال من شيخ الإسلام للمسألة السابقة التي مرت معنا، وهي أن الصلاة إلى القبور هي من اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يُبْنَ عليها مسجد. «فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا»: «قد يقال: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدًا؛ لأن مسجده مجاور لبيته؛ فكيف يبنون مسجدا آخر؟ ! هذا شيء مستحيل بحسب العادة؛ فيكون معنى قولها: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»؛ أي: مكانًا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد» (٤).

стр. 213

«وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا»: هذا دليل تأكيدي على إثبات أن مجرد الصلاة إلى القبور يعني اتخاذها مساجد، وإن لم يكن هنالك مساجد مبنية على القبور، أو قبور مبنية على المساجد. وماذا يُعمل بالمساجد المبنية على قبور الصالحين؟ وهل تصح الصلاة فيها؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتُكْرَه الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك» (١). وهنا تنبيه مهم: وهو أن من لم يستطع الإنكار أو ترتب على إنكاره مفاسد كبيرة، فهو معذور بذلك ولا يلزمه إنكار ولا يلحقه إثم لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وحينئذ عليه أن يعلم الناس العقيدة الصحيحة ويأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن ما يضاده، بالرفق واللين والحجاج المقنع والبرهان الساطع، وما يدري لعل الله بذلك يفتح قلوبًا عميًا وآذانًا صمًّا.

стр. 214

وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ. •---------------------------------• «وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديث ابن مسعود عند أحمد وابن أبي حاتم وغيرهما، وإسناده صحيح (١). «إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ»: (مِن): للتبعيض، وشرار: بكسر الشين جمع شر، أي مِن أسوأ الناس عقيدة وعملًا، وقد قال بعض العلماء: إن الحديث من العام الذي أُرِيدَ به الخصوص.

стр. 215

ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، ولكن يعكر على ذلك ما جاء بصيغة التعميم، كقوله ﵊: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ (١)» (٢). «مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ»: أي: الذين يعيشون في آخر الزمان، من الكفار والمشركين والمنافقين، وتقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء (٣). «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا موضع الشاهد من الحديث، يعني: أنهم من شرار الناس، فالذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس وإن لم يشركوا؛ وذلك لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، وإن كانت دون مرتبتها، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام (٤). «وقوله: «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا يعم كل اتخاذ للقبر مسجدًا، سواء اتخذه بالصلاة عليه، أو بالصلاة إليه، أو بالصلاة عنده، فذلك القصد» (٥).
следующие страницы →