← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السياقِ- مَنْ فَعَلَهُ, وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» , فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ? : «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». متفق عليه. •---------------------------------• «كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: «إنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن» (١). وعلاقة الحديث بالباب ظاهرة، وهي: أنه حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، مع أنه قد يكون العابد لا يعبد إلا الله؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، والوسائل تفضي إلى ما بعدها، وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب (٢). قوله: «فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ»: هذا مِن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣)، وقد جعله المصنف كالتعليق على الحديثين السابقين.

стр. 212

والناهي: هو النبي ﷺ ، والمنهي عنه: هو اتخاذ القبور مساجد، كما في حديث جندب الآنف الذكر (١). «ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ»: كما في حديث عائشة السابق: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». «وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ»: يعني أن الصلاة عند القبور هي نوعٌ من أنواع اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يكن هنالك مسجد، ولذلك قال العلماء: لا تجوز الصلاة إلى القبور (٢). ومصداق ذلك ما جاء في الحديث: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٣). «وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا - أي: عائشة - «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»: هذا استدلال من شيخ الإسلام للمسألة السابقة التي مرت معنا، وهي أن الصلاة إلى القبور هي من اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يُبْنَ عليها مسجد. «فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا»: «قد يقال: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدًا؛ لأن مسجده مجاور لبيته؛ فكيف يبنون مسجدا آخر؟ ! هذا شيء مستحيل بحسب العادة؛ فيكون معنى قولها: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»؛ أي: مكانًا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد» (٤).

стр. 213

«وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا»: هذا دليل تأكيدي على إثبات أن مجرد الصلاة إلى القبور يعني اتخاذها مساجد، وإن لم يكن هنالك مساجد مبنية على القبور، أو قبور مبنية على المساجد. وماذا يُعمل بالمساجد المبنية على قبور الصالحين؟ وهل تصح الصلاة فيها؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتُكْرَه الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك» (١). وهنا تنبيه مهم: وهو أن من لم يستطع الإنكار أو ترتب على إنكاره مفاسد كبيرة، فهو معذور بذلك ولا يلزمه إنكار ولا يلحقه إثم لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وحينئذ عليه أن يعلم الناس العقيدة الصحيحة ويأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن ما يضاده، بالرفق واللين والحجاج المقنع والبرهان الساطع، وما يدري لعل الله بذلك يفتح قلوبًا عميًا وآذانًا صمًّا.

стр. 214

وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ. •---------------------------------• «وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديث ابن مسعود عند أحمد وابن أبي حاتم وغيرهما، وإسناده صحيح (١). «إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ»: (مِن): للتبعيض، وشرار: بكسر الشين جمع شر، أي مِن أسوأ الناس عقيدة وعملًا، وقد قال بعض العلماء: إن الحديث من العام الذي أُرِيدَ به الخصوص.

стр. 215

ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، ولكن يعكر على ذلك ما جاء بصيغة التعميم، كقوله ﵊: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ (١)» (٢). «مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ»: أي: الذين يعيشون في آخر الزمان، من الكفار والمشركين والمنافقين، وتقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء (٣). «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا موضع الشاهد من الحديث، يعني: أنهم من شرار الناس، فالذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس وإن لم يشركوا؛ وذلك لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، وإن كانت دون مرتبتها، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام (٤). «وقوله: «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا يعم كل اتخاذ للقبر مسجدًا، سواء اتخذه بالصلاة عليه، أو بالصلاة إليه، أو بالصلاة عنده، فذلك القصد» (٥).

стр. 216

ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة: فإنه ذكر أن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، والقصد من ذلك: أن يعبد الله عند قبر ذلك الرجل الصالح، فكيف الحال إذا توجه إليه بالعبادة؟ ! (١).

стр. 217

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصيرُهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله •---------------------------------• قَصَد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أمورًا: الأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين. الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها. الثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانًا ولو كانت قبور صالحين. الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد، والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك. و«مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما حذر في الباب الذي قبله من الغلو في الصالحين أراد أن يبين في هذا الباب أن الغلو في القبور وسيلةٌ إلى الشرك المضاد للتوحيد وذلك بعبادة الأموات. كما أراد أيضًا التحذير من الغلو في القبور» (١). وأما العلاقة بين هذا الباب والذي قبله على وجه الخصوص: فهي أن الباب السالف يتحدث عن عبادة الله عند قبور الصالحين، وهنا يتحدث عن الغلو في قبورهم، ولا شك أن عبادة الله في هذه الأمكنة هو غلوٌّ في قبورهم، فبين البابين عمومٌ وخصوصٌ (٢).

стр. 218

رَوَى مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». •---------------------------------• «رَوَى مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ»: هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ من حديث عطاء بن يسار مرسلًا (١). ولكن جاء موصولًا من وجهٍ آخر ثابت من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٢). قوله: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»: هذا دعاء منه ألَّا يجعل قبره وثنًا تصرف إليه العبادة، كما كانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها. وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فمنع الناس من الوصول إلى قبره. كما قال ابن القيم ﵀: فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ ... وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَان حَتَى اغْتَدَت أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ ... فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ (٣)

стр. 219

وقد أمر عمر ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقُطِعت؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة (١). وقد روى أصحاب مالك عنه أنه كره أن يقول القائل: «زرت قبر النبي ﷺ »، وعلل وجه الكراهة بقوله: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدًّا للذريعة، وحسمًا للباب (٢). قوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ»: «الأظهر أنه إخبار عما وقع في الأمم السالفة تحذيرًا للأمة المرحومة من أن يفعلوا فعلهم، فيشتد غضبه عليهم» (٣). «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: يعني بنوا عليها مواضع للعبادة، وتوجهوا إليها، وصلوا إليها، واتخاذ قبور الأنبياء مساجد من غلو الوسائل وذلك يصيِّر تلك القبور أوثانًا، فجمع ﵊ بين ذكر الوسيلة، والتنفير منها. وقد دل الحديث على أن اتخاذ القبور مساجد وسيلة لعبادة أصحابها، وذلك شرك مناف للتوحيد.

стр. 220

وَلابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قَالَ: كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّويقَ فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ. •---------------------------------• «وَلابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ» قول مجاهد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره كما قال المصنف (١). «كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّويقَ»: السويق هو دقيق الحنطة أو الشعير يحمص، ثم يطحن، ولتُّه: يعني خلطه بالسمن والتمر والماء ونحو ذلك، ثم يؤكل (٢). «فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ»: يعني: أقبلوا على قبره، وواظبوا على زيارته، حتى عبدوه، وجعلوه إلهًا مع الله (٣). «وَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ»: هذا الأثر عند البخاري (٤). وهذا التفسير لمعنى اللات على إحدى القراءتين، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وأبي صالح: (اللاتَّ) بتشديد التاء (٥). والقراءة الأخرى قراءة جمهور القراء: اللات بالتخفيف، وهؤلاء قالوا: اللات بيت كان بالطائف تعبده قريش (٦).

стр. 221

وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسرجَ». رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. •---------------------------------• قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وفي هذا التحذير من الغلو في القبور، لهذا نُهى عن تجصيصها، والبناء عليها، والكتابة عليها؛ خوفًا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تُعْبَد من دون الله» (١). ومناسبة الأثر للترجمة: أن سبب عبادة اللاتِّ أنهم غلوا في ذلك الرجل؛ لأجل صلاحه حتى عبدوه، وصار قبره وثنًا من أكبر أوثان المشركين في الجاهلية (٢). «وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله ... » الحديث رواه أصحاب السنن، وفي سنده ضعف (٣).

стр. 222

«لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ»: «لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن؛ فأي امرأة خالفت ذلك منهن، وكانت حيث يُخْشَى منها، أو عليها الفتنة، فقد استحقت اللعن، أي الإبعاد عن منازل الأبرار» (١). ما حكم زيارة النساء للقبور ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور. وهذا قول أكثر أهل الحديث، وهو رواية عن أحمد (٢).

стр. 223

وهو اختيار شيخ الإسلام (١)، ومحمد بن عبد الوهاب (٢)، ورجحه شيخنا ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله. ولم يعرف عن النساء في عهد النبي ﷺ زيارة القبور، قال ابن تيمية ﵀: «ما علمنا أحدًا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور» (٣). وهؤلاء استدلوا بحديث الباب. قال شيخنا ابن باز ﵀ معلقًا على حديث ابن عباس: «فيه حرمة زيارة القبور على النساء على الصحيح للأدلة ... فزيارة القبور مختصة بالرجال .... لا يجوز زيارة النساء حتى إلى قبر النبي ﷺ على الصحيح؛ لأن الحديث عام، وورد لفظ (زَوَّارَات) لكن ورد أيضًا (زَائِرَاتِ)» (٤). وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب» (٥). القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم: وهذا هو قول الجمهور (٦)، وهو المشهور من مذهب أحمد وأصحابه (٧).

стр. 224

واستدل أصحاب هذا القول بحديث أم عطية: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (١). القول الثالث: جواز زيارة النساء للقبور من غير كراهة: وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). وحجتهم حديث المرأة التي مر النبي ﷺ بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: «اتَّقِي الله وَاصْبِرِي». فقالت له: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمثل مصيبتي. فانصرف رسول ﷺ عنها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ . فجاءت إليه تعتذر؛ فلم يقبل عذرها (٣). فالنبي ﷺ شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر. ولما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة الطويل، وفيه: أن النبي ﷺ خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأنَّ جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج ﷺ مستخفيًا عن عائشة، وزار ودعا، ورجع، ثم أخبرها الخبر؛ فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ المؤْمِنِينَ وَالمسْلِمِينَ» (٤).

стр. 225

قالوا: فعلَّمها النبي ﷺ دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز. القول الرابع: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال: لقوله ﷺ : «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الْآخِرَةَ» (١)، وهذا عام للرجال والنساء، ولأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنَّه أمر بها بعد ذلك (٢). وهذا دليل على أنَّه منسوخ. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح» (٣). قوله: «وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ»: هذا هو الشاهد من الحديث، وقد مر معنا شرح ذلك مستوفيًا فيما سبق. «وَالسُّرُجَ»: جمع سراج، وفي ذلك كراهة اتخاذ السرج في القبور، ونُهِيَ عن اتخاذ السرج؛ لأنها تضييع المال، ولا فائدة من ورائها، ولا سيما وهي من آثار جهنم، وأشد من ذلك أنها نوع من تعظيم القبور، ووسيلة للغلو فيها وعبادتها واتخاذها مساجد (٤).

стр. 226

«ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله: هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان في اللعنة، فدل ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، بل لأجل نجاسة الشرك، ولذلك قرن بينه وبين الإسراج عليها، وليس النهي عن الإسراج لأجل النجاسة، فكذلك البناء» (١).

стр. 227

بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايِةِ المُصْطَفَى ﷺ جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَسَدهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الشركِ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. •---------------------------------• مقصود الترجمة: إبراز حماية النبي ﷺ لمقام التوحيد من كل ما ينقضه أو ينقصه، وسد الذرائع المؤدية إلى الشرك بالله تعالى (١). وأما مناسبة الباب للأبواب قبله فهي في غاية الوضوح والظهور؛ إذ إن الأبواب السابقة عُقِدَت لبيان الأسباب المؤدية إلى الشرك، وهذا الباب عُقِدَ أيضًا لهذا الغرض، ولكن الأبواب السابقة كانت خاصةً، ً بجزئيةٍ معينةٍ في موضوع ذرائع الشرك، وأما هذا الباب فهو عام في حماية جناب التوحيد بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى؛ ولذلك فصنيع المؤلف هنا هو من باب التعميم بعد التخصيص، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ بلاغيٌّ قرآنيٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ (٢) الآية [النبأ: ٣٨] (٣). ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾: الخطاب للعرب، أي جاءكم أيها القوم، رسول الله إليكم، ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾: أي هو بشر مثلكم، تعرفونه، وهو عربي كما أنكم من العرب، وأنتم تعرفونه، وقد وقفتم على مذهبه، فهو أوكد لإقامة الحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون عمن هو مثلكم ولم يكن من غيركم؛ فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم.

стр. 228

﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: أي: يعز عليه عنتكم، وهو دخولكم في المشقة، وحصول المكروه والأذى لكم (١). ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾: أي: شديد الحرص على هدايتكم، وحريص على دخولكم الجنة، وحريص عليكم أن تؤمنوا، وحريص على توبتكم ورجوعكم إلى الله (٢). ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾: تقديم المؤمنين بالذكر يفيد التخصيص، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، أي أن الرأفة والرحمة خاصة بالمؤمنين دون الكافرين، وأما الرحمة العامة فهو ﵊ رحيم بالمسلم والكافر، ومن رحمته بالكفار حرصه على دعوتهم وهدايتهم؛ ولذلك أمثلة كثيرة في السنة. والرؤوف: معناه المبالغ في الشفقة، والمعنى: شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، فهو أرحم بهم من والديهم؛ فيرأف بالمطيعين ويرحم المذنبين (٣). «ووجه الدلالة من الآية أنه ﷺ يعز عليه كل ما يؤثم الأمة ويشق عليهم، وأعظم ما يؤثم الأمة ويشق عليهم الشرك بالله قليله وكثيره ووسائله وما يقرب منه من كبائر الذنوب، وقد بالغ ﷺ في النهي عن الشرك وأسبابه أعظم مبالغة كما لا يخفى، وقد كانت هذه حال أصحابه ﵃ في قطعهم الخيوط التي رقي للمريض فيها ونحو ذلك من تعليق التمائم» (٤).

стр. 229

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. •---------------------------------• «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» الحديث رواه أبو داود وغيره (١)، وفي سنده عبد الله بن نافع وفي حفظه لين، وللحديث شواهد تقويه. قال شيخ الإسلام ﵀: «ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد عُلِمَ أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة» (٢). «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: أي لا تجعلوا بيوتكم كالقبور الخالية عن ذكر الله تعالى وعبادته؛ لأن القبور غير صالحة لذلك؛ فتتركوا الصلاة فيها، وذكر الله ، ودعاءه، وضرب المثال بالقبور؛ لأنها معروفة ومعهودة بهذه الصفة حسًّا وشرعًا.

стр. 230

وفي ذلك أمرٌ بأداء العبادة من صلاةٍ وغيرها في البيوت، ونهيٌ وتحذيرٌ عن فعلها في القبور، وهذا ما يفعله أهل الشرك من النصارى، ومن تشبه بهم من القبوريين (١). «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا»: «العيد: اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك» (٢). والمعنى: «لا تصيروا قبري مكانًا تعودون إليه؛ أو: تعتادون المجيء إليه في أوقات معلومة؛ فإن هذا قد يوصل إلى أن يعظم النبي ﵊ كتعظيم الله جل وعلا. فاتخاذ القبور عيدًا من وسائل الشرك» (٣). ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض؛ لاحتوائه أفضل مقبور، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان (٤). قال ابن القيم ﵀: «نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدًا: نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة، بل يُزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم، على الوجه الذي يرضيه ويحبه، صلوات الله وسلامه عليه» (٥).

стр. 231

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسينِ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ». رَوَاهُ فِي المُخْتَارَةِ. •---------------------------------• «فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»: أي متى ما صليتم عليَّ فإن هذه الصلاة تبلغني حيثما كنتم في برٍّ أو بحرٍ أو جوٍّ، قريبين كنتم أو بعيدين؛ فلذلك لا ينبغي أن تتكلفوا المعاودة إلي فإن الصلاة عَلَيَّ تغنيكم عن ذلك (١). وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره ﷺ ، وإلى غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، وقد قال ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢). «وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسينِ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا» رواه الضياء المقدسي في المستخرج من الأحاديث المختارة، وابن أبي شيبة وغيرهما. وقد ذكر شيخ الإسلام (٣) أنه حديثٌ ثابتٌ وله شواهد (٤).

стр. 232

«رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلى فُرْجَةٍ»: (الفُرْجَة): -بضم الفاء وفتحها لغتان، وكسر الراء- مفرد (فُرَج)، وهي الخلل والشق بين الشيئين، أي: هي الفتحة والكُوَّة في الجدار ونحوه (١). «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: هذه الجمل سبق شرحها في الحديث السالف، فأغنى ذلك عن الإعادة. وفي معنى الجملة الثانية عدة أحاديث أخرى: ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (٣).

стр. 233

قوله: «وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ»: «المراد: صلوا عليَّ في أي مكان كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلموا عليَّ وتصلوا عليَّ عنده» (١). ومناسبة هذا الحديث والذي قبله للباب وللتوحيد: هو أن هذين الحديثين قد دَلَّا على تحريم اعتياد قبر النبي ﵊ لأجل الدعاء، وهذا من النبي ﷺ حِمَاية لحِمَى التوحيد، وسدًّا للطريق الموصلة إلى الشرك بالله ونهى عن اتخاذ قبره ﵇ عيدًا ومسجدًا خشية الشرك بالله، فما بالك بقبور غيره من الأنبياء والصالحين، فهذه أولى ثم أولى (٢).

стр. 234

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوْثَانَ •---------------------------------• مقصود المصنف بهذه الترجمة: إثبات أَنَّ الشرك سيقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من ينكر ذلك مِن أهل البدع والضلال مِن عُبَّاد القبور الذين يقولون: عبادة القبور والأولياء ليست من الشرك بالله؛ لأن الأمة معصومة منه، والمصنف إذ يقول هذا الكلام يحذر الناس مِن أن يقعوا في براثن الشرك، ولا يفيدهم استبعاد ذلك في حقهم؛ لأنه واقعٌ في هذه الأمة لا محالة، بدلالة النصوص الشرعية، والواقع المشاهد (١). وعلاقة الترجمة بما قبلها من الأبواب: هو أن المصنف لَمَّا تكلم عن التوحيد ووجوبه، والشرك والحذر منه، وذَكَرَ ما ينافي كمال التوحيد، وما هو ذريعةٌ إليه، أراد أن يُبَيِّنَ أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادتها لغير الله تعالى (٢). و الفرق بين الوثن والصنم: هو أن الصنم: كل ما عُبِدَ من دون الله تعالى على صورة إنسانٍ أو حيوانٍ، وهو التمثال والصورة، وأما الوثن: فهو ما عُبِدَ من دون الله من غير صورةٍ كقبرٍ أو شجرٍ أو حجر أو بقعةٍ أو غير ذلك. وعليه فالوثن أعم من الصنم، فبين الوثن والصنم عمومٌ وخصوصٌ؛ إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا (٣).

стр. 235

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. •---------------------------------• وقول المصنف: «أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ»: «أي لا كلها؛ لأن في هذه الأمة طائفة لا تزال منصورة على الحق إلى قيام الساعة، لكنه سيأتي في آخر الزمان ريح تقبض روح كل مسلم، فلا يبقى إلَّا شرار الناس» (١)، كما في قوله ﷺ : «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ الله، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: «الاستفهام هنا للتقرير والتعجيب، والرؤية بصرية بدليل أنها عديت بإلى، وإذا عديت بإلى صارت بمعنى النظر. والخطاب إما للنبي ﷺ أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب؟ » (٣). ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾: وهم اليهود يعني أعطوا حظًّا مِن علم كتابهم، وهو التوراة، فعلموه، ثم خالفوه بأن آمنوا ﴿بِالْجِبْتِ﴾: والجبت: كل ما عُبِدَ من دون الله من صنمٍ وغيره (٤)؛ ولذلك كل ما قيل في تفسيره صحيح، فقيل: هي الأصنام، وقيل الكهان، وقيل: غير ذلك (٥).

стр. 236

وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: «الجبت: رسم الشيطان بالحبشية» (١). قال سعيد بن جبير في هذه الآية: «(الجبت) الساحر بلسان الحبشة» (٢). ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: الطَّاغُوت: يذكر ويؤنث، مفرد طواغيت، وهو على وزن (لاهوت)، ولكنه مقلوب؛ لأنه مأخوذ من (طغا) يطغى طغيانًا، والتاء زائدة (٣). و«الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حَدَّهُ من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ» (٤). ومناسبة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان أهل الكتاب من اليهود النصارى- الذين أوتوا التوراة والإنجيل-قد وقعوا في الشرك بالله من الإيمان بالجبت والطاغوت؛ فيمكن أن تقع هذه الأمة في ذلك تشبهًا بهؤلاء؛ لأن النصوص الشرعية دلت على أن هذه الأمة ستحذو حذو اليهود والنصارى، وتتبع سننهم حذو القذة بالقذة، كما سيأتي في الحديث التالي (٥).

стр. 237

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. •---------------------------------• ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾: هذا خطاب من الله لنبيه ﵊ أن يقول لليهود ردًّا على قولهم: ما نعرف دينًا شرًّا من دينكم: هل لي أن أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابًا؟ (١). ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وهم اليهود والنصارى، واللعن هو الطرد والإبعاد، والمراد بذلك العذاب والطرد عن رحمة الله ومنها الجنة، وأما الغضب: فهو أشد من اللعنة وأبقى، فخص باليهود؛ لأنهم أشد عداوة لأهل الحق (٢). ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾: يعني بالذين جعلهم قردة: أصحاب السبت من اليهود، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى من النصارى (٣). ومَسْخُ أصحاب السبت قردةً جاء في آيةٍ صريحة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: مَرَّ معنا شرح معنى الطاغوت مستوفى في الأبواب السابقة. الشاهد من هذه الآية لموضوع الترجمة هو قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، ومناسبة ذلك للباب هو نظير مناسبة الآية السابقة التي مرت معنا آنفًا.

стр. 238

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. •---------------------------------• فمطابقة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان اليهود والنصارى ممن عبد الطاغوت، فكذلك يكون في هذه الأمة من يفعل ذلك. ففي الآية السابقة أن أهل الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وفي هذه الآية: أن فيهم من عَبَد الطاغوت؛ فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبه بهم في ذلك (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: الظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب السلطان والنفوذ من الرؤساء والحكام (٢). ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: أي لنبنين على باب كهفهم مسجدًا نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، ونتبرك بمكانهم (٣). ومناسبة الآية للباب وللتوحيد: أنها دلت على أن الأمم السابقة قد بنت المساجد على القبور، فجرَّهم ذلك إلى الشرك بالله تعالى، وقد ثبت أن هذه الأمة ستتبع طريق من كان قبلها، وعليه فلا بد أن يقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم السالفة من البناء على القبور، فدل ذلك على وقوع الشرك في هذه الأمة، كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبه بهم واتباع سبيلهم (٤).

стр. 239

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟ ». أَخْرَجَاهُ. •---------------------------------• حديث أبي سعيد ﵁ في الصحيحين، كما أشار المؤلف بقوله: «أَخْرَجَاهُ»، عدا قوله: «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» فهي ليست في الصحيحين، والذي فيهما: «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» (١). «لَتَتَّبِعُنَّ»: بضم العين وتشديد النون، واللام للتأكيد، وأصلها (تَتَّبِعُونن) (٢). «سَنَنَ»: فيها وجهان: الوجه الأول: فتح السين (سَنَنَ) مفرد ومعناه السبيل والطريق. الوجه الثاني: ضم السين (سُنَن) جمع سنة وهي الطريقة. وبعض الشُّرَّاح رجح الضم (٣)، ولكن الفتح هو الأصوب والأشهر (٤).

стр. 240

وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀ شارحًا هذا الكلام ومفصلًا له: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة من لا يتبع كما أخبر النبي ﷺ أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق. وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء، وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضى خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه» (١). «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ»: أي: مثلًا بمثل، وهو مثل للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان، والقُذَّة-بضم القاف- واحدة القُذَذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم مثلًا بمثل، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، وهذا مَثَل يُضْرَب للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان (٢). «حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»: «الجحر- بالضم- هو: السرب الذي يكون في الأرض، ومنه جحر الضب، لأنه يحفر جحرًا من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليدًا لهم! » (٣).

стр. 241

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمِ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ, وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا». •---------------------------------• ووجه مطابقة الحديث للترجمة: هو إخبار النبي ﷺ أن الأمة ستقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى من ضلال وانحراف؛ ومن ذلك الوقوع في الشرك والكفر الصراح الذي وُجد عند الكتابيين، وسيقع في هذه الأمة أيضًا، وهذا الحديث يُعَدُّ عمدة هذا الباب (١). «وَلِمُسْلِمٍ»: في صحيحه (٢). «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ»: معناه قبضها وجمعها، ويقال انزوى الشيء: إذا انقبض وتجمع، وانزوى القوم: تدانوا وتضاموا (٣).

стр. 242

«فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا»: هذا الحديث من أعلام نبوته؛ فإن ملك هذه الأمة كان معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب (١). «وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ»: هما الذهب والفضة، والمراد بذلك الإشارة إلى كنوز كسرى وقيصر؛ فغالب نقود كسرى الذهب، وغالب نقود قيصر الفضة (٢). وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ الله» (٣). وقد ظهر ذلك ووجد في زمان الفتوح في إمارة عمر ﵁ فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده. وهل أُعْطِيَ النبي ﷺ هذا في حياته كما يفهم من قوله: «وَأُعْطِيتُ»؟ الجواب: بعد موته أعطيت أمته ذلك، لكن ما أعطيت أمته؛ فهو عطاء له؛ لأنَّ أمته تابعة له وامتداد ملك الأمة هو امتداد لما كان عليه النبي ﷺ (٤).

стр. 243

وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ, وَزَادَ: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ، •---------------------------------• «فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ»: أي جماعتهم وأصلهم، وبيضة الدار: معظمها ووسطها، أراد عدوًّا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم (١). «لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ»: السنة هي القحط والجدب، وتُجمع على سنين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، والمقصود بقوله: «لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» أي: بالدعوة: أَلا تصيبهم سنة وشدة تجتاحهم وتعمهم بالهلاك، وأما أن يحصل القحط في قوم دون قوم فهذا خارج عنها، وهو يقع كثيرًا (٢). «وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا»: (بأقطارها) أي: بأطرافها، جمع قُطْر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستطيع عدو من الكفار استئصالهم أو إهلاكهم جميعًا، ولو حاصرهم واجتمع على محاربتهم من كل ناحيةٍ من نواحي بلادهم (٣). «وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ, وَزَادَ ... » لم أقف على صحيح البرقاني، ولكن وقفت على الزيادة في كتب أشهر منه، كابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه (٤).

стр. 244

وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ........................ •---------------------------------• «الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ»: الأئمة: جمع إمام، وهو رئيس القوم الذي يدعوهم إلى قول أو فعل أو اعتقاد، ويتبعونه في ذلك ضالًّا كان أو مهتديًا (١)، والمقصود بهم: الأمراء والعلماء والعُبَّاد الداعون إلى البدع والضلالات، والفسق والفجور (٢). «وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»: أي: إذا ظهرت الحرب والفتن والاقتتال فيهم تبقى إلى يوم القيامة، وقد وضع السيف بقتل عثمان، فلم يزل إلى الآن، ولم يرتفع (٣).

стр. 245

وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، •---------------------------------• «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ»: الحي مفرد أحياء، والمقصود بها القبائل (١). وهل المراد باللحوق هنا اللحوق البدني أو الحكمي؟ الجواب: كلا المعنيين مرادان، فاللحوق البدني بمعنى أنه يذهب هذا الحي إلى المشركين ويدخلون فيهم، واللحوق الحكمي، بمعنى أن يعملوا بعمل المشركين، وقد كان هذا بعد وفاة النبي ﷺ حينما ارتدت قبائل من العرب فحاربهم أبو بكر ﵁. «وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ» وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة. وفي معنى هذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ» وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٢). وأليات أي: أعجاز النساء. وفي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعًا: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (٣).

стр. 246

وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِي بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎». •---------------------------------• «وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ» قال ابن حجر: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحةُ بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وزين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه. ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا فإنهم لا يحصون كثرةً لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة (١). فمن زعم أنه نبي بعد الرسول ﷺ فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدَّقه في ذلك، فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد ﷺ . «لَا نَبِي بَعْدِي» أي: بعد موت النبي ﷺ ، ولكن ما الجواب عما ثبت في نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، مع أنه نبي ويضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؟

стр. 247

الجواب: أَنَّ نبوة عيسى ﵇ سابقةٌ لنبوة محمد ﷺ ، وحينما ينزل في آخر الزمان- كما تواترت بذلك النصوص- لا ينزل على أنَّه نبِيٌّ متبعٌ، بل على أنَّه أحدُ أتباع محمد ﷺ ؛ ولذلك عَدَّه بعض العلماء من الصحابة. وهو حينما يحكم ويُشَرِّع لا يحكم بالإنجيل، وإنما يحكم بشريعة الإسلام، وأمَّا كونه يضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؛ فليس تشريعًا جديدًا ينسخ قبول الجزية، بل هو تشريع من محمد ﷺ ؛ لأنه أخبر به مُقِرًّا له. قوله: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»: هذه الجملة من حديث ثوبان رواها مسلم (١). والطائفة: الجماعة، من هذه الطائفة؟ هذه هي (الطائفة المنصورة)، وقد تكاثرت أقوال العلماء في نعت هذه الطائفة: قال يزيد بن هارون: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟ » (٢)، وكذا قال أحمد بن حنبل (٣). وقال علي بن المديني: «هم أصحاب الحديث» (٤). وقال البخاري: «هم أهل العلم» (٥).

стр. 248

وقال القاضي عياض: «وإنما أراد أهل السنة والجماعة، ومَن يعتقد مذهب أهل الحديث» (١). ولعل أقوى الأقوال ما اختاره النووي ﵀ حيث قال: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» (٢). وهم منصورون إما بسيف العلم والحجة والبرهان على الكفار والمشركين والملحدين والمنافقين والمبتدعين، أو منصورون بالسيف والسلطان على عدوهم من اليهود الحاقدين، والنصارى الصليبيين، ولا منافاة بين هذا وذاك؛ لأن اللفظ يحتمل كلا المعنيين، وهما صحيحان (٣). وقوله: «عَلَى الحَقِّ»: أي ثابتين على الحق علمًا وعملًا، و (ظاهرين): هذا مرتبط بمفهوم كونهم منصورين، وفيه وجهان: أولهما: أنهم غالبون على الباطل بالحجة والبرهان، والثاني: بالسيف والسِّنَان في زمن التمكين، وكلا الوجهين صحيح (٤).

стр. 249

«لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»: أي لا يضيرهم خذلان مَن خذلهم من المسلمين، وترك التعاون معهم، بل وحاربهم وناصبهم العداء؛ لثباتهم على دينهم، ولنصرة الله لهم (١). وقد جاء في حديثٍ آخر: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ» (٢). «حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎»: أي: حكمه وقضاؤه، وذلك إما بقيام الساعة، أو بالريح التي تقبض نفس كل مؤمن ومؤمنة؛ فيموتون منها (٣). والخلاصة من هذا الحديث: أنه دَلَّ على وقوع الشرك في هذه الأمة، وأن قبائلَ وفئامًا منها يعبدون الأوثان، وفي ذلك الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة. فهذا الحديث وغيره مما جاء في الباب يدل على أن الشرك يقع في هذه الأمة، فالواجب الاحتراز من الشرك والحذر من الوقوع في أسبابه ووسائله كي لا يكون المرء من هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي ﷺ .

стр. 250

بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: تقرير أَنَّ السحر شرك محرمٌ وبيان ما ورد فيه من الوعيد، وأنه ينافي التوحيد، وبيان تكفير فاعله (١). فيكون معنى قوله: «بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ»: أي ما جاء فيه من الوعيد الشديد. قال ابن كثير: «السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٢)، وسمي السحور سحورًا لكونه يقع خفيًّا آخر الليل» (٣). وأما في الاصطلاح: فهو عبارةٌ عن عزائمَ ورُقًى وعُقَد يستعملها الساحر بالاستعانة ببعض الشياطين؛ للتأثير في بعض الناس: إما في أبدانهم بالقتل أو المرض، أو الإخلال بعقولهم، أو في التفريق بين الزوجين، أو أحدهما عن الآخر، ونحو ذلك (٤). والسحر إجمالًا نوعان: ١ - سحر التخييل: وهو «مختص بكل أمر يخْفَى سببه، ويُتَخَيَّل على غير حقيقته، ويَجْرِي مجرى التمويه والخداع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]» (٥). وهذا النوع من السحر يسحر أعين الناظرين، ولا حقيقة له.
следующие страницы →