الوجه الثاني: لا شك أن ادعاء علم الغيب أو تصديق أحد ممن يدعي علم الغيب كفر أكبر، ولكن تصديق الكاهن فيه شبهة؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة فيما صدق فيه عن طريق استراق الجن للسمع، يأتي الآتي إلى الكاهن ويقول: أنا أصدقه فيما أخبر من الغيب؛ لأنه قد جاءه علم ذلك الغيب (١).
الوجه الثالث: أنه جاء في نص الحديث: «أو أتى حائضًا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد»، وإتيان الحائض ليس بكفر مخرج عن الملة بالاتفاق؛ فثبت أن الكفر هنا كفر أصغر.
القول الرابع: قيل: هذا على التشديد والتأكيد، أي: قارب الكفر والمراد كفر النعمة، قال الترمذي: «وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ» (٢)، وهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٣).
القول الخامس: وهو الأقرب: القول بالتفصيل كما يلي:
إن صدق الكاهن بدعوى أنه يعلم الغيب الذي تفرد الله بعلمه، فهذا تكذيب بالقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ففي هذه الحال يكون كفرًا أكبر.
أما إذا أتاه ولم يصدقه في دعوى علم الغيب والمستقبل، أو صدقه بما خفي عليه وليس هو من علم الغيب كأن يصدقه بما يخبر به من الوقائع التي وقعت مما خفي علمها على السائل، فهذا محرم لكن لا يلزم منه الكفر الأكبر، بل هو كفر دون كفر، والله أعلم.
стр. 282
وَلِلأَرْبَعَةِ وَالحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شرطِهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ».
•---------------------------------•
قوله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا» هذا الحديث سبق شرحه مفصلًا في الكلام السابق.
وكلمة «عَرَّافًا» التي من أجلها ساق المصنف الحديث مرة ثانية غير موجودة في السنن الأربعة، وإنما هي عند الحاكم وغيره، والحديث صحيح (١).
стр. 283
وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا: ......................................
•---------------------------------•
«وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ»: أثر ابن مسعود رواه أبو يعلى وغيره (١)، قال ابن حجر: «أخرجه أبو يعلى من حديث بن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي» (٢).
ومناسبة هذا الأثر والذي قبله للباب: أن فيهما بيان حكم إتيان الكُهَّان وتصديقهم فيما يقولون، وهو الكفر بالله ، فإذا كان هذا حال المصدق بهم فما بالك بالكهان أنفسهم؟ ! ، لا شك أنهم في شركٍ وكفرٍ عظيم.
قوله: «وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا» الحديث رواه البزار وغيره (٣)، وإسناده جيد.
стр. 284
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ, أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ, فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ».
•---------------------------------•
«لَيْسَ مِنَّا»: ظاهره: ليس منا: ليس من أهل الملة (١)، وتأوله بعضهم بقوله: «ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا، العاملين باتباعنا، المقتفين لشرعنا» (٢).
وهذا اللفظ فيه وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر (٣).
«مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ»: (من تطير) أي: فعل الطيرة (أو تطير له)، أي: قبل قول المتطير له وتابعه، أوأمر من يتطير له (٤).
«أَوْ تَكَهَّنَ, أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ»: «(تكهن): يعني ادعى علم الغيب وادعى أنه كاهن، أو أخبر بأمور من المغيبة يخدع من رآه بأنه كاهن» (٥). و (تكهن له): الذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه (٦).
стр. 285
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ, وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ, وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ, وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ.
•---------------------------------•
«أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ»: (سَحَرَ): أي فعل السحر، «(أو سُحِرَ له): أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النشرة عن طريق السحر؛ فهي داخلة فيه» (١).
«مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها» (٢).
قوله: «وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ)» هذا الحديث في المعجم الأوسط كما قال المصنف (٣).
«قَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ ... »: هذا شروع من المصنف في تعريف العراف الوارد في الطريق الثاني من حديث أبي هريرة السابق.
стр. 286
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ، مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.
•---------------------------------•
وقصده بيان أن العرافة هي ضرب من ضروب الكهانة، وبالتالي: إما هما بمعنى واحد أو بينهما عموم وخصوص.
وكلام البغوي هذا قاله في كتابه شرح السنة، وهو منقول عنه بتصرف (١).
وقد سبق تعريف العراف، وهو بمعنى تعريف البغوي.
قال سليمان بن عبد الله ﵀: «هذا تفسير حسن، وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة، وأحسن منه كلام شيخ الإسلام: أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف» (٢)، وسيأتي.
«وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ, وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ, وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ»: هذا من كلام المصنف، وليس من كلام البغوي.
«وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ ... »: من خلال تعريف شيخ الإسلام للعراف نجد أنه يجعل العرافة أعم من الكهانة، فيدخل فيها الكهانة والتنجيم والرمل ونحو ذلك.
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية موجود في مختصر الفتاوى المصرية للبعلي بتصرف يسير جدًّا (٣).
стр. 287
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ [أَبَا جَادٍ] ....................
•---------------------------------•
«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ ... » الأثر أخرجه عبد الرزاق وغيره، وإسناده صحيح (١).
«يَكْتُبُونَ أَبَا جَادٍ»: يسمى علم الحروف، وتعلمها يكون بتقطيعها على مقاطع (أبجد) (هوز) (حطي) (كلمن) (سعفص) (قرشت) (ثخذ) (ضظغ)، فيجعلون الألف واحدًا والباء اثنين، إلى نهاية الحرف العاشر، ثم يبدءون بالكاف عشرين واللام ثلاثين، وهكذا إلى الشين مائة والراء مائتين، إلى أن تتم هذه الحروف (٢)، فيكون الغين ألْفًا.
و كتابة أبي جاد على قسمين:
القسم الأول: كتابتها وتعلمها لتعليم الحروف، وللاستعانة بها في التاريخ بواسطة حساب الجمل وما شابهه على ما هو معروف عند العرب، فهذا تعلم مباح لا بأس به، كقول حافظ الحكمي في آخر منظومته سلم الوصول:
أَبْيَاتُهَا يُسْرٌ بعدِّ الجُمَّلَ ... تأريخها الْغُفْرَانُ فَافْهَمْ وَادْعُ لِي (٣)
يسر: الياء ١٠، والسين ٦٠، والراء ٢٠٠ المجموع (٢٧٠)، ويقاس عليها قوله: الغفران مجموع حساب حروفها (١٣٦٢).
стр. 288
وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ.
•---------------------------------•
وقول الجزري في ختام منظومته في التجويد:
أبياتها قاف وزاي بالعدد ... مَنْ يُحْسِنِ التَّجْوِيدَ يَظْفَرْ بِالرَّشَدْ (١)
القاف: (١٠٠)، والزاي: (٧)، وأبياتها: ١٠٧.
القسم الثاني: كتابتها وتعلمها مِن قِبَل المنجمين والكهان؛ لمعرفة ارتباطها بسير النجوم بدعوى أنَّه يستدل بها على الحوادث الأرضية فهذا محرم (٢).
«وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ»: هذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير.
فعلم النجوم نوعان: الأول: علم التأثير، والثاني: علم التسيير، وسيأتي تفصيل القول فيهما، في باب ما جاء في التنجيم إن شاء الله.
«مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ»: قوله: (ما أَرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها (ما أُرى) بمعنى: لا أظن ذلك (٣). والمعنى: أن فاعل ذلك ليس له نصيب من الجنة عند الله يوم القيامة (٤).
و«ظاهر كلام ابن عباس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عند الله هو الكافر؛ إذ لا يُنْفَى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين» (٥).
стр. 289
و «مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبي جاد وتعلُّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا، كل ذلك يدخل في العرافة، ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله» (١).
стр. 290
بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشرةِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء في حكم النُّشْرَة بالتفصيل، وهل هي ممنوعةٌ بإطلاق، أو منها ما هو مباحٌ وجائزٌ؟ ؛ ولذلك لم يجزم المؤلف في تبويبه بتحريمٍ أو كراهةٍ (١).
النُّشْرَة في اللغة: -بالنون المضمومة- فُعْلَة مِن النشر: أي الكشف والزوال، ومنه استخدم المعنى الاصطلاحي لها: أي أن هذا العلاج يكشف المرض الذي لابس ذلك المريض (٢).
والنُّشْرَة اصطلاحًا: هي ضربٌ من الرقية والعلاج يُستخدم لحل السحر عَمَّن يُظَنُّ أَنَّ به سحرًا أو مسًّا من الجن (٣)، و (الـ) هنا للاستغراق وليست للعهد؛ لأن المؤلف قصد بيان كل أنواع النُّشْرَة وأحكامها، ولم يقتصر على نوعٍ معينٍ (٤).
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهي أنه كما أن السحر شرك بالله- جل وعلا- يقدح في أصل التوحيد، وأن الساحر مشرك الشرك الأكبر بالله؛ فالنشرة التي هي حل السحر قد تكون من ساحر، وقد تكون من غير ساحر بالأدوية المأذون بها، أو الأدعية ونحو ذلك.
стр. 291
عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ]، وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ.
•---------------------------------•
فإذا كانت من ساحر فإنها مناقضة لأصل التوحيد، ومنافية لأصله؛ لأن الساحر غالبًا لا يمكن أن يعالج بالسحر إلا عن طريق الشياطين الذين يخدمونه عوضًا عن وقوعه في الشرك أو أيِّ فعل يكفر به، وإن لم تكن بالسحر إنما بأدوية وعقاقير ونحو ذلك فالأصل جوازها.
ومناسبة الباب للأبواب السابقة: تظهر من وجوه:
الوجه الأول: أن المصنف لما ذَكَرَ في الأبواب السالفة ما يتعلق بالسحر وأنواعه ناسب هنا أن ينتقل من السحر إلى كيفية حل هذا السحر.
الوجه الثاني: أن النُّشرة قد تكون بأشياء لا علاقة لها بالسحر، وحينئذٍ تكون مباحة؛ فيجب التفريق في ذلك بين ما هو سحر وما هو غير سحر؛ حتى لا يختلط ذلك على الناس، فيُجتنب المحرم ويُفعل المباح (١).
الوجه الثالث: «الرد على شبهة إتيان الناس إلى السحرة والكهان بقصد حل السحر عن المسحور» (٢).
«عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ ... » الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٣)، وفي سنده انقطاع.
стр. 292
«سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟ »: سبق بيان معنى النشرة في مقدمة الباب، والألف واللام في (النشرة) للعهد، وليست للاستغراق، أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، فجاء الجواب: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ»: أي: من العمل الذي يفعل بواسطة وحيه وأمره (١)، والمقصود بـ (الشيطان) جنس الشياطين، والنشرة هنا هي ما كان يتعاطاه أهل الجاهلية في حل السحر.
ومناسبة الحديث لكتاب التوحيد والباب: أنه يدل على تحريم النُّشرة التي هي من عمل الشيطان، ومِن نُشرة الجاهلية التي لا تتم إلا بالشرك بالله (٢).
стр. 293
وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لاِبْنِ المُسيبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر؟
•---------------------------------•
«وَفِي البُخَارِيِّ»: معلقًا (١)، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه، قال ابن حجر: «إسناده صحيح» (٢).
«رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ»: بكسر الطاء، أي: سحر، يقال: طُب الرجل بالضم: إذا سحر، كَنَوا عن السحر بالطب تفاؤلًا، كما يقولون للديغ: سليم، وللكسير: جبير، من باب الفأل بالسلامة، وجبران الكسر، والطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، ويقال للسحر أيضًا (٣).
«يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ»: (يُؤَخَّذ) بتشديد الخاء، أي: يُحْبَس عن امرأته حتى لا يستطيع أن يصل إلى جماعها، والأُخذة -بضم الهمزة-: هي رقية الساحر (٤).
«أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر»: (يُحَلُّ) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمجهول (٥). يحل مِن حَلَّ العقدة يحلها؛ نقضها وفكها، ويُنَشَّر بضم الياء وتشديد الشين (٦)، ويحل وينشر بمعنى واحد (٧).
стр. 294
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، انْتَهَى.
•---------------------------------•
«لَا بَأْسَ بِهِ»: يعني أن النشرة لا بأس بها، ويعني بذلك النشرة المباحة التي ليست من السحر (١). وقيل: بل يعني أن حل السحر بالسحر لا بأس به؛ لأنهم «إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ»: يعني أن حل السحر يُرَاد به الإصلاح وشفاء المريض، بخلاف السحر، فإنما يُرَاد به الضرر والأذى (٢).
«فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ»: يعني أن الشريعة لم تمنع من النشرة المباحة، المبنية على التعوذات الشرعية، والأدعية، وقراءة القرآن، والدواء المباح، ونحو ذلك، بل جاءت بإباحتها (٣). وهذا من ابن المسيب ﵀ كأنه تقسيم للنشرة إلى قسمين: مباحة نافعة، ومحرمة ضارة (٤).
وفصل ذلك شيخنا ابن عثيمين فقال: «كأن ابن المسيب ﵀ قسم السحر إلى قسمين: ضار، ونافع. فالضار مُحرم، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] والنافع لا بأس به، وهذا ظاهر ما روي عنه، وبهذا أخذ أصحابنا الفقهاء، فقالوا: يجوز حل السحر بالسحر للضرورة، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز حل السحر بالسحر وحملوا ما روي عن ابن المسيب بأن المراد به ما لا يعلم عن حاله: هل هو سحر، أم غير سحر؟ أمَّا إذا علم أنه سحر؛ فلا يحل» (٥).
стр. 295
وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَحِلُّ السِّحْرَ إِلاَّ سَاحِرٌ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ:
حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشر وَالمُنْتَشِر إِلَى الشيطَانِ بِمَا يُحِبُّ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ.
وَالثَّانِي: النُّشرةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ المُبَاحَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ.
•---------------------------------•
ومناسبة الأثر للباب: أنه فيه بيان التفصيل في حكم النشرة، وأن منها ما هو جائز ومباح، ومنها ما هو محرم (١).
قول الحسن هنا يُحْمَل على النُّشْرَة المحرمة المبنية على السحر.
ولذلك نقول: لا تعارض بين كلام سعيد بن المسيب السابق، وكلام الحسن هنا؛ لأن كلام ابن المسيب محمول على النُّشْرَة المباحة، وكلام الحسن محمول على النُّشْرَة المحرمة.
«قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ»:
هذا الكلام لابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (٢).
وهذا تقسيم منه للنشرة إلى قسمين ممنوعة وجائزة. وهو واضح لا يحتاج إلى شرح وتوضيح، وسبق أن أشرنا إلى هذا التقسيم.
стр. 296
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان حكم التطير، وأنه منهيٌّ عنه، بل هو من الشرك الأصغر، ونوعٌ من أنواع السحر بالمعنى اللغوي العام.
والتطير: التشاؤم بالشيء والكراهية له، فكانت العرب تتشاءم ببعض الأشياء، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، ونهى عنه.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التطير منافٍ للتوحيد من وجهين:
«الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله.
والثاني: أنه يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل» (١).
ومناسبة الترجمة لما قبلها: أن الطيرة مما ينافي التوحيد ويناقضه؛ إذ إن المتطير يتعلق قلبه بغير الله كالنشرة المحرمة، فإن فيها تعلقًا بغير الله، والتطير والنشرة كلاهما مناف للتوحيد والاعتماد على الله تعالى.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾: كان هؤلاء يتطيرون بموسى ﵇، وهذا جاء صريحًا في بداية الآية، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).
و«المعنى: ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وُعِدُوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا، وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم، والمعنى واحد» (٣).
стр. 297
وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.
•---------------------------------•
قال الشنقيطي ﵀: «ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة، أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا ﷺ في قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]» (١).
ومناسبة هذه الآية لهذا الباب: أن هذا التطير من صفات أعداء الرسل، ومن خصال المشركين، وليس من خصال أتباع الرسل، وأما أتباع الرسل فإنهم يعلقون ذلك بما عند الله من القضاء والقدر، أو بما جعله الله -جل وعلا- لهم من ثواب أعمالهم أو العقاب عليها؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).
﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: قال الذين أُرْسِلُوا إلى القرية ردًّا على قول أهل القرية حينما قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]؛ أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا؛ فأجابهم الرسل بقولهم: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم؛ فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك (٣).
стр. 298
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ, وَلَا هَامَةَ, وَلَا صَفَرَ». أَخْرَجَاهُ, زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ».
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين (١)، كما أشار المؤلف.
قوله: «لَا عَدْوَى»: هذا حمله العلماء على أحد وجهين:
الأول: أن المقصود بذلك إضافة الأشياء إلى القدر: أي لا يعدي شيءٌ شيئًا بذاته مستقلًا عن قدر الله، بل كل ذلك يجري بقدر الله وقضائه.
والثاني: أن هذا مخصوص، ويراد به شيء دون شيء: أي لا عدوى إلا من الجذام والبرص والجرب، فهذه هي التي تكون فيها العدوى دون سواها.
والصواب القول الأول (٢).
كيف الجمع بين حديث: «لاَ عَدْوَى» وحديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ» ؟
قال البيهقي وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجب، وابن مفلح وغيرهم: إن قوله: «لا عَدْوَى» أي: على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدي بطبعها.
وأمَّا حديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ» فهو من قبيل الأخذ بالأسباب الشرعية؛ ولهذا قال: «فِرَّ مِن المجْذُومِ، كَمَا تَفِرُّ مِن الْأَسَدِ» (٣).
стр. 299
وقال: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (١)، وقال في الطاعون: «فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ» (٢)، وكل ذلك بتقدير الله تعالى، كما قال ﷺ : «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ » يشير إلى أن الأول إنما جرِب بقضاء الله وقدره.
فيكون أمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن الدخول إلى موضع الطاعون، من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك، فكذلك يشرع له اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره.
«وَلَا طِيَرَةَ»: الطيرة من التطير وهي معروفة، وقد مرت معنا سابقًا.
«وَلَا هَامَةَ»: (الهامة): هو طائر كبير يضعف بصره بالنهار, ويطير بالليل, ويصوت فيه, ويقال له: بوم, والعرب يتشاءمون بصوته، ويسمونه: (الصَّدَى)
وكانوا يقولون: إن روح القتيل الذي لا يدرك ثأره يصير هامة, وتقول: اسقوني اسقوني, فإذا أدرك ثأره طارت (٣).
стр. 300
«وَلَا صَفَرَ»: (صفر): قيل: هو حية في بطن الإنسان تعتقد العرب أنها تعض الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وذلك مذكور في أشعارهم، وقيل المقصود بذلك: أنهم كانوا يتشاءمون بدخول صفر؛ فيحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا، وهذا أقرب الأقوال (١).
«وَلَا نَوْءَ»: الأنواء هي منازل القمر، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، وكانت العرب يعتقدون عند كل نوء حصول أحداث معينة كالمطر والريح ونحو ذلك، فأبطل الإسلام هذا المعتقد (٢).
«وَلَا غُولَ»: (الغُول): واحد الغِيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أنها تظهر للناس في الفَلَوات، فتفزعهم، وتضلهم عن الطريق، وتهلكهم، فنفى النبي ﷺ ذلك وأبطله (٣).
إشكال وجوابه:
جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ» (٤) فما المراد بذلك؟
الجواب من وجوه:
стр. 301
«وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، ..
•---------------------------------•
الوجه الأول: أن معنى الحديث إن كان الشؤم في شيء حقًّا فهو في هذه الثلاث، باعتبار أن النفوس البشرية يقع منها التشاؤم بهذه الأشياء أكثر من غيرها.
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عن ابن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، وَالفَرَسِ» (١).
الوجه الثاني: «إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشؤومة على من قاربها وسَكَنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر» (٢).
ومناسبة الحديث للباب: أنه جاء في الحديث النهي عن الطيرة، وإبطالها، وبيان أنها معتقد جاهلي، مبني على تعليق القلب بغير الله، وهذا من الشرك بالله (٣).
«وَلَهُمَا» أي البخاري ومسلم (٤):
«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ»: مَرَّ معنا شرح معنى العدوى والطيرة في الحديث السابق.
стр. 302
وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ , قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».
•---------------------------------•
«وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ»: الفأل مهموز، وقد لا يهمز، وهو: الاستبشار بحصول الخير عند سماع ما يسر، ويكون فيما يحسن وفيما يسوء، وقيل: فيما يحسن خاصة، بينما الطيرة فيما يسوء فقط (١).
«الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»: هذا تفسير من النبي ﷺ لمعنى الفأل.
هل في الإعجاب بالفأل شيء من الشرك؟
قال ابن القيم ﵀: «ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم ﷺ : أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب» (٢)، وكان يحب الحلوى، والعسل (٣)، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم.
الفرق بين الطيرة والفأل:
الفرق بينهما: أن الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة.
وأمَّا الطيرة: فإنه إذا عزم على فعل شيء من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره أثر في قلبه أحد أمرين:
стр. 303
وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: ...............
•---------------------------------•
أحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله أو بالعكس. وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله.
الأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا وغمًّا.
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه نفيًا للطيرة وإبطالًا لها؛ لأنها من التعلق بغير الله المؤدي إلى الشرك، وفيه بيان أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها.
«وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر» هذا وهم من المصنف، بل هو من حديث عروة بن عامر رواه أبو داود وغيره، وفيه انقطاع (١).
стр. 304
ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
•---------------------------------•
قال صاحب التيسير: «هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عروة بن عامر» (١).
«أَحْسَنُهَا الفَأْلُ»: مر معنا شرح معنى الفأل، ومدح الفأل لما فيه من حسن الظن بالله ، ومع ذلك لا يرُّد ذلك المسلمَ عن المضي في قضاء حاجته.
«فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ»: «أي: إذا رأى من الطيرة شيئًا يكرهه» (٢).
«فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ ... »: الحسنات هنا هي كل أمرٍ مستحسن، أي: لا يقدر على إيجاد الأمور الحسنة الشاملة للنعم والخيرات والطاعات إلا أنت.
«وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ»: أي: لا يدفع الأمور المكروهة للنفوس إلا أنت.
«وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»: وهذه استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة، و (الحول): التحول والانتقال من حال إلى حال، والمعنى: (لا حول) على دفع السيئة، (ولا قوة) على تحصيل الحسنة إلا بك (٣).
стр. 305
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَجَعَل آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
•---------------------------------•
حديث ابن مسعود: رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وهو صحيح (١)، دون آخره فهو من قول ابن مسعود.
هل الطيرة شرك أكبر؟
«الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ»: أي نوع من أنواع الشرك، وهذا صريح في تحريم الطيرة، وبيان أنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب بغير الله (٢).
ولكنها ليست من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي من الشرك الأصغر (٣).
стр. 306
«وَمَا مِنَّا إِلَّا»: أي: ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا ويعتريه شيء من الطيرة في بادئ الأمر قبل النظر والتأمل، ولم يتم كلامه؛ كراهة أن يتفوه به؛ لما يتضمنه من الحال المكروهة (١).
والكلام من قوله «وَمَا مِنَّا إِلَّا» إلى آخر الحديث هو موقوف من قول عبد الله بن مسعود، وليس من كلام النبي ﷺ ، فهو من قبيل المدرج في الحديث، وقد نص على ذلك علماء الحديث (٢).
«وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»: (يُذْهِبُهُ) بضم الياء، من الإذهاب، أي يزيل تلك الأوهام المكروهة التي تخطر في قلب المؤمن، (بالتوكل): أي بسبب الاعتماد على الله، وإسناد الأمور إليه سبحانه. وفي هذا إشارة إلى أن ما يقع في قلب المسلم من ذلك إذا دفعه بالتسليم لله، وعدم الاهتمام بالطيرة؛ فإنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك (٣)، وفيه أيضًا أنَّ المؤمن مهما بلغ من الإيمان والعلم ليس معصومًا، وقد يقع له من الخواطر ما يقع لغيره.
مناسبة الحديث للباب: الحديث واضح الدلالة على مقصود الترجمة؛ لأنه نَصَّ على أن الطيرة من الشرك بالله تعالى (٤).
стр. 307
وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ». قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ , قَالَ: «أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
•---------------------------------•
حديث ابن عمرو: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا على الراجح عند الأئمة (١).
«مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ»: «هذا هو ضابط الطيرة التي تكون شركًا، وهو أن ترد المتطير عن حاجته، فإذا لم ترده عن حاجته، ولم يستجب لها، فلا حرج عليه» (٢).
«فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ »: أي: ما كفارة هذا الشرك، وما الدواء الذي يزيله؟ فالكفارة تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقبل فعله؛ فكفارة ذلك إن وقع، وكفارة ذلك إن لم يقع (٣).
«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ»: «يحتمل أوجهًا- وكلها صحيحة قريبة -:
أ- أنه لا يحدث إلا قضاؤك الذي قضيته، فعلم المغيبات إنما هو لله ، وهذا الدعاء كفارة لمن وقع في الطيرة.
стр. 308
ب- أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة؛ فإنه من الله تعالى، كما أن الخير منه أيضا سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
ج- أن الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئًا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].
فالطير مسخرة بإذن الله، والله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث» (١).
«لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ»: النفي والاستثناء في الجملة يفيدان الحصر؛ فالخير كله من الله تعالى، سواء كان بسبب معلوم أو غير معلوم، والمعنى: لا أحد يأتي بالخير، ويُرْجَى منه الخير غيرك، و «فيه تفويض الأمور إلى الله تقديرًا وتدبيرًا وخلقًا، والبراءة مِمَّا فيه تعلقٌ بغير الله تعالى كائنًا مَن كان» (٢).
«وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»: هذه واضحة؛ وهي معنى كلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا أنت، وهذا اعتراف بالتوحيد ونفي للشرك (٣).
ومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أَنَّ فيه تبيينًا لحقيقة الطيرة الشركية المحرمة، وهي الطيرة التي ترد صاحبها عن حاجته (٤).
стр. 309
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ العَبَّاسِ ﵁: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».
•---------------------------------•
«وَلَهُ»: أي أحمد بن حنبل ﵀، والأثر ضعيف (١).
«إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»: هذا حد للطيرة المنهي عنها، وهي أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده، ويمنعه من المضي فيه كذلك.
«مناسبة الحديث للباب: حيث دل الحديث على تحريم الطيرة إذا دفعت صاحبها أو منعته.
مناسبة الحديث للتوحيد: حيث أنكر الحديث الطيرة؛ لأنها تعليق القلب بغير الله وذلك شرك به» (٢).
стр. 310
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم التنجيم، وذلك بذكر ما يجوز منه وما لا يجوز، وذكر ما جاء من الوعيد في النوع المحرم منه (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنَّه لمَّا كان بعض التنجيم باطلًا، لِما فيه من دعوى مشاركة الله في علم الغيب، وتعلُّق القلب بغير الله، ونسبة التصرف إلى النجوم، وذلك ينافي التوحيد، ناسب أن يُعقد له بابٌ هنا يبين فيه الممنوع والجائز منه، ليكون المسلم على بصيرةٍ من ذلك» (٢).
وأما علاقته بالأبواب السابقة: فنجد أن كل الأبواب السابقة القريبة مثل باب الكهان، وذكر العرافين ونحوهم؛ مرتبطة بادعاء الغيب لغير الله تعالى، ومن جملة ذلك التنجيم؛ لأن المنجم يدعي معرفة الغيب بمجرد نظره في النجوم، فناسب ذكر التنجيم بعد الأبواب السابقة.
والتنجيم نوعان:
النوع الأول: علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، وهذا باطل ودعوى لمشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله، ولما فيه من فساد العقل؛ لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان.
стр. 311
وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يعتقد في هذه النجوم أنها مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث من خيرٍ وشرٍّ:
فهذا شرك أكبر؛ لأن من ادعى أن مع الله خالقًا؛ فهو مشرك شركًا أكبر؛ حيث جعل المخلوق المسخر خالقا مُسَخِّرًا.
القسم الثاني: أن يعتقد أنها سبب لمعرفة علم الغيب؛ فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا؛ لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول: هذا الإنسان ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة؛ لأنه ولد في النجم الفلاني؛ فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة.
القسم الثالث: أن يعتقدها سببًا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء نسب سببه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه؛ فهذا شرك أصغر (١).
النوع الثاني: علم التسيير: وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات، فهذا النوع لا بأس به، بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع، إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات، أو إلى الاهتداء به في الجهات (٢).
стр. 312
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية؛ فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة؛ فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة؛ فهذا فيه فائدة عظيمة.
القسم الثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية؛ فهذا لا بأس به.
وهو نوعان:
النوع الأول: أن يستدل بها على الجهات: كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالا، وهكذا؛ فهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
النوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر؛ فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون.
والذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل: طلع النجم الفلاني؛ فهو وقت الشتاء أو الصيف، وأن بعض العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد أو بالحر أو بالرياح، والصحيح عدم الكراهة (١).
وبناء على التقسيم السابق؛ يتضح لطالب العلم الفرق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه، وبين ما أباحه أو استحبه أو أوجبه، فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني.
стр. 313
قَالَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. انْتَهَى.
•---------------------------------•
أثر قتادة: أخرجه البخاري تعليقًا في صحيحه (١).
«خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا»: هذا كله في كتاب الله :
أما كونها «زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ»: ففي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [المُلك: ٥].
وكونها «عَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا»: ففي قوله سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
قال ابن جرير: «اختلف أهل التأويل في المعني بالعلامات ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره عدَّد على عباده من نعمه إنعامه عليهم بما جعله لهم من العلامات التي يهتدون بها، فكل علامة استدل بها الناس على طرقهم وفجاج سبلهم، فداخل في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ والطرق المسبولة الموطوءة علامة للناحية المقصودة، والجبال علامات يهتدى بهن إلى قصد السبيل، وكذلك النجوم بالليل، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار» (٢).
стр. 314
وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ القَمَرِ, وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ، ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا. وَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
•---------------------------------•
«مناسبة الأثر للباب: حيث أفاد الأثر رأي قتادة أنه لا يجوز الاعتقاد في النجوم أكثر من الأمور الثلاثة المذكورة.
ومناسبة الأثر للتوحيد: حيث أنكر قتادة ما يدعيه أهل التنجيم من علم الغيب؛ لأن ذلك إشراك مع الله في علم الغيب» (١).
مسألة: اختلف السلف في تعلم منازل القمر على رأيين:
الرأي الأول: كراهة تعلم منازل القمر:
وهو قول قتادة، وسفيان بن عيينة، كما أشار إليه المصنف.
ومنعهم من ذلك من باب سد الذريعة، خشية أن يتدرج الأمر بالعامة من اعتقاد ما يجوز فيها إلى اعتقاد ما لا يجوز، كالقول بأنها تؤثر في الكون، وأنها هي التي تأتي بالمطر والبرد أو الرياح، ونحو ذلك من الأقوال الشركية الكفرية.
الرأي الثاني: جواز تعلم منازل القمر:
وهو قول النخعي، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق.
والصحيح الجواز وعدم الكراهة؛ لما فيه من فوائد، ولعدم وجود أمر يجعله ممنوعًا (٢).
стр. 315
وَعَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ? : «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ, وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
•---------------------------------•
قال شيخنا ابن عثيمين: «والصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر؛ لأنه لا شرك فيها؛ إلا إن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصول البرد، وأنها هي الجالبة لذلك؛ فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها: هل هو الربيع، أو الخريف، أو الشتاء؛ فهذا لا بأس به» (١).
فإن قيل ما علاقة هذا الخلاف بالباب: قيل: إن المصنف ﵀ أراد أن يوضح أنه إذا كان العلماء قد اختلفوا في هذا النوع المباح في أصله من علم التنجيم ألا وهو علم التسيير، والذين منعوه منعوه سدًّا لذريعة الشرك بالله، فما بالك بتعلم علم التأثير المحرم الذي ينبني على الشرك والكفر الصراح، إن هذا لأشد وأخطر بكثير من علم التسيير؟ ! (٢).
«وَعَنْ أَبِي مُوسى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ » الحديث رواه أحمد وابن حبان وغيرهما من طريق الفضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، عن أبي بردة، عن أبي موسى. وأبو حريز هو عبد الله بن حسين، وقد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، وأعدل الأقوال فيه ما ذكره الدارقطني أنه ضعيف ضعفًا يسيرًا (٣)؛ ولذا صحح الحديث الحاكم، وأقره الذهبي.
стр. 316
«لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ»: أي لا يدخلون ابتداءً مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب؛ حتى يُطَهروا بالنار (١).
وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال: القول الأول: هذا الوعيد فيمن استحل هذا الفعل.
القول الثاني: إن هذا من باب أحاديث الوعيد التي تُمر كما جاءت ولا يتعرض لمعناها.
وهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٢)، وقال شيخنا ابن عثيمين: ضعيف (٣).
القول الثالث: لا يدخلون ابتداءً، ولكنهم يدخلون الجنة دخولًا يسبقه عذاب بقدر ذنوبهم، ثم مرجعهم إلى الجنة؛ وذلك لأن نصوص الشرع يُصدق بعضها بعضًا، ويلائم بعضها بعضًا.
стр. 317
قال شيخنا ابن عثيمين- معلقًا على هذا القول-: «وهذا أقرب إلى القواعد وأَبْيَن؛ حتى لا تبقى دلالة النصوص غير معلومة» (١).
وخلاصة المسألة: يمكن إن يقال: أن الراجح هو القول الثالث، والعامة تذكر لهم هذه النصوص ولا تشرح، من باب الزجر والردع؛ حتى لا يتجرأوا على محارم الله، وأما طلبة العلم فَيُبَيَّن لهم أَنَّ هذه النصوص لها معنىً واضح، وهو أن من فعل هذه الأمور، وكان مُوَحِّدًا فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه ما شاء أن يعذبه ثم يدخل الجنة، فلا يدخل الجنة ابتداءً، وإن شاء غفر له، فهذا مقتضى آية النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لأن هذه النصوص المتوافرة المتواترة من الكتاب والسنة دَلَّت على عدم خلود الموحدين في النار، وهذا اعتقاد أهل السنة في هذا الباب خلافًا للمعتزلة والخوارج ومنهم الإباضية في هذا العصر، وهم في سلطنة عُمَان وغيرها، وقد كتب مفتيهم الخليلي كتاب (الحق الدامغ) قَرَّر فيه تكفير مرتكب الكبيرة وخلوده في النار! .
«وَقَاطِعُ الرَّحِمِ»: المقصود بهم القرابة، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وقطع الرحم أعم من العقوق (٢).
стр. 318
«وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ»: «أي قابل لما يدعيه الساحر من الآثار سواء عمل به أو لم يعمل، وسواء تعلمه أو لم يتعلمه، ففيه أنه يجب تكذيب الساحر ورد ما يزعمه، وما عرف من الآثار أنه حقيقة فإنه يجب أن يعلم أنه بإذن الله لا بسحر الساحر» (١).
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه نص على أن المصدق بالسحر لا يدخل الجنة، ومن السحر التنجيم والاعتقاد في النجوم (٢).
стр. 319
بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم الاستسقاء بالأنواء وأنه من الكفر بالله تعالى الذي ينافي التوحيد، وقد يكون كفرًا أكبر، أو أصغر بحسب الحال.
والاستسقاء: هو طلب السُّقْيَا، كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العَوْذ، والاستهداء: طلب الهداية.
والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر، إذا سقط منها واحد سُمِّيَ نوءًا، وعددها ثمانيةٌ وعشرون.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن نسبة نزول المطر إلى النوء أو النجم على وجه اعتقاد أن له تأثيرًا في نزوله يُعَدُّ شركًا أكبر مخرجًا من الملة، ومنافيًا لأصل التوحيد، كاعتقاد جلب النفع أو دفع الضر في الأموات والغائبين، وكذلك نسبة نزول المطر إلى النوء بجعله سببًا في ذلك- من دون اعتقاد التأثير- يعدُّ شركًا أصغر؛ لأنه تعلقٌ للقلب بغير الله والتفاتٌ عنه إلى غيره، وهذا منافٍ لكمال التوحيد الواجب (١).
وعلاقة الباب بما قبله: أَنَّ الاستسقاء بالأنواء -وهو طلب السقيا- نوعٌ من أنواع التنجيم؛ لأنه نسب إنزال المطر إلى النجم، وذلك من السحر أيضًا. فالتنجيم بالمعنى العام يدخل في مفهوم السحر (٢) اللغوي لخفائه.
стр. 320
وبين هذا الباب والذي قبله عمومٌ وخصوص: فـ هذا الباب يُعَدُّ نوعا من أنواع الباب الذي قبله، وهو (باب ما جاء في التنجيم)، فالباب الأول عام في كل ما يعتقد في النجوم من الكفر والضلال والباطل من استسقاء وغيره، وهذا الباب خاص بمسألة واحدة، وهي الاستسقاء بالنجوم (١).
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر: وله صورتان:
الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا، اسقنا أو أغثنا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعاء لغير الله.
الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعُها؛ فهذا شرك أكبر في الربوبية.
القسم الثاني: شرك أصغر: وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل؛ لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الشارع سببًا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركًا أصغر.
وهناك نوعٌ ليس شركًا (لا أكبر ولا أصغر): وهو نسبة المطر إلى النوء نسبة وقت، فتقول: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا»، أي: جاءنا المطر في وقت هذا النوء (٢)، (لا إيجادًا ولا سببًا)، ويستعين أهل الزراعة في بعض البلدان بهذه الأنواء في معرفة أوقات الأمطار، ولكن يبقى أن استعمال هذا التعبير: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا» فيه كراهة لثلاثة أسباب: