«لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ»: أي لا يدخلون ابتداءً مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب؛ حتى يُطَهروا بالنار (١).
وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال: القول الأول: هذا الوعيد فيمن استحل هذا الفعل.
القول الثاني: إن هذا من باب أحاديث الوعيد التي تُمر كما جاءت ولا يتعرض لمعناها.
وهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٢)، وقال شيخنا ابن عثيمين: ضعيف (٣).
القول الثالث: لا يدخلون ابتداءً، ولكنهم يدخلون الجنة دخولًا يسبقه عذاب بقدر ذنوبهم، ثم مرجعهم إلى الجنة؛ وذلك لأن نصوص الشرع يُصدق بعضها بعضًا، ويلائم بعضها بعضًا.
стр. 317
قال شيخنا ابن عثيمين- معلقًا على هذا القول-: «وهذا أقرب إلى القواعد وأَبْيَن؛ حتى لا تبقى دلالة النصوص غير معلومة» (١).
وخلاصة المسألة: يمكن إن يقال: أن الراجح هو القول الثالث، والعامة تذكر لهم هذه النصوص ولا تشرح، من باب الزجر والردع؛ حتى لا يتجرأوا على محارم الله، وأما طلبة العلم فَيُبَيَّن لهم أَنَّ هذه النصوص لها معنىً واضح، وهو أن من فعل هذه الأمور، وكان مُوَحِّدًا فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه ما شاء أن يعذبه ثم يدخل الجنة، فلا يدخل الجنة ابتداءً، وإن شاء غفر له، فهذا مقتضى آية النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لأن هذه النصوص المتوافرة المتواترة من الكتاب والسنة دَلَّت على عدم خلود الموحدين في النار، وهذا اعتقاد أهل السنة في هذا الباب خلافًا للمعتزلة والخوارج ومنهم الإباضية في هذا العصر، وهم في سلطنة عُمَان وغيرها، وقد كتب مفتيهم الخليلي كتاب (الحق الدامغ) قَرَّر فيه تكفير مرتكب الكبيرة وخلوده في النار! .
«وَقَاطِعُ الرَّحِمِ»: المقصود بهم القرابة، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وقطع الرحم أعم من العقوق (٢).
стр. 318
«وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ»: «أي قابل لما يدعيه الساحر من الآثار سواء عمل به أو لم يعمل، وسواء تعلمه أو لم يتعلمه، ففيه أنه يجب تكذيب الساحر ورد ما يزعمه، وما عرف من الآثار أنه حقيقة فإنه يجب أن يعلم أنه بإذن الله لا بسحر الساحر» (١).
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه نص على أن المصدق بالسحر لا يدخل الجنة، ومن السحر التنجيم والاعتقاد في النجوم (٢).
стр. 319
بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم الاستسقاء بالأنواء وأنه من الكفر بالله تعالى الذي ينافي التوحيد، وقد يكون كفرًا أكبر، أو أصغر بحسب الحال.
والاستسقاء: هو طلب السُّقْيَا، كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العَوْذ، والاستهداء: طلب الهداية.
والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر، إذا سقط منها واحد سُمِّيَ نوءًا، وعددها ثمانيةٌ وعشرون.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن نسبة نزول المطر إلى النوء أو النجم على وجه اعتقاد أن له تأثيرًا في نزوله يُعَدُّ شركًا أكبر مخرجًا من الملة، ومنافيًا لأصل التوحيد، كاعتقاد جلب النفع أو دفع الضر في الأموات والغائبين، وكذلك نسبة نزول المطر إلى النوء بجعله سببًا في ذلك- من دون اعتقاد التأثير- يعدُّ شركًا أصغر؛ لأنه تعلقٌ للقلب بغير الله والتفاتٌ عنه إلى غيره، وهذا منافٍ لكمال التوحيد الواجب (١).
وعلاقة الباب بما قبله: أَنَّ الاستسقاء بالأنواء -وهو طلب السقيا- نوعٌ من أنواع التنجيم؛ لأنه نسب إنزال المطر إلى النجم، وذلك من السحر أيضًا. فالتنجيم بالمعنى العام يدخل في مفهوم السحر (٢) اللغوي لخفائه.
стр. 320
وبين هذا الباب والذي قبله عمومٌ وخصوص: فـ هذا الباب يُعَدُّ نوعا من أنواع الباب الذي قبله، وهو (باب ما جاء في التنجيم)، فالباب الأول عام في كل ما يعتقد في النجوم من الكفر والضلال والباطل من استسقاء وغيره، وهذا الباب خاص بمسألة واحدة، وهي الاستسقاء بالنجوم (١).
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر: وله صورتان:
الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا، اسقنا أو أغثنا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعاء لغير الله.
الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعُها؛ فهذا شرك أكبر في الربوبية.
القسم الثاني: شرك أصغر: وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل؛ لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الشارع سببًا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركًا أصغر.
وهناك نوعٌ ليس شركًا (لا أكبر ولا أصغر): وهو نسبة المطر إلى النوء نسبة وقت، فتقول: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا»، أي: جاءنا المطر في وقت هذا النوء (٢)، (لا إيجادًا ولا سببًا)، ويستعين أهل الزراعة في بعض البلدان بهذه الأنواء في معرفة أوقات الأمطار، ولكن يبقى أن استعمال هذا التعبير: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا» فيه كراهة لثلاثة أسباب:
стр. 321
وَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
•---------------------------------•
١ - لأنه من المناهي اللفظية الواردة بنص هذا الحديث.
٢ - ذريعة للشرك بالله تعالى.
٣ - لفظ موهم محتمل.
والحاصل أَنَّ نسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - نسبة إيجاد: أي أَنَّ هذه الأنواء هي الموجدة للأمطار، فهذا شركٌ أكبر.
٢ - نسبة سبب: أي أَنَّ هذه الأنواء سببٌ في حصول الأمطار، فهذه من الشرك الأصغر.
٣ - نسبة وقت: أي أَنَّ هذه الأنواء وقتها يناسب وقت حصول الأمطار، فهذا ليس بشرك، ولكن يكره التلفظ بذلك للأسباب المذكورة آنفًا (١).
وَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فسر النبي ﷺ هذه الآية كما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾: يَقُولُ: «شُكْرَكُمْ»، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: تَقُولُونَ: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا» (٢).
«وهذا أولى ما فُسِّرَت به الآية، وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم.
стр. 322
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»، وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
وهو قول جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية على الترجمة، فالمعنى على هذا: وتجعلون شكركم لله على ما أنزل إليكم من الغيث والمطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه إلى غيره» (١).
«وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ... » الحديث رواه مسلم كما أشار المؤلف، وهو يدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء (٢).
«مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ»: أي: من أفعالهم وخصالهم التي اعتادوها.
وإضافتها إلى الجاهلية، الغرض منه التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: (فِعلُك فعل الجاهلية) لا شك أنه يغضب؛ إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا أن يُنْسَب إلى الجاهلية.
وفيه دليل أن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يُوجب ذلك كفره ولا فسقه، فمن صور الجاهلية: حكم الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وحمية الجاهلية، ودعوى الجاهلية.
стр. 323
وقوله: «لَا يَتْرُكُونَهُنَّ»: معناه: «أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية، فإنه إن تركهن طائفة باشرهن آخرون» (١).
«الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ»: «أي الشرف بالآباء، والتعاظم بِعَدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم» (٢).
«وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ»: أي: أن يدخل الإنسان العيب في أنساب الآخرين؛ فيحتقر آباء غيره، ويعظم آباءه (٣).
ولهذا لما عيَّر أبو ذر ﵁ رجلًا بأمه، قال النبي ﷺ لأبي ذر: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» (٤). فدل ذلك أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية، وأن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره وفسقه.
«وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ»: هو توقع نزول الأمطار بظهور النجوم والأنواء، كما كانوا يقولون: مُطِرْنَا بنوء كذا (٥).
стр. 324
وَلَهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، ................................
•---------------------------------•
«وَعَلَيْهَا سربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»: السربال واحد السرابيل، وهي الثياب والقُمُص؛ يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيصير لهن كالقميص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم ورائحتهن أنتن وأَلَمَهُنَّ بسبب الجرب أشد (١).
وروي عن ابن عباس: أن القطران هو النحاس المذاب (٢).
والجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق الإنسان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به؛ فكيف ومعه قطران؟ !
والحكمة أنها لما لم تُغطِّ المصيبة بالصبر غُطيت بهذا الغطاء؛ سربال من قطران ودرع من جرب؛ فكانت العقوبة من جنس العمل.
قوله: «وَلَهُمَا»: أي البخاري ومسلم (٣).
«بِالحُدَيْبِيَةِ»: هي مكان على بعد (٢٢) كيلًا غرب مكة، بعضه في الحل وبعضه في الحرم، ويُعرف الآن بـ (الشميسي) (٤).
стр. 325
فَلَمَّا انْصرفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ » , قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ».
•---------------------------------•
«عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ»: (إِثْر) -بكسر الهمزة وسكون الثاء، أو فتح الهمزة وفتح الثاء؛ تصح على الوجهين- من الأثر الباقي من رسم الشيء؛ تقول: خرجت في إثر فلان وأثره: إذا تبعته وقصدت قصده وسلكت طريقه (١).
والمراد بالسماء المطر، أي في أثر مطرٍ وغيثٍ، والعرب تسمي المطر سماء لأنه نزل منها قال الشاعر:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرض قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا (٢)
«مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا»: الباء للسببية أي قال ذلك على وجه السبب أن الأنواء سبب لنزول المطر.
قوله: «فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ»: يحمل على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يعتقد أن النوء هو الموجد للمطر والمنشئ للسحاب فذلك كافر كفرًا أكبر يستاب فإن تاب وإلا قتل.
والوجه الثاني: أن يعتقد أن النوء هو سببٌ لنزول الأمطار، وهي من الله، فهذا كافر كفرًا أصغر كفر نعمة، لا يخرجه عن الملة (٣).
стр. 326
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾.
•---------------------------------•
ومناسبة الحديث السابق للباب: أن الحديث جعل نسبة المطر إلى الأنواء كفرًا بالله تعالى، إما كفر أصغر وهو كفر النعمة باعتقاد أن الأنواء سبب في المطر، أو كفر أكبر مخرج من الملة باعتقاد أن الأنواء هي الموجدة للمطر (١).
قوله: «وَلَهُمَا» أي: البخاري ومسلم، هذا وهم من المصنف ﵀، فالحديث في صحيح مسلم وحده (٢).
«لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا»: أي صدق وصَحَّ هذا النجم في وقوع المطر، فكأنه جعل هذا النوء هو الذي أنزل المطر، أو كان سببًا في إيجاده، وهذا مثل قول بعضهم في كتب المواقيت: (هذا نَوْءُهُ صادق)، فإن هذا من الشرك الأصغر (٣).
«فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾»: الشاهد في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
стр. 327
قال ابن الصلاح: «ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، كما توهمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه، فإن الأمر في معنى ذلك وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل من ذلك قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول؛ فذكر الجميع من أجل ذلك. ومما يدل على هذا: أَنَّ في بعض الروايات عن ابن عباس في ذلك الاقتصار على هذا القدر فحسب» (١).
ومن ثم: فبقية الآيات لا تعلق لها بهذا الباب، والآية التي هي موضع الشاهد سبق تفسيرها في بداية الباب.
والخلاصة: أنَّ الآية تدل على كفر من نسب النعم إلى غير الله، ومنها نسبة المطر إلى الأنواء، على التفصيل السابق في أنواع النسبة.
стр. 328
بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ,
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان أن المحبة هي أحد أنواع العبادة، بل هي من أصول العبادة؛ ومن ثم من أحب مع الله غيره يكون قد أشرك بالله تعالى شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، ويمكن أن يُعَنْوَن لهذا الباب بـ (باب الشرك في المحبة) (١).
أقسام المحبة:
المحبة قسمان: مشتركة، وخاصة:
فالمشتركة ثلاثة أنواع:
أحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك فهذه محبة جبل عليها البشر.
الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده، وهي أيضًا من أنواع المحاب الطبيعية.
الثالث: محبة أنس وألفة، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا. فهذه الأنواع الثلاثة التي تصلح للخلق.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه وأحبهم إليه الصديق ﵁ (٢).
стр. 329
القسم الثاني: المحبة الخاصة: التي لا تصلح إلَّا لله، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله.
وهي محبة العبودية، المستلزمة للذل، والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا كما حققه ابن القيم ﵀ (١)؛ وهي التي سوى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ بواعث حب الله وأنها تكون في شيئين:
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به.
والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه ... فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة والظاهرة التي لا تعد ولا تحصى.
وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب، وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم، والحلم، والعفو (٢).
﴿يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾: الأنداد جمع ند وهو العَدْل والمثيل والنظير، ويشمل كل معبود من دون الله من آلهتهم، أو متبوع من سادتهم وكبرائهم (٣).
стр. 330
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ , إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
•---------------------------------•
والمعنى يتخذون هؤلاء آلهة يصرفون لهم العبادة من دون الله، أو سادة وكبراء جعلوهم أربابًا من دون الله يطيعونهم في التحليل والتحريم (١).
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أي يساوون بين هذه الأوثان وبين الله في المحبة، ويحبون آلهتهم كحبهم لله (٢).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾: والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون له حقًّا، ويحبون الله أشد من حب هؤلاء الكفار لأوثانهم (٣).
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ (٤).
﴿إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: الخطاب موجه إلى المسلمين بمكة المتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم أحب إليكم من الله ورسوله، ولكن الخطاب بعمومه يعم جميع المسلمين إلى يوم القيامة (٥).
стр. 331
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أي اكتسبتموها وحصلتموها بمكة، وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره (١).
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾: أي تجارةً تخشون فواتها وذهابها؛ لأنكم بهجرتكم وفراقكم لبلدكم ستتركونها (٢).
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: أي منازلكم بمكة التي تحبونها لجمالها وحسنها، وتعجبكم الإقامة فيها (٣).
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِي﴾: أي: من الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: هذا وعيد، أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: أي: بعذابه وعقوبته عاجلة أو آجلة.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الفاسقين الخارجين عن الطاعة، وهذا تهديدٌ لهؤلاء بحرمان الهداية (٤).
ومناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب محبة الله ورسوله، ووجوب تقديم محبتهما ومحبة ما يحبانهما، كما دلت على تحريم تقديم حب شيء من متاع الدنيا على حب الله ورسوله؛ لأن الحب من أصل العبادة، وصرفه لغير الله شركٌ (٥).
стр. 332
عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». أَخْرَجَاهُ.
•---------------------------------•
«عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: ... » الحديث رواه البخاري ومسلم (١).
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»: أي لا يكمل إيمان من يدعي الإيمان، ولا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب، والمراد نفي كمال الإيمان الواجب (٢).
«حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ»: المراد بهذه المحبة: المحبة الشرعية، وليس المراد بهذا المحبة الطبيعية؛ فإنه يجب على المسلمين أن يحبوا رسول الله ﷺ أكثر من أنفسهم وأولادهم (٣).
«مِنْ وَلَدِهِ»: «يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد؛ لأن تعلق القلب به أشد من تعلقه بأبيه غالبًا» (٤).
«وَوَالِدِهِ»: «يشمل أباه، وجده وإن علا، وأمه، وجدته وإن علت» (٥).
«وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»: هو من عطف العام على الخاص (٦).
стр. 333
وَلَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:
•---------------------------------•
«ومحبة رسول الله ﷺ تكون لأمور:
الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء؛ فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.
الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.
الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
الرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك» (١).
وخلاصة دلالة الحديث: وجوب محبة الله ورسوله، وتقديم محبتهما على ما سواهما؛ من الولد والوالد والناس أجمعين؛ وحقيقة الإيمان مشروطة بذلك؛ لأن المحبة عبادة، وصرفها لغير الله تعالى شرك أكبر (٢).
«وَلَهُمَا عَنْهُ»: أي البخاري ومسلم (٣).
«وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ»: هذا بمعنى حديث: ذاق طعم الإيمان (٤). «قال العلماء ﵏: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله ورسوله ﷺ ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله ﷺ » (٥).
стр. 334
أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
•---------------------------------•
«أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»: يحبهما محبةً قلبية حقيقية أكثر من أي شيءٍ آخر، ومن محبة الله ومحبة رسوله: الاستقامة على شريعته؛ بالتزام أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، ومحبة أهل ملته (١).
«وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله»: المقصود محبة المرء لأخيه لوجه الله، لا يحبه لقرابته، ولا لماله، ولا لجاهه، ولا لشيء من عرض الدنيا (٢).
«وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ»: أي يرجع أو يتحول، ومعناه يصير، وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة (٣)؛ فيكون الحديث عامًّا في حق من كان كافرًا ثم أسلم، أو المسلم المولود على الإسلام.
«بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ»: أي: أنقذه من الكفر «والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً؛ بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة» (٤).
«كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»: يرى أنه لو قُذِفَ في النار أهون عليه من أن يعود كافرًا بعد إسلامه.
стр. 335
وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى ... » إِلَى آخِرِهِ.
وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ فِي الله، .......................
•---------------------------------•
«وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ»: هذه الرواية في صحيح البخاري (١).
وخلاصة المقصود من الحديث: وجوب تقديم محبة الله ورسوله ﷺ على محبة ما سواهما، ومحبة المؤمنين في الله تعالى، وكراهة العود إلى الكفر (٢).
أثر ابن عباس عزاه المصنف لابن جرير، ولم أقف عليه في تفسيره، وهو عند غيره، بلفظ: «أَحِبَّ الله، وَأَبْغِضْ الله، وَعَادِ فِي الله، وَوَالِ فِي الله، فَإِنَّهُ لَا تُنَالُ وِلَايَةُ الله ... » (٣).
«مَنْ أَحَبَّ فِي الله»: أي: أحب المسلمين والمؤمنين في ذات الله ؛ لإسلامهم وإيمانهم.
стр. 336
وَأَبْغَضَ فِي الله، وَوَالَى فِي الله، وَعَادَى فِي الله، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ الله بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيْمَانِ، وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، ذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شيئًا». رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
•---------------------------------•
«وَأَبْغَضَ فِي الله»: أي: أبغض الكفار والمشركين والمنافقين في الله؛ لكفرهم وشركهم ونفاقهم (١).
«وَوَالَى فِي الله»: أي: أحب وناصر في الله، والموالاة هي لازم من لوازم المحبة في الله.
«وَعَادَى فِي الله»: «هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم، والبعد عنهم باطنًا وظاهرًا» (٢).
«فَإِنَّمَا تُنَالُ ولَايَةُ الله بِذَلِكَ»: (وَلاية) بفتح الواو من الوَلاية، أي توليه لعبده ومحبته ونصرته، وحكى بعضهم وجه آخر الولاية بكسر الواو من الإمارة (٣) والصواب أنها بالفتح (٤).
والمعنى: لا يحصل الإنسان على محبة الله ونصرته إلا بهذه الأمور (٥).
стр. 337
«وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيْمَانِ، وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ»: هذا مصداق حديث النبي ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ لله فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ» (١).
«وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا»: «وهذا هو الغالب على أكثر الخلق: محبة دنياهم، وإيثار ما يهوونه على ما يحبه الله ورسوله» (٢).
«ذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شيئًا»: أي ذلك يضرهم ولا ينفعهم في الدار الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزُّخرُف: ٦٧] (٣).
ويستفاد من أثر ابن عباس ﵄: أن لله تعالى أولياء، وهذا ثابت بنص القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فلله أولياء يتولون أمره، ويقيمون دينه، وهو يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
و«مناسبة الأثر للباب: أن حصول محبة الله لعبده ونصرته له مشروطٌ بأمور، منها:
أولًا: محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالقلب.
стр. 338
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ , قَالَ: (المَوَدَّةُ).
•---------------------------------•
ثانيًا: إظهار محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالفعل من مناصرة أوليائه وجهاد أعدائه» (١).
«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ... » كلام ابن عباس هذا (٢) يفسره ويوضحه بصورة أكبر كلام لقتادة ﵀ في تفسير هذه الآية:
قال قتادة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: أسباب الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابون بها، فصارت عليهم عداوة يوم القيامة، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضًا، ويتبرأ بعضكم من بعض، قال الله تعالى ذكره: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزُّخرُف: ٦٧]؛ فصارت كل خلة عداوة على أهلها إلا خلة المتقين» (٣).
وهذا كلام نفيس من قتادة ﵀ لا يحتمل المزيد.
و«مناسبة تفسير ابن عباس للباب وللتوحيد: أنه أفاد أن المودة إذا لم تكن لله سيخسرها صاحبها يوم القيامة؛ لأنها إشراك مع الله في المحبة» (٤).
стр. 339
بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان وجوب تعليق الخوف والخشية بالله وحده، والحذر من صرفهما للمخلوقين، وبيان أَنَّ صرف ذلك لغير الله تعالى هو عين الشرك.
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد جلية: وهي أَنَّ الخوف عبادة من العبادات التي لا ينبغي صرفها إلا لله تعالى، ولو صَرَفَهَا العبد لأحد من المخلوقين كان ذلك شركًا مناقضًا للتوحيد الخالص (١).
ثم مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله على وجه الخصوص: هي أَنَّ العبادة تقوم على عمودين: وهما عمودا المحبة والخوف، فلما ذكر المصنف في الباب السابق موضوع المحبة؛ ناسب أن يذكر هنا الخوف، فهذا الباب يُعَدُّ مكملًا لما قبله (٢).
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ هذه الآية فيها تقدير محذوف: (يخوفكم من أوليائه)، يعني أن: الشيطان يخوفكم بأوليائه، أو يعظم أولياءه في صدوركم فتخافوهم (٣).
وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هذا نهي من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمرٌ لهم أن يقصروا خوفهم على الله (٤).
стр. 340
والنهي يقتضي التحريم، والأمر يقتضي الوجوب.
قال ابن القيم ﵀: «ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوِّف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان» (١).
وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جعل الخوف منه شرطًا في الإيمان؛ لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، ولأن من عرف أن الخوف عبادة، وصرفه لغير الله شرك، لم يصرفه لغيره (٢)؛ «فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهم» (٣).
ومناسبة الآية للتوحيد: أنها دلت على وجوب إخلاص الخوف لله؛ لذا يكون الخوف نوعًا من العبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك (٤).
أقسام الخوف:
و الخوف من غير الله ينقسم إلى أربعة أقسام:
أحدها: خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء، فهذا الخوف لا يجوز تعليقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًّا يخافه هذا الخوف فهو مشرك.
стр. 341
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ١٨].
•---------------------------------•
وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل ﵊ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١].
الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلَّا لخوف من الناس، فهذا محرم.
الثالث: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، ونحو ذلك، فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١].
الرابع: خوفُ وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وهو من أعلى مراتب الإيمان.
قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الشاهد من هذه الآية هو قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يعني: ولم يخف في الدين غير الله، ولم يترك أمرًا لخشية الناس (١).
стр. 342
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية [العنكبوت: ١٠].
•---------------------------------•
فهنا نفي وإثبات، وهما يدلان على الحصر والقصر والاختصاص (١)، وهذا يدل على أن الخشية يجب أن تكون لله خالصة.
والمراد بالخشية في الآية خشية المحبة والتعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.
«والخشية نوع من الخوف، لكنها أخص منه، والفرق بينهما:
١) أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، والخوف قد يكون من الجاهل.
٢) أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي، بخلاف الخوف؛ فقد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخوف» (٢).
ودلالة الآية على مقصود الترجمة: هو أن الخشية خوفٌ مقرونٌ بعلم, وجعلها الله من وصف عامري مساجد الله مدحًا لهم بعد أن نفاها عن المشركين, فهي من عبادات المؤمنين التي يتقربون بها إلى الله، وصرف العبادة لغير الله شرك.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، دلالة الآية على مقصود الترجمة: أنها تتضمن ذمَّ من جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ فيترك الواجب عليه لخوفه منهم أن ينالوه بما يكره, وذلك من جملة الخوف من غير الله (٣).
стр. 343
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: ...........................................
•---------------------------------•
﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: أصابه بلاء من الناس بسبب إيمانه فافتتن، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة.
«عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا ... » الحديث عزاه المصنف لابن حبان، وهو عند غيره، وهو مرفوعًا ضعيف جدًّا (١)، وصح موقوفًا على ابن مسعود.
стр. 344
«إِنَّ مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ أَنْ تُرْضيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ الله، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ الله، إِنَّ رِزْقَ الله لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
•---------------------------------•
ودلالة الحديث على مقصود الترجمة أن ضعف اليقين يكون بضعف الإيمان, والإيمان يضعف إما بترك واجب أو فعل مُحَرَّم, فدل على أن إرضاء الناس بسخط الله معصية وذنب ومحرم، ولأن هؤلاء آثروا رضا المخلوقين على رضا الله, بسبب خوف أو رجاء، فيكون نوعًا من شرك الخوف.
«إِنَّ مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ» واليقين المراد به: الإيمان كله.
«تُرْضيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله» أي: تؤثر رضاهم على رضى الله، فتوافقهم على ترك المأمور، أو فعل المحظور استجلابًا لرضاهم (١)، وذلك بأن تترك شيئًا أوجبه الله عليك، أو تفعل شيئا حرمه الله عليك خوفا أو رجاء لغير الله تعالى، وتؤثر رضا المخلوق بما يسخط الخالق (٢).
ما نوع الباء في قوله: «بِسَخَطِ الله»؟
الباء للعوض، يعني: أي تجعل عوض إرضاء الناس سخط الله، فتستبدل هذا بهذا؛ فهذا من ضعف اليقين.
«وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ الله» أي: تحمدهم وتشكرهم على ما وصل إليك على أيديهم من رزق، بأن تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة وهو الله رب العالمين الذي قدر هذا الرزق لك، وأوصله إليك. قال سبحانه: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
стр. 345
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
•---------------------------------•
«وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ الله» أي: إذا طلبتهم شيئًا فمنعوك ذممتهم على ذلك.
قوله: «إِنَّ رِزْقَ الله لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ» فالذي يرزق هو الله تعالى، وكم من إنسان يفعل أسبابًا كثيرة للرزق ولا يرزق، وكم من إنسان يفعل أسبابًا قليلة فيرزق، وكم من إنسان يأتيه الرزق بلا سعي.
وقوله: «وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» أي: أن رزق الله إذا قدر للعبد، فلن يمنعه كراهية كاره؛ فكم من إنسان حسده الناس، وحاولوا منع رزق الله، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا.
«وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ... » الحديث رواه ابن حبان وغيره، وهو حسن (١).
стр. 346
«مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
•---------------------------------•
«مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ» أي: طلب أسباب رضاه (١)، ولو سخط منه الناس، وهذا شرط.
«﵁ وَأَرْضى عَنْهُ النَّاسَ» وهذا ظاهر، فإذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة ﵁؛ لأنه أكرَمُ مِنْ عَبْدِه، وأرضى عنه الناس، وذلك بما يلقي في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته (٢). وهذا جواب الشرط.
«وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله» أي: طلب ما يرضي الناس، ولو كان يسخط الله.
стр. 347
فنتيجة ذلك أن يعامل بنقيض قصده، لهذا قال: (سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)؛ فألقى في قلوبهم سخطه وكراهيته.
مناسبة الحديث للترجمة: قوله: «ومن التمس رضا الناس بسخط الله»؛ أي: خوفًا منهم حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى (١).
стр. 348
بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان أَنَّ التوكل -الذي هو الاعتماد المطلق- عبادة من العبادات التي تصرف لله تعالى، وهو من أعظم العبادات، ومن أعلى مقامات التوحيد، وصَرْفُه لغير الله تعالى شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ التوكل عبادةٌ يجب صرفها لله وحده، والتوكل على غير الله يعد قدحًا في التوحيد، بل نقضًا له، ووقوعًا في الشرك بالله تعالى (١).
ومناسبة الباب للأبواب السابقة: أَنَّ المصنف بدأ الباب السابق بالخوف من الله، والذي قبله بمحبة الله، ثم ثَلَّثَ بهذا الباب المتعلق بالتوكل، وهذه الأشياء الثلاثة يجمعها أنها من أعظم أعمال القلوب المرتبطة بعبادة الله تعالى، ولذلك ناسب أن يذكرها متتابعة على هذا النسق.
والتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار.
قال السعدي ﵀: «التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان، وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه، ويتم توحيده» (٢).
قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مناسبة الآية لمقصود الترجمة من وجهين:
الأول: أن هذه الآية أمرت بالتوكل على الله وحده، ودلت على وجوبه، وأنه عبادة تصرف لله وحده، وصرفها لغيره شركٌ.
стр. 349
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
•---------------------------------•
والثاني: أنها جعلت التوكل شرط الإيمان؛ لأنه لا يصح إلا به، وما كان شرطًا للإيمان فهو عبادة (١).
والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٢):
الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، وهذا خاص بالله؛ ومن صرفه لغير الله فهو مشرك شركًا أكبر.
الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، واعتقاد أنه سبب رزقه مع اعتماد القلب عليه اعتمادًا غير مطلق، فإن كان مطلقًا فهو الشرك الأكبر، وإن كان غير مطلق فهو شركٌ أصغر.
الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصًا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه جعله نائبًا عنه.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾: المؤمنون الصادقون في إيمانهم (٣).
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي خافت، وفرقت (٤).
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: فيه إثبات أن الإيمان يزيد ويتفاضل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه إجماعهم حكاه الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم (٥).
стр. 350
وَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
•---------------------------------•
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: هذا محل الشاهد من الآية للباب، فهي مثل الآية التي قبلها: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] (١)، وفي الآيتين تقديم وتأخير، فالأصل تقديم الفعل وتأخير الجار والمجرور، والقاعدة تقول: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، والقصر، والاختصار، فيكون المعنى أن التوكل خاص بالله مقتصر عليه، وصرفه لغيره شرك، وهذا هو وجه الدلالة من الآية.
قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: أي أن الله تعالى كافيك بالنصر والعون لك (٢).
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذه فيها وجهان:
الأول: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين؛ فتكون (مَن) في موضع نصب.
والثاني: يكفيك الله أن تتوكل عليه، ويكفيك المؤمنون أن تقاتل بهم؛ فتكون (مَن) في موضع رفع (٣).
والصواب القول الأول (٤).
ومطابقة الآية للترجمة: أن الله تعالى حَسْبُ من توكل عليه وكافيه وناصره؛ فدل ذلك على أن الله سبحانه أمر عباده بإفراده بالحسب؛ حتى يكون كافيهم من أعدائهم؛ وهذا هو التوكل عليه (٥).
стр. 351
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» , قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية. رَوَاهُ البُخَارِيُّ, وَالنَّسَائِيُّ.
•---------------------------------•
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]: «أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش» (١).
ومناسبة الآية للباب: أنها دلت على وجوب التوكل على الله؛ لأن الله بالتوكل يحفظ عبده ويكفيه (٢).
قوله: «وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ» أثر ابن عباس رواه البخاري والنسائي (٣) كما ذكر المصنف.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وقول ابن عباس ﵄: (إن إبراهيم قالها حين ألقى في النار) قول لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع» (٤).
«حَسْبُنَا اللهُ» أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه.
стр. 352
«وَنِعْمَ الوَكِيلُ» أي: نعم الموكل إليه المتوكل عليه (١).
قوله: (وقالها محمد ﷺ حين قالوا له ... الحديث) هذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أُحُد أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبًا، فقال لهم: إلى أين تذهبون؟ قالوا: نذهب إلى المدينة، قال: بلغوا محمدًا وأصحابه أنَّا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم؛ فقال رسول الله ﷺ ومن معه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وخرجوا في نحو سبعين راكبًا، حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة (٢)، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين؛ حيث اعتمدوا عليه تعالى.
ومناسبة الأثر للباب: أن «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، وهي كلمة التفويض، تدل على التوكل على الله في دفع كيد الأعداء (٣)، وصرفه لغير الله شرك.
стр. 353
بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ الأعراف: ٩٩].
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: الإشارة إلى أهمية جمع العبد المؤمن بين الخوف والرجاء؛ ذلك لأن ترك الخوف من الله يؤدي إلى أمن مكره، وترك الرجاء يؤدي إلى القنوط من رحمته تعالى، وكلاهما ينافيان كمال التوحيد.
فأرشد المؤلف إلى وجوب طيران العبد إلى الله تعالى بجناحين كجناحي طائر هما (الخوف، والرجاء)، وبغيرهما لا يصل إلى المولى ﵎ (١).
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أن عدم الخوف والرجاء المؤدي إلى أمن مكر الله والقنوط من رحمته ينافي كمال التوحيد وينقصه (٢).
قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هو الشاهد من الآية، وهي في سياق ما ذكره الله عن الأمم الكافرة التي أحل الله بها عقوباته من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هذا استنكار من الله سبحانه على من يغتر بالنعم وينسى العقوبة أن يأخذهم على غرة وهم آمنون منعمون، ثم ينقلهم من النعمة إلى النقمة، ومن الصحة إلى الألم والمرض، ومن الوجود إلى العدم.
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: لا يأمن عقوبة الله التي تنزل خفية ومن غير تأهب ومن غير توقع لها.
стр. 354
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجر: ٥٦].
•---------------------------------•
﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين حقت عليهم الخسارة التي لا ربح معها أبدا ولا نجاة منها أبدا (١).
ومناسبة الآية للباب: أنها نبهت على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح (٢). وهذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ هذا استفهام إنكار من الله ، وهو بمعنى النفي، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه (٣).
وللقنوط من رحمة الله واليأس من رَوْحه سببان محذوران:
أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها، فيقوده ذلك إلى القنوط.
стр. 355
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ؟ , فَقَالَ: «الشركُ بالله، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» رواه البزار.
•---------------------------------•
الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييأس من الرحمة.
فلو عرف هذا العبدُ ربه ولم يُخلِد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه (١).
قوله: «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄» حديث ابن عباس رواه البزار وغيره (٢)، وصححه بعضهم، إلا أن في سنده مقالًا (٣)، والأقرب أنه موقوف.