← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» , قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية. رَوَاهُ البُخَارِيُّ, وَالنَّسَائِيُّ. •---------------------------------• ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]: «أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش» (١). ومناسبة الآية للباب: أنها دلت على وجوب التوكل على الله؛ لأن الله بالتوكل يحفظ عبده ويكفيه (٢). قوله: «وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ» أثر ابن عباس رواه البخاري والنسائي (٣) كما ذكر المصنف. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وقول ابن عباس ﵄: (إن إبراهيم قالها حين ألقى في النار) قول لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع» (٤). «حَسْبُنَا اللهُ» أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه.

стр. 352

«وَنِعْمَ الوَكِيلُ» أي: نعم الموكل إليه المتوكل عليه (١). قوله: (وقالها محمد ﷺ حين قالوا له ... الحديث) هذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أُحُد أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبًا، فقال لهم: إلى أين تذهبون؟ قالوا: نذهب إلى المدينة، قال: بلغوا محمدًا وأصحابه أنَّا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم؛ فقال رسول الله ﷺ ومن معه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وخرجوا في نحو سبعين راكبًا، حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة (٢)، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين؛ حيث اعتمدوا عليه تعالى. ومناسبة الأثر للباب: أن «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، وهي كلمة التفويض، تدل على التوكل على الله في دفع كيد الأعداء (٣)، وصرفه لغير الله شرك.

стр. 353

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ الأعراف: ٩٩]. •---------------------------------• مقصود الترجمة: الإشارة إلى أهمية جمع العبد المؤمن بين الخوف والرجاء؛ ذلك لأن ترك الخوف من الله يؤدي إلى أمن مكره، وترك الرجاء يؤدي إلى القنوط من رحمته تعالى، وكلاهما ينافيان كمال التوحيد. فأرشد المؤلف إلى وجوب طيران العبد إلى الله تعالى بجناحين كجناحي طائر هما (الخوف، والرجاء)، وبغيرهما لا يصل إلى المولى ﵎ (١). ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أن عدم الخوف والرجاء المؤدي إلى أمن مكر الله والقنوط من رحمته ينافي كمال التوحيد وينقصه (٢). قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هو الشاهد من الآية، وهي في سياق ما ذكره الله عن الأمم الكافرة التي أحل الله بها عقوباته من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هذا استنكار من الله سبحانه على من يغتر بالنعم وينسى العقوبة أن يأخذهم على غرة وهم آمنون منعمون، ثم ينقلهم من النعمة إلى النقمة، ومن الصحة إلى الألم والمرض، ومن الوجود إلى العدم. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: لا يأمن عقوبة الله التي تنزل خفية ومن غير تأهب ومن غير توقع لها.

стр. 354

وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجر: ٥٦]. •---------------------------------• ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين حقت عليهم الخسارة التي لا ربح معها أبدا ولا نجاة منها أبدا (١). ومناسبة الآية للباب: أنها نبهت على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح (٢). وهذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ هذا استفهام إنكار من الله ، وهو بمعنى النفي، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه (٣). وللقنوط من رحمة الله واليأس من رَوْحه سببان محذوران: أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها، فيقوده ذلك إلى القنوط.

стр. 355

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ؟ , فَقَالَ: «الشركُ بالله، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» رواه البزار. •---------------------------------• الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييأس من الرحمة. فلو عرف هذا العبدُ ربه ولم يُخلِد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه (١). قوله: «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄» حديث ابن عباس رواه البزار وغيره (٢)، وصححه بعضهم، إلا أن في سنده مقالًا (٣)، والأقرب أنه موقوف.

стр. 356

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشراكُ بالله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله». رَوَاهُ عَبْدُ الرَزَّاقِ. •---------------------------------• «الشركُ بالله»: هو تنقيص لحق الربوبية والألوهية ولهذا بدأ به. «وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» أي: فقد الرجاء من الله فيما يخافه ويرجوه، والأمن من استدراج الله للعبد وسلبه إيمانه (١). ومناسبة الحديث للباب: أنه جعل اليأس من روح الله، والأمن من مكره من الكبائر، واجتماع الكبيرتين معًا أعظم من كبيرة ترك الخوف أو ترك الرجاء وحده (٢). قوله: «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁» أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق وغيره، وهو صحيح (٣).

стр. 357

«أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشراكُ بالله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله ... » إلخ. «في هذا الأثر ما في الحديث قبله، لكن هنا فصل في القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، فجعل القنوط من رحمة الله شيئا، وجعل اليأس من روح الله شيئا آخر، وهذا باعتبار بعض الصفات لا باعتبار أصل المعنى، وإلا فإن القنوط من الرحمة واليأس من الروح بمعنى واحد، لكن يختلفان من حديث ما يتناوله هذا ويتناوله هذا، فالقنوط من رحمة الله عام؛ لأن الرحمة أعم من الروح، والرحمة تشمل جلب النعم ودفع النقم، وروح الله جل وعلا يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب، فقوله: القنوط من رحمة الله هذا أعم؛ ولهذا قدمه فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام، أو أن يكون هناك ترادف في أصل المعنى، واختلاف في الصفات، أو بعض ما يتعلق باللفظ.

стр. 358

فهذا الحديث مع الحديث قبله والآيتين: دلالتهما على ما أراد المؤلف من عقد هذا الباب واحدة، ودلالة الجميع: أن الخوف والرجاء واجب اجتماعهما في القلب وإفراد الله جل وعلا بهما، والمقصود خوف العبادة، ورجاء العبادة» (١). وفي الأثر: التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس (٢).

стр. 359

بَابٌ مِنَ الإِيمَانِ باللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ الله وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان وجوب الصبر على أقدار الله ، وأَنَّ ذلك من كمال التوحيد، كما أن الجزع والتسخط وعدم الصبر ينافي كمال توحيد الله تعالى. ومراد المصنف بالأقدار هنا الأقدار المؤلمة لا الملائمة؛ لأن الأقدار الملائمة لا تحتاج إلى صبرٍ (١). ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أن الصبر على الأقدار من كمال التوحيد والجزع منافٍ لكماله، كما بَيَّنا (٢). وأما موافقة الباب للباب الذي قبله: فالمصنف ذكر في الباب السابق الأمنَ من مكر الله والقنوطَ من رحمته المنافيين لكمال التوحيد مشيرًا بذلك إلى الخوف والرجاء اللذين هما من كمال التوحيد؛ فناسب هنا أن يذكر الصبر على أقدار الله الذي هو من كمال التوحيد أيضًا، ليشير بذلك إلى أن الجزع منافٍ لكمال التوحيد. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ تمام الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. وهذه الآية قد فسرها المصنف بما أورده من أثر عن علقمة:

стр. 360

قَالَ عَلْقَمَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصيبُهُ المُصيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ الله، فَيَرْضى وَيُسَلِّمُ. •---------------------------------• أثر علقمة رواه عبد الرزاق وغيره وهو صحيح الإسناد (١). و«قوله: «هُوَ الرَّجُلُ تُصيبُهُ المُصيبَةُ ... » إلى آخره. هذا تفسير للإيمان المذكور في الآية، لكنه تفسير باللازم وهو صحيح؛ لأن هذا اللازم للإيمان الراسخ في القلب» (٢). و«مناسبة الأثر للباب: حيث دل الأثر على أن علقمة رحمه الله تعالى يرى أن الصبر على المصائب والتسليم من علامات الإيمان» (٣). و الصبر ثلاثة أنواع: أحدها: الصبر على أقدار الله، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨].

стр. 361

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ». •---------------------------------• وهو الذي عناه علقمة. والنوع الثاني: الصبر على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. والنوع الثالث: الصبر عن معصية الله. «وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» الحديث في صحيح مسلم (١) كما ذكر المصنف. «هُمَا» أي الاثنتان. «بِهِمْ كُفْرٌ» أي: هما بالناس، أي: فيهم كفر. «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ» أي: عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه في ظاهر الشرع ذكره بعضهم. «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك (٢). ومناسبة الحديث للترجمة: تظهر في الشاهد من الحديث، وهو قوله: «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ»؛ حيث دَلَّ الحديث على تحريم النياحة؛ لأن فيها الجزع والتسخط بالفعل كلطم الخدود وشق الجيوب، وباللسان بالتشكي والعويل والصراخ والولولة.

стр. 362

وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضربَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». •---------------------------------• وكل ذلك من التسخط المنافي للصبر على أقدار الله تعالى، ومن الكفر الأصغر المضاد للتوحيد (١). «وَلَهُمَا»: أي: البخاري ومسلم (٢). «لَيْسَ مِنَّا»: هذا من نصوص الوعيد، ومعناه: ليس على سنتنا وطريقتنا (٣)، وقد سبق ذكر أقوال أهل العلم في مثل هذا اللفظ. «مَنْ ضربَ الخُدُودَ» خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلَّا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك، بل ولو ضرب غير الوجه كالصدر فكما لو ضرب الخد. فعن أبي أمامة: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَعَنَ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا، وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا، وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ» (٤). فأمَّا الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب.

стр. 363

نصَّ عليه أحمد لما رواه في (مسنده) عن عائشة: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، وَقَالَ: وَا نَبِيَّاهْ، وَا خَلِيلَاهْ، وَا صَفِيَّاهْ» (١). وكذلك صح عن فاطمة ﵂ أنها ندبت أباها ﷺ فقالت: «يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ ... » الحديث (٢). واعلم أن الحديث المشروح لا يدل على النهي عن البكاء أصلًا، وإنما يدل على النهي عما يذكر في البكاء من التسخط ونحوه. قال شيخ الإسلام ﵀: «البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب ولا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه» (٣). ويدل لذلك قوله ﵊ لما مات ابنه إبراهيم: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَالله يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» (٤). «وَشَقَّ الجُيُوبَ»: الجيوب جمع جيب، وهو طوق القميص الذي يدخل منه الرأس، وذلك عند المصيبة تسخطا وعدم تحمل لما وقع عليه. «وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ»: المقصود بالدعوى هنا كل دعوى منشؤها الجهل (٥).

стр. 364

وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ ...... •---------------------------------• ومناسبة الحديث للباب: هو أن كلمة «لَيْسَ مِنَّا» تدل على أن هذه الأفعال من الكبائر؛ ولهذا فإن ترك الصبر وإظهار التسخط كبيرة من الكبائر، والمعاصي تنقص الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقص الإيمان ينقص كمال التوحيد، بل إن ترك الصبر مناف لكمال التوحيد الواجب (١). «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ... » الحديث رواه الترمذي وغيره (٢)، وفي سنده ضعف (٣)، وله شواهد يتقوى بها عن عبد الله بن مغفل عند أحمد وابن حبان.

стр. 365

عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشر أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه الترمذي. •---------------------------------• «عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ» أي: أسرعها بصب البلاء والمصائب عليه. «فِي الدُّنْيَا» «جزاء لما فَرَط منه من الذنوب، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافى به يوم القيامة، ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به؛ لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف جزاؤه عليه حتى يكفر عنه بالشوكة يشاكها» (١). وفي (المسند) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: «المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب؛ ولأنها تدعو إلى الصبر» (٣). وقال بعض السلف: «لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس» (٤). «وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشر أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ» فلا تنزل به عقوبة، مع أنه يعصي ويزني ويخالف أوامر الله ، ومع هذا ينعم ويصح في جسمه، ولا يمرض. وهذه علامة شر، من أجل أن تبقى عليه ذنوبه.

стр. 366

وَقَالَ النَّبِيُّ? : «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، ...................... •---------------------------------• «حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» يعني: يرجع إلى الله في الدار الآخرة وذنوبه عليه لم يحط عنه منها شيء، فيعذب بها يوم القيامة، فدل هذا على أن صحة الإنسان الدائمة ليست علامة خير (١) على إطلاقها. ودلالة الحديث على مقصود الترجمة: أن المصائب قد تكون خيرًا للعبد، فهي تعجيل عقوبة له في الدنيا، وتكفير لذنوبه، فهذا أدعى لأن يصبر عليها الإنسان ويحتسبها عند الله ، ويرجع إلى ربه. لأن مثل هذه الأحاديث يكون فيها تسلية للعبد المؤمن الذي يصاب بهذه المصائب؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فعندما يعلم الإنسان أنه أريد به خيرًا بهذه المصيبة يصبر ويحتسب (٢). قوله: «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ ... » هذا الحديث رواه الترمذي وغيره (٣)، وحكمه حكم الحديث السابق؛ لأنه جاء بالسند نفسه.

стр. 367

وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. •---------------------------------• «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ» أي: يتقابل عظم الجزاء مع البلاء، فكلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم. «وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية؛ كالأمراض ونحوها، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية (١). «فَمَنْ رَضي فَلَهُ الرِّضَا» أي من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء، فله الرضى من الله جزاء وفاقًا. «وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» سخط بكسر الخاء والسُّخْط هو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به، أي من سخط على الله فيما دبره، فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة (٢). ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان علامة محبة الله لعبده وبيان حكمته فيما يُجريه عليه من المكاره (٣).

стр. 368

بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وأنه منافٍ لكمال التوحيد. وقول المصنف: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ ... الخ) هكذا أطلق الترجمة، ولم يصرح بحكم الرياء، كأنه أراد من القارئ أن يحكم بنفسه في الرياء من خلال النصوص الواردة فيه (١). والرياء: إظهار العبادة بقصد رؤية الناس، أو التصنع للمخلوق؛ كالمسلم الذي يعمل لله، ويصلي لله، ولكنه يحسن صلاته وعمله ليمتدحه الناس. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وغرض الكتاب الحقيقي تبيين التوحيد وحقيقته، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر والأصغر. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر مثلكم، أي: في البشرية، ولكن الله مَنَّ عليَّ وفضلني بالرسالة، وليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له. ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى عبادته إله واحد لا شريك له. ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: من كان يخاف لقاء الله يوم القيامة (٢).

стр. 369

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا، قَالَ الله تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشركَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. •---------------------------------• ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما كان موافقًا لشرع الله، مقصودًا به وجهه. ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أن لا يرائي بعمله، بل لا بد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له. وخلاصة دلالة الآية: أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خاليًا من الشرك، ومن الشرك الرياء، فهو نوع من أنواع الشرك، والعبادة لا تصح إذا خالطها الرياء. «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا ... » الحديث عند مسلم، كما ذكر المصنف (١). وقوله: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ» لَمَّا كان المرائي قاصدًا بعمله الله تعالى وغيره، كان قد جعل لله تعالى شريكًا. «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي» أي: من قصد بذلك العمل الذي يعمله لوجهي غيري من المخلوقين. «تَرَكْتُهُ وَشركَهُ» وفي رواية لابن ماجه: «فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» (٢). والمعنى: تركته عن نظر الرحمة وتركت عمله المشترك عن درجة القبول. وما حكم العبادة إذا خالطها الرياء ؟ الجواب: أن مخالطة الرياء للعبادة تأتي على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل، كمن قام يصلي من أجل مراءاة الناس ولم يقصد وجه الله؛ فهذا شرك والعبادة باطلة.

стр. 370

الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة. فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها؛ فأولها صحيح بكل حال، والباطل آخرها. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال قد أعدها للصدقة، فتصدق بخمسين مخلصًا وراءى في الخمسين الباقية؛ فالأولى حكمها صحيح، والثانية باطلة. أمَّا إذا كانت العبادة يبنى آخرها على أولها؛ فهي على حالين: أ) أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه؛ فإنه لا يؤثر فيه شيئًا. مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه؛ فإن ذلك لا يضره ولا يؤثر في صلاته شيئًا. ب) أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه؛ فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن آخرها مبنى على أولها ومرتبط به. مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه، فاطمأن لذلك ونزع إليه؛ فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض. الثالث: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة؛ فإنه لا يؤثر فيها شيئًا، اللهم إلَّا أن يكون فيه عدوان؛ كالمنِّ والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلًا لأجر الصدقة، وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، ولكن قد ينقص الأجر.

стр. 371

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسيحِ الدَّجَّالِ؟ •---------------------------------• ومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن الرياء نوع من الشرك يبطل العمل الذي خالطه على صاحبه، ولا يقبله الله تعالى. «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا» الحديث رواه أحمد كما ذكر المصنف (١)، إسناده ضعيف.

стр. 372

قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: الشركُ الخَفِيُّ ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. •---------------------------------• وللحديث شاهد عن محمود بن لبيد عند ابن خزيمة (١) بلفظ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ»، وإسناده قوي. «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي» أي: عند الرسول ﷺ ؛ لأنه ﷺ من رحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة في الأرض هي فتنة المسيح الدجال، لكن خوف النبي ﷺ من فتنة هذا الشرك الخفي أشد من خوفه من فتنة المسيح الدجال، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدًّا؛ ولذلك قال بعض السلف: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص» (٢). «قَالَ: الشركُ الخَفِيُّ» سُمِّيَ الرياء شركًا خفيًّا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تَزَيَّنَ بإظهاره أنه لله، بخلاف الشرك الجلي (٣). «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ» يعني: بتطويلها، وزيادة الخشوع فيها؛ ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح (٤).

стр. 373

وخلاصة ما دل عليه الحديث: أن النبي ﷺ قد خاف علينا من أشياء كثيرة، وأخوف ما يخاف علينا الشرك الخفي وهو الرياء؛ لذا يجب اجتنابه والحذر منه، والاجتهاد الدائم في التوقي والحذر منه.

стр. 374

بَابٌ مِنَ الشركِ إِرَادَةُ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا •---------------------------------• مقصود الترجمة بيان أَنَّ فعل الإنسان للعمل الصالح بقصد الدنيا هو من الشرك الأصغر (١). وهذا الباب، «هو البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجهه أو نوى شيئًا غير التقرب لله وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته، والإخلاص أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإراداته ونياته وهذه هي في الحقيقة ملة إبراهيم» (٢). وقد يقول قائل: هذا الباب تكرارٌ للباب الذي قبله؛ لأنه داخلٌ في حكم الرياء. والجواب: أنه ليس هنالك تكرارٌ في الباب؛ لأنه يوجد فرقٌ بين هذه الترجمة والتي تسبقها، ووجه التفريق: هو أن الرياء المطروح في الباب السابق هو أن يعمل الإنسان عملًا ليراه الناس ويعظموه، وأما في هذا الباب فالإنسان يعمل عملًا صالحًا، ولكن يريد به الدنيا، كمن يطلب العلم لتحصيل وظيفةٍ، وكمن يجاهد للمال، ونحو ذلك. فَبَيْن البابين عمومٌ وخصوصٌ: فيفترقان فيما ذكرنا، ويجتمعان في أَنَّ كلا منهما عملٌ لغير الله، وكلاهما من الشرك الأصغر؛ ومن هنا تظهر مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد على وجه العموم، وللباب السابق على وجه الخصوص (٣).

стр. 375

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآيتين [هود: ١٥، ١٦]. •---------------------------------• ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي من كان يريد بعمله ثواب الحياة الدنيا (١). ﴿وَزِينَتَهَا﴾: هي لذاتها من: الطعام، والشراب، واللباس، والنكاح، والأثاث، والأموال، والأولاد (٢). ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: «أي نجازيهم على أعمالهم في الدنيا» (٣)، «وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات والمنافع» (٤). ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا ينقص من ثواب أعمالهم وحسناتهم التي عملوا شيء في الدنيا (٥). مناسبة الآيتين للباب: أنهما دلتا على أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة سيأخذ نصيبه من الدنيا كاملًا غير ناقص، ولكن سيبطل ثوابه في الآخرة، ويدخل النار، وشاهد ذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).

стр. 376

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة َ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضي وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسْ، وَإِذَا شيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ». •---------------------------------• حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح البخاري (١). «تَعِسَ» بكسر العين، ويجوز الفتح أي: هلك أو سقط على وجهه إذا عثر وانكب على وجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك. «عَبْدُ الدِّينَارِ» أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده (٢). وسماه عبدًا له؛ لكونه هو المقصود بعمله فصار عبدًا له؛ لأنه عبده بذلك العمل (٣). «عَبْدُ الخَمِيصَةِ»: -بفتح الخاء وكسر الميم- مفرد (خَمَائِص)، وهي ثوبٌ من الخز أو الصوف أسود مربع له أعلام وخطوط (٤). «عَبْدُ الخَمِيلَةِ»: جمعها خمائل، وهي أكسية فيها لين، ذات خَمْل، وهو الهدب المتعلق بها كالقطيفة، وقيل: هي القطيفة نفسها (٥).

стр. 377

«وَانْتَكَسْ»: أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تسير له، فكلما أراد شيئًا انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، وكلما قام من سقطته عاوده المرض والسقوط، أو خر وانقلب على رأسه بعد أن سقط، وهو دعاء عليه بالخيبة والخسران؛ لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر (١). «وَإِذَا شيكَ»: إذا أصابته شوكة. «فَلَا انْتَقَشَ»: أي إذا دخلت فيه شوكة لا يقدر على إخراجها بالمنقاش (٢)، والمقصود بذلك: أنه إذا وقع في الشر والبلاء، فلا خلاص له منه، وضرب بالشوك مثلًا؛ لأنه أهون ما يتصور في ذلك، فإذا نفى عنه عون الله له في الشوكة، فما كان أعظم منها أشد انتكاسًا وخذلانًا. وهذه الجمل الثلاث يحتمل أن تكون خبرًا منه ﷺ عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة وانتكاس وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله؛ لأنه لا يهتم إلَّا بالدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئًا وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه (٣). و«مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه ذم العمل لأجل الدنيا، ومدح العمل لأجل الآخرة» (٤).

стр. 378

بَابُ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ الله أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَه فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أَنَّ التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى وحده دون ما سواه؛ وبالتالي فإن من نصب نفسه محللًا أو محرمًا بلا شرعٍ من الله، فقد جعل نفسه ربًّا وشريكًا معه، ومن أطاعه في ذلك فقد جعله ربًّا وإلهًا مع الله، وهذا الشرك يسمى شرك الطاعة (١). وطاعة العلماء والأمراء تكون مشروعة إذا كانت في المعروف، وفي الأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة، وتكون محرمة إذا كانت في غير أمر الله، وهذه الطاعة المحرمة للأمراء والعلماء تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: طاعتهم فيما خالفوا فيه أمر الله مع اعتقاد صحته، وجعله دينًا، فهذا شركٌ أكبر. والقسم الثاني: طاعتهم فيما خالفوا فيه شرع الله مع عدم اعتقاد صحته ولا جعله دينًا ولكن كانت طاعتهم لهوًى أو شبهة، فهذا من الشرك الأصغر (٢).

стр. 379

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله? ، وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». •---------------------------------• «وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵂: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ... ». الأثر بهذا اللفظ لا يوجد مسندًا، وقد رواه أحمد وغيره، بنحوه (١).

стр. 380

«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ» أي: قاله لمن ناظره في متعة الحج وكان هو يأمر بها؛ لأمر الرسول ﷺ بها، فاحتج عليه المخالف بنهي أبي بكر وعمر عنها، واحتج ابن عباس بسنة رسول الله ﷺ . «يُوشِكُ» بضم الياء وكسر الشين. أي: يقرب ويدنو (١). «تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ» أي: من فوق تنزل عليكم عقوبة لكم (٢). ودلالة الأثر على مقصود الترجمة في قوله: «تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ» أي: عذابًا لكم جزاء معارضة قول رسول الله ﷺ بقول: أبي بكر وعمر, وتقديم طاعتهما على طاعته، وإذا كان هذا في حق من قدَّم طاعة الشيخين أبي بكر وعمر, فكيف بمن قدَّم طاعة العلماء والأمراء على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ؟ ! .

стр. 381

وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل: عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْي سُفْيَانَ، واللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ , أَتَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ الفِتْنَةُ الشركُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَوْلِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شيءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَهْلِكَ. •---------------------------------• روى هذا عن أحمد تلميذاه: الفضل بن زياد، وأبو طالب (١). «عَجِبْتُ» تعجب استنكار. «عَرَفُوا الإِسْنَادَ»، أي: إسناد الحديث وصحته، أي: صحة الإسناد، وصحته دليل على صحة الحديث في الأصل. «يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْي سُفْيَانَ»، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع (٢). ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ يرجع إلى الرسول ﷺ ، الذي مر ذكره في أول الآية. ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فسرها الإمام أحمد بالزيغ والشرك. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في أبدانهم، بالقتل في الدنيا، بأن يسلط الله عليهم من يستأصل شأفتهم ويقتلهم، إما من المؤمنين، وإما من غير المؤمنين، عقوبة لهم، فإن ماتوا ولم يقتلوا بأن يعذبوا في النار يوم القيامة (٣).

стр. 382

وَعَنْ عَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونه، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟ » , فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. •---------------------------------• حديث عدي رواه الترمذي وغيره (١)، وإسناده ضعيف.

стр. 383

ولكن معناه صحيح، وله شواهد، وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). «رَوَاهُ أَحْمَدُ» عزو الحديث لأحمد عند الإطلاق يراد به المسند، وهذا الحديث ليس في مسنده, والسيوطي في الدر المنثور (٢) لم يعزه إليه مع أنه عزاه إلى من هو دون أحمد. «وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ» الذي بين أيدينا من نسخ الترمذي تضعيف الحديث وليس تحسينه؛ قال الترمذي عقب إخراجه لهذا الحديث: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث» (٣). «وَعَنْ عَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ» صحابي شهير، يكنى أبا طريف، حسن الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة، وأبوه حاتم الجواد الطائي المشهور، وهو ابن عبد الله بن سعد بن الحَشْرج، مات مشركًا.

стр. 384

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العُبَّاد، وإذا فسد العلماء والعباد خربت الديار، وفسد الناس ولحقت هاتان الطائفتان بأسلافهم من الأمم الماضية، قال سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه من النصارى» (١). ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جمع رب، أي: مشاركين لله في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع (٢). «إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ» ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: إنا لسنا نعبدهم (٣)، فصرح ﷺ بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وطاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله. يقول ابن تيمية ﵀: «والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًّا باتفاق الفقهاء» (٤).

стр. 385

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآيات [النساء: ٦٠]. •---------------------------------• مقصود الترجمة بيان «أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غيره في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن، شركٌ أكبر بالله جل وعلا، وكفر مخرج من ملة الإسلام (١). «ووجه ما ذكره المصنف ظاهر، فإن الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يُؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعةً مطلقة فلا يُعصى، بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته، فإذا اتخذ العبدُ العلماءَ والأمراءَ على هذا الوجه، وجعل طاعتهم هي الأصل، وطاعة الله ورسوله تبعا لها فقد اتخذهم أربابا من دون الله يتألههم ويتحاكم إليهم، ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، فهذا هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله» (٢). و«هذا الباب له صلة قوية بما قبله؛ لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله» (٣).

стр. 386

إذن «فهذا الباب من جنس الباب الذي قبله، فكلاهما في تغيير شرع الله، لكن هذا الباب يخص التحاكم في الخصومات خاصة والباب الذي قبله في التحليل والتحريم عمومًا» (١). «يَزْعُمُونَ» يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت (٢). «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا» مَنْ تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته طائعًا مختارًا راغبًا في ذلك غير كاره له، وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبرًا لا اختيار له، كارهًا لذلك، فالأول المريد هو الذي ينتفي عنه الإيمان، والإرادة شرط؛ لأن الله جل وعلا ساقها مساق الشرط، فهذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت (٣). ﴿الطَّاغُوتِ﴾ قال ابن القيم: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ» (٤). وقد سبق شرحه. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه؛ فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله (٥).

стр. 387

وقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الآية. •---------------------------------• ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال الربيع في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تعْصُوا في الأرض. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة (١). فـ «إن قيل ليس في الآية شيءٌ يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله، فالجواب: أن فيها مقالة المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وهم مفسدون، ومن جملة إفسادهم الحكم بغير ما أنزل الله» (٢). وتظهر دلالة الآية على مقصود الترجمة في قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فالآية في المنافقين, ومن أعمالهم التحاكم إلى غير الشرع, ومن دعا إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقد أتى بأعظم الفساد (٣). قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الإفساد في الأرض نوعان: الأول: إفساد حسي مادي: وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطرق وما أشبه ذلك.

стр. 388

وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية. •---------------------------------• الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي، فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، وضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومعنى الآية: لا تعملوا فيها بالشرك والمعاصي، وبخس الناس، بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل، وإيضاح حججه، والآية عامة تشمل النهي عن كل فساد. قال القرطبي: «إنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر؛ فهو على العموم على الصحيح من الأقوال» (١). ودلالة الآية على مقصود الترجمة: أن الله تعالى نهى عن كل فساد, والنهي يقتضي التحريم, ومن الفساد المُحَرَّم التحاكم إلى غير الشرع (٢). قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ، و «حُكْمَ»: مفعول مقدم لـ «يَبْغُونَ»، وقُدِّمَ لإفادة الحصر، والمعنى: «أفلا يبغون إِلَّا حكم الجاهلية»، و «الْجَاهِلِيَّةِ»: المراد ما كان قبل الإسلام (٣).

стр. 389

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄ , أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». •---------------------------------• و«يَبْغُونَ» يطلبون. و «حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ» هو: أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حكمًا (١)، ومن ذلك: التحاكم إلى الكهان، وإلى السحرة، وإلى الطواغيت، وإلى الأعراف القبلية (٢). ومناسبة الآية للباب: أنها دلت على تحريم ترك حكم الله تعالى، والأخذ بحكم غيره كائنًا مَن كان، وأن من ابتغى غير حكم الله ورسوله ﷺ من الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية والأعراف التقليدية، فقد ابتغى حكم الجاهلية الباطل (٣). حديث عبد الله بن عمرو في كتاب الحجة وغيره (٤).

стр. 390

وإسناد الحديث ضعيف (١)، وقد صحح الحديث بعضهم (٢). «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أي: لا يحصل له الإيمان الواجب. «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» هواه بالقصر، أي: ما يهواه، أي: تحبه نفسه وتميل إليه (٣).
следующие страницы →