← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إذن «فهذا الباب من جنس الباب الذي قبله، فكلاهما في تغيير شرع الله، لكن هذا الباب يخص التحاكم في الخصومات خاصة والباب الذي قبله في التحليل والتحريم عمومًا» (١). «يَزْعُمُونَ» يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت (٢). «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا» مَنْ تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته طائعًا مختارًا راغبًا في ذلك غير كاره له، وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبرًا لا اختيار له، كارهًا لذلك، فالأول المريد هو الذي ينتفي عنه الإيمان، والإرادة شرط؛ لأن الله جل وعلا ساقها مساق الشرط، فهذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت (٣). ﴿الطَّاغُوتِ﴾ قال ابن القيم: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ» (٤). وقد سبق شرحه. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه؛ فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله (٥).

стр. 387

وقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الآية. •---------------------------------• ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال الربيع في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تعْصُوا في الأرض. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة (١). فـ «إن قيل ليس في الآية شيءٌ يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله، فالجواب: أن فيها مقالة المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وهم مفسدون، ومن جملة إفسادهم الحكم بغير ما أنزل الله» (٢). وتظهر دلالة الآية على مقصود الترجمة في قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فالآية في المنافقين, ومن أعمالهم التحاكم إلى غير الشرع, ومن دعا إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقد أتى بأعظم الفساد (٣). قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الإفساد في الأرض نوعان: الأول: إفساد حسي مادي: وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطرق وما أشبه ذلك.

стр. 388

وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية. •---------------------------------• الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي، فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، وضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومعنى الآية: لا تعملوا فيها بالشرك والمعاصي، وبخس الناس، بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل، وإيضاح حججه، والآية عامة تشمل النهي عن كل فساد. قال القرطبي: «إنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر؛ فهو على العموم على الصحيح من الأقوال» (١). ودلالة الآية على مقصود الترجمة: أن الله تعالى نهى عن كل فساد, والنهي يقتضي التحريم, ومن الفساد المُحَرَّم التحاكم إلى غير الشرع (٢). قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ، و «حُكْمَ»: مفعول مقدم لـ «يَبْغُونَ»، وقُدِّمَ لإفادة الحصر، والمعنى: «أفلا يبغون إِلَّا حكم الجاهلية»، و «الْجَاهِلِيَّةِ»: المراد ما كان قبل الإسلام (٣).

стр. 389

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄ , أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». •---------------------------------• و«يَبْغُونَ» يطلبون. و «حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ» هو: أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حكمًا (١)، ومن ذلك: التحاكم إلى الكهان، وإلى السحرة، وإلى الطواغيت، وإلى الأعراف القبلية (٢). ومناسبة الآية للباب: أنها دلت على تحريم ترك حكم الله تعالى، والأخذ بحكم غيره كائنًا مَن كان، وأن من ابتغى غير حكم الله ورسوله ﷺ من الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية والأعراف التقليدية، فقد ابتغى حكم الجاهلية الباطل (٣). حديث عبد الله بن عمرو في كتاب الحجة وغيره (٤).

стр. 390

وإسناد الحديث ضعيف (١)، وقد صحح الحديث بعضهم (٢). «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أي: لا يحصل له الإيمان الواجب. «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» هواه بالقصر، أي: ما يهواه، أي: تحبه نفسه وتميل إليه (٣).

стр. 391

قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَقاَلَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، .. •---------------------------------• قال ابن رجب ﵀: «وأما معنى الحديث: فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه» (١). ولبعضهم: تعصي الإله وأنت تزعمُ حبَّه ... هذا لعمري في القياس شنيعُ لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ ... إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ «قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ». وكتاب الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصبهاني. مناسبة الحديث للباب ظاهرة من جهة أن الرجل لا يؤمن حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ في كل شيء حتى في الحكم وغيره. فإذا حكم بحكم أو قضى بقضاء، فهو الحق الذي لا محيد للمؤمن عنه، ولا اختيار له بعده (٢). «وَقاَلَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ ... » أثر الشعبي رواه الطبري وغيره (٣)، وهو مرسل.

стр. 392

فَقَالَ اليَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ، عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ، وَقَالَ المُنَافِقُ نَتَحَاكَمُ إِلَى اليَهُودِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَة. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ الآخَرُ: إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشرفِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا القِصَّةَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ الله? : أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَضربَهُ بِالسيفِ فَقَتَلَهُ. •---------------------------------• ودلالة هذا الأثر على مقصود الترجمة واضحة جدًّا؛ إذ إن الأثر يثبت أن هذا المنافق عدل عن التحاكم إلى النبي ﵊، إلى التحاكم إلى ذلك الكاهنٍ اليهودي، وهذا هو عين ترك الحكم بما أنزل الله ورسوله، والتحاكم إلى الطاغوت الباطل المحرم. «وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا ... إلخ» الحديث علقه الواحدي في أسباب النزول (١)، والبغوي في معالم التنزيل (٢) من طريق الكلبي، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس، والكلبي كذاب، وأبو صالح متروك. وأثر الشعبي السابق رغم إرساله، إلا أنه أقوى من هذا الأثر المروي عن الكلبي الكذاب.

стр. 393

بَابُ مَنْ جَحَدَ شيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: تقرير حكم من جحد شيئًا من أسماء الله أو صفاته. و«مَنْ» هنا يجوز فيها وجهان: الأول: أن تكون شرطية، ويكون معنى الباب: «باب مَنْ جحد شيئًا من الأسماء والصفات فقد كفر»؛ لأن عبارة «فقد كفر» هي جواب الشرط. وأما الوجه الثاني: فيجوز أن تكون «مَنْ» بمعنى «الذي» أي: موصولة ويكون معنى الباب: باب بيان حكم الذي يجحد شيئًا من الأسماء والصفات. ومناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ ذلك لأن التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله، والإيمان بأسمائه وصفاته من الإيمان به، بل هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات)، وهنالك تلازمٌ بين توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات مستلزمٌ لتوحيد الألوهية. فلا يتصور أن يؤمن أحد بالألوهية وهو لا يؤمن بالأسماء والصفات، وكذلك من آمن بالأسماء والصفات لزمه الإيمان بتوحيد الألوهية، فلما كان ذلك كذلك ناسب أن يورد المصنف هذا الباب هنا (١).

стр. 394

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. •---------------------------------• وما حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات ؟ الجحد: الإنكار، والإنكار قسمان: أولهما: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدًا أنكر اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين، فهو مكذب للكتاب والسنة. وثانيهما: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان: الأول: أن يكون للتأويل مُسَوِّغ في اللغة العربية، فهذا لا يُوجب الكفر، ولا يلزم أن يكون مكذبًا. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية؛ فهذا تكذيب للكتاب والسنة؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبًا (١). وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ المراد بذلك كفار قريش أو طائفة منهم، وليس المقصود أنهم يجحدون وجود الله أو لا يؤمنون به، بل المعنى يجحدون هذا الاسم المعين عنادًا أو جهلًا. قال البغوي: «والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي ﷺ وهو في الحجر يدعو: (يا الله يا رحمن)، فرجع إلى المشركين فقال:

стр. 395

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ». •---------------------------------• إن محمدًا يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]» (١). ولذلك رفضوا أن يكتبوه في صلح الحديبية، فقال أحدهم: «أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَالله مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» (٢). ومناسبة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه كفرًا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته، من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات، فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎، وهذا نفس كفر الذين جحدوا اسم الرحمن (٣). وأثر علي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ... » رواه البخاري في صحيحه (٤).

стр. 396

«حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ» أي: بما يفهمون (١). «أَتُرِيدُونَ» بهمزة الاستفهام الإنكارية (٢). والأثر دليل على منع تحديث الناس بما لا تدركه عقولهم. و«مناسبة هذا الأثر لهذا الباب: أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات؛ لأن عامة الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب إلا إذا كان المخاطب يعقل ذلك ويعيه، وليس أكثر الناس كذلك» (٣).

стр. 397

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ, عَن ابْنِ طَاوُوسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ، اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. انْتَهَى. •---------------------------------• أثر ابن عباس رواه عبد الرزاق وغيره (١)، إسناده صحيح. «رَأَى رَجُلًا» لم يسم هذا الرجل. «انْتَفَضَ» أي: ارتعد لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ فاستنكره، إما لأن عقله لا يحتمله، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره. «فَقَالَ» أي: ابن عباس ﵁. «مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ» يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون «ما» استفهامية إنكارية. وفرق بفتح الفاء والراء وهو الخوف والفزع، أي: ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها؟ والمراد الإنكار عليهم.

стр. 398

وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله ﷺ يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. •---------------------------------• والثاني: أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها. و «ما» نافية أي: ما فرَّق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عَرَفوا ذلك (١). «وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله» الحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره، وهو ضعيف (٢)، ولفظه عن قتادة، قال: «﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ زَمَنَ الحديبية حين صالح قريشًا كتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله. فقال مشركو قريش: لئن كنت رسولَ الله ﷺ ثم قاتلناك لقد ظلمناك! ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : دعنا يا رسول الله نقاتلهم! فقال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون إنِّي محمد بن عبد الله. فلما كتب الكاتب: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قالت قريش: أما (الرحمن) فلا نعرفه؛ وكان أهل الجاهلية يكتبون: (باسمك اللهم)، فقال أصحابه: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم! قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون». ومناسبة الحديث للباب ولكتاب التوحيد أن الأثر يدل على كفر من أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك ينافي توحيد الأسماء والصفات (٣).

стр. 399

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود الترجمة: الحث على التأدب مع جناب الربوبية وذلك بالاعتراف بنعم الله وشكره على ذلك، والبعد عن الألفاظ الشركية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك من الشرك بالله تعالى، ووجه كونه من الشرك: أنه نوعٌ من الكفر بنعم الله؛ بإضافتها إلى غيره، وإشراكه فيها (١). والكفر بنعم الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يضيف النعم إلى غير الله لفظًا بلسانه مع اعتقاده بقلبه أنها من الله، وهذا هو المعهود في ذلك، فهذا من الشرك الأصغر. الثاني: أن ينسب النعم إلى غير الله اعتقادًا منه بأنها من عند غيره تعالى، فهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله. ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن من أضاف النعم إلى غير الله فقد جعله شريكًا في الربوبية؛ لأنه جعل السبب كأنه فاعل، ومن جهةٍ أخرى: فإن هذا العبد لم يقم بفريضة الشكر الذي هو عبادة من العبادات وتَرْكُ ذلك منافٍ للتوحيد، فمن الوجه الأول يتعلق الباب بالربوبية، ومن الوجه الثاني يتعلق بالألوهية (٢).

стр. 400

ولما ذكر المصنف ﵀ في الباب الآنف ما يتعلق بجحد الأسماء والصفات، ناسب أن يذكر هنا ما يتعلق بجحد الربوبية، وكلٌّ من توحيد الأسماء والصفات والربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية (١). ﴿يَعْرِفُونَ﴾: أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله. ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: واحدة والمراد بها الجمع؛ فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، [إبراهيم: من الآية ٣٤]. ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾: أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبِّب الذي هو الله سبحانه، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله يكفرونها ويجحدون كونها من الله رغم يقينهم بأنها منه سبحانه ويكفرون بالله رغم معرفتهم نعم الله الوافرة التي أنعم بها عليهم.

стр. 401

قَالَ مُجَاهِدٌ مَا مَعْنَاهُ: «هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: هَذَا مَالِي وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي». وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ الله: يَقُولُونَ: لَوْلَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا. •---------------------------------• أثر مجاهد رواه الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، ولفظه عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾، قال: «هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فورَّثونا إياها» (١). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: ظاهر هذه الكلمة أنه لا شيء فيها؛ لأنه خبر محض، لكن مراد مجاهد: أن يضيفَ القائلُ تملُّكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيًا المسبِّب الذي هو الله؛ فمن هنا صار هذا القول نوعًا من كفر النعمة. أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر؛ فلا شيء في ذلك (٢). والمقصود هنا أن مجاهدًا يرى أن من نسب النعمة إلى غير الله فقد كفر بها. أثر عون أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣).

стр. 402

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (يَقُولُونَ هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا). •---------------------------------• وما حكم قول القائل: (لولا فلان لم يكن كذا): قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وهذا القول من قائله فيه تفصيل: إن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقًا مطابقًا للواقع; فهذا لا بأس به، وإن أراد به السبب؛ فلذلك ثلاث حالات: الأولى: أن يكون سببًا خفيًّا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفًا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي. الثانية: أن يضيفه إلى سببٍ صحيحٍ ثابت شرعًا أو حسًّا؛ فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك. الثالثة: أن يضيفه إلى سببٍ ظاهرٍ، لكن لم يثبت كونه سببًا: لا شرعًا ولا حِسًّا؛ فهذا نوعٌ من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التولة، والقلائد التي يقال: إنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله في إثبات الأسباب» (١). وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (يَقُولُونَ هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا) نص كلام ابن قتيبة: «﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أي يعلمون أن هذا كله من عنده، ثم ينكرون ذلك، بأن يقولوا: هو شفاعة آلهتنا» (٢).

стр. 403

وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بَعْدَ حدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الَّذِي فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» الحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ: «وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضيفُ إِنْعَامَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَيُشركُ بِهِ». •---------------------------------• قال ابن القيم ﵀: «هذا يتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها» (١). و«هؤلاء أخبث ممن سبقهم؛ لأنهم مشركون يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم، فالعُزَّى مثلا شفعت عند الله أن ينزل المطر؛ فهؤلاء أثبتوا سببا من أبطل الأسباب لأن الله لا يقبل شفاعة آلهتهم، لأن الشفاعة لا تنفع إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، والله لا يأذن لهذه الأصنام بالشفاعة؛ فهذا أبطل من الذي قبله لأن فيه محذورين: ١ - الشرك بهذه الأصنام. ٢ - إثبات سبب غير صحيح» (٢). وفي هذا الأثر أن ابن قتيبة يرى أن إضافة النعمة إلى شفاعة الأصنام كفر. «وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ» هو: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونص كلامه موجود في فتاويه (٣).

стр. 404

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «هُوَ كَقَوْلِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ». •---------------------------------• «قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ» لم أقف فيما وقع لدي من الكتب على تسمية هذا البعض. «كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا» الملَّاح -بفتح الميم وتشديد اللام-: هو صاحب السفينة: قائدها، أو العامل فيها (١). والمعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريًا حسنًا نسبوا ذلك إلى طيب الريح، وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦]. فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملَّاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء. ووجه إيراد هذا الكلام: أن هذا التعبير فيه محذور شرعي، إذ إن فيه كفرًا بنعمة الله تعالى، حيث أُسْنِد الفضل لغيره سبحانه، مع أن الفضل له أولًا وآخرًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦] (٢).

стр. 405

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود الترجمة: تحذير الأمة من الوقوع في بعض الألفاظ المنافية للتوحيد، وهي من الشرك الأصغر، وإن لم يقصد المتكلم بها شركًا أو معنًى باطلًا. مثل قول بعضهم: «ما شاء الله وشئت»، و «لولا الله وفلان»، و «أعوذ بالله وبك»، ونحوها من الألفاظ. وأراد المؤلف أن يوضح أَنَّ هذه الأمور يلزم أن تُنْسَب لله تعالى وحده. وإن أُضِيفَت إلى غيره: يُؤْتَى بعد ذكر الله بكلمة «ثُمَّ» لبيان المقصود الحق في ذلك (١). ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لَمَّا كان من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بذلك شركًا؛ نَبَّه المؤلف ﵀ بهذا الباب على ذلك، وبَيَّنَ بعض هذه الألفاظ لِتُجْتَنَب هي وما ماثلها (٢). وأما علاقة هذا الباب بالباب السابق فهو: أن كِلَا البابين يتعلقان بإضافة أمور إلى غير الله لا تنبغي إِلَّا له سبحانه، إما على سبيل التشريك، أو على سبيل الاستقلال، وكل ذلك من الشرك بالله تعالى أكبر كان أو أصغر (٣).

стр. 406

فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر، فكيف تحتجون بها على الشرك الأصغر؟ قيل: السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس وغيره فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر، وفسرها أيضًا بالشرك الأكبر، وفسرها غيره بشرك الطاعة، وذلك لأن الكل شرك، والقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١). ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾ لا ناهية، أي: فلا تجعلوا له أندادًا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادًا في الربوبية، وأيضًا لا تجعلوا له أندادًا في أسمائه وصفاته. ﴿أَندَادًا﴾ جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادًا في العبادة (٢). ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم تعلمون أنه ربكم لا يرزقكم غيره ولا يستحق العبادة سواه، ولا ند له يشاركه في فعله (٣). وهذه الآية عامة تشمل اتخاذ الأنداد بالشرك الأكبر، وبما دون ذلك من الشرك الأصغر؛ لأن قوله: (أندادًا) نكرة في سياق النهي فتعم جميع أنواع التنديد، والتنديد منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة (٤)، كما سيأتي.

стр. 407

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الآيَةِ: الأَنْدَادُ هُوَ الشركُ، أَخْفَى مَنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: والله وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا لأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ لأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ. لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شركٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. •---------------------------------• «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الآيَةِ ... » الأثر رواه ابن أبي حاتم (١) كما قال المصنف، وسنده جيد. «عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ» الصفاة: هي الصخرة الملساء (٢). «وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ» (البط) جمع (بطة) من طير الماء وليست الهاء للتأنيث وإنما هي لواحد من جنس يقال: هذه بطة للذكر والأنثى جميعًا مثل حمامة ودجاجة، وهو يتخذ في البيوت، فإذا دخلها غير أهلها استنكره وصاح (٣). و«مناسبة الأثر للباب وللتوحيد: حيث دَلَّ الأثر على أن ابن عباس يرى أن من الشرك الخفي القسم بغير الله كقولك: وحياتك، وكذا تعليق نفع على فعل مخلوق كقولك: لولا الحارس لأتانا اللصوص، وكذلك تعليق نفع على فعل الله ومعه غيره كقولك: لولا الله وفلان لاحترق المنزل» (٤).

стр. 408

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشركَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. •---------------------------------• حديث عمر عند الترمذي والحاكم وغيرهما (١)، وفيه علة خفية، ولكنه قوي بشواهده.

стр. 409

«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله ... » «من»: شرطية؛ فتكون للعموم؛ فتشمل كل محلوف به سوى الله، سواء بالكعبة أو الرسول ﷺ أو السماء أو غير ذلك، ولا يشمل الحلف بصفات الله ؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا؛ فيجوز أن تقول: وعزة الله؛ لأفعلن كذا (١). «فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشركَ» «يحتمل أن يكون شكًّا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك. ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما هو من الشرك الأصغر» (٢). والجمهور أنه من الشرك الأصغر، وهو رأي ابن عباس ﵁. ومناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أن من حلف بغير الله فقد اتخذ المحلوف به ندًّا لله (٣).

стр. 410

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بالله كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا». •---------------------------------• أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق وغيره (١). «لأَنْ أَحْلِفَ بالله كَاذِبًا» اللام: لام الابتداء، و «أن» مصدرية؛ فيكون قوله: «أن أحلف» مؤوَّلا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله (٢). وعلاقة الأثر بالباب: أنه يدل على تحريم الحلف بغير الله (٣)؛ لأن ذلك تعظيم للمخلوق المحلوف به، والتعظيم عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك (٤).

стр. 411

وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ , عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَفُلَانٌ، وَلِكَنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. •---------------------------------• أثر حذيفة رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح. «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَفُلَانٌ» العلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه، فيكون القائل: ما شاء الله وشئت مسويًا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل، فهو شرك أصغر (٢).

стр. 412

وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَخَعِيِّ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَعُوذُ بالله وَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بالله ثُمَّ بِكَ، قَالَ: وَيَقُولُ: لَوْلَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُوْلُوا لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ. •---------------------------------• أثر إبراهيم رواه عبد الرزاق، وغيره (١). «أَعُوذُ بالله وَبِكَ» هذا محرَّم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية، وهو الواو. والعياذ: الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللِّياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب (٢). ومناسبة الأثر للباب وللتوحيد: حيث دل على تحريم عطف الاستعاذة بالمخلوق على الاستعاذة بالله بالواو؛ لأن (الواو) تقتضي التشريك بين المتعاطفين، وذلك يؤدي إلى الشرك بالله، وهو محمول على الشرك الأصغر وكذا تعلق منفعة على فعل الله ومعه غيره، كقولك: لولا الله وفلان لما شفيت (٣).

стр. 413

بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقنَعْ بِالْحَلِفِ بالله •---------------------------------• مقصود الترجمة: التحذير من عدم تصديق الحالف بالله الذي عُلِمَ منه بالتجربة والاستقراء أنه صادق أو أنه مستور الحال، ولم يعرف عنه كذب، وبيان ما جاء في ذلك من الوعيد. وعدم التصديق في هذه الحال يدل على ضعف تعظيم الله تعالى؛ لأن تعظيم الحلف من تعظيم المحلوف به. وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقنَعْ بِالْحَلِفِ بالله» أي ما جاء من الوعيد في ذلك. «وهذا الباب فيه نوع تردد عند الشراح، والظاهر في المراد منه أن الإمام المصنف ﵀ ذكره تعظيمًا لله جل وعلا، وقد ذكر في الباب قبله من حلف بغير الله، وأن حكمه أنه مشرك، فهذا فيه أن الحلف بالله يجب تعظيمه، وأن لا يحلف المرء بالله إلا صادقًا، وأن لا يحلف بآبائه، وأن لا يحلف بغير الله، ومن حُلف له بالله فواجب عليه الرضا تعظيما لاسم الله، وتعظيمًا لحق الله جل وعلا، حتى لا يقع في قلبه استهانة باسم الله الأعظم، وعدم اكتراث به أو بالكلام المؤكد به. وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ الباب متعلق بالشرك في توحيد الربوبية؛ لأن من لم يقنع بالحلف بالله عنده نقصٌ في تعظيمه للمحلوف به؛ ولو كان يعظم الله تعالى لرضي بالحلف به، فلما لم يرض بذلك؛ علمنا نقص توحيده وضعفه (١).

стр. 414

عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بالله فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بالله فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ الله» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ. •---------------------------------• هذا وقد جعل بعض أهل العلم قول المصنف: «باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله» خاصا بما إذا توجهت اليمين على أحد المتخاصمين عند القاضي، وأن طائفة من أهل العلم قالوا في قوله: «ومن حلف له بالله فليرض»: إن هذا عام في كل من حلف له بالله، فإنه يجب عليه الرضا، وآخرون قالوا: يفرق بين من ظاهره الصدق، ومن ظاهره الكذب، والله أعلم» (١). قوله: «عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» حديث ابن عمر رواه ابن ماجه وغيره (٢)، وإسناده حسن. «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» تقدم ما يتعلق به في الباب قبله. «مَنْ حَلَفَ بالله فَلْيَصْدُقْ» أي: وجوبًا؛ لأن الصدق واجب ولو لم يحلف بالله، فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله، فكيف إذا أكده باسم الله؟

стр. 415

«وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بالله فَلْيَرْضَ» أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ الله» (١). ولهذا لما رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: «أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِالله، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (٢).

стр. 416

بَابُ قَوْلِ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» •---------------------------------• مقصود الترجمة بيان حكم قول: «ما شاء الله وشئت»، وأنه من الشرك الأصغر المنافي للتوحيد، وأَنَّ ذلك من جملة الأمور التي يتخذ فيها الإنسان أندادًا مع الله تعالى (١). «(باب قول ما شاء الله وشئت): أي ما حكم التكلم بذلك، هل يجوز أم لا؟ وإذا قلنا: لا يجوز؛ فهل هو من الشرك أم لا؟ » (٢). والجواب: أنه إن اعتقد أن المعطوف مساو لله؛ فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ؛ فهو أصغر (٣). وهذه الترجمة داخلةٌ في الترجمة السابقة: «فلا تجعلوا لله اندادًا»، ولكن أفردها المصنف هنا ببابٍ خاصٍّ؛ لأهميتها، وعموم البلوى بها، وجهل كثير من الناس بخطورتها. مع أن النصوص جاءت بالتحذير منها لفظًا لا معنًى، وهذا من أوضح الأدلة على المنع من ذلك. فإذا عُلِمَ دخول هذه الترجمة في الباب السابق: «فلا تجعلوا لله أندادًا ... الخ الآية» عُلِمَ مناسبة الباب لكتاب التوحيد، ومن ثَمَّ مناسبته للباب السابق أو الأبواب السابقة، إذ التشريك بين الله وبين خلقه في المشيئة من الشرك الأكبر أو الأصغر المنافي لكمال التوحيد الواجب (٤).

стр. 417

عَنْ قُتَيْلَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشركُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ. •---------------------------------• حديث قتيلة عند النسائي وغيره (١)، وإسناده صحيح. «عَنْ قُتَيْلَةَ» بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرًا؛ بنت صيفي الجهنية الأنصارية، صحابية. «إِنَّكُمْ تُشركُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي ﷺ أقر اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديدًا أو شركًا. ونهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك.

стр. 418

وَلَهُ أَيْضًا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْنَّبِيِّ? : مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لله نِدًّا؟ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». •---------------------------------• حديث ابن عباس رواه النسائي في السنن الكبرى (١)، كما أشار المؤلف بقوله: (وله)، وفي إسناده مقال؛ لأن مداره على الأجلح بن عبد الله وهو متكلم فيه.

стр. 419

وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ أَخِي عَائِشَةَ لأُمِّهَا، ......................... •---------------------------------• والحديث دل على أن قول: (ما شاء الله وشئت) شرك أصغر. قال ابن القيم ﵀: «ومن ذلك - أي من الشرك بالله - قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت. فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، أو أرجوا الله وفلانًا ونحو ذلك، فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي لقائل تلك الكلمة» (١). «وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ ... » الحديث عند ابن ماجه كما ذكر المصنف وعند غيره (٢)، وإسناده صحيح.

стр. 420

«وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ أَخِي عَائِشَةَ لأُمِّهَا» الطفيل هو: الطفيل بن عبد الله ابن سخبرة الأزدي، نسبة إلى الأزد؛ قبيلة عربية مشهورة، وهو أحد الصحابة.

стр. 421

قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، قُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله، قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُم القَوْمَ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله. قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، •---------------------------------• «رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ» هذه الرؤيا في المنام، ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي مَرَرْتُ بِرَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ» (١). «إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله» أي: نعم القوم أنتم لولا الشرك الذي أنتم عليه، وهو نسبة الولد إلى الله تعالى. وعزير: رجل صالح، زعم اليهود أنه ابن الله، وهو كذب وكفر، وهذا من أبطل ما قالوا به. «إِنَّكُمْ لأَنْتُم القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله» وهو عيسى ابن مريم، وسمي بالمسيح؛ لأنه كان إذا مسح على أصحاب العاهات شفوا بإذن الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].

стр. 422

قَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كِلَمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». •---------------------------------• «هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ » هذا السؤال من النبي ﷺ يفهم منه أنَّ الطفيل إذا لم يخبر به، لقال له النبي ﷺ : لا تخبر أحدًا، ولكنه لما أخبر به لم يكن بُدٌّ من بيانه للناس لأنه انتشر بينهم. «وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فيجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء محمد، وعليه صارت الأحكام ثلاثة: مستحب، وجائز، ومحرم. ١) ما شاء الله وحده، مستحب. ٢) ما شاء الله ثم شئت، جائز. ٣) ما شاء الله وشئت، محرم.

стр. 423

بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٤]. •---------------------------------• مقصود الترجمة: تقرير أَنَّ الذي يسب الدهر واقعٌ في أذى الله تعالى، والأذى الذي يقصده المصنف هنا يحتمل معنيين: الأول: أَنَّ الذي يسب الدهر هو في الحقيقة سابٌّ لله تعالى؛ لأن فاعل هذه الأمور ومقدرها هو الله وحده؛ فرجع السب إلى الله تعالى. والثاني: أَنَّ الساب للدهر إِنْ سَبَّهُ باعتبار أنه فاعل مع الله تعالى، فهذا شركٌ بالله تعالى. ومن هنا تظهر مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؛ لأن الساب بالمعنى الأول الذي ذكرناه هو سابٌّ لله تعالى، وسب الله مناقضٌ للتوحيد، ومنافٍ له بكل الوجوه، وإن كان السب للدهر بالمعنى الثاني فهو شركٌ واضحٌ في ربوبية الله تعالى مناقضٌ للتوحيد (١). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ «يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد» (٢)، أنهم قالوا: «ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات» (٣).

стр. 424

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». •---------------------------------• ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: «وما يهلكنا فيفنينا إلا مرُّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربٌّ يفنيهم ويهلكهم» (١). ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: «أي يتوهمون ويتخيلون» (٢). «فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرًا عن الدهرية المشركين؟ قيل: المطابقة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد» (٣). قوله: «وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري ومسلم (٤). «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ» لا يلزم من الأذية الضرر، فالإنسان يتأذى بسماع القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك؛ ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]. «يَسُبُّ الدَّهْرَ» الإخبار عن الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] وكقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩].

стр. 425

وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ». •---------------------------------• الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا. الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه. قوله: «وَفِي رِوَايَةٍ» هذه الرواية عند مسلم (١). «فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» «أي: فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا تعليل للنهي، ومن بلاغة كلام الله ورسوله قرن الحكم بالعلة؛ لبيان الحكمة وزيادة الطمأنينة، ولأجل أن تتعدى العلة إلى غيرها فيما إذا كان المعلل حكما; فهذه ثلاث فوائد في قرن العلة بالحكم» (٢).
следующие страницы →