← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، قُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله، قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُم القَوْمَ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله. قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، •---------------------------------• «رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ» هذه الرؤيا في المنام، ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي مَرَرْتُ بِرَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ» (١). «إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله» أي: نعم القوم أنتم لولا الشرك الذي أنتم عليه، وهو نسبة الولد إلى الله تعالى. وعزير: رجل صالح، زعم اليهود أنه ابن الله، وهو كذب وكفر، وهذا من أبطل ما قالوا به. «إِنَّكُمْ لأَنْتُم القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله» وهو عيسى ابن مريم، وسمي بالمسيح؛ لأنه كان إذا مسح على أصحاب العاهات شفوا بإذن الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].

стр. 422

قَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كِلَمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». •---------------------------------• «هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ » هذا السؤال من النبي ﷺ يفهم منه أنَّ الطفيل إذا لم يخبر به، لقال له النبي ﷺ : لا تخبر أحدًا، ولكنه لما أخبر به لم يكن بُدٌّ من بيانه للناس لأنه انتشر بينهم. «وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فيجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء محمد، وعليه صارت الأحكام ثلاثة: مستحب، وجائز، ومحرم. ١) ما شاء الله وحده، مستحب. ٢) ما شاء الله ثم شئت، جائز. ٣) ما شاء الله وشئت، محرم.

стр. 423

بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٤]. •---------------------------------• مقصود الترجمة: تقرير أَنَّ الذي يسب الدهر واقعٌ في أذى الله تعالى، والأذى الذي يقصده المصنف هنا يحتمل معنيين: الأول: أَنَّ الذي يسب الدهر هو في الحقيقة سابٌّ لله تعالى؛ لأن فاعل هذه الأمور ومقدرها هو الله وحده؛ فرجع السب إلى الله تعالى. والثاني: أَنَّ الساب للدهر إِنْ سَبَّهُ باعتبار أنه فاعل مع الله تعالى، فهذا شركٌ بالله تعالى. ومن هنا تظهر مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؛ لأن الساب بالمعنى الأول الذي ذكرناه هو سابٌّ لله تعالى، وسب الله مناقضٌ للتوحيد، ومنافٍ له بكل الوجوه، وإن كان السب للدهر بالمعنى الثاني فهو شركٌ واضحٌ في ربوبية الله تعالى مناقضٌ للتوحيد (١). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ «يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد» (٢)، أنهم قالوا: «ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات» (٣).

стр. 424

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». •---------------------------------• ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: «وما يهلكنا فيفنينا إلا مرُّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربٌّ يفنيهم ويهلكهم» (١). ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: «أي يتوهمون ويتخيلون» (٢). «فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرًا عن الدهرية المشركين؟ قيل: المطابقة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد» (٣). قوله: «وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري ومسلم (٤). «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ» لا يلزم من الأذية الضرر، فالإنسان يتأذى بسماع القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك؛ ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]. «يَسُبُّ الدَّهْرَ» الإخبار عن الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] وكقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩].

стр. 425

وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ». •---------------------------------• الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا. الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه. قوله: «وَفِي رِوَايَةٍ» هذه الرواية عند مسلم (١). «فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» «أي: فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا تعليل للنهي، ومن بلاغة كلام الله ورسوله قرن الحكم بالعلة؛ لبيان الحكمة وزيادة الطمأنينة، ولأجل أن تتعدى العلة إلى غيرها فيما إذا كان المعلل حكما; فهذه ثلاث فوائد في قرن العلة بالحكم» (٢).

стр. 426

بَابُ التَّسَمِّي بِقَاضي القُضَاةِ وَنَحْوِهِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه، كملك الأملاك، أو ملك الملوك. وأن ذلك من شرك الألفاظ؛ ولذلك فهو محرَّمٌ أشد التحريم، وهذه التسمية شركٌ من جانبين: أولًا: من جانب الربوبية: لأنه شَرَّك غيرَ الله معه في ملكه وسلطانه وأمره. وثانيًا: هو شركٌ في الأسماء والصفات؛ لأنه إلحادٌ في أسماء الله وصفاته تعالى. وعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أن الباب الذي قبله فيه النهي عن مسبة الدهر؛ لأن ذلك يؤذي الله . وهذا الباب في النهي عن التسمي بالأسماء الضخمة التي فيها العظمة التي لا تليق إلا بالله ؛ لأن هذا يغيظ الله ، وكلا الأمرين محرم شديد التحريم. ثم يأتي بعد هذا الباب: «باب احترام أسماء الله (١). وما حكم تقييد قاضي القضاة بشي معين مثل: قاضي قضاة مصر؟ الجواب: أن هذا جائز، لأنه مقيد. فإذا قيد بزمان أو مكان ونحوهما، فهو جائز، وتركه أفضل، وما الحكم لو قيد بفن من الفنون، هل يكون جائزًا؟ مقتضى التقييد أن يكون جائزًا، (عالم العلماء في الفقه). وكذا إذا قيد بقبيلة مثل عالم بني تميم، فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف بأن لا يغتر ويعجب بنفسه.

стр. 427

فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله، رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ». قَالَ سُفْيَانُ: «مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ القِيِامَةِ وَأَخْبَثُهُ» , قَوْلُهُ: «أَخْنَعُ» يَعْنِي: أَوْضَعَ. •---------------------------------• حديث أبي هريرة في الصحيحين (١). «أَخْنَعَ»: يعني أوضع. قال القاضي عياض ﵀: «معناه أنه أشد الأسماء صغارًا» (٢)، والخانع الذليل، وخنع الرجل ذل. «رَجُلٌ تَسَمَّى»: تسمى بفتح التاء والسين وتشديد الميم المفتوحة ماضٍ معلوم من التسمي، أي: سمى نفسه. وفي بعض الروايات: بصيغة المجهول من التسمية، أي: يدعى بذلك ويرضى به. «مَلِكَ الأَمْلَاكِ»: هو بكسر اللام من ملك. والأملاك جمع مَلِك. «قَالَ سُفْيَانُ»: هو ابن عيينة. «مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ»: هو بسكون النون وبهاء في آخره، وقد تنون وليست هاء تأنيث فلا يقال بالمثناة أصلًا، وإنما مثَّل سفيان بشاهان شاه لأنه قد كثرت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان، فهو مراد بالذم (٣).

стр. 428

وخلاصة ما يدل عليه الحديث: تحريم التسمي بملك الأملاك وما يلحق به كقاضي القضاة ونحوه؛ لأن ذلك شرك مع الله في ربوبيته (١). قال ابن حجر ﵀: «ومن النوادر أن القاضي عز الدين بن جماعة - وكان يقال له: قاضي القضاة - قال: إنه رأى أباه في المنام فسأله عن حاله فقال: ما كان علي أضر من هذا الاسم، فأمر الموقعين أن لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة بل قاضي المسلمين» (٢).

стр. 429

بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَتَغْيِيِرِ الاسْمِ لأَجْلِ ذَلِكَ •---------------------------------• مقصود الترجمة: تأكيد وجوب احترام أسماء الله تعالى وتعظيمها، والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها (١)، ولزوم تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى (٢). وعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أن كلا البابين يتعلقان بالنهي عن تسمية أحد باسم فيه نوع مشاركة لله تعالى في أسمائه وصفاته كقاضي القضاة، وملك الملوك وحاكم الحكام، وأبي الحكم (٣). «فتسمية (ملك الأملاك) مشابهة لتكنيه (أبي الحكم) من جهة أن في كل منهما اشتراكًا في التسمية، لكن فيها اختلاف من جهة أن (أبا الحكم) راجع إلى شيء يفعله هو، وهو أنه يحكم فيرضون بحكمه وذاك (ملك الأملاك) ادعاء ليس له شيء؛ ولهذا كان أخنع اسم عند الله ﷻ » (٤). وعليه فإن «الفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الذي قبله من باب المنازعة ومن باب مشاركة الرب جل وعلا فيما هو خاص به، وهذا أمره عظيم جدًّا.

стр. 430

أما هذا فليس من باب المنازعة؛ لأنه قد يكون غير مقصود، وقد يكون لأمر يفعله الفاعل فيسمى باسم مأخوذ من الفعل كما في هذا الحديث، وقد يكون أيضًا عن قصد حسن، ولكنه ما فهم معنى هذا التكني أو هذا التسمي، فيكون غير آثم حتى يطلع على الحكم، فإذا اطلع على ذلك وجب عليه أن يغير الاسم، تعظيمًا لله جل وعلا واحترامًا لأسمائه، فيكون هذا الباب في الخطورة أقل من الباب الذي قبله. وأما مناسبة الباب لكتاب التوحيد فظاهرة: إذ إن احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك من تمام تحقيق التوحيد (١).

стр. 431

عَنْ أَبِي شريْحٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ، ........................ •---------------------------------• حديث أبي شريح عند أبي داود وغيره، كما ذكر المصنف (١)، وإسناده صحيح. وأبو شريْحٍ: - بضم الشين وفتح الراء- هو هانئ بن يزيد الكندي، صحابي جاء وافدًا إلى النبي ﷺ مع قومه، وله رواية. «يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ»: أي: ينادى به.

стр. 432

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ? : «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ» , فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضيَ كِلَا الفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ ........................................... •---------------------------------• «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ»: على سبيل الإنكار على أبي شريح (١)، والحَكَم هو من أسماء الله ﵎. قال البغوي: «والحَكَم: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله » (٢). «وَإِلَيْهِ الحُكْمُ»: يعني أن الحكم إليه لا إلى غيره، فإليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة (٣). «فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ»: هذا بيان لسبب تسميته بأبي الحكم، أي: أنا لم أكن نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها (٤). «مَا أَحْسَنَ هَذَا»: الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي ﷺ غيَّره. وقال بعضهم: ما أحسن هذا! أي: ما ذكرت من وجه الكنية، وهو تفسير ضعيف (٥).

стр. 433

قَالَ: شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شريْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. •---------------------------------• «شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله»: الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن (١). «فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ»: أي رعاية للأكبر منهم في التكريم والإجلال، فإن الكبير أولى بذلك (٢)، وفي هذا دليل على تقديم الكبير في كل ما كان من باب التكريم. لماذا غير النبي ﷺ كنية أبي شريح؟ الجواب: غيره النبي ﷺ ، لأمرين: الأول: أن الحَكَم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله! الثاني: أن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحُكم، وأسماء الله إذا لوحظ فيها معنى الصفة، لا يجوز التسمي بها إجماعًا. وخلاصة دلالة الحديث: وجوب احترام أسماء الله وذلك بتغيير الاسم أو الكنية إذا كان يوهم مشابهة أسماء الله وصفاته (٣).

стр. 434

بَابُ مَنْ هَزَلَ بِشيءٍ فِيهِ ذِكْرُ الله أَو القُرْآنِ أَو الرَّسُولِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان حكم من استهزأ بشيءٍ فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ وأنه يكفر بالله بالإجماع، ولو كان مازحًا أو هازلًا؛ لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة (١). قال ابن تيمية ﵀: «إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده» (٢). وقال السعدي: «أي فإن هذا مناف للإيمان بالكلية، ومخرج من الدين؛ لأن أصل الدين الإيمان بالله وكتبه ورسله. ومن الإيمان تعظيم ذلك، ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر وزيادة احتقار وازدراء» (٣). وقال شيخنا ابن باز ﵀: «هذا الباب لبيان حكم المستهزئين بالله وبالقرآن وبالرسول ﷺ وأن حكمهم أنهم مرتدون إذا كانوا مسلمين، وأن الاستهزاء ردة وكفر» (٤).

стр. 435

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ، ....................... •---------------------------------• ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الاستهزاء بالله أو رسوله أو كتابه كفرٌ بالله منافٍ للتوحيدٍ جملةً وتفصيلًا. «مَنْ هَزَلَ»: سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا. «أَو الرَّسُولِ»: المراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدًا ﷺ ؛ فـ (أل) للجنس وليست للعهد (١). ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ «هذه الآية نص في أن المستهزئ بالله، وبالرسول، وبآيات الله جل وعلا -والمقصود بها آيات الله جل وعلا الشرعية، يعني: القرآن- أن هذا المستهزئ كافر، وأنه لا ينفعه اعتذاره بأنه كان في هزل ولعب، بل هو كافر؛ لأن تعظيم الله جل وعلا وتوحيده يوجب عليه أن لا يستهزئ» (٢). «عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ» (٣).

стр. 436

دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللَّقَاءِ، يَعْنِي رَسُولَ الله? ، وَأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ، فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله? ، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. •---------------------------------• ومعنى: «دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ» أن ألفاظهم متقاربة، والمعنى واحد؛ فَجُمِعَ الحديث من رواياتهم، وسيق سياقًا واحدًا؛ فدخل بعضه في بعض (١). «أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ»: لم أقف على تسمية القائل؛ لذلك أبهم اسمه في جميع الروايات التي وقفت عليها. «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ»: القراء جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم لمعناه، فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع. «أَرْغَبَ بُطُونًا»: أي: أوسع بطونًا. الرغب والرغيب: الواسع يقال: جوف رغيب وواد رغيب، يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل (٢).

стр. 437

فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ الله? ، وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله? : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآيَة, مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ. •---------------------------------• من سب الله أو رسوله هل له توبة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة. والقول الثاني: أنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، وهو اختيار ابن تيمية وشيخنا ابن عثيمين. وهذا القول هو الأقرب؛ إلا أن ساب الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنها تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعًا. فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟ أجيب: بلى، هذا صحيح لكن هذا في حياته ﷺ ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته، فلا ندري يسقطه أم لا؟ وخلاصة المقصود من هذا الباب: أن المستهزئ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول مستخف بجناب الربوبية والرسالة وذلك، قدح في أصل التوحيد، ولا يصدر مثل هذا ممن حقق التوحيد، فكان الواجب الحذر من ذلك في حال الجد والمزح؛ لأن حكمهما واحد في هذا الباب.

стр. 438

بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ الآية. •---------------------------------• «مقصود الترجمة: أن كل من زعم أن ما أوتيه من النعم والرزق فهو بكده وحذقه وفطنته، أو أنه مستحق لذلك لما يظن له على الله من الحق، فإن هذا مناف للتوحيد؛ لأن المؤمن حقا من يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة ويثني على الله بها، ويضيفها إلى فضله وإحسانه، ويستعين بها على طاعته، ولا يرى له حقا على الله، وإنما الحق كله لله، وأنه عبد محض من جميع الوجوه، فبهذا يتحقق الإيمان والتوحيد، وبضده يتحقق كفران النعم، والعُجْب بالنفس والإدلال الذي هو من أعظم العيوب» (١). ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه؛ ففيه نوع من الإشراك بالربوبية، وإذا أضافها إلى الله، لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضل، لكن لأنه أهل؛ ففيه نوع من التَّعلِّي والترفع في جانب العبودية. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾: الضمير يعود على الإنسان، والمراد به الجنس. وقيل: المراد به الكافر. والظاهر أن المراد به الجنس (٢). ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾: فلا يشكر الله ويعترف بنعمته، بل ينسب هذه النعمة إليه هو وإلى كده وكسبه، أو إلى آبائه وأجداده، وهذا كفر بنعمة الله وإعجاب بالنفس.

стр. 439

قَالَ مُجَاهِدٌ: «هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «يُرِيدُ مِنْ عِنْدِي». وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قَالَ قَتَادَةُ: «عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ». وَقَالَ آخَرُونَ: «عَلَى عِلْمٍ مِنَ الله أَنِّي لَهُ أَهْلٌ»، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: «أُوْتِيتُهُ عَلَى شرفٍ». •---------------------------------• قول مجاهد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١)، بإسناد صحيح. وأثر ابن عباس ﵁ حكاه القرطبي في تفسيره (٢)، بلفظ: «قال ابن عباس: على علم عندي بصنعة الذهب». وقول قتادة حكاه عنه القرطبي في تفسيره (٣)، وذكره عدد من المفسرين ولم ينسبوه لأحد (٤). وهذه الآثار التي نقلها المؤلف هنا فيها ذم من ينسب العلم والفضل لنفسه، ويرى أنه أهل لعطاء الله وفضله، وأن ذلك بعمله واستحقاقه، وهذا نوع من الإشراك في الربوبية.

стр. 440

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسرائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوِ البَقَرُ - شَكَّ إِسْحَاقُ - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشراءَ، وَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أَوِ الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا. •---------------------------------• حديث أبي هريرة في الصحيحين (١)، والشاهد منه قول الرجل الذي كان أبرصَ، والرجل الذي كان أقرعَ، «وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ» حيث لم ينسب الفضل لله تعالى. وفي الحديث مسائل منها: أولًا: بيان قدرة الله بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك عليهم. ثانيًا: أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: «أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ»، وكذلك الأقرع والأعمى، لكن هذا -والله أعلم- ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى. ويشهد لذلك ما جاء في الصحيح أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبي.

стр. 441

فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصري، فَأُبْصر بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصرهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَان وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَد انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبَرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللهُ المَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. •---------------------------------• ثالثًا: أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحًا أو معاني أو قوى فقط. رابعًا: جواز الدعاء المعلق، لقوله: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ»، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]. وفي دعاء الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي» الحديث (١). خامسًا: جواز التنزل مع الخصم؛ لأجل إفحام الخصم؛ لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله، وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ومعلوم أن الرسول ﷺ وأصحابه على هدى وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.

стр. 442

قَالَ: وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاَذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيلٍ قَد انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصركَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصري، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوالله لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشيءٍ أَخَذْتَهُ لله، فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضي اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ». أَخْرَجَاهُ. •---------------------------------• سادسًا: أن البركة لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. سابعًا: هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مستجاب أو أن هذه قضية عين؟ الظاهر أنها قضية عين، وإلا، لكان الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، وقال الملك: آمين ولك بمثله، علمنا أن الدعاء قد استُجيب. ثامنًا: بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال. تاسعًا: جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني وما أشبه ذلك إذا كان فيه مصلحة. عاشرًا: ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله: «ورثته كابرًا عن كابر». الحادي عشر: أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئًا لم يكن من أجل الاختبار؛ لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.

стр. 443

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود المصنف من الترجمة يظهر من وجهين: الوجه الأول: «أن من أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم أن يشكروا الله على إنعامه، وأن لا يُعَبِّدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد» (١). الوجه الثاني: «بيان تحريم التعبيد لغير الله، وأنه لا يجوز أن يُعبَّد أحد لغير الله، فلا يقال: عبد النبي أو عبد الكعبة أو عبد الحسين وما أشبه ذلك، بل يكون التعبيد لله وحده، كعبد الرحمن وعبد الله ... إلخ؛ لأن الله ذم من فعل ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، وهذا ذم وعيب لمن فعله» (٢). ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أنَّ تعبيد الأولاد وغيرهم لغير الله في التسمية شركٌ في الطاعة وكفرٌ بالنعمة. وهذا منافٍ للتوحيد: إما في أصله، أو في كماله على حسب نوع الشرك المقصود. فإن كان المقصود مجرد التسمية فهذا شرك ينافي كمال التوحيد، أما إن كان المقصود تعبيد التأله لغير الله فإنه شرك أكبر ينافي التوحيد (٣).

стр. 444

قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على قولين: قال الشيخ الشنقيطي ﵀: «في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما: الأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت، فجاءها الشيطان، فقال لها: سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٩٠] أي ولدًا إنسانًا ذكرًا، جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره. الوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]. ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠، ١٩١]. وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير، والعلم عند الله تعالى» (١). والوجه الثاني أقرب للصواب والله أعلم.

стр. 445

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله، كَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ. •---------------------------------• «قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله» قول ابن حزم هذا في مراتب الإجماع له (١). قوله: «اتَّفَقُوا»: الظاهر أن المراد أجمعوا، فمقصوده حكاية الإجماع لا حكاية الاتفاق على طريقة المتأخرين (٢). «حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ»: الذين استثنوا هذا من عموم النهي استثنوه لسببين: الأول: أن النبي ﷺ أقر ذلك ولم يقر غيره. والثاني: أن تسميته بهذا الاسم لا محذور فيها؛ لأن أصله من عبودية الرق (٣). والصواب: أنه لا وجه لهذا الاستثناء، فلا يجوز أن يسمى أحد الآن عبد المطلب، وإنما يقال عبد المطلب حكاية لشيء مضى وانتهى، وأما بعد الإسلام فلا يجوز أن يسمى أحد بهذه الأسماء (٤). ولو قال قائل: إذا كان ابن حزم قد حكى الإجماع على جواز التسمية بعبد المطلب، فكيف يجوز خلافه؟ الجواب: كلام ابن حزم ليس صريحًا في حكاية الإجماع على جواز ذلك بعبد المطلب فيحتمل أن مراده حكاية الخلاف فيه، ويكون التقدير: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، أي: فإنهم لم يتفقوا على تحريمه، بل اختلفوا.

стр. 446

«فإن قيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبَّد لغير الله وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ» (١)، وصح أنه قال: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (٢). فالجواب: أما قوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ» فلم يرد به الاسم، وإنما أراد به الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم، فرضي بعبوديتها عن عبودية ربه تعالى، وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظاهر. أما قوله: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عُرف به المسمى دون غيره، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، ولا وجه لتخصيص أبي محمد بن حزم ذلك بعبد المطلب خاصة. فقد كان الصحابة يسمون بني عبد شمس وبني عبد الدار بأسمائهم ولا ينكر عليهم النبي، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء» (٣).

стр. 447

وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مَعْنَى الآيَةِ. قَالَ: لمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الجَنَّةِ لَتُطِيعَانِّنِي أَوْ لأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكَ فَيَشُقُّهُ، وَلأَفْعَلَنَّ وَلأَفْعَلَنَّ، يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيْتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيْتًا، ثُمَ حَمَلَتَ فَأَتَاهُمَا فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. •---------------------------------• «وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مَعْنَى الآيَةِ» أثر ابن عباس رواه ابن أبي حاتم كما قال المؤلف (١)، وإسناده ضعيف (٢). قال ابن كثير-معلقًا على هذا الأثر ونحوه-: «وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم -أنها من آثار أهل الكتاب ... وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀، في هذا والله أعلم، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]» (٣).

стр. 448

والقصة التي ساقها المؤلف هنا عن ابن عباس في هذا الأثر باطلة من وجوه: الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ ، وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبه موضوعة. الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء، لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة: إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كانا تابا من الشرك، فحكمة الله ورحمته تقتضي عدم ذكر خطئهما بعدما تابا، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك. الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء. الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة، وهو معصية، ولو وقع منه الشرك، لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى.

стр. 449

الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: «أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة»، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: «أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة»، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفًا ولا عدلًا. الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: «لأجعلن له قرني أيل»: إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه، فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أولا يصدقا، فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه. الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء، لقال: عما يشركان. فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرؤون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا، فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًا. وقد ورد في ذلك حديثٌ مرفوعٌ ضعيف عن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لما حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ» (١).

стр. 450

وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: شركَاءُ فِي طَاعَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ. وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ , قَالَ: أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا. وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الحَسَنِ وَسَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا. •---------------------------------• «وَلَهُ» أي: لابن أبي حاتم، وهو عند الطبري أيضًا (١)، وسنده صحيح. «وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ»، عند ابن أبي حاتم (٢)، كما أشار المصنف. «أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا» أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانًا أو غيره.

стр. 451

وخلاصة ما يدل عليه الباب: وجوب نسبة الفضل والعطاء لله تعالى فهو المنعم المتفضل، ومن تمام ذلك تعبيد الأولاد لله تعالى وتحريم تعبيدهم لغيره.

стр. 452

بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود المصنف من هذه الترجمة أمران: الأول: بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، والتدليل على منافاة الإلحاد في أسماء الله تعالى للتوحيد الخالص، وأنه كفرٌ بالله تعالى؛ لأن هذا الكتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. الثاني: الرد على من يتوسل إلى الله بالأموات، وبيان أن التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا (١). وعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أنه يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات الذي هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا الكتاب جامعٌ لهذه الأنواع كلها. ووجهٌ آخر: وهو تعلق هذا الباب بتوحيد الألوهية؛ إذ إنه يمكن حمل الباب على أن المصنف أراد به الرد على من يتوسل بذوات الأموات، فنبه على التوسل المشروع وهو التوسل بأسماء الله وصفاته، فتكون هذه مناسبة الباب لكتاب التوحيد من وجهٍ آخر. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ «هذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب.

стр. 453

فيقول الداعي مثلًا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف ونحو ذلك» (١). قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أمرٌ بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين» (٢). «قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ليس بأمر من الله لنبيِّه ﷺ بترك المشركين أن يقولوا ذلك ... ، وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضع آخر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الحجر: ٣] الآية، ... وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد، ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه، فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله» (٣). والإلحاد لغةً: هو الميل، ومنه سمي اللحد لحدًا؛ لأنه مائل. وشرعًا: الإلحاد في أسماء الله وصفاته هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أربعة أنواع: الأول: أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم.

стр. 454

ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يُشركُونَ. وَعَنْهُ: سَمَّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ. وَعَن الأَعْمَشِ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا. •---------------------------------• الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه. الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة). الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين (١). ومناسبة الآية للباب وللتوحيد: أنها دلت على تحريم الإلحاد في أسماء الله وصفاته، ومن الإلحاد تسمية المخلوق بأسماء الله، وتسمية الله بأسماء المخلوقين، وهذا شرك في أسماء الله وصفاته (٢). «ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ» هذا وهم من المصنف ﵀، والصحيح أنه عن قتادة (٣).

стр. 455

«وَعَنْهُ: سَمَّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ»: هذا الأثر بهذا السياق هو من قول مجاهد وليس من قول ابن عباس، وقد رواه عنه الطبري في تفسيره (١)، ولم أقف عليه عند ابن أبي حاتم. «وَعَن الأَعْمَشِ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا»: هذا عند ابن أبي حاتم كما ذكر المصنف (٢). وكما جاء الوعيد على الإلحاد في أسمائه سبحانه فقد جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]، فقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيها تهديد؛ لأن المعنى سنعاقبهم، والجملة قبلها مؤكدة بـ (إنَّ). والإلحاد يكون في الآيات الكونية والآيات الشرعية. الإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع: ١ - اعتقاد أن أحدًا سوى الله منفرد بها أو ببعضها. ٢ - اعتقاد أن أحدًا مشارك لله فيها. ٣ - اعتقاد أن لله فيها معينًا في إيجادها وخلقها وتدبيرها. وكل ما يخل بتوحيد الربوبية، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية. والإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع: ١ - تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار. ٢ - مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام.

стр. 456

٣ - التحريف في الأخبار والأحكام. والآيات الشرعية: هي ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وخلاصة المقصود من هذا الباب: وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، وتحريم الإلحاد فيها، وأن ذلك مناف للتوحيد وكفر بالله تعالى.

стр. 457

بَابٌ لا يُقَالُ السَّلامُ عَلَى الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: النهي عن قول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ لأن الله يُطْلَبُ منه السلام، ولا يُطْلَبُ له ذلك؛ لأنه هو معطيه ومانحه، وغيره من المخلوقين هو الْمُعْطَى. فإذا سلمنا على غيرنا من البشر، وقلنا لهم: «السلام عليكم» فهذا يعني: أننا طلبنا من الله تعالى لهم السلامة والبراءة والنجاة والخلاص من جميع الشرور والعيوب، ولكن لا يجوز بحالٍ من الاحوال أن نعكس الأمر فنقول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ إذ الله تعالى يُطْلَبُ منه ذلك، ولا يُطْلَبُ له، كما بَيَّنَّا آنفًا، فهو غنيٌّ عن جميع العالمين، وجميع خلقه لن يبلغوا نفعه فينفعوه، ولن يبلغوا ضره فيضروه تعالى وتقدس (١). وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن صفات الله تعالى عليا وأسماءه حسنى، فجاء المنع من قول: «السَّلامُ عَلَى الله» حماية لجنابه تعالى من النقص المنافي لكمال توحيده (٢). وأما بالنسبة لمناسبة الباب للذي قبله فهي ظاهرةٌ؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله، المتضمنة لصفاته، والتحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها؛ إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها؛ فاتضحت بذلك المناسبة بين البابين (٣).

стр. 458

فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ? : «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ». •---------------------------------• «فِي الصَّحِيحِ»: أي الصحيحين (١). «قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ»: أي يقولون ذلك في التشهد الأخير كما هو مصرح به في بعض ألفاظ الحديث: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٢). «السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ»: المقصود بهم الملائكة (٣)، والدليل على ذلك نفس الحديث السابق الذي مر معنا: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ... ». «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله»: هذا نهي منه ﷺ عن هذه الكلمة، والنهي يقتضي التحريم (٤).

стр. 459

ونهى عن ذلك لأمرين: الأول: أن مثل هذا الدعاء يُوهم النقص في حقه. الثاني: إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يُدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا. «فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»: تعليلٌ للنهي، بأن السلام من أسمائه سبحانه، فهو غنيٌّ عن أن يُسلَّم عليه. وهذا صريح في كون السلام اسمًا من أسمائه (١). واسم السلام له معنيان: المعنى الأول: السالم في نفسه: أي المنزه من كل عيبٍ ونقصٍ، الموصوف بكل كمال؛ فله الكمال المطلق: في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله (٢). المعنى الثاني: المسلم لعباده: فيعطيهم السلام والسلامة من الآفات والنقائص والمكاره (٣). ومناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُقال: السلام على الله، وهذا يقتضي التحريم (٤). ومناسبة الحديث للتوحيد: أنه أفاد أن السلام على الله مناف للتوحيد؛ وذلك أن السلام دعاء بالسلامة من العيوب والنقائص، والله منزه عن ذلك (٥).

стр. 460

بَابُ قَوْلِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» •---------------------------------• مقصود الترجمة: النهي عن قول: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»؛ لأن هذا القول يدل على فتور الرغبة فيما عند الله، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله تعالى (١). وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: تتبين من جهتين: ١ - من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى؛ لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل إنه لا يسأل عما يفعل؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظمه الأشياء التي يعطيها؛ فكان فيه قدح في جوده وكرمه. ٢ - من ناحية العبد؛ فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات (٢). وأما مناسبة الباب للذي قبله: فهي أن المصنف تكلم في الباب السابق عن صيانة صفات الله تعالى من النقص، وأما في هذا الباب فقد تكلم عن أمرٍ يقتضي كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وهذه من الصفات أيضًا (٣).
следующие страницы →