وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٣].
•---------------------------------•
وقد دلت الآية أيضًا على وجوب الكفر بما يعبد من دون الله، وهو الشرط الثاني من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وقد سبق الحديث عن هذه الشروط في شروح سابقة (١).
والطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدِّ في كل شيء.
وقد عرفه ابن القيم ﵀ بقوله: «الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت» (٢).
والآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به (٣).
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، أي: أَمَر وألزم وأوجب أن يفرد وحده بالعبادة.
وهذه الآية أفادت حصر العبادة لله وحده بطريق النفي والإثبات، مقررةً بذلك معنى (لا إله إلا الله)، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ في معنى (إلا الله).
стр. 37
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].
•---------------------------------•
وطريقة القرآن «أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي؛ فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات» (١).
والقضاء: في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاء شرعي؛ لأن «قضاء الله ينقسم إلى قسمين:
١ - قضاء شرعي. ٢ - قضاء كوني.
فالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه، وقد يقع وقد لا يقع، ولا يكون إلَّا فيما يحبه الله، مثال ذلك: هذه الآية ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فتكون قضى بمعنى شرع.
والقضاء الكوني: لا بدَّ من وقوعه، ويكون فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]» (٢).
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: «يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات (٣) والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته» (٤).
стр. 38
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
•---------------------------------•
وقد اشتملت الآية السابقة على نفي، وإثبات: فقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ نفي في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إثبات في معنى (إلا الله).
والأمر بعبادة الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يفيد النهي عن عبادة غيره؛ لأن من المقرر في علم الأصول: أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ثم جاء النهي الصريح بعده بقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ من باب التأكيد.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم الشرك جميعه قليله وكثيره، صغيره وكبيره.
وهذه الآية تسمى (آية الحقوق العشرة)؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
وقد ذكر الله تعالى جميع الحقوق في هذه الآية بمفردها، ما عدا حقه سبحانه، فإنه أمر به ونهى عن ضده، وبدأ به الآية؛ لأنه أحق الحقوق، وما بعده مَبْنِيٌّ عليه.
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ تسمى هذه الآية: آية الوصايا العشر.
وفي هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك: تعالوا، أيها القوم، أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًّا يقينًا، لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم =
стр. 39
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ , إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية.
•---------------------------------•
= على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا، ولكن وحيًا من الله أوحاه إليَّ، وتنزيلا أنزله عليَّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه (١).
لماذا قال في الآية: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقل: ما حرم الله؟
الجواب: أن اسم الرب هنا أنسب؛ لأن المقام مقام حجة وبيان، فكأنه يقول لهم: إذا كان الله هو الذي رباكم بالنعم فلماذا تعبدون غيره؟
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ... إلخ» هذا الأثر عند الترمذي، والطبراني والبيهقي (٢)، وفيه مقال (٣).
стр. 40
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟ » , قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؛ قَالَ: «حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا». أخرجاه في الصحيحين.
•---------------------------------•
«وَصيةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ» ليس المراد بها وصية مكتوبة مختومًا عليها؛ لأن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه ترك وصية بهذه الصورة، ولكن مراد ابن مسعود ﵁ أنه لو قُدِّر أن النبي ﷺ ترك وصية مختومًا عليها بعد وفاته لكانت هذه الآيات، وهذا يدل على أهمية هذه الآيات وعظم شأنها؛ وذلك لأنها حوت وصايا قيمة ومهمة أولها النهي عن الشرك، هذه الآيات الكريمة جاءت جامعة شاملة لمقاصد الشريعة ولب الإسلام.
«عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ ... إلخ». الحديث متفق عليه، كما صرح المصنف بقوله: «أخرجاه في الصحيحين» (١).
وقد أورد المصنف ﵀ هذا الحديث لمناسبة اسم الكتاب (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) فناسب أن يذكر من النصوص ما يبين بيانًا واضحًا حق الله على العبيد؛ فذكر هذا الحديث.
стр. 41
«أَتَدْرِي»: «الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها، ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه ﷺ » (١).
«مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ» أي: ما أوجبه وجعله محتمًا عليهم.
«مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله» أي: ما أوجبه على نفسه، تكرمًا وتفضلًا، لا على سبيل المعاوضة بين الخالق والمخلوق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه ... وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]» (٢).
«حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» هذا هو توحيد الألوهية، وهو يقرر معنى (لا إله إلا الله) وأن ذلك مشتمل على إثبات ونفي، فقوله: «أَنْ يَعْبُدُوهُ» في معنى (إلا الله)، وقوله: «وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» في معنى (لا إله).
«قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟ » البشارة هي الإخبار بما يسر، وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] لكن الأكثر الأول، وهو المراد هنا، كما أن الثاني لا يأتي مطلقًا بل مقيدًا.
стр. 42
«لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» هنا لطيفة مستوحاة من هذه الجملة، وهي: أنه لا ينبغي تحديث الناس بالرخص التي لا تبلغها عقولهم.
ولذا قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكِلُوا، أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل وخشيةً لله ، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يأمن أن يقصر اتكالًا على ظاهر هذا الخبر (١).
وهل نهي النبي ﷺ لمعاذ في قوله: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» للتحريم؟
الذي يظهر، والله أعلم أن هذا النهي ليس للتحريم، بل هو أمر اقتضته المصلحة؛ ولذلك علل النبي ﷺ بقوله: «فَيَتَّكِلُوا» لأن الاتكال على رحمة الله وحدها دون العمل، يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.
وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة، ويسبب اليأس من رحمة الله؛ ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: «ينبغي أن يكون -أي العبد- سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه» (٢).
لذا ينبغي أن يسير المسلم بين الخوف والرجاء دون تغليبٍ لأحدهما على الآخر، إلا عند الموت فيُشْرَع تغليب جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لقوله ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله » (٣).
•••
стр. 43
بابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان أن التوحيد بأنواعه الثلاثة له فضلٌ عظيمٌ يفوق فضل جميع الأعمال الصالحة الأخرى، ومن هذا الفضل تكفير الذنوب جميعًا، والحصول على الأمن بكل معانيه للأفراد والمجتمعات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، ونحو ذلك. فأراد المؤلف أَنْ يُرَغِّبَ في التوحيد ويَحُثَّ عليه؛ لأن الشيء إذا عُلِمَ فضله ومقامه، تعلقت به القلوب، وحرصت عليه النفوس.
قال شيخنا ابن باز ﵀: «أراد المؤلف بيان شيء من فضل التوحيد، وأنه أعظم الأعمال في تكفير الذنوب؛ لأنه أساس الأعمال وأصلها، والأعمال لا تصح إلا بعد وجوده» (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد وللباب الذي قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر في الترجمة السابقة وجوب التوحيد، وأنه الفرض الأعظم على جميع العبيد، ذكر هنا فضله؛ وهو آثاره الحميدة ونتائجه الجميلة، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة، مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله (٢).
«وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ» هذا من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفيرها من بعض فضائله وآثاره كما ذكر شواهد ذلك في الترجمة (٣).
стр. 44
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢].
•---------------------------------•
و(ما) في قوله: «وَمَا يُكفِّرُ» قيل: هي (ما) الموصولة يعني باب التوحيد والذي يكفر من الذنوب، وقيل هي مصدرية، أي: وبيان تكفيره للذنوب، وهذا أرجح؛ لأن الأول يوهم أن ثمَّ ذنوبًا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد (١).
والتوحيد له فضائل كثيرة وعظيمة، منها أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما (٢).
«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾» أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك؛ لأن الظلم هنا المراد به الشرك، ولذلك لما نزلت هذه الآية شَقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أَيُّنَا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٣).
و(الظلم) في آية الباب جاء نكرة في سياق النفي فيعمُّ كلَّ أنواع الظلم، ولكن العموم هنا دخله التخصيص، فيكون المراد به عموم أنواع الشرك، وليس عموم أنواع الظلم.
стр. 45
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ, وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ, وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» أخرجاه.
•---------------------------------•
ووجه مناسبة الآية للباب: أنَّ من لم يلبس إيمانه بشرك فله الأمن التام، والاهتداء الكامل، وهذا من أعظم فضائل التوحيد، ويظهر هذا المعنى بذكر الآية بتمامها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
والأمن في الآية شامل لجميع أنواع الأمن؛ فمنه: الأمن النفسي، والاجتماعي، والأمن في الأوطان؛ ولهذا تجد البلد الذي أهله موحدون أكثر الناس استقرارًا، والبلد الذي ينتشر فيه الشرك يضعف في أهلها الأمن والاستقرار، وانشراح النفوس وسعادتها.
يقول ابن القيم ﵀: «على قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء» (١).
حديث عبادة بن الصامت متفق عليه (٢)، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله».
قال النووي ﵀: «هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد» (٣).
стр. 46
ومناسبة هذا الحديث للباب: أن من حقق التوحيد وشهد بهذه الشهادات، أدخله الله الجنة، وهذا فضل عظيم من فضائل التوحيد.
«مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أي: من نطق بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، موقنًا بها (١)؛ لأنه لا يكفي التلفظ بالشهادة، بل لا بد من النطق والعلم والعمل بمقتضى هذه الكلمة.
«وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ» تأكيد لمعنى شهادة أن لا إله إلا الله، فقوله: «وَحْدَهُ» فيه تأكيد للإثبات (إلا الله)، وقوله: «لَا شريكَ لَهُ» تأكيد للنفي (لا إله)، وجاء التأكيد هنا ليدلل على عظمة التوحيد، وخطورة الشرك.
«وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» أي: وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل (٢).
وفي قوله: «عَبْدُهُ» بيان أنه عبد لله فلا يُعبد؛ وذلك ردًّا على الذين غلوا فيه، ورفعوه إلى مرتبة الألوهية كما في قول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
стр. 47
قال ابن رجب وغيره: «إنه -أي: البصيري- لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ ». وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إنَّ المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.
وفي قوله: «وَرَسُولُهُ» بيان أنه مرسل من عند الله، فلا يُكذب، بل يصدق ويتَّبَع، وهو ردٌّ على الجافين الذين يكذِّبون برسالته ﷺ ، ولا يصدقونه ولا يُطيعونه.
«وَأَنَّ عيسى عَبْدُ الله» فيه رد على النصارى الذين يعتقدون أن عيسى هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
قال الطيبي: «في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض» (١).
«وَرَسُولُهُ» فيه ردٌ على اليهود الذين كذبوه وأنكروا رسالته، ورموه بالبهت، فقالوا: إنه ولد بغي، قال القسطلاني: (ورسوله): تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه (٢).
«وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ» قال قتادة ﵀: «هو قول الله تعالى: (كن)، فكان» (٣)، أي: أنَّ عيسى خُلق بكلمة من الله، وهي قوله: (كن)؛ لأن عيسى وُجد من غير أب، وإضافة الكلمة إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن الكلام - ومنه قوله: (كن) - صفة من صفات الله جلَّ وعلا.
стр. 48
قال الإمام أحمد ﵀: «الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كُن) فكان عيسى بـ (كُن) وليس عيسى هو (كُن)، ولكن بـ (كُن) كان» (١).
ومراد الإمام أحمد أنَّ عيسى ليس هو نفس الكلمة؛ وإنما سُمِّيَ بالكلمة لأنه خُلق بها، وعيسى مخلوق تجري عليه جميع الأحوال البشرية، وهو ذات بائنة عن الله تعالى، وأما كلمة (كن) التي خلق بها فهي من قول الله ، وليست شيئًا مخلوقًا؛ لأن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه (٢).
«وَرُوحٌ مِنْهُ» (من) هنا ليست للتبعيض كما يقول النصارى حيث جعلوا عيسى ﵇ جزء من الله - تعالى الله عن ذلك - ولكنها لابتداء الغاية، والإضافة إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله.
والمعنى: صار جسده ﵇ بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله، أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم. وعيسى ﵇ ليس روحًا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فبالنفخ صار جسدًا، وبالروح صار جسدًا وروحًا (٣).
«وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ» أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق، أي ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة (٤).
стр. 49
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ ﵁: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
•---------------------------------•
«وَلَهُمَا» أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما (١).
«فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ» (عِتبان) - بكسر العين - هو ابن مالك الخزرجي صحابي ممن شهد بدرًا من الأنصار.
«فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله» أي من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه لا يريد بذلك إلا وجه الله، منع الله النار أن تأكل جسده. فالنطق بالشهادة يقتضي العمل بما تدل عليه، فلا يكفي مجرد النطق، وثم قيد مهم في هذا قد أشار إليه حديث الباب: أن يكون خالصًا صادقًا، كما قال: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
وهذا هو وجه مناسبة الحديث لترجمة الباب، حيث إن التوحيد سببٌ للنجاة من النار، وهذا من الفضائل العظيمة.
فلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن بشرط العمل بمقتضاها، لذلك قيل للحسن: «إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة» (٢).
ومثله ما قيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: «بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك» (٣).
стр. 50
وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) ، وهي (١):
١ - العلم المنافي للجهل.
٢ - اليقين المنافي للشك.
٣ - الإخلاص المنافي للشرك.
٤ - الصدق المنافي للكذب.
٥ - المحبة المنافية للبغض.
٦ - الانقياد المنافي للترك.
٧ - القبول المنافي للرد.
٨ - الكفر بما يعبد من دون الله.
وقد نظم بعض العلماء هذه الشروط، فقال:
عِلْمٌ يَقِينٌ وإِخْلاصٌ وصِدْقُكَ مَع ... مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لها
ونظم بعضهم زائدًا على البيت الأول:
وَزِيدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا ... سِوَى الإِلهِ من الأَوْثَانِ قَدْ أُلِها
стр. 51
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «قَالَ مُوسى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ, قَالَ: قُلْ يَا مُوسى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي, وَالأَرَضينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ, وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رواهُ ابنُ حبانَ, والحاكمُ وصححه.
•---------------------------------•
حديث أبي سعيد أخرجه ابن حبان والحاكم (١)، إسناده ضعيف.
«يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ» أراد موسى ﵇ أن يخصه الله بشيء يذكره ويدعوه به، ويدل على طلب التخصيص قوله: «يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا»، مما يدل على أنه يريد شيئًا يخصه.
«مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أي: رجحت عليهن، وذلك لما اشتملت عليه من توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال، وأساس الملة، ورأس الدين.
ولا سيما إذا كان التوحيد نابعًا من قلب صادق؛ لأن «الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض» (٢).
стр. 52
وللتِّرمذيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشركُ بِي شيئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
•---------------------------------•
ومناسبة الحديث للباب: أنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا يعدلها شيء البتة، وأن فضلها عظيم عند الله تعالى.
حديث أنس عند الترمذي، حسن بشواهده (١).
«ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ... إلخ» والمعنى أن «من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا إلى مشيئة الله ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. قال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية» (٢).
стр. 53
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان سعة فضل الله، وكثرة ثواب التوحيد عند الله وتكفيره للذنوب.
وخلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب: كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته، حيث وعد عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد، فإنه يقابله بالمغفرة الواسعة التي تسع ذنوبه، والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق، ويلتقون مع الخوارج في النتيجة؛ ألا وهي تخليده في النار أبدًا.
стр. 54
بابُ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان عظم درجة من حَقَّقَ التوحيد؛ ولَمَّا كان الباب السابق في فضل التوحيد، ناسب أن يذكر هنا تحقيق التوحيد؛ لأن الشيء لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه. وتحقيق التوحيد قدرٌ زائدٌ على بيان ماهيته.
وعلاقة هذا الباب بالذي سبقه: أن ذاك يتعلق بمن وَحَّدَ الله ولم يشرك بالله، ولكن قد يكون عنده بعض المعاصي والبدع الإضافية، فهذا قد يغفر الله له ذنوبه، ويدخله الجنة ابتداءً، وقد يعذبه بقدر خطاياه، ثم يدخل الجنة.
وأما هذا الباب فيختص بمن وَحَّدَ الله حق التوحيد، ولم يشرك به شيئًا، وسَلِمَ من شوائب المعاصي والذنوب ونحوها، فهذا له مرتبةٌ أعلى، ويدخل الجنة بغير حساب.
وذهب بعض الشراح إلى أن هذا الباب تكميل للباب الذي قبله وتابع له. فإن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع القولية الاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد، وتمنع كماله وتعوقه عن حصول آثاره (١).
والأقرب أن الباب السابق في فضل من أتى بأصل التوحيد، وهذا الباب في فضل من أتى بالتوحيد الكامل، فيكون السابق عامًّا، وهذا خاص.
стр. 55
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
•---------------------------------•
و«تحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:
الأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئًا قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد موجب ما علمت، لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] يتعجبون ممن يعتقد انفراد الله بالألوهية.
الثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد، لم تحقق التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] فإذا حصل هذا وحقق التوحيد; فإن الجنة مضمونة له بغير حساب» (١).
«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾» مناسبة الآية للباب: من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم ﵇ بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد ترغيبًا في اتباعه في التوحيد (٢).
ومعنى ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ أي: قدوةً وإمامًا معلمًا للخير، وما ذاك إلا لتكميله مقامي الصبر واليقين اللذين تنال بهما الإمامة في الدين.
стр. 56
وقوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ أي: طائعًا خاضعًا لله، مداومًا على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «القانت: ... هو الذي يطيع الله دائمًا» (١).
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إنَّ مُعاذًا كان أُمَّة قانتًا لله، قال: فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نَسِيَ، إنما ذاك إبراهيم، قال: فقال عبد الله: من نسي؟ ! إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال: وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله» (٢).
لماذا جاء التعبير في الآية الكريمة بقوله: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ولم يقل كان إمامًا؟
الجواب: أن هناك فرق بين الأمة والإمام من وجهين:
أحدهما: أن الإمام كل ما يؤتم به، سواء كان بقصده وشعوره أو لا، ومنه سُمي الطريقُ إمامًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩]، أي: بطريق واضح ... ولا يسمى الطريق أمة.
الثاني: أن الأمة فيه زيادة معنى وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل، بحيث بقي فيها فردًا وحده، فهو الجامع لخصال تفرقت في غيره، فكأنه باين غيره باجتماعها فيه (٣).
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلًا عن الشرك، مستقيمًا على التوحيد.
стр. 57
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٢٠].
عَنْ حُصينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟ , فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاَةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ , قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ.
•---------------------------------•
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيد، لاستمراره على التوحيد، فقد كان ﵊ معصومًا عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين (١).
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي: الذين هم يخلصون العبادة لله وحده، ولا يشركون به غيره. ووجه تحقيق التوحيد من الآية أن هؤلاء سلموا من كل أنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والجلي، والخفي، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية في تحقيق التوحيد.
ومناسبة الآية للترجمة: من جهة أن الله تعالى وصف المؤمنين المسارعين للخيرات السابقين إلى الجنات بعدة صفات أعظمها الثناء عليهم بأنهم بربهم لا يشركون.
قال شيخنا ابن باز ﵀: «هذه صفات أهل التوحيد والإيمان، أنهم كانوا موحدين لله مخلصين له، خالصين من الشرك مع عبادتهم وخوفهم لله، وهذا كمال التوحيد» (٢).
حديث حصين أخرجه البخاري ومسلم (٣) كما ذكر ذلك المصنف.
стр. 58
قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثنَاهُ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصيبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ.
•---------------------------------•
و(حصين): هو حصين بن عبد الرحمن السلمي الحارثيُّ أبو الهذيل الكوفي، من تابعي التابعين مات سنة (١٣٦ هـ) وله (٩٣) سنة.
و(سعيد بن جُبير) هو الوَالِبِيُّ الكوفي، من أعلام التابعين، وكان علمًا ورعًا فقيهًا، من تلاميذ ابن عباس ﵁، قتله الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي سنة (٩٥ هـ) قبل أن يبلغ الخمسين من عمره.
«أَيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟ » يسأل ابن جبير الجالسين أيهم رأى النجم الذي سقط، وهو الشِّهاب الذي يُرمى به الشياطين.
و(البَارِحَة): أقرب ليلة مضت، وسُمِّيَتِ البارحةَ من بَرَحَتْ، أي: مَضَتْ (١).
«فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ» القائل هو حصين، نفى ما يتوهمه الحاضرون من أن سهره في تلك الليلة كان بسبب قيام الليل، وهذا من ورع السلف، وابتعادهم عن الرياء، وتزكية النفس.
«وَلَكِنِّي لُدِغْتُ» أي: لدغته حية أو عقرب، وكانت هذه اللدغة فيما يظهر شديدة؛ لأنه سهر بسببها.
«ارْتَقَيْتُ» وفي رواية مسلم: «اسْتَرْقَيْتُ»، أي: طلبتُ الرقية.
«فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ » يسأل سعيد حصينًا عن الدليل الذي جعله يسترقي، وهذا يدل على أن السلف كانوا لا يعملون إلا بمستند شرعي.
стр. 59
«حَدِيثٌ حَدَّثنَاهُ الشَّعْبِيُّ» الشعبي هو: عامر بن شراحيل الهمداني، الكوفي، من أئمة التابعين وثقاتهم، مات سنة (١٠٣ هـ).
«لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (العين): هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، وهي نظرة مسمومة تؤثر في المعيون بإذن الله فيمرض بسببها.
و«هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمَعِين تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكيَ السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح.
وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المَعِين، وقد يَعِين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعًا» (١).
والعين حقٌّ كما في الحديث: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (٢).
стр. 60
والاستغسال: هو أن يؤتى بالعائن ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله، والرقية أيضًا علاج للعين كما دل على ذلك حديث الباب.
وهل الأمر في قوله ﷺ : «فَاغْسِلُوا» للوجوب؟
قال المازري ﵀: «هذا أمر وجوب، ويُجْبَرُ العائن على الوضوء للمعين على الصحيح» (١).
وعلاج العين يكون بما يلي:
١ - الاستغسال، كما سبق.
٢ - الرقية، ودليلها حديث عبد الرحمن بن حصين هذا.
وهناك طريقة أخرى، لا مانع منها أيضًا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب والطاقية والسروال وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مُجرَّب (٢).
و(الحُمَة) - بضم الحاء، وتخفيف الميم - هي: كلُّ هامةٍ ذاتِ سَم من حية أو عقرب أو نحوهما.
ومعنى الحديث: لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة (٣)؛ وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية.
стр. 61
قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَن انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ،
•---------------------------------•
«قَدْ أَحْسَنَ مَن انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ» أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن؛ لأنه أدى ما وجب عليه، وعمل بما بلغه من العلم (١).
«عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ» قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «العارض لها الله ، وهذا في المنام فيما يظهر» (٢).
«فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ» وفي رواية مسلم: «الرُّهَيْطُ» بالتصغير، و (الرَّهْطُ): الجماعة دون العشرة، أي: من الثلاثة إلى التسعة.
«وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» أي: يبعث النبي ويتبعه رجلان، ويبعث النبي ولا يتبعه أحدٌ البتة؛ وليس ذلك نتيجة تقصير من الأنبياء، بل إنهم قد أدَّوا رسالاتهم على أكمل وجه، وبلغوا البلاغ المبين، وإنما يعود ذلك إلى استكبار أقوامهم وعدم قبولهم للحق.
وفيه أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن بعضهم لا يتبعه أحد، وفيه الرد على من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصور فيهم، وليس كذلك، بل الواجب اتباع الكتاب والسنة مع من كان وأين كان (٣)؛ بل قد ذم الله الكثرة، فقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
стр. 62
إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ».
•---------------------------------•
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وأثنى سبحانه على القلة، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
«إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ» قد يقال: كيف لم يعرف ﷺ أمته، حيث ظن أنَّ قوم موسى ﵇ هم أمته؟ وكيف يجمع بين هذا، وبين حديث أبي الدرداء، وفيه: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ ... » (١)؟
والجواب: أن الأشخاص الذين رآهم في الأفق لا يدرك منهم إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي الدرداء فمحمول على ما إذا قربوا منه (٢).
والسواد في الأصل: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص الذي يرى من بعيد.
وفي حديث ابن مسعود: «فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ» (٣)، وفي لفظ للإمام أحمد: «فَرَأَيْت أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ، فَقِيلَ أَرَضِيت يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْت: نَعَمْ أَيْ رَبِّ» (٤).
стр. 63
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ الله? ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشركُوا بالله شيئًا. وَذَكَرُوا أَشياءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ, وَلَا يَكْتَوُونَ, .....................
•---------------------------------•
«وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا» «المراد من العدد التكثير والمبالغة، فالعرب تطلق السبعة، والسبعين ألفًا وتريد بذلك الكثرة والمبالغة» (١)، وقد يقال: إن الحديث على ظاهره، وأن المراد بالعدد الحقيقة.
وقد ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين وصف السبعين ألفًا بأنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر.
«يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» أي: لا يعذبون ولا يحاسبون، لا في القبر، ولا في الموقف، ولا في النار؛ لأن قوله: «بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» نكرتان في سياق النفي فتفيدان العموم؛ والسبب في هذا الفضل أنهم حققوا كمال التوكل على الله، وهذا المعنى الذي قصده المصنف، ومن أجله أورد الحديث في هذه الترجمة.
«فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ» أي: تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال (٢).
قال النووي: «وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق» (٣).
стр. 64
وَلَا يَتَطَيَّرُونَ, وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» , ثُمَّ قَامَ رَجْلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». رواه البخاري, ومسلم.
•---------------------------------•
«فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ فَأَخْبَرُوهُ» بما تحاوروا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، قال:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ» أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم.
«وَلَا يَكْتَوُونَ» أي: لا يطلبون من غيرهم أن يكويهم بالنار لأجل العلاج.
ووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: «لَا يَرْقُونَ» بدل: «وَلَا يَكْتَوُونَ» وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الرواية، وقال: إنها غلط من راويها، وهذا هو الصواب، وهي رواية شاذة مخالفة لرواية الثقات.
ومما يؤكد شذوذ هذه الرواية أنَّ النبي ﷺ رقى أصحابه وأذن لهم في الرقى وقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (١)، والنفع مطلوب.
«وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، والتطير: مأخوذ من الطير، واسم المصدر منه طِيَرَة، وسيأتي باب خاص بالتطير.
«وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهذا هو الأصل الجامع لكل ما سبق من الأشياء التي في تركها كمال التوكل على الله، ونهاية تحقيق التوحيد له سبحانه.
стр. 65
وبهذا نعلم أن الاسترقاء والكي ليسا بمذمومين ، وإنما تركهما من كمال التوكل على الله، وقد ثبت في صحيح البخاري، عن أنس: «أَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَات الْجَنْب، وَالنَّبِيّ ﷺ حَيّ» (١).
وروى الترمذي وابن حبان عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِن الشَّوْكَةِ» (٢).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنا أَنْهَى أُمَّتِي عَن الْكَيِّ» (٣).
وفي حديث جابر: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (٤).
وقد اختلف أهل العلم في الكي، فمنهم من حرمه وجعل الأحاديث التي فيها الإذن بالكي متقدمة، وأحاديث النهي متأخرة، ومنهم من حمل النهي على كراهية التنزيه، وأحسن من تكلم في ذلك الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال: «تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله.
والثاني: عدم محبته له.
والثالث: الثناء على من تركه.
стр. 66
والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركيه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية» (١)، فمن ترك هذه الأمور توكلًا لا تجلدًا ولا تصبرًا فهو من كمال تحقيق التوحيد.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «الأقرب أن يقال ما يلي:
١) أن ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه؛ فهو واجب.
٢) ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه؛ فهو أفضل.
٣) ما تساوى فيه الأمران؛ فتركه أفضل» (٢).
وأما التطير فإنه لا يجوز مطلقًا؛ لأنه من أفعال الجاهلية وليس له حقيقة أصلًا، وقد عقد المؤلف له بابًا خاصًا سيأتي.
«فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ» عُكَّاشة - بضم العين وتشديد الكاف ويجوز تخفيفه - ابن محصن بن حُرْثَان الأسدي، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال، هاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد سنة (١٢ هـ) (٣).
«أَنْتَ مِنْهُمْ» قيل: هو خبر بمعنى الدعاء؛ لأنه جاء في بعض الروايات: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ»، ويؤكده قول عكاشة في الحديث: «ادْعُ اللهَ».
стр. 67
وقيل: قوله: «أَنْتَ مِنْهُمْ» جملة خبرية على بابها، وقد وقع كما أخبر النبي ﷺ حيث سار عكاشة ببقية حياته على الجادة حتى قتل شهيدًا، وفي هذا عَلَم من أعلام النبوة كما ذكر المصنف في مسائل هذا الباب.
ويمكن الجمع بين القولين بأن النبي ﷺ قد يكون دعا له أولًا، ثم جاءه الوحي بدخوله الجنة؛ فأخبره بذلك.
ومناسبة الحديث للباب: أن هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات دخلوا الجنة بغير حساب؛ لقوة توحيدهم وتوكلهم وإخلاصهم واعتمادهم على الله وحده.
стр. 68
بَابُ الخَوْفِ مِنَ الشركِ
وَقَوْلِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان خطورة الشرك، فإنه لَمَّا ذكر في الأبواب السابقة فضل التوحيد وتحقيقه ناسب أن يذكر ما يضاده وهو الشرك بالله؛ لأن الشيء يُعْرَفُ بضده، وقديمًا قيل:
ضِدَانِ لَمَّا استَجمَعَا حَسُنَا ... وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ
وأراد المصنف أن يبين أيضًا أَنَّ العبد مهما بلغ من الإيمان فإنه لا يأمن على نفسه الفتنة، فقد يقع في الشرك وهو لا يعلم، وقد يقع فيه لضعفٍ أو عجزٍ أو مصلحة أو رهبة ونحو ذلك.
وقوله: «بَابُ الخَوْفِ مِنَ الشركِ» أي: باب وجوب الخوف من الشرك، والشرك يعم الأكبر والأصغر؛ لأن كلمة (الشرك) جاءت محلاة بـ (ألـ)، فتشمل نوعي الشرك.
«وَقَوْلِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾» هذه الآية بينت أن كل صاحب ذنب تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم يكن ذنبه شركًا بالله.
قال ابن الجوزي ﵀: «والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه، وفي قوله: (لمن يشاء) نعمة عظيمة من وجهين:
أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب وإن مات مُصِرًّا.
стр. 69
والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع» (١).
فإن قِيل: ماذا عن الشرك الأصغر هل يأخذ حكم الشرك الأكبر فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، أم أنه يأخذ حكم الكبائر ويكون تحت المشيئة، ويدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟
الجواب: أن هذه مسألة مختلف فيها، فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في بعض المواضع أنه «قد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن، وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلمًا، لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة» (٢).
ونقل عنه شيخنا ابن عثيمين ﵀ في موضع آخر القول بغفران الشرك الأصغر، فقال: «شيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر» (٣).
стр. 70
وَقَالَ الخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
•---------------------------------•
«وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾» الخليل هو إبراهيم ﵇، وسمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليًلا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
ووجه مناسبة الآية للترجمة: أنه إذا كان إبراهيم ﵇ يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ ! وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك، لا كما يقول الجهال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ولهذا أَمِنُوا الشرك فوقعوا فيه.
ومعنى هذا الدعاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي: اجعلني وإياهم جانبًا بعيدًا عن عبادتها والإلمام بها (١).
وفي هذا إشارة إلى وجوب الخوف من الشرك، فمع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم ﵇ من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة (٢)؛ ولذا قال إبراهيم التيمي: «من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم» (٣).
стр. 71
وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد.
•---------------------------------•
حديث محمود بن لبيد عند أحمد، والبيهقي وغيرهما (١)، وهو مرسل.
стр. 72
«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ» دل الحديث على أن النبي ﷺ يخاف على أصحابه مع قوة إيمانهم من الشرك الأصغر، فنحن مع ضعف إيماننا وقلة معرفتنا يجب أن نخاف من الشركين الأصغر والأكبر من باب أولى.
«فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» الرياء لغة: مشتق من الرؤية، يقال: راءيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه (١).
والرياء في الشرع: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (٢).
والرياء ينقسم -باعتبار إبطاله للعبادة- إلى قسمين (٣):
الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤).
الثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره.
القسم الثاني: أن يسترسل معه؛ فهذا باطل، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أو لا؟
стр. 73
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري.
•---------------------------------•
لا يخلو هذا من حالين:
الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيًّا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة.
مثال ذلك: الصلاة فلا يصح أولها مع فساد آخرها.
الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلًا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين أخرى بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها.
«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: ... » الحديث في الصحيحين (١).
«مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا» (مَنْ) شرطية، ويحتمل أنها موصولة، وهي من ألفاظ العموم، فتعمُّ الذكر والأنثى والعالم وغير العالم.
وقوله: «وَهُوَ يَدْعُو» يشمل الدعاء بقسميه: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
وقوله: «مِنْ دُونِ الله نِدًّا» الند هو: الشَّبيه والمثيل والنَّظير، و (نِدًّا) هنا جاءت نكرة في سياق الشرط، فتعم كل نِدٍّ.
«دَخَلَ النَّارَ» هذا جواب الشرط، وإذا قلنا: إنها موصولة، فالجملة خبر المبتدأ، والمعنى: دخل النار خالدًا فيها؛ لأن الشرك يخلد صاحبه في النار.
стр. 74
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ».
•---------------------------------•
«وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: ... » الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه (١) كما ذكر المصنف.
«مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا» أي: من لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع المُجْمَع عليه عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ من مات على ذلك، فلا بُدَّ له من دخول الجنة، وإن جَرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويخلدُ في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين (٢).
وقوله في الحديث: «شيئًا» نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم، والمراد لا يشرك مع الله غيره لا في الربوبية ولا في الألوهية ولا في الأسماء والصفات.
ومناسبة الحديثين للترجمة: أنَّ الشرك تترتب عليه عواقب وخيمة إذا مات الإنسان قبل أن يتوب منه، ومن هذه العواقب خلوده في النار، وهذا أكبر مُخَوِّف عن الشرك.
هل المشرك يخلد في النار؟
- مسألة: هل المشرك يُخَلَّد في النار؟
الجواب: أنَّ هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار، وإن كان أكبر؛ فإنه يلزم منه الخلود في النار، وهذا هو مقتضى الآيات الواردة في كتاب الله عن الشرك.
стр. 75
بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: أنه لما سبق الكلام عن التوحيد والحَثِّ عليه، وعن الشرك والتحذير منه، ناسب هنا بيان أنه لا ينبغي لمن عرف هذا الحق أن يقف به عند نفسه، بل عليه أن يدعو غيره إلى ذلك؛ لأن هذه سنة الأنبياء، وهو الواجب على كل من عرف التوحيد.
وهذا الباب يتناسب في ترتيبه مع الأبواب السابقة، فإن المؤلف ذكر وجوب التوحيد وفضله، والحث عليه وعلى تكميله، والتحقق منه ظاهرًا وباطنًا، والخوف من ضده، وبذلك يكمل العبد نفسه. ثم ذكر في هذا الباب تكميله لغيره بالدعوة إلى شهادة (أن لا إله إلا الله)، فإنه لا يتم التوحيد حتى يكمل العبد جميع مراتبه ثم يسعى في تكميل غيره، وهذا هو طريق جميع الأنبياء (١).
«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾» قال ابن كثير ﵀: «يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي» (٢).
وذكر المصنف هذه الآية بعد الترجمة؛ لأن فيها الدعوة إلى الله وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما بيَّن الإمام ابن كثير.