٣ - التحريف في الأخبار والأحكام.
والآيات الشرعية: هي ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
وخلاصة المقصود من هذا الباب: وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، وتحريم الإلحاد فيها، وأن ذلك مناف للتوحيد وكفر بالله تعالى.
стр. 457
بَابٌ لا يُقَالُ السَّلامُ عَلَى الله
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: النهي عن قول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ لأن الله يُطْلَبُ منه السلام، ولا يُطْلَبُ له ذلك؛ لأنه هو معطيه ومانحه، وغيره من المخلوقين هو الْمُعْطَى. فإذا سلمنا على غيرنا من البشر، وقلنا لهم: «السلام عليكم» فهذا يعني: أننا طلبنا من الله تعالى لهم السلامة والبراءة والنجاة والخلاص من جميع الشرور والعيوب، ولكن لا يجوز بحالٍ من الاحوال أن نعكس الأمر فنقول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ إذ الله تعالى يُطْلَبُ منه ذلك، ولا يُطْلَبُ له، كما بَيَّنَّا آنفًا، فهو غنيٌّ عن جميع العالمين، وجميع خلقه لن يبلغوا نفعه فينفعوه، ولن يبلغوا ضره فيضروه تعالى وتقدس (١).
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن صفات الله تعالى عليا وأسماءه حسنى، فجاء المنع من قول: «السَّلامُ عَلَى الله» حماية لجنابه تعالى من النقص المنافي لكمال توحيده (٢).
وأما بالنسبة لمناسبة الباب للذي قبله فهي ظاهرةٌ؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله، المتضمنة لصفاته، والتحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها؛ إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها؛ فاتضحت بذلك المناسبة بين البابين (٣).
стр. 458
فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ? : «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ»: أي الصحيحين (١).
«قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ»: أي يقولون ذلك في التشهد الأخير كما هو مصرح به في بعض ألفاظ الحديث: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٢).
«السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ»: المقصود بهم الملائكة (٣)، والدليل على ذلك نفس الحديث السابق الذي مر معنا: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ... ».
«لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله»: هذا نهي منه ﷺ عن هذه الكلمة، والنهي يقتضي التحريم (٤).
стр. 459
ونهى عن ذلك لأمرين:
الأول: أن مثل هذا الدعاء يُوهم النقص في حقه.
الثاني: إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يُدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا.
«فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»: تعليلٌ للنهي، بأن السلام من أسمائه سبحانه، فهو غنيٌّ عن أن يُسلَّم عليه. وهذا صريح في كون السلام اسمًا من أسمائه (١).
واسم السلام له معنيان:
المعنى الأول: السالم في نفسه: أي المنزه من كل عيبٍ ونقصٍ، الموصوف بكل كمال؛ فله الكمال المطلق: في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله (٢).
المعنى الثاني: المسلم لعباده: فيعطيهم السلام والسلامة من الآفات والنقائص والمكاره (٣).
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُقال: السلام على الله، وهذا يقتضي التحريم (٤).
ومناسبة الحديث للتوحيد: أنه أفاد أن السلام على الله مناف للتوحيد؛ وذلك أن السلام دعاء بالسلامة من العيوب والنقائص، والله منزه عن ذلك (٥).
стр. 460
بَابُ قَوْلِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: النهي عن قول: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»؛ لأن هذا القول يدل على فتور الرغبة فيما عند الله، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله تعالى (١).
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: تتبين من جهتين:
١ - من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى؛ لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل إنه لا يسأل عما يفعل؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظمه الأشياء التي يعطيها؛ فكان فيه قدح في جوده وكرمه.
٢ - من ناحية العبد؛ فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات (٢).
وأما مناسبة الباب للذي قبله: فهي أن المصنف تكلم في الباب السابق عن صيانة صفات الله تعالى من النقص، وأما في هذا الباب فقد تكلم عن أمرٍ يقتضي كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وهذه من الصفات أيضًا (٣).
стр. 461
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ, فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ»: أي البخاري ومسلم (١).
«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ» قال القرطبي ﵀: «إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء» (٢).
«اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» هذا للتمثيل وليس لحصر النهي في ذلك، كما بين ذلك ابن حجر في الفتح (٣).
والمحظور في هذا التعليق (اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه يُشعر بأن الله له مكره على الشيء وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه.
الثاني: أن قول القائل: «إِنْ شِئْتَ» كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده.
стр. 462
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل لا يُهمني، ولهذا قال: «وليعظم الرغبة»، أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك.
«لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ»: أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة (١).
«وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ»: بتشديد الظاء، والرغبة يعني الطلبة والحاجة التي يريد. وقيل: السؤال والطلب بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، والأول أظهر، أي: لسَعَة جوده وكرمه (٢).
«فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ»: أي لا يكبر عليه ما أعطاه عبدَه لكمال فضله وجوده (٣).
والخلاصة: وجوب العزيمة في الدعاء والنهي عن التعليق بالمشيئة؛ لأن ذلك يشعر بفتور الرغبة، وقلة الاهتمام والاستغناء عن الله.
стр. 463
بَابٌ لا يَقُولُ: «عَبْدِي وَأَمَتِي»
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: المنع من قول المسلم: «عبدي» و «أمتي»، وليقل: «فتاي» و «فتاتي»؛ لأن هذا قد يوهم أَنَّ هذا المتكلم هو رب أو إله هذا الفتى أو الجارية، ولو من باب اللفظ من غير قصد؛ إذ الشريعة جاءت بسد الذرائع، ومن ذلك الاهتمام بضبط الالفاظ، ومنه المنع من الألفاظ الموهمة لأمرٍ ممنوع، ولو من باب اللفظ دون القصد، ولو من وجهٍ بعيدٍ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ هذا التعبير يقتضي التشريك في اللفظ، وقد يكون ذريعة للشرك في المعنى، فالمنع فيه حسمٌ لمادة الشرك، وحماية لجناب التوحيد؛ لأن مثل هذه الألفاظ تنافي التوحيد بأقسامه الثلاثة: فبالنسبة لتوحيد الربوبية: فإِنَّ قول: «ربي» للسيد يوهم المشاركة في الربوبية، وبالنسبة للألوهية: فقول: «عبدي» للمملوك يوهم المشاركة في الألوهية، وأما بالنسبة لتوحيد الأسماء والصفات: فإن إطلاق الرب على السيد يوهم تشريك الله في بعض أسمائه، وخاصة إذا جاء هذا الاسم معرفًا بالألف واللام (٢).
стр. 464
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضاءْ رَبَّكَ, وَلْيَقُلْ: سيدِي وَمَوْلَايْ, وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ... » الحديث في الصحيحين (١).
«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ»: بالجزم على النهي، والمراد أن يقول ذلك لمملوكه أو مملوك غيره، فالكل منهي عنه (٢).
وهل يحرم قول السيد (عبدي وأمتي)؟
قال الشيخ السعدي ﵀: «هذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي، تحفظًا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد، وليس حرامًا» (٣).
«أَطْعِمْ رَبَّكَ»: بفتح الهمزة من الإطعام. والمعنى: ناوله الطعام (٤).
«وَضاءْ رَبَّكَ»: أمر من الوضوء، والمعنى: ائته بالوضوء، أو أعنه على الوضوء.
стр. 465
«سيدِي»: السيادة المطلقة لله ، فهو السيد المطلق، لكن السيادة المقيدة بالإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه.
«وَمَوْلَايْ»: المولى يطلق على معانٍ كثيرة منها: الناظر والمولى والمالك، وهو المراد هنا، وحينئذ فلا بأس أن يقول: مولاي (١).
والخلاصة: أن «هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي ﷺ نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدًّا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه تعالى وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق من ذلك، فأرشدهم ﷺ إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ وهو قوله: سيدي ومولاي» (٢).
стр. 466
بَابٌ لا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ باللهِ
عَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «مَنْ سَأَلَ بالله فَأَعْطُوهُ، ...
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: «أنه إذا أدلى على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بأعظم الوسائل، وهو السؤال بالله، أن يجيبه احترامًا وتعظيمًا لحق الله، وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم» (١).
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: من وجهين:
الوجه الأول: أن في عدم إعطاء من سأل بالله عدم إعظامٍ لله، وعدم إجلالٍ له؛ وذلك يُخلُّ بالتوحيد.
الوجه الثاني: أن الذي صُنِعَ له معروف يكون في قلبه نوع تذلل وخضوع لصانع المعروف، وهذا ينافي التوحيد، وتخليص القلب من ذلك يكون بالمكافأة على المعروف (٢).
قوله: «عَن ابْنِ عُمَرَ ﵁» الحديث عند أبي داود والنسائي وغيرهما (٣)، وإسناده صحيح.
стр. 467
وَمَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
•---------------------------------•
«مَنْ سَأَلَ بالله فَأَعْطُوهُ»: أي من سألكم بالله أو بوجه الله أن تفعلوا كذا أو تعطوه كذا، فأجيبوه على ذلك ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم (١).
«وَمَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأَعِيذُوهُ»: أي: من سألكم بالله أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم، كقوله: بالله عليك أن تدفع عني شر فلان أو شرَّك، أعوذ بالله من شرِّك أو شر فلان ونحو ذلك، فأعيذوه، أي: امنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه لتعظيم اسم الله تعالى.
ولهذا لما قالت الجونية للنبي ﷺ أعوذ بالله منك قال لها: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» (٢). ولفظ أبي داود: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِالله فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِالله فَأَعْطُوهُ» (٣).
стр. 468
قال شيخنا ابن باز ﵀: «فمن استعاذ بالله شُرع أن يعاذ، إذا لم يكن حقًّا عليه، فإن استعاذ بالله، في إسقاط حق عليه، فلا يُعاذ؛ لأن الله أمر بأداء الحقوق» (١).
«وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ»: أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه؛ لأن هذا من حقوق المسلم على المسلم، ومن أسباب الألفة، وسلامة الصدر، وإكرام الداعي، والحديث أعم من الوليمة، وهو يدل على وجوب إجابة دعوة وليمة العرس وغيرها، ما لم يكن عليكم في ذلك ضرر ديني أو دنيوي (٢).
حكم إجابة الدعوة:
قال ابن حجر ﵀: «وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب» (٣).
والمسألة فيها خلاف مشهور ليس هذا موضع بحثه.
«وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ»: أي ينبغي المكافأة على المعروف، وهو من مكارم الأخلاق، وفيه السلامة من البخل وما يذم به (٤).
стр. 469
المعروف: اسم جامع لكل خير. وقوله: «فَكَافِئُوهُ»، أي: على إحسانه بمثله أو خير منه (١).
«فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»: يعني من أحسن إليكم أيَّ إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة (٢).
وللمكافأة فائدتان:
١. تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
٢. ويكسر بها الإنسان الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه.
فإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» (٣)، واليد العليا هي يد المعطي.
стр. 470
بَابٌ لا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلاَّ الجَنَّةُ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: النهي عن السؤال بوجه الله إلا الجنة، وعبر عن النهي بصيغة النفي متابعةً منه للفظ الحديث.
وقوله: «بَابٌ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلَّا الجَنَّةُ» «أي لا يجوز ذلك، إجلالًا لله وإكرامًا وإعظامًا له أن يسأل بوجهه العظيم ما هو حقير لديه من حوائج الدنيا، ما لم يرد به غاية المطالب وهي الجنة، أو الإعانة على أعمال الآخرة الموصلة إلى الجنة» (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن عدم السؤال بوجه الله إلا في المطالب العالية هو من باب تعظيم صفات الله تعالى الذاتية والفعلية، الذي هو من تعظيم توحيد الأسماء والصفات. وكل ذلك من كمال الأدب والتعظيم لله تعالى (٢).
وأما علاقة هذا بما قبله: فهو أن كلا البايبين يتعلقان بتوحيد الأسماء والصفات، وبالأخص في موضوع السؤال بالله تعالى، وتعظيم جناب الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، والفرق بين البابين: أن الباب الأول: (لا يرد من سأل بالله): خطابٌ للمسئول ألا يرد السائل بالله، وأما بابنا هذا: (لا يُسْأَل بوجه الله إلا الجنة)؛ فهو خطابٌ للسائل أَلَّا يسأل بوجه الله إلا الأمور العظام، لا الحقيرة ولا الدنيئة (٣).
стр. 471
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلَّا الجَنَّةُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
•---------------------------------•
حديث جابر عند أبي داود (١) كما قال المصنف. وهو ضعيف الإسناد (٢).
قال شيخنا ابن باز ﵀: «وإسناد الحديث فيه لين وضعف لكنه ينجبر بما جاء في الروايات الأخرى من النهي عن السؤال بوجه الله» (٣).
«لَا يُسْأَلُ»: روي بالنفي والنهي، وروي بالبناء للمجهول، وهو الذي في الأصل، وروي بالخطاب للمفرد (٤). فقوله: «لَا يُسْأَلُ»: «هذا نفي يتضمن النهي المؤكد، كأنه قال: لا يسأل أحد بوجه الله إلا الجنة، أو لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، فعدل عن النهي إلى النفي لكي يتضمن أن هذا منهي عنه وأنه لا يسوغ وقوعه أصلا لما يجب من تعظيم الله ﷻ وتعظيم توحيده، وتعظيم أسماء الله جل وعلا وصفاته» (٥).
стр. 472
قوله: (لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله) اختلف في المراد بذلك على رأيين:
الرأي الأول: أن المراد: لا تسألوا أحدًا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدًا من المخلوقين، فلا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذًا لا يسألون بوجه الله مطلقًا.
الرأي الثاني: أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها، فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سألت من أمور الدنيا، فلا تسأله بوجه الله؛ لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به شيء من أمور الدنيا.
فأمور الآخرة تسأل بوجه الله، كقولك مثلًا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار، والنبي ﷺ استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: هذه أهون أو أيسر (١).
ولو قيل: إنه يشمل المعنيين جميعًا، لكان له وجه.
«بِوَجْهِ الله»: وجه الله ﷻ صفة ذات من صفاته سبحانه، وهو غير الذات (٢).
стр. 473
بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَوْ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء في قول (لو) - على سبيل التندم والتحسر على ما فات- من الوعيد، والنهي عن ذلك، والذم لمن عارض به عند الأمور المكروهة: كالمصائب إذا جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه (١).
وعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ قول (لو) على سبيل التحسر والندم على ما فات ينافي كمال الاستسلام للقضاء والقدر الإلهيين، والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وهو جزء من التوحيد. وعدم الإيمان بالقدر يتنافى مع التوحيد ويتنافى مع الإيمان، فمن كفر بالقدر فإنه كافر بالله ولا توحيد له ولا دين له، لأنه جحد القدر (٢).
ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن هذا الباب عقد أيضًا للنهي عن الألفاظ التي قد تقع في الربوبية أو الأسماء والصفات، ومن كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر، والعبد مأمور عند المصائب بالصبر والاسترجاع والتوبة. وقول (لو) لا يجدي عليه إلا الحزن والتحسر مع ما يخاف على توحيده من نوع المعاندة للقدر (٣).
واعلم أن استعمال العبد للفظة: (لو) تقع على قسمين: مذموم ومحمود.
стр. 474
فأما المذموم فأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فهذا من عمل الشيطان؛ لأنه يتضمن محذورين:
أحدهما: أنها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه، وليس فيه نفع.
الثاني: أن في ذلك سوء أدب مع الله، فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، فكان في قوله: لو كان كذا أو لو فعلت كذا كان كذا، نوع اعتراض، وفيه ضعف بالإيمان بقضاء الله وقدره، ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما.
و(لو) بالمعنى المذموم تأتي على عدة أوجه:
الوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] نزلت في غزوة أحد حينما تخلف في أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلًا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.
الثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضًا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله.
стр. 475
الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضًا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه؛ لأن الندم يكسب النفس حزنًا وانقباضًا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١).
الرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وهذا باطل.
الخامس: أن تستعمل في تمني الشر، وسيأتي دليله.
وأما القسم المحمود من استعمالات (لو)، فيأتي على أوجه كذلك، ومنها:
الوجه الأول: أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب التمني: إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر، وفي الحديث عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم: «لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ»، فهذا تمنى خيرًا، وقال الثاني: «لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ» فهذا تمنى شرًّا فقال النبي ﷺ في الأول: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ»، وقال في الثاني: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (٢).
الوجه الثاني: أن تستعمل في الخير المحض، ومنه قوله ﷺ : «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» (٣).
стр. 476
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ , وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
•---------------------------------•
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ تمام الآية: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وبهذا يتبين وجه إيراد المصنف الآية على الترجمة، لأن قول (لو) في الأمور المقدرة من كلام المنافقين؛ ولهذا رد الله عليهم ذلك بأن هذا قُدِّر، فمن كتب عليه شيء فلا بد أن يناله، فماذا يغني عنكم قول (لو) و (ليت) إلا الحسرة والندامة؟ ! فالواجب عليكم في هذه الحال الإيمان بالله والتعزي بقدره مع ما ترجون من حسن ثوابه، وفي ذلك عين الفلاح لكم في الدنيا والآخرة (١).
قوله: «فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... » الحديث في صحيح مسلم (٢).
стр. 477
وَاسْتَعِنْ بالله، وَلَا تَعْجِزَنَّ، وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطَانِ».
•---------------------------------•
وساقه المصنف هنا مختصرًا، ولفظه بتمامه: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ»: أي في دنياك وأخراك. و (احرَِص): بكسر الراء وفتحها، والكسر أشهر، والحرص: هو بذل الجهد واستفراغ الوسع.
قال ابن القيم ﵀: «سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصًا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به» (١).
«وَاسْتَعِنْ بالله»: الواو تقتضي الجمع؛ فتكون الاستعانة مقرونة بالحرص، والحرص سابق على الفعل؛ فلا بد أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل من أوله (٢).
وهذا يعني: أن لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله ، لأنه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلت من الأسباب فإنها لا تنفع إلا بإذن الله ، فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله (٣).
стр. 478
وقد كان النبي ﷺ يقول في خطبته ويعلِّم أصحابه أن يقولوا: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ» (١).
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: «اللهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٢).
والاستعانة: طلب العون بلسان المقال؛ كقولك: «اللهم أعني»، أو: «لا حول ولا قوة إلا بالله» عند شروعك بالفعل أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وَكَلَك إلى نفسك وَكَلَك إلى ضعف وعجز وعورة. أو طلب العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال؛ فقد استعان بلسان الحال (٣).
«وَلَا تَعْجِزَنَّ»: بالنون، وهي نون التوكيد الثقيلة (٤). والموجود في صحيح مسلم (وَلَا تَعْجِزَ) بدون نون التوكيد، والمعنى: لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى: لا يصيبك عجز؛ لأن العجز عن الشيء غير التعاجز، فالعجز بغير اختيار الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي.
стр. 479
قوله: (وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ ... إلخ) العبد إذا فاته ما لم يُقدَّر له فله حالتان:
الحال الأولى: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى (لو) ولا فائدة في (لو) ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح.
الحال الثانية: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة، والتسليم لذلك والرضا به.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «قوله: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا) هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث، فالمراتب أربع:
فالمرتبة الأولى: الحرص على ما ينفع.
والمرتبة الثانية: الاستعانة بالله.
والمرتبة الثالثة: المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز.
المرتبة الرابعة: إذا حصل خلاف المقصود، فهذه ليست إليك، وإنما هي بقدر الله، ولهذا قال: (وإن أصابك)، ففوض الأمر إلى الله تعالى» (١).
قوله: (وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ) أي: مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع.
فمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين:
стр. 480
الأول: أن يقول: لو لم أفعل ما حصل كذا.
الثاني: أن يقول: لو فعلت كذا لأمر لم يفعله لكان كذا، بل المشروع أن يقول كما أمر النبي ﷺ : «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَر اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».
قوله: (ولكن قل: قَدَرُ الله) خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا قدر الله.
وقدر بمعنى مقدور؛ لأن قدر الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله.
قال شيخ الإسلام - بعد أن ذكر حديث الباب بتمامه -: «لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي بالحرص على النافع، والاستعانة بالله ... ولهذا قال بعض العقلاء: الأمر أمران أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه» (١).
وقال شيخنا ابن باز ﵀: «فإذا أصابك شيء فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وبعضهم ضبطها بقَدَّر الله وما شاء فعل، أي: قدر هذا الواقع، والمعنى الأول أظهر، أي: أن هذا الواقع هو قدر الله، أي: مقدور الله وما شاء الله فعل» (٢).
«فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطَانِ»: وعمل الشيطان: هو ما يلقيه في قلب الإنسان من التأسف على ما فات والتحسر ولوم القدر والندم والحزن، والشيطان يحب ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] (٣).
стр. 481
والخلاصة: أن قول (لو) على وجه التحسر والندم على ما فات ينافي الصبر والرضى والتسليم لأقدار الله، وهذا كله مما ينافي التوحيد.
стр. 482
بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: أن سب الريح وشتمها ولعنها منهي عنه في الشرع الإسلامي؛ لأنها تتحرك بأمر الله وقضائه وقدره، ولا تصريف لها بنفسها (١).
قوله: «بَابُ النَّهْيِ»: أطلق المؤلف ﵀ النهي في الباب ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة (٢). وحقيقة النهي أنه للتحريم (٣).
«سَبِّ الرِّيحِ»: قوله: «الريح»: مفرد رياح، وهو الهواء الذي يصرفه الله ، وسب الريح يكون بشتمها أو بلعنها (٤).
وعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ سب الريح من جنس سب الدهر، وسب الدهر والأيام والليالي والريح والأمطار هو سبٌّ لله تعالى؛ لأنه هو الذي خلقها وهو الذي صرفها وحركها بهذا الشكل الذي نراه ونحسه ونشاهده. فسب الريح يؤول إلى سب حكمة الله وقضائه وقدره وقدرته وتدبيره الذي يرجع هو الآخر إلى سب ذات الله تعالى، وهذا بلا شك ينافي التوحيد أيَّما منافاة، ويناقضه أيَّما مناقضه (٥).
стр. 483
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شر هَذِهِ الرِّيحِ وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أُمِرَتْ بِهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِي.
•---------------------------------•
ويظهر أن الباب «من جنس الأبواب السابقة التي فيها النهي عن سب الدهر، والنهي عن قول: (لو) وغير ذلك، والنهي عن التنجيم، وكل ما فيه إضافة الأشياء إلى غير الله فإنه منهي عنه» (١).
وعلى وجه الخصوص نجد أن هذا الباب «نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح» (٢).
«عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ... » الحديث رواه الترمذي وغيره (٣)، وقد جاء مرفوعًا وموقوفًا، والوقف أصح.
«لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ» أي: لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها؛ فإنها مأمورة مقهورة، فلا يجوز سبها، بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد (١).
«فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ» أي: من الريح: إما شدة حرها، أو بردها، أو قوتها (٢).
«فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح» قالت عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» (٣).
ونستفيد من هذا الحديث مشروعية هذا الدعاء عند الريح، وأن الذي ينبغي عند رؤية الخيال التخوف أن يكون عقوبة وأن الفرح المطلق غير مشروع كما عليه الكثير من الناس عندما تتخيل السماء.
قوله: «وَخَيْرِ مَا فِيهَا»، أي: من منافعها كلها؛ لأنها قد تحمل خيرًا، كتلقيح الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرًّا، كإزالة لقاح الثمار والأمراض التي تضر الإنسان والبهائم.
стр. 486
قوله: «وخير ما أمرت به» مثل: إثارة السحاب وسوقه، ومن خيرها النصر، قال رسول الله ﷺ : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (١).
قوله: «ونعوذ بك»، أي: نعتصم ونلجأ.
قوله: «من شر هذه الريح» كقلع الأشجار، ودفن الزروع، وهدم البيوت ونحو ذلك.
قوله: «وشر ما فيها» ما تحمله من الأشياء الضارة.
قوله: «وشر ما أمرت به» كالإهلاك والتدمير، قال تعالى في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
قوله: «ما أمرت به» هذا الأمر حقيقي، أي: يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شيء من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله، قال الله تعالى للأرض والسماء: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، «وقَالَ للقَلم: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٢).
وأما حديث: «اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا» (٣)، فلا يصح.
стр. 487
بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ الآية.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: التحذير من سوء الظن بالله، والتنبيه على وجوب حسن الظن به سبحانه؛ لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به؛ لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه، وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته، قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة (١).
ووجه مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ سوء الظن بالله من جانبٍ متعلقٌ بتوحيد الربوبية؛ لأنه عدم ثقة بأفعال الله وأخباره وأقواله، ومن جانبٍ آخر يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فإن سوء الظن بالله ناتج عن عدم إيمان بأسماء الله وصفاته، قال الله تعالى عن المشركين: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣]. فجعل سوء ظنهم بسبب ضعف إيمانهم بعلم الله. ومن جانبٍ ثالث يتعلق بتوحيد الألوهية؛ لأن عبادة غير الله، أو إشراك غيره معه هو سوء ظن به، قال إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧] (٢).
стр. 488
وَقَوْلِهِ: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ الآية [الفتح: ٦].
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي الآيَةِ الأُولَى: فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصر رَسُولَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ سيضْمَحِلُّ, وَفُسر بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ الله وَحِكْمَتِهِ, فَفُسر بِإِنْكَارِ الحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ القَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ? ، وَأَنْ يُظْهِرَهُ اللهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
•---------------------------------•
والآية التي عنون بها المصنف الباب أوردها مختصرة، مقتصرًا على موضع الشاهد، وسأوردها هنا كاملة للفائدة: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وعلاقة الآية بالباب: أن فيها أن من ظنَّ أن الله لا ينصر حزبه على أعدائه فقد ظن به ظن السوء (١).
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ «أي يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أن يُقتلوا ويذهبوا بالكلية» (٢).
الثانية: من أنكر أن يكون ما يجرى بقضاء الله وقدره؛ لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته.
الثالثة: من أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد؛ لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرًا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله .
ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله؛ لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها؛ فما بالك بالخالق الحكيم؟ ! » (١).
стр. 491
بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِري القَدَرِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ, ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ? : «الإيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله, وَمَلَائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَرُسُلِهِ, وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في إنكار القدر (١)، والتنبيه على وجوب الإيمان بالقدر؛ لأن هذا مما يتحقق به التوحيد وينتفي به الكفر؛ إذ أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وتوحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر (٢).
وعلاقة هذا الباب بما قبله: أن إنكار القدر نوعٌ من أنواع سوء الظن بالله جل وعلا، ويكون هذا الباب كالتفصيل لما اشتمل عليه الباب الذي قبله (٣).
وأثر ابن عمر في مسلم كما ذكر المصنف، ولفظه: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (٤).
«وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ»: أقسم عبد الله بن عمر بالله لتأكيد الأمر وأهميته (٥).
стр. 492
«وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ»: أي: خير القدر وشره، أي: أنه تعالى قدر الخير والشر، فالخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه، إذ المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير والمعاصي شر، والغنى خير والفقر شر، والصحة خير والمرض شر، وهكذا (١)، والله قد قدر ذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الخلَائِقِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء» (٢).
تعريف القدر:
القدر: علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ لكل ما قدَّر.
وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر فقال: «القدر قدرة الرحمن».
يقول ابن القيم في قصيدته الكافية الشافية (٣):
فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني
стр. 493
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ ..
•---------------------------------•
مراتب القدر:
للقدر أربع مراتب:
الأولى: الإيمان بعلم الله القديم، وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها.
الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
الثالثة: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.
الرابعة: إيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.
«وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ ... » الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود (١)، وهو حسن بمجموع طرقه.
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». رواه أبو داود.
•---------------------------------•
(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ) قال شيخ الإسلام ﵀: قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره.
أحدهما: أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت. وذكر الحديث المشروح.
والثاني: أن العرش خلق أولا؛ قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية: حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان الثوري، ثنا أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «إِنَّ الله كَانَ عَلَى عَرْشه قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب مَا هُوَ كَائِنٌ، وأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» (١).
والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.
قالوا: وهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل الحديث أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.