من حضوره إلى حيث يعسكر الجيش الإسلامي في ديار بني قريظة ليبت في موضوعهم.
ولما كان جرح سعد جرحًا خطيرًا، وهو نفسه كان جسيمًا، فقد هيأ له قومه دابة (حمارًا) ليركبه حتى مقر قيادة الرسول ﷺ في بني قريظة.
وعندما توجه سعد إلى ديار بني قريظة أحاط به وجوه قومه من الأوس وصاروا يستعطفونه ليترفق في حكمه بحلفائهم اليهود.
فلما أكثروا عليه أبلغهم بأنه لن يحكم فيهم إلا بما يستحقون وأن ما بينهم وبين اليهود من حلف لا يمكن أن يحول بينهم وبين ما يستحقون من عقاب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية .. فلما حكم النبي ﷺ سعدًا في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم (وفي رواية قد أتى به على حمار عليه أكاف من ليف، قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا .. يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت .. يا أبا عمروا أحسن في مواليك فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال .. لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم).
وأمام هذا التصريح من سعد الزعيم يئس قومه من أية تخفيضات يعطيها في حكمه على اليهود، وتأكد لديهم أن الحكم من سعد علي بني قريظة سيكون الإعدام، حتى أن بعض الأوس ممن كانوا يسألون سعدًا الإحسان إلى بني قريظة قد اعتبر هؤلاء اليهود (بعد ذلك التصريح من سعد) في عداد الأموات ونعاهم إلى قومه قبل أن يصل سعد إلى المعسكر النبوي في بني قريظة.
стр. 1017
فقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أن وجوه الأوس هؤلاء لما سمعوا من سعد بن معاذ هذا الجواب على طلبهم الإحسان في اليهود، رجعوا إلى دار قومهم بني عبد الأشهل ثم نعوا لهم بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد.
سعد في المعسكر النبوي
ولقد وصل سيد الأوس سعد بن معاذ إلى مقر قيادة النبي ﷺ في بني قريظة، وكان سعد عظيم الشأن عند النبي ﷺ ورفيع المقام بين المسلمين عامة وبين قومه خاصة.
فعندما اقترب سعد من مقر النبي ﷺ في بني قريظة أمر النبي ﷺ الموجودين حواليه في المعسكر أن يقوموا لسعد بن معاذ قائلًا (قوموا إلى سيدكم) (١). ويقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - لما قال النبي ﷺ .. قوموا إلى سيدكم- قال السيد هو الله (٢). ويروي ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩ أن النبي ﷺ عندما انتهى إليه سعد بن معاذ في المعسكر قال .. قوموا إلى خيركم (٣).
وقفة فقهية
وقد تباينت آراء الفقهاء حول مقاصد الأمر النبوى الكريم بالقيام
стр. 1018
لسعد بن معاذ هل هو لتكريم أم لإنزال سعد من على الدابة لأنه كان جريحًا متعبًا؟ .
والذي يظهر لنا (والله أعلم) أن القصد بالقيام إنما كان لإنزال سعد لا لتعظيمه .. يدلنا على هذا صيغة الأمر النبوى القائل .. قوموا إلى سيدكم .. فلو كان المقصود بالقيام التعظيم لقال ﷺ -والله أعلم-: قوموا لسيدكم.
غير أن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أن الصحابة قالوا (يصفون قيامهم لسعد) .. فقمنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ . وهذا صريح في أن القيام إنما كان لتحيته.
قال ابن إسحاق .. فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ .. قوموا إلى سيدكم، فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار (يظهر أنهم لم يقوموا) وأما الأنصار فيقولون .. قد عم بها رسول الله فقاموا إليه.
سعد يطلب موافقة اليهود علي تحكيمه
وعندما استقر بسيد الأوس المقام في مقر القيادة النبوية في بني قريظة قال له النبي ﷺ .. أحكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال ﷺ : قد أمرك الله أن تحكم فيهم (١).
غير أن سعدًا -وقد علم حرص قومه الأوس على التساهل في
стр. 1019
الحكم على حلفائهم اليهود - أحب أن يستوثق من الجميع ويأخذ عليهم العهد -الرسول والأوس وبنى قريظة- بأن حكمه إذا ما صدر يكون غير قابل للنقض أو النقاش.
فقد وقف المحكم الشاب الجريح سعد بن معاذ، في المعسكر النبوى، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلًا .. عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ .
قالوا .. نعم. ثم اتجه إلى النبي ﷺ وأشار إلى الناحية التي هو فيها، ثم قال -وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له وإكبارًا- وعلى من ها هنا، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ فقال ﵊ .. نعم (١). ثم أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانبًا في المعسكر ليستوثق منهم أيضًا قائلًا: أترضون بحكمى؟ .
قالوا: نعم (٢).
وبينما الحديث يجرى هكذا في المعسكر النبوى حول تفويض سعد بن معاذ في أمر بني قريظة، كان هؤلاء اليهود الذين حاق بهم مكرهم السئ يرتجفون خوفًا من المصير المرعب الذي يتوقعونه.
إلا أنهم مع شعورهم بالخوف الشديد، فقد بقى لديهم شيء من الأمل في الحياة، بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد ﷺ ليخفف من عقوبتهم، وأن الرسول ﷺ نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لحليفهم وسيد حلفائهم سعد بن معاذ.
стр. 1020
اللحظة الرهيبة في تاريخ بني قريظة
وجاءت اللحظة الحاسمة، ووقف سعد بن معاذ ليعلن كلمته النهائية في يهود بني قريظة، وأرهف هؤلاء اليهود أسماعهم مشدودة ناحية حليفهم (الحكم سعد) الذي أصبح مصيرهم جميعًا في يده، وسمروا أبصارهم عليه في جزع وقلق وركضت قلوبهم الخبيثة بين جنوبهم ووقفت نبضاتها في انتظار النطق بالحكم عليهم.
وحتى الذين في المعسكر من المسلمين، شدت أبصارهم ناحية الحكم (سعد) وخاصة قومه الأوس الذين بذلوا كل مساعيهم لتخفيف الحكم على حلفائهم.
شدت أبصار الجميع إلى سعد ليروا كيف يصدر حكمه على حلفائه اليهود.
لأن الجميع (وحتى النبي القائد) لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد على هؤلاء اليهود.
وصدر الحكم النهائي، وكان صارمًا قويًّا ورهيبًا.
سعد يحكم بالإعدام على اليهود
فقد حكم سعد بن معاذ بالإعدام (ضربًا بالسيف) على كل من بلغ الحلم من رجال يهود بني قريظة.
كما حكم (كذلك) أن تسبى نساؤهم وذراريهم وأن تصادر جميع ممتكاتهم (المنقولة وغير المنقولة) على أن يكون كل ذلك غنيمة للمسلمين
стр. 1021
المحاربين الذين حاصروا هؤلاء اليهود واستنزلوهم من حصونهم (١).
إلا أن سعدًا (وقد فوض في أمر اليهود تفويضًا مطلقًا) حكم باجتهاد منه، أن تكون ديار يهود بني قريظة كلها للمهاجرين دون الأنصار، وذلك لأن المهاجرين ليس لهم في المدينة بيوت، لأنهم قد تركوا كل ممتلكاتهم في مكة عند المشركين عندما فروا بدينهم وهاجروا إلى المدينة.
وقد برر سعد حكمه هذا (عندما عارضه بعض الأنصار بقوله لهم .. إني أحببت أن يستغنوا عنكم (٢). قال البخاري في صحيحه في كتاب المغازي .. عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال .. قد وضعت السلاح، والله، ما وضعته، أخرج إليهم، قال النبي ﷺ .. فأين؟ ، فأشار (جبريل) إلى بني قريظة.
فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد بن معاذ، قال (أي سعد) فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم.
стр. 1022
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى -يصف استسلام بني قريظة- فأخذهم من الغم في حصنهم ما أخذهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ (١)، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، قال حميد .. قال بعضهم .. وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار، قال فقالت الأنصار -معارضين- إخواننا كنا معهم، فقال (سعد) إني أحببت أن يستغنوا عنكم (٢).
وبعد أن صدر الحكم على اليهود من سعد، لم يبد قومه الأوس أية معارضة، لأنه قد أخذ عليهم (مسبقًا) العهد والميثاق أن ليس لأحد منهم المعارضة أو التعقيب على حكمه ..
أما اليهود فقد صعقوا لهذا الحكم الصارم وعلاهم الذهول وخيم عليهم الوجوم، ولم يرو أحد من المؤرخين أن هؤلاء اليهود ناقشوا هذا الحكم أو عارضوه بأي احتجاج.
لأن ذلك ليس لهم, لأنهم (أولًا) قد نزلوا على حكم رسول الله ﷺ دونما قيد أو شرط، ولأنهم (ثانيًا) قد وافقوا بعد استسلامهم على تحكيم سعد- عندما أخذ موافقتهم قبل إصدار الحكم.
وبعض المؤرخين يذكر أن اليهود لما اشتد عليهم الحصار وافقوا على الإستسلام للقوات المحاصرة بشرط أن يحكم فيهم حليفهم سعد بن معاذ، وأن النبي ﷺ وافق على هذا الشرط.
والذي عليه جمهرة المؤرخين وأصحاب الحديث والمغازى أن
стр. 1023
سعدًا لم يكن حكمًا إلا بعد أن توسط قومه لدى رسول الله ﷺ ، ليخفف العقوبة عن هؤلاء اليهود.
يؤيد قولنا هذا ما ثبت في صحيح البخاري (وهو أصح المصادر التاريخية على الإطلاق من أن اليهود نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، دونما قيد أو شرط فرد الحكم فيهم إلى حليفهم سيد الأوس سعد بن معاذ (١).
أما ما ثبت في صحيح البخاري من أن النبي ﷺ قال لسعد لما جاء إلى بني قريظة -بعد استسلامهم- .. هؤلاء (يعني اليهود) نزلوا على حكمك (٢) فإنه يعني أن النبي ﷺ قد جعله نائبًا عنه في الحكم عليهم بعد أن رد ذلك إليه كما هو صريح في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة (٣).
ولما نطق سعد بن معاذ بالحكم علي بني قريظة قال له النبي ﷺ . "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" (٤).
وقفة عند حكم سعد بن معاذ
لقد كان المفروض والمتبادر إلى الذهن أن سعدًا -بعد أن أعطيت له الصلاحيات المطلقة في الحكم على حلفائه اليهود- سيراعى جانب رابطة الحلف التي بينه وبين بني قريظة، فيخفف الحكم عليهم بتخليص رقابهم
стр. 1024
من الموت على الأقل. وهذا هو الذي كان قومه الأوس يطمعون فيه عندما اغتبطوا بتفويضه في أمر حلفائهم اليهود، وتقدموا إليه يلتمسون منه تخفيف الحكم عليهم.
وكان اليهود من جانبهم (كذلك) يطمعون في أن تشفع لهم عند سيد حلفائهم سعد بن معاذ، رابطة الحلف القديمة التي بينهم وبين الأوس، ولذلك أكثر زعماء قومه من الرجاء لديه لكي يتساهل في الحكم عليهم.
ولكن سعدًا لم ينس في زحمة موجات الرجاء الموجه إليه من قومه الأوس، أن الإسلام وكل المنتسبين إلى الإسلام، وأن المدينة، وما في المدينة من أعراض وحرمات وثمار وحرث ونسل، وكل كيان الإسلام الدينى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى كان قاب قوسين أو أدنى من التدمير والتخريب بسبب غدر هؤلاء اليهود ونقضهم العهد وأنه لم ينج إلا بمعجزة خارقة، ولو لم تحدث لانتهى الكيان الإسلامي إلى الأبد.
ولم ينس سعد في ضجيج الرجاء الموجّه إليه من قومه أن هؤلاء اليهود لو تم لهم وللأحزاب النصر على المسلمين لما تورعوا عن استئصال شأفة المسلمين وهتك أعراضهم وتخريب ديارهم وتدمير كيانه، كما هو الإتفاق بينهم وبين قيادة الأحزاب عندما طلبت منهم هذه القيادة الغدر بالمسلمين ونقض عهدهم. لذلك لم يلبث سعد أن قال قولته الخالدة تلك لقومه، وقد جاءوا يشفعون لحلفائهم اليهود ..
(لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم)، ثم أصدر ذلك الحكم
стр. 1025
الصارم الذي هو (تمامًا) في مستوى الأَحداث والذي جاء عقوبة على قدر الجريمة.
ذكرى لم ينساها سعد
ومن الجدير بالذكر أن سعد بن معاذ هذا، كان أحد أعضاء الوفد الذين أرسلهم النبي ﷺ إلى بني قريظة لجس النبض عندما بدأت جيوش الأحزاب في محاصرة المدينة، وذلك بعد أن بلغه أن بني قريظة قد خانوا العهد ونقضوا الحلف وانضموا إلى معسكر الأحزاب.
فقد جاء هذا الوفد إلى بني قريظة يطلب منهم الوفاء بالعهد والقيام بالتزاماتهم العسكرية للدفاع عن المدينة بجانب المسلمين، كما تنص على ذلك المعاهدة المعقوده بين المسلمين واليهود.
وكان سعد بن معاذ أحد أقطاب هذا الوفد، وقد سمع جواب اليهود على طلب الوفد، ورأى كيف شتم هؤلاء الخونة في تلك الخونة في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإِسلام، النبي ﷺ ، واعلنوا (دونما أيّ خجل أو حياء) نقضهم العهد، وأصروا (علنًا) على المشاركة الفعالة في استئصال شأفة المسلمين مغتنمين استحكام حلقات المحنة عليهم (صنيع النذل الخسيس الذي لا ضمير له ولا ذمة ولا عهد ولا شرف).
فقد تأثر سيد الأوس الشاب سعد بن معاذ تأثرًا عميقًا عندما سمع من حلفائه اليهود ذلك القول القبيح ورأى منهم ذلك العمل الوضيع.
стр. 1026
فتجسدت أمامه خسة هؤلاء اليهود ونذالتهم عندما وجّهوا إلى حلفائهم المسلمين تلك الطعنة النجلاء في أحرج الساعات وأدقّ الظروف التي مرَّت بجيش محمد في تاريخه منذ نشأ.
ولم ينس سعد في ضجيج الاستعطاف الموجّه إليه من قومه بشأن حلفائهم اليهود .. لم ينس (وهو يصدر ذلك الحكم الصارم العادل على هؤلاء اليهود) أَنه قد حذَّرهم ونصحهم (بصفتهم حلفاءه) أَن يبقوا على عهدهم وأن لا يغدروا برسول الله ﷺ لئلا ينتهوا إلى المصير المرعب الذي قادهم إليه أخيرًا غدرهم وخيانتهم.
فقد قال لهم سعد يوم ذاك ناصحًا ومحذرًا .. إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم -من العهد- يا بني قريظة وأنا أخاف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه.
فكان منهم ذلك الجواب الفاحش القبيح الذي أملته نشوة الفرح بإطباق جيوش الأحزاب على المسلمين من كل جانب ونشوة الانتصار الذي تخيّلوا أنهم سيحققونه على المسلمين، حيث أفحشوا لحليفهم الناصح في القول فسّبوه سبًا مقذعًا وسبّوا رسول الله إذ قالوا لسعد (يوم نصحهم) .. أكلت أَيْر أَبيك (١)، فقال .. (وكان حليمًا هادئ الطبع عفيفًا). غير هذا من القول كان أجمل بكم - يا بني قريظة - ثم نالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا .. من هو رسول الله؟ ؟ ، لا عهد بيننا وبين محمد (٢).
стр. 1027
لهذا فإن سعدًا قد امتلأ (يوم ذاك) غيظا على هؤلاء اليهود الخونة الأراذل، وكان يتمنى أن يشفى الله غليله منهم، ولهذا فإنه لما جُرِحَ ذلك الجرح المميت يوم الخندق توجّه إلى الله بالدعاء أن لا يميته حتى ينتقم من هؤلاء الخونة المجرمين.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أنه قال .. رُمِيَ سعد بن معاذ (١) فقطعوا أكحله (٢) فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده، فحسمه أخرى فانتفحت يده فنزفه، فلما رأى ذلك، قال .. اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عينى من بني قريظة, فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد فحكم أن تُقْتَل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات.
وهكذا فإن حُكْم سعد على هؤلاءِ اليهود إنما جاءَ بعد دراسة وإلمام كامل بنفسيات هؤلاءِ اليهود واقتناع بأَنهم (بعد خبرة وتجربة عاشها سعد معهم ولمسها فيهم) جرثومة وباءٍ قاتلة لا مفرَّ من إبادتها.
تنفيذ حكم الإعدام في اليهود
وبعد أن تمت إجراءات الحكم في بني قريظة (وكان ذلك في ديارهم) تحرك النبي ﷺ بجيشه نحو المدينة فدخلها، وكانت
стр. 1028
عودته من بني قريظة في اليوم السابع من ذي الحجة سنة خمس للهجرة.
وقد أَمر الرسول القائد ﷺ بيهود بني قريظة فأدخلوا إلى المدينة .. دخلت بهم جميعًا قوة من الحرس النبوى بقيادة محمد بن مَسلَمة وعبد الله بن سلام.
وقد أمر النبي ﷺ بحبس الرجال في دار أسامة بن زيد، ووضع النساء والذرارى في دار الضيافة دونما أي حبس أو تضييق، كما فصلنا ذلك فيما مضى.
وبعد عودة الرسول من ديار بني قريظة، شرع في إجراءات تنفيذ حكم الإعدام في هؤلاء اليهود.
فأمر بحفر خنادق عميقة لتدفن جثث هؤلاء الخونة بعد إعدامهم، وكان المكان الذي اختير لإعدامهم ودَفْنهم هو سوق المدينة الذي يغلب على الظن أنه المسمى اليوم (بسوق المناخة).
دفن اليهود في الخنادق بعد إعدامهم
وبعد أن انتهت عملية حفر الخنادق المُعَدَّة لدفن اليهود جلس النبي ﷺ في المكان المُعَدّ لإعدامهم ومعه كبار الصحابة، ثم أمر بإحضار الرجال من بني قريظة المحكوم عليهم, فأمر بإعدامهم، فأُعدموا دفعة بعد دفعة حتى لم يبق منهم أحد, وكان الصحابة كلما تم إعدام دفعة من هؤلاه اليهود قذفوا بهم في الخنادق وواروهم بالتراب، حتى انتهوا منهم.
стр. 1029
وقد اختلف المؤرخون في عدد اليهود الدين تم إعدامهم، فالبعض يقول: إنهم ما بين ستمائة إلى سبعمائة، والبعض الآخر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة (١).
ولقد أُعدِم هؤلاء اليهود في ليلة واحدة، وقد جرت عملية الإعدام على ضوء مشاعل سعف النخل (٢)
وكان الذي تولى عملية قتل هؤلاء اليهود الخونة، هو علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام (٣).
ويقول بعض المؤرخين إن زعماء الأوْس (حلفاء بني قريظة) قد طلبوا من النبي ﷺ أَن يشترك رجال من الأوْس في عملية إعدام حلفائهم اليهود، لأن بعض منافسيهم من الخزرج اتهموهم بأنهم قد كرهوا قتل هؤلاء اليهود لأنهم حلفاؤهم، فأراد الأوس بهذا الاشتراك نفى هذه التهمة.
قال في الإمتاع: وجاء سعد بن عبادة والحُباب بن المنذر (٣) -وهم من الخزرج- فقالا: يا رسول الله، إن الأوس كرهت قتل بني قريظة لمكان حلْفهم.
فقال سعد بن معاذ (سيد الأوْس) .. ما كرهه أَحد من الأوْس فيه خير، فمن كرهه، فلا أرضاه الله. فقام أُسَيد بن حضير (٣) -هو من سادات الأَوْس- فقال: يا رسول ألله لا تبقى دار من دُور الأنصار إلَّا فرقتهم فيها، ففرقَّهم فقتلوهم.
стр. 1030
النبي يشهد عملية إعدام اليهود
وقد شهد النبي ﷺ عملية تنفيذ حكم الإعدام في يهود بني قريظة الذين أبى الله إلا أن يَصِلُوا (هم) إلى النهاية المرعبة التي أرادوا الوصول بالمسلمين إليها.
قال ابن إسحاق -يصف شهود رسول الله ﷺ عملية إعدام هؤلاء اليهود. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم -أَي بني قريظة - فضرب أَعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أَرسالًا (أي جماعة بعد جماعة).
وكان على رأس الذين نُفذ فيهم حكم الإعدام من هؤلاءِ اليهود، كبير مجرميهم ورأس الفتنة والشر حُيَيّ بن أَخطب (١) سيد بني النضير الذي حزَّب الأَحزاب وجمع جيوشها لغزو المدينة، وحمل بني قريظة على نكث العهد، وشجّعهم على تسديد تلك الضربة الغادرة المخيفة للجيش الإسلامي من الخلف في تلك الساعات الدقيقة.
فقد قاد هذا المجرم الخبيث (حُيَيّ بن أَخطب) عملُه السيئ إلى مصرعه، حيث شاءَ الله أَن يكون هذا اليهودى الشيطان - ساعة ضرب الحصار على بني قريظة - بينهم في الحصون.
فاستسلم حُيَيّ للمسلمين ضمن بني قريظة، فتمَّ إعدامه معهم يوم أُعدموا.
وذلك أن هذا اليهودى الشرير - عندما جاءَ لإقناع بني قريظة بضرورة نقض العهد والغدر بالمسلمين - قد تعهّد لسيد بني قريظة
стр. 1031
كعب بن أسد بأن يبقى مع بني قريظة في حصونهم إذا ما انشمرت جيوش الأَحزاب عن المدينة دون أن تحقق الهدف الذي يرمى إليه اليهود وهو سحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
وفعلًا .. وفَّى هذا الزعيم اليهودى النضرى لإخوانه بني قريظة بالعهد، فدخل معهم حصونهم وبقي بينهم حتى استسلموا للمسلمين فاستسلم معهم، فأُعدم ضمنهم.
شيطان بني النضير يتكلم قبل إعدامه
وعندما جئ بهذا الزعيم اليهودى الخطر (حُييّ بن أَخطب) إلى ساعة الإعدام، لم يُخف بغضه للنبي الأعظم ﷺ وحقده عليه.
بل أَعلن ذلك بكل صراحة وتبجح، في تلك الساعات الأخيرة من حياته الشريرة.
قال ابن إسحاق -يصف موقف حيى بن أَخطب ساعة إعدامه- وأُتِي بحيى بن أخطَب عدو الله، وعليه حلة فقاحية (١) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أُنملة، لئلا يَسلبَها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل.
فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال .. أَما والله ما لُمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذله الله، وزاد السهيلى في الروض الأُنف، أن النبي ﷺ قال لحُيَيّ بن أَخطب حين رآه موثقًا .. أَلم يمكن الله منك؟ ، فقال: بلى، ولكن من يخذُلْك يُخذل.
стр. 1032
شجاعة حيي بن أخطب
ومن الجدير بالذكر أَن هذا اليهودى المجرم لم يظهر عيه أَي أَثر للخوف، بل كان ساعة إعدامه علي جانب كبير من الشجاعة والثبات.
فعندما تقدَّم الحرس بهذا اليهودى إلى ساحة الإِعدام لضرب عنقه، طلب أن يسمح له بالكلام، عندما سمحوا له بذلك أَقبل على الناس فقال:
(أيها الناس، إنه لا بأس بأَمر الله، كتاب وقَدَر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل)، ثم جلس فضُرِبَت عنقه (١) , ثم أَلقي الجنود بجثته في الخندق.
وقد امتدح أَحد شعراءِ اليهود، وهو جبل بن جوال الغطفاني الثعلبي، امتدح ابن أَخطب على موقفه الذي وقفه قبل إعدامه، فقال:
لعمرك ما لام ابن أَخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يُخذل
لجاهد حتى أَبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغى العز كل مقلقا
ومما تجدر الإشارة إليه، ويُثبت أَن الشر يخرج منه الخير، هو أَن أُم المؤمنين (صفية) هي ابنة هذا اليهودى (حُيَيّ ابن أَخطب تزوجها رسول الله ﷺ بعد أن قُتِلَ زوجها في معركة خيبر، فكانت ﵂ من خيرة أُمهات المؤمنين ومن أَرجحهن عقلا.
стр. 1033
كيف أعدم سيد بني قريظة
وبعد أَن تمّ إعدام سيد بني النضير (حُيَيّ بن أَخطب) جاءَ الحرس النبوى إلى ساحة الإِعدام بسيد بني قريظة (كعب بن أسد). وكان كعب هذا على جانب كبير من العقل وبُعْد النظر، وكان كارهًا لنقض العهد وغير راغب في الغدر بالمسلمين، بل إنه كان يميل إلى الإسلام، لذلك دعا قومه إِلى اعتناقه, ولكن غلبت عليه وعليهم الشقوة، وغلب عليه شيطان بني النضير حُيَيّ بن أخطب حتى انحرف به عن الخط المستقيم الذي كان يريد السير عليه، فقاده وقاد قومه بني قريظة في النهاية إلى ذلك المصير المخيف وهو الإِعدام.
وقد كان كعب بن أَسد (على النقيض من حُيَيّ بن أَخطب) يمتاز عليه بعفة اللسان ووفرة الأَدب.
فعندما جاء الحرس بهذا الزعيم اليهودى لتنفيذ حكم الإِعدام فيه، قال له النبي ﷺ .. يا كعب، قال .. نعم يا أَبا القاسم.
قال .. ما انتفعتم بنصح ابن خراش (١) لكم وكان مصدقًا بي، أَما أَمركم باتباعى وإِن رأَيتموني تُقرؤني السلام؟ .
قال .. بلى والتوراة يا أَبا القاسم، ولولا أَنْ تعيّرني يهود بالجزع من السيف لاتَّبعتك , فأَمر النبي ﷺ أَن يقدم فتضرب عنقه، فضربت (٢).
стр. 1034
أفي كل موطن لا تعقلون ؟
وكان بنو قريظة المحتجزون في السجن مع سيدهم كعب بن أسد، كلما استدعى الحرس جماعة منهم لإعدامهم، لاذوا بسيدهم كعب، يسألونه في جزع وارتباك .. ما تراه يصنع بنا؟ . فيجيبهم في ثبات ورباطة جأش .. أفي كل موطن لا تعقلون؟ .. هو والله القتل.
فلم يزل الأمر كذلك (يذهب بهم الحرس إلى ساحة الإعدام جماعة بعد جماعة) حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ .
وهكذا لم تُخْطِيء فراسة سيد بني قريظة كعب بن أسد، عندما قال لشيطان بني النضير حُيَى بن أخطب (إذ طلب منه الغدر بالمسلمين) .. ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم.
فقد توالت الأحداث، وأثبتت الأيام صدق تقدير وفراسة كعب بن أَسد، بأن حُيَي بن أَخطب كان أشأم إنسان على بني قريظة، حيث وصل بهم في النهاية إلى الإبادة الكاملة.
المرأة الوحيدة التي أعدمت
هكذا تم إعدام جميع رجال بني قريظة جزاء غدرهم وخيانتهم ونَكْثهم العهد، أمَّا النساءُ من بني قريظة فلم يقتل المسلمون منهن أَحدًا لأَن آداب الحرب في الإسلام تحرّم تحريمًا قاطعًا قتل نساء العدو إلَّا حَدًّا أَو قصاصًا، أَو في الميدان إذا كانت المرأَة تقاتل.
ولهذا فإنه لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، أمر
стр. 1035
النبي ﷺ بقتلها قصاصًا برجل من المسلمين قامت هذه المرأة باغتياله.
واسم هذه المرأة اليهودية القرظية (مزنة) كانت قد طرحت رحى على خلَّاد بن سويد -بتحريض من زوجها- فقتلته، فتمَّ إعدامها قصاصًا بذلك.
كانت هذه المرأَة (ساعة تنفيذ حكم الإعدام) في رجال بني قريظة، موجودة في بيت عائشة ﵂، وقد استدعاها الحرس باسمها من بين جميع نساء بني قريظة.
فلما سمعت هاتف الحرس النبوى يهتف (أَين مزنة) قالت .. أنا والله.
فقالت لها عائشة .. ويلك، ما لك؟ .
قالت .. أُقتل (قتلنى زوجى).
فقالت لها عائشة .. وكيف قتلك زوجك؟ .
قالت .. أَمرني أن ألقى رحىً على أصحاب محمد كانوا تحت الحصن مستتظلين في فيئه، فأدركت خلاد بن سويد فشدخت رأْسه فمات وأنا أقتل به.
أمر عجيب ...
ثم أعطت عائشة تفصيلات أكثر عن الحادت، فقالت .. إني كنت زوجة رجل من بني قريظة وكان بيني وبينه كأشد ما يتحابَّ الزوجان، فلما اشتد أمر المحاصرة، قلت لزوجى .. يا حسرتي
стр. 1036
على أيام الوصال، كادت أن تنقضى وتتبدل بليالى الفراق، وما أصنع بالحياة بعدك؟ .
فقال زوجى: إن كنت صادقة في دعوى المحبة، فإن جماعة من المسلمين جالسون في ظل حصن فأَلقي عليهم حجر الرحى لعله يصيب واحدًا منهم, فإن ظفروا بنا يقتلونك بذلك، ففعلت (١).
وكانت عائشة تتحدث عن هذه المرأة اليهودية وثباتها حديث المتعجب، قالت .. والله إنها لعندى تتحدث معي ظهرًا لبطن، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت .. أَنا والله, قالت عائشة .. قلت لها .. ويلك ما لك؟ ، قالت .. أُقْتَل، قلت .. ولم؟ قالت .. لحَدَث أَحدثته, قالت عائشة .. فانطُلِقَ بها، فضُرِبت عنقها.
فكانت عائشة تقول .. والله ما أَنسى عجبًا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها، وقد عرفَتْ أَنها تقتل تقتل (٢).
وذكر أبو ذر أَن هذه المرأة اليهودية (مزنة) هي زوجة رجل اسمه الحسن القرظى.
وقد نجى رجل واحد فقط من بني قريظة من القتل، وهو رفاعة بن سموأل القرظى (٣)، وهبه رسول الله ﷺ لإِحدى
стр. 1037
نساء بني النجار، شفعتَ له عند رسول الله ﷺ لأَنه أَوعد أنه سيسلم, وقد أسلم فعلًا. وكانت هذه المرأَة (وهي سلمى بنت قيس) (١) من نساء الأنصار السابقات إلى الإسلام.
قال ابن إِسحاق .. إِن سلمى بنت قيس أم المنذر. وأخت سليط من أم سليط -وكانت إِحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين وبايعته بيعة النساءِ- سألته رفاعة بن سموأَل القرظى, وكان رجلًا قد بلغ فلاذ بها - (أَى التجأَ إليها) , وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت .. يا نبي الله بأَبى أَنت وأمّى، هب لي رفاعة فإنه قد زعم أَنه سيصلى ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها فأستحيته.
قصة عجيبة من قصص اليهود
وفي الوقت الذي تم فيه تنفيذ حكم الإعدام العادل في عصابة الغدر والخيانة والإجرام من يهود بني قريظة، حدثت قصة عجبية مثيرة، محورها محارب يهودى قديم عنيد.
كان هذا اليهودى المحارب واسمه (الزبير بن باطا) من قادة بني قريظة في الجاهلية وكان قد أَسدى معروفًا كبيرًا إلى رجل من صحابة محمد قبل الإسلام، وهو ثابت بن قيس بن الشماس
стр. 1038
الخزرجي (١) فحاول هذا الصحابي الجليل أن يجزى هذا اليهودى على معروفه السابق.
فذهب هذا الصحابي إلى نبيه محمد ﷺ وذكر له قصة فضل هذا اليهودى ومنته عليه، وطلب منه - بصفته القائد الأعلى ذا الصلاحيات المطلقة في العفو عمّن يرى - أَن يعفو عن هذا اليهودي المحكوم عليه بالإعدام. ليرد له بذلك فضله السابق عليه.
فوافق النبي القائد ﷺ وأَجاب صاحبه إلى ما طلب، ولكن الغريب في الأمر هو أن هذا اليهودى، أبى -بعد صدور العفونه- إلا أَن يُقتَل كما قُتل قومه ليلحق بهم إلى الجحيم.
وتفصيل ذلك، هو أن بني قريظة كانوا يُعْتبرُون في السلم والحرب جزءًا من قبيلة الأوْس، وذلك بفعل رابطة التحالف القائمة بين القبيلتين، كما هي القاعدة المتبعة عند العرب في الجاهلية.
ولذلك فإن يهود بني قريظة كانوا، إذا ما نشبت (في تلك الحروب الأهلية الطويلة) معركة بين الأوس والخزرج يقفون إلى جانب الأوْس فيقاتلون معهم حتى النهاية كجزء لا يتجزأ منهم كما كان يفعل يهود بني النضير وبنى قينقاع مع الخزرج حلفائهم.
وعندما نشبت معركة بُعاث الشهيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج والتي كان النصر الساحق فيها للأوْس علي الخزرج، وقع
стр. 1039
ثابت بن قيس بن الشماس الخزرجى أسيرًا في يد القائد اليهودى الزبير بن باطا هذا, الذي كان يقود بعض اليهود في تلك المعركة ضد الخزرج.
وقد منَّ الزبير هذا على ثابت بن قيس حيث أخلى سبيله بعد أن جزَّ ناصيته، فحفظها قيس يدًا بيضاء للزبير بن باطا.
فلما وقع بنو قريظة في عملهم السئ، ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ وحكم عليهم القاضي سعد بن معاذ بالإعدام جميعًا، تذكر ثابت بن قيس ما لليهودي الزبير بن باطا عليه من فضل سابق، فأحبَّ أن يردَّ له جميله، فتوجه إلى رسول الله ﷺ ، وطلب منه (كما تقدَّم) أن يمنَّ على هذا اليهودى فَيَهَبَه له لينجو من القتل, ففعل النبي ﷺ بل وأمر (استجابة لالتماس آخر قدمه صاحبه ثابت) بأَن يعاد إِلى هذا اليهودي كل أبنائه، نسائه وكامل أَمواله، ولكن هذا اليهودى العنيد الذي تخطى الستين من عمره رفض كل ذلك وأبى إلَّا أن يموت كما مات زملاؤه في الخسّة والغدر والخيانة من بني قريظة.
ولنستمع إلى هذه القصة العجيبة يرويها لنا ابن هشام بسنده عن محمد بن إسحاق، فقد قال ابن إسحاق: وكان ثابت بن قيس بن الشماس -كما ذكر لي ابن شهاب الزهري- أتى الزبير بن باطا القرظى, وكان يكنى (أبا عبد الرحمن) وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، "ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منَّ عليه يوم بعاث" أخذه فجزَّ ناصيته ثم خلَّى سبيله.
стр. 1040
فجاء، ثابت (وهو شيخ كبير) فقال .. يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ .
قال .. وهل يجهل مثلى مثلك؟ .
قال .. إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي.
قال .. إن الكريم يجزى الكريم.
قال ابن إسحاق .. ثم أتى قيس بن ثابت رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله .. إنه قد كانت للزبير عليّ منّة وقد أحبت أن أجزيه بها، فهب لي دمه.
فقال رسول الله ﷺ : فهو لك.
فقال الزبير بن باطا (لما أبلغه قيس أمر العفو عنه) .. شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ .
قال .. فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال .. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هب لي امرأته وولده.
قال .. ﷺ : هم لك.
قال .. فأتاه (ثابت) فقال له .. قد وهب لي رسول الله ﷺ ، أهلك وولدك، فهم لك.
قال .. أهل بيت بالحجاز لا مال لهم, فما بقاؤهم على ذلك؟ .
فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال .. يا رسول الله، ماله (أي هبَ لي ماله).
فقال ﷺ .. هو لك.
فأتاه ثابت فقال (له) قد أعطاني رسول الله ﷺ مالك، فهو لك.
стр. 1041
فقال (هذا اليهودى) .. أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارَى الحَى، كعب بن أسد؟ .
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل سيد الحاضر والبادى، حيَى بن أخطب؟ .
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل مقدمتنا إذا شددنا, وحاميتنا إذا فررنا، غزَّال ابن سَموأل؟
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل المجلسان (يعني بني كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة)؟ .
قال .. ذهبوا، قُتلوا.
قال .. فإني أَسألك يا ثابت بيدى عندك إلَّا ألحقتنى بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله قَتْلة دلو ناضح (١) حتى ألقى الأحبة.
فقدمه ثابت، فضرب عنقه.
فلما بلغ أَبا بكر الصديق، قوله .. أَلقى الأحبة، قال .. يلقاهم في نار جهنم خالدًا مخلدًا (٢).
стр. 1042
مصير السبي والغنائم
وبعد أن فرغ رسول الله ﷺ من أمر رجال بني قريظة (تنفيذًا للحكم الذي أصدره القاضي سعد بن معاذ) أمر الرسول القائد ﷺ ، بتشكيل هيئة من كبار الصحابة للقيام بجرد وإحصاء جميع أموال بني قريظة (المنقولة وغير المنقولة) من ديار وسلاح وأثاث ومزارع وخيول وجِمال وغير ذلك.
وتم إحصاءُ السبي من النساء والذرارى فكانوا ألف رأس، وقد وجد المسلمون في حصون بني قريظة من العتاد الحربى الكميات التالية:
١ - ١٥٠٠، ألف وخمسمائة سيفًا.
ب - ٢٠٠٠، أَلفين من الرماح.
ج- ٣٠٠، ثلاثمائة درع.
د- ٥٠٠، خمسمائة ترس، وجُحفة (١).
كما وجدت اللجنة جرارًا كثيرة من الخمر المخزون المعتق، فأمر النبي ﷺ بإراقتها، وعدم قسمتها مع الغنائم، وفي هذا دليل على أن الخمر قد نزل بها التحريم قبل غزوة خيبر، والله أعلم بالصواب.
وبعد أن تم إحصاء الغنائم من سبْى وأموال، أمر النبي ﷺ ، بتقسيمها على جند الإسلام الذين اشتركوا في حصار بني قريظة (فقط).
وقد تمَّ تقسيم الغنائم حسب القانون الذي نزل به القرآن، وهو أن تقسم خمسة أقسام .. قسم يبقى تحت تصرف النبي القائد
стр. 1043
- ﷺ يتصرف فيه حسبما تقتضيه المصلحة، وذلك تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١).
وأربعة أقسام توزع (أَسهمًا) على المحاربين الذين بسيوفهم جاءت هذه الغنائم.
وكما هو القانون الثابت، أُعطيت من الغنائم ثلاثة أَسهم للفارس، سهم له، وسهمان لفرسه.
أَما المحارب الراجل الذي لا فرس له فقد أُعطى. (حسب القانون) سهمًا واحدًا فقط.
وذلك أَن أَثر الفارس في المعركة على العدوّ أشد بكثير من أَثر الراجل الذي لم يقاتل على فرس.
فعلى هذا النظام قُسِّمت غنائم يهود بني قريظة بعد استسلامهم وإعدامهم.
مشاركة المرأة في الغنائم
إلا أن النبي ﷺ وبطريقة استثنائية- رضخ (٢) من غنيمة بني قريظة لسبع من نساء المسلمين كنَّ قد حضرن عمليات الحصار، أي أَنه لم يُسهم لهن في الغنيمة كالرجال وإنما أَعطاهن شيئًا قدره بنفسه.
стр. 1044
وهؤلاءِ النسوة الفاضلات اللواتي حضرن حصار بني قريظة هن في السيرة الحلبية:
١ - أَم عمارة- نسيبة بنت كعب المازنية, الصحابية الشهيرة التي قاتلت المشركين في معركة أُحد (١).
٢ - صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ (١).
٣ - أم سليط (٢).
٤ - أم العلاءِ (٣).
٥ - السميراءَ بنت قيس (٤).
٦ - أم سعد بن معاذ (٥).
وهذه أول مرة يعطى فيها النبي ﷺ النساءِ من غنائم العدو,
стр. 1045
كما أن غزوة بني قريظة هي ثاني عمل حربى تشترك فيه المرأة المسلمة، فقد اشتركت في معركة أحُدْ مُقاتِلة ومُسعفة (١).
وكذلك أسهم رسول الله ﷺ . لرجلين من المسلمين كانا قد ماتا في حصار بني قريظة.
أحدهما خلَّاد بن سويد، وهو الذي قتلته (مزنة اليهودية) بحجر رحى ألقته عليه من رأس الحصن, فقتلته به كما تقدم. وخلاد هذا هو ابن سويد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجى كان من السابقين في الإسلام، شهد العقبة وبدرًا.
وقد دفع رسول الله ﷺ سهمه إلى ورثته. وقال .. إنَّ له أجر شهيدين (٢).
وثانيهما أبو سنان بن محصن (٣) أخو عكاشة بن محصن (٤)
стр. 1046
مات (غير مقتول) أيام حصار بني قريظة، وهو ضمن الجيش الحاصر، وقد تسلّم ورثته سهمه في الغنيمة.
وهذه أَيضًا، أول مرة يُسهِمُ فيها النبي ﷺ لميِّت في غنيمة من غنائم العدوّ.
منع التفريق بين الأم وابنها
وعند توزيع الغنائم على المحاربين أصدر النبي أَمرًا مشدّدًا بأن لا يفرِّق أَحد بين أم وولدها من سَبْى بني قريظة، عندما يرغب في بيعهم.
فإِمَّا البيع معًا، وإمّا الاستبقاءُ معًا، لأنَّ في التفريق بين الأم وولدها تعذيبًا شديدًا لهما لا يقرّه الإسلام، بل إن الرسول القائد ذهب في الشفقة والرحمة إِلى أَبعد من منع التفريق بين الأم وولدها فأَصدر أَمره مشددًا أيضًا بأن لا يفرِّق أحد بين الأُخت وأختها حتى يبلغا.
فقد روى الترمذي في صحيحه أن النبي ﷺ قال .. من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أَحِبته يوم القيامة.
وعن عبادة بن الصامت, أن النبي ﷺ قال .. لا يفرَّق بين الوالدة وولدها، فقيل .. إلى متى؟ قال .. حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية.
وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال وهب لي رسول الله ﷺ غلامين (صغيرين) فبعتُ أحدهما، فقال ما فعل
стр. 1047
غلامك .. فقلت .. بعته .. فقال .. (رده رده) أي أن النبي ﷺ , استنكر التفريق بين الأخ وأَخيه ما داما صغيرين.
ونتيجة لهذه الأوامر النبوية المشدَّدة. بشأن سَبى العدو، كان قادة الجيوش الإِسلامية في حروب الإِسلام يمنعون التفريق بين الأم وولدها وبين الأُخت وأُختها والأَخ وأخيه.
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش الإسلامية في الشام والعراق .. لا تفرِّقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع لأنه ذو رحم.
وقد حكم الإِمام الشافعي بفساد بيع المفرَّق بينهما سواء كان المفرَّق بينهما بالبيع أخوين، أو أم وولدها (١).
الرسول يتزوج من بني قريظة
وقد تزوج رسول الله ﷺ من سبايا يهود بني قريظة امرأة اسمها (ريحانة بنت عمرو) وهو (شمعون مولى رسول الله ﷺ تزوجها بعد أن أعتقها (٢).
وبعد الاستيلاء على ممتلكات يهود بني قريظة وسبى نسائهم وذراريهم، بعث رسول الله ﷺ بقسم من هذا السبى إلى البلدان المجاورة لبيعهم وشراء خيل وسلاح بثمنهم للجيش ..
стр. 1048
فبعث سعد بن زيد الأنصاري (١) بسبايا من يهود بني قريظة إلى نجد في الجزيرة العربية فابتاع بهم خيلًا، أسلحة أُخرى.
وكذلك بعث سعد بن عبادة بقسم من ذلك السَبْى إلى الشام، فباعهم واشترى بثمنهم خيلًا كثيرًا ثم قسمها رسول الله ﷺ على المسلمين (٢).
стр. 1049
الفصل الرَّابع على أطلال بني قريظة
* المعترضون على الحكم الصادر والنافذ بحق هؤلاء اليهود.
* مناقشة هؤلاء المعترضون والرد على مطاعنهم بهذا الصدد.
* الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة موافق لجميع القوانين الدوليه في كل العصور.
* بحث استرقاق نساء وأطفال يهود بني قريظة.
* بحث الرق في الإسلام بصفه عامة, والرد على خصوم الإسلام حيال هذا الموضوع.
بعد أَن فصّلنا حوادث خيانة يهود بني قريظة وما ترتّب على هذه الخيانة المنكرة من نتائج خطيرة كان أَهمها إعدام حوالي ثمانمائة مقاتل من هؤلاءِ اليهود وسبى نسائهم وذراريهم. ومصادرة كل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة.
بعد أن فصلنا هذا. لا بد لنا من وقفة على أطلال هؤلاءِ اليهود نتناول فيها بالبحث والتحليل هذه الناحية لإِزالة ما يكون قد علق ببعض الأَذهان حول صرامة حكم الإِعدام والمصادرة والسبي الذي صدر ونفذ بحق يهود بني قريظة، والذي ببدو لأَول وهلة (للسطحيين)
стр. 1050
أن فيه شيئًا من القسوة والوحشية. كما لا بد لنا في هذه الوقفة من مناقشة الطعون والرد على الانتقادات التي أوردها البعض بشأن هذا الحكم الصارم الذي صدر ونفذ في هؤلاء اليهود.
الطاعنون في حكم إعدام اليهود
فهناك فريقان، لا يمرّ أحدهما بحادثة العقوبة النازلة بيهود بني قريظة، إلَّا ويعلن استنكاره للحكم النافذ في هؤلاء اليهود (وخاصة عقوبة الإعدام)، وبصفها بأنها عمل يتسم بالوحشية والقسوة.
فريق رئيسى، وهم غير المسلمين الذين يحرصون (دائمًا) على نشر ظلال من الشكوك حول دعوة الإسلام، وإيجاد المطاعن في قطب هذه الدعوة وحامل لواءِ رسالتها محمد بن عبد الله ﷺ ، وأهداف هذا الفريق الخبيثة ومقاصده السيئة معروفة مكشوفة، فهم أَعداءٌ أساسيون للإسلام ونبيّ الإسلام.
وفريق ثانوى، وهم بعض المنتسبين إلى الإسلام والمحسوبون عليه، الذين لا يعرفون عن هذا الدين إلا ما تلقوه في مدارس ومعاهد وجامعات أَعدائه.
كل هؤلاد وأولئك يلمِّحون ويصرّحون (أحيانًا) بأن عملية الإعدام الجماعية التي تمّت بحق يهود بني قريظة على تلك الصورة الصارمة السريعة، هي عملية قد اتسمت بطابع الوحشية والانتقام الذي يتنافى مع قواعد الإنسانية وروح القرن العشرين المتمدنة, لا سيما وأَن اليهود قد وقعوا أَسرى حرب في أَيدى المسلمين.
стр. 1051
تحذير لكل مسلم
وقبل الدخول في مناقشة هؤلاءِ الطاعنين في الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة، وقبل رد هذه المطاعن وإِبطالها بالحجج المنطقية والقانونية والوجدانية، لا بد لنا ولكل مسلم من الإقرار والتسليم (صيانة لديننا وحماية لإِيماننا) بأَنه ليس لنا الحق في أي تعقيب أَو مناقشة (فضلًا عن الانتقاد) في أَى حكم يصدر عن النبي الكريم ﷺ أو يقره ويمضيه.
لأَن النبي محمد ﷺ لا يصدر في أَيّ حكم إِلّا عن الله تعالى. إذ هو (كما قال جل وعلا) .. (وما ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى) (١).
وأى إِنسان ينتسب إلى الإِسلام ويصدر منه أي طعن أو انتقاد لحكم يُصدره رسول الله ﷺ أو يمضيه فهو كافر لا مكان له في الإسلام، لأن الذي يفعل شيئًا من هذا يعتبر معترضًا على الرسول الأعظم ﷺ ، والذي يعترض على الرسول ﷺ إنما هو في الحقيقة معترض على الله وطاعن في حكم الله، والطاعن في حكم الله كافر حلال الدم بالإِجماع.
والحكم الصادر في حقّ يهود بني قريظة هو (كما ثبت في صحيح البخاري حكم الله الذي أراده وارتضاه كما بذلك النبي ﷺ الذي قال للقاضي سعد بن معاذ عندما أصدر حكم الإعدام على يهود بني قريظة .. "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات".
стр. 1052
ومع إيماننا الكامل بكل ما ذكرنا وتسليمنا المطلق بعدالة ذلك الحكم الذي صدر بحق يهود بني قريظة ونفذ فيهم، فإننا مستعدون لمناقشة المعترضين الطاعنين في هذا الحكم، وأَن نُثبِت لهم شرعية ووجاهة هذا الحكم, ومطابقته لكل قواعد العدالة التي يلتزمها القضاءُ والحكم في كل عصر وزمان، وحتى زمن القرن العشرين، وأنه يتمشى كل التمشي مع قواعد الإِنسانية وأن ليس فيه أي تنافر مع إحساسات الضمائر الحية والوجدانات المستقيمة. ولنبدأ المناقشة:
طبيعة اليهود الأبدية
لقد أَثبتت مجريات الأحداث - منذ وصول النبي ﷺ إلى منطقة يثرب - أَن هؤلاءِ اليهود بل كل يهود يثرب على أمر مبيت للكيد للنبي ﷺ والقضاءِ عليه وعلى دعوته بأية وسيلة مهما بلغت من الخسّة والوضاعة.
وأن الغدر والخيانة واستحلال دماء وأعراض وأموال كل من يخالف اليهود في دينهم ولا ينحدر من جنسهم, قاعدة عامة ثابتة لديهم، وطبيعة خبيثة متأَصلة في نفوسهم وسابحة في دمائهم. لا تلبث أن تظهر وتبرز وتتجلى عندما تسنح لهم الفرصة. فيسيرون على هذه القاعدة اللعينة. حتى ولو كانوا قد أعطوا ألف عهد ووقعوا ألف ميثاق.
المعاهدة بين المسلمين واليهود
عندما جاء النبي ﷺ إلى يثرب ودان أهلها من الأوس والخزرج
стр. 1053
بالإسلام، وصار المسلمون في المدينة أَغلبية ساحقة عقد النبي ﷺ ، مع الطائفة اليهودية بقبائلها الثلاث: (بني النضير وبنى قينقاع وبنى قريظة) معاهدة شاملة، كان أَهم ما جاء في هذه المعاهدة أَن المسلمين واليهود أُمة واحدة يشتركون في وطن واحد، وأن عليهم الدفاع المشترك عن هذا الوطن (يثرب): المسم واليهودي يلزمه حمل السلاح لصد أَي عدوان يأتي من الخارج يستهدف هذه المنطقة مهما كان مصدره.
أربع سنوات من المعاهدة
وفي ظرف أَربع سنوات من هذه المعاهدة كشفت الأحداث المتلاحقة أَن اليهود جميعًا (بقبائلهم الثلاث) ما قبلوا تلك المعاهدة وارتضوا بنودها ووقعوا عليها إلا مكرًا وخداعًا، وأَنهم ما كانوا يهدفون من ورائها إِلا تضمين المسلمين ليثقوا بهم ويركنوا إِليهم.
حتى إِذا ما سنحت لهم الفرصة داسوا هذه العهود والمواثيق وشرعوا (دون إِقامة أَي اعتبار لخُلُقٍ أَو وجدان أَو ضمير أو دين) في تسديد ضربتهم التي يحرصون على أَن تكون قاتلة حاسمة.
ولقد عانى النبي ﷺ من هذا الخُلُق اليهودى الخبيث المتأَصل, متاعب كثيرة, فبالرغم من تمسك النبي ﷺ لمعاهدة المعقودة بينه وبين اليهود، ورغبته الصادقة في تطبيقها حرفيًّا والوفاء بها إلى أبعد الحدود فإِن هؤلاءِ اليهود (دونما استثناءٍ) كانوا لا تسنح لهم فرصة يرون أَنهم قادرون فيها على تسديد ضربة قاتلة إِلى المسلمين
стр. 1054
إلّا وحاولوا استغلالها وكأن لم يكن هناك بينهم وبين المسلمين عهد أو ميثاق.
لقد رأينا كيف صنع بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة معهم فحاربوا النبي ﷺ ونقضوا العهد الذين بينهم وبين المسلمين عندما ظنوا أنهم قادرون على نسف الكيان الإسلامي وتدميره، وكيف أن النبي ﷺ قد اكتفى بنفى بني النضير وبنى قينقاع بعد أن ظفر بهم، وكانت عقوبة النفي هذه (فما يبدو لنا) في مستوى الخطيئة التي ارتكبها بنو النضير وبنو قينقاع.
ولقد حاربت بنو قريضة المسلمين مع بني النضير، ولكن (لاعتبارات خاصة) لم يُنفهم النبي ﷺ بل أقرَّهم وعفى عنهم بعد أن جدَّدوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين (١).
العهود والمواثيق في نظر اليهود
ولكن هؤلاء اليهود عندما سنحت لهم الفرصة وظنّوا أنهم قادرون على سحق المسلمين وإبادة خضرائهم إبادة كاملة، أقدموا على أحطِّ عمل وأنذل صنيع في تاريخ النكث والغدر والخيانة.
فقد استغل هؤلاء الجبناء الموقف العصيب الذي صار إليه حلفاؤهم المسلمون حينما أغرقتهم جيوش الأحزاب الحانقة الجرَّارة من كل مكان.
стр. 1055
فقد ثارث بهم (آن ذاك) خصائص النذالة المتأصلة في نفوسهم وطبيعة الخيانة السابحة في دمائهم، فكشفوا القناع وظهروا من جديد على حقيقتهم.
وإذا بالعهود والمواثيق التي أَبرموها مع المسلمين تصبح وكأَنها لم تكن.
فقد مزَّق هؤلاءِ اليهود هذه العهود والمواثيق ووطئوها بأَقدامهم حينما ذهبوا إلى قيادة الأَحزاب الغزاة يضعون يدهم في أَيديهم ويعاهدونهم (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة من تاريخ الإسلام والمسلمين) على سحق المسلمين وهدم كيان الإِسلام إلى الأَبد.
ويأتي إليهم المسلمون الذين (كما شهد زعيم هؤلاءِ اليهود كعب بن أَسد) لم يروا منهم ومن نبيّهم إلَّا صدقًا في المعاملة ووفاءً بالعهد .. يأتون إليهم ليطلبوا منهم الثبات على العهد ويذكرونهم بالمسؤولية العظمى والنتائج الوخيمة التي تترتب على النكث بهذه العهود والمواثيق، وخاصة في مثل تلك الظروف الحربية الدقيقة الحرجة.
وإذا بالجواب يأتي من قبل هؤلاء اليهود، سخريةً واستهزاء بالنبي ﷺ وبالمسلمين، وبالعهود والمواثيق التي أَبرموها معهم:
"من هو محمد (هذا الذي يقول إن بيننا وبينه عهدًا) ومن هو رسول الله؟ ، نحن لا نعرف محمدًا وليس بيننا وبينه أَيّ عهد"! .
هكذا كان جواب يهود بني قريظة للمسلمين عندما جاء وفدهم إلى هؤلاءِ اليهود يطلب منهم الثبات على العهد الذي بين الفريقين