تحذير لكل مسلم
وقبل الدخول في مناقشة هؤلاءِ الطاعنين في الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة، وقبل رد هذه المطاعن وإِبطالها بالحجج المنطقية والقانونية والوجدانية، لا بد لنا ولكل مسلم من الإقرار والتسليم (صيانة لديننا وحماية لإِيماننا) بأَنه ليس لنا الحق في أي تعقيب أَو مناقشة (فضلًا عن الانتقاد) في أَى حكم يصدر عن النبي الكريم ﷺ أو يقره ويمضيه.
لأَن النبي محمد ﷺ لا يصدر في أَيّ حكم إِلّا عن الله تعالى. إذ هو (كما قال جل وعلا) .. (وما ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى) (١).
وأى إِنسان ينتسب إلى الإِسلام ويصدر منه أي طعن أو انتقاد لحكم يُصدره رسول الله ﷺ أو يمضيه فهو كافر لا مكان له في الإسلام، لأن الذي يفعل شيئًا من هذا يعتبر معترضًا على الرسول الأعظم ﷺ ، والذي يعترض على الرسول ﷺ إنما هو في الحقيقة معترض على الله وطاعن في حكم الله، والطاعن في حكم الله كافر حلال الدم بالإِجماع.
والحكم الصادر في حقّ يهود بني قريظة هو (كما ثبت في صحيح البخاري حكم الله الذي أراده وارتضاه كما بذلك النبي ﷺ الذي قال للقاضي سعد بن معاذ عندما أصدر حكم الإعدام على يهود بني قريظة .. "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات".
стр. 1052
ومع إيماننا الكامل بكل ما ذكرنا وتسليمنا المطلق بعدالة ذلك الحكم الذي صدر بحق يهود بني قريظة ونفذ فيهم، فإننا مستعدون لمناقشة المعترضين الطاعنين في هذا الحكم، وأَن نُثبِت لهم شرعية ووجاهة هذا الحكم, ومطابقته لكل قواعد العدالة التي يلتزمها القضاءُ والحكم في كل عصر وزمان، وحتى زمن القرن العشرين، وأنه يتمشى كل التمشي مع قواعد الإِنسانية وأن ليس فيه أي تنافر مع إحساسات الضمائر الحية والوجدانات المستقيمة. ولنبدأ المناقشة:
طبيعة اليهود الأبدية
لقد أَثبتت مجريات الأحداث - منذ وصول النبي ﷺ إلى منطقة يثرب - أَن هؤلاءِ اليهود بل كل يهود يثرب على أمر مبيت للكيد للنبي ﷺ والقضاءِ عليه وعلى دعوته بأية وسيلة مهما بلغت من الخسّة والوضاعة.
وأن الغدر والخيانة واستحلال دماء وأعراض وأموال كل من يخالف اليهود في دينهم ولا ينحدر من جنسهم, قاعدة عامة ثابتة لديهم، وطبيعة خبيثة متأَصلة في نفوسهم وسابحة في دمائهم. لا تلبث أن تظهر وتبرز وتتجلى عندما تسنح لهم الفرصة. فيسيرون على هذه القاعدة اللعينة. حتى ولو كانوا قد أعطوا ألف عهد ووقعوا ألف ميثاق.
المعاهدة بين المسلمين واليهود
عندما جاء النبي ﷺ إلى يثرب ودان أهلها من الأوس والخزرج
стр. 1053
بالإسلام، وصار المسلمون في المدينة أَغلبية ساحقة عقد النبي ﷺ ، مع الطائفة اليهودية بقبائلها الثلاث: (بني النضير وبنى قينقاع وبنى قريظة) معاهدة شاملة، كان أَهم ما جاء في هذه المعاهدة أَن المسلمين واليهود أُمة واحدة يشتركون في وطن واحد، وأن عليهم الدفاع المشترك عن هذا الوطن (يثرب): المسم واليهودي يلزمه حمل السلاح لصد أَي عدوان يأتي من الخارج يستهدف هذه المنطقة مهما كان مصدره.
أربع سنوات من المعاهدة
وفي ظرف أَربع سنوات من هذه المعاهدة كشفت الأحداث المتلاحقة أَن اليهود جميعًا (بقبائلهم الثلاث) ما قبلوا تلك المعاهدة وارتضوا بنودها ووقعوا عليها إلا مكرًا وخداعًا، وأَنهم ما كانوا يهدفون من ورائها إِلا تضمين المسلمين ليثقوا بهم ويركنوا إِليهم.
حتى إِذا ما سنحت لهم الفرصة داسوا هذه العهود والمواثيق وشرعوا (دون إِقامة أَي اعتبار لخُلُقٍ أَو وجدان أَو ضمير أو دين) في تسديد ضربتهم التي يحرصون على أَن تكون قاتلة حاسمة.
ولقد عانى النبي ﷺ من هذا الخُلُق اليهودى الخبيث المتأَصل, متاعب كثيرة, فبالرغم من تمسك النبي ﷺ لمعاهدة المعقودة بينه وبين اليهود، ورغبته الصادقة في تطبيقها حرفيًّا والوفاء بها إلى أبعد الحدود فإِن هؤلاءِ اليهود (دونما استثناءٍ) كانوا لا تسنح لهم فرصة يرون أَنهم قادرون فيها على تسديد ضربة قاتلة إِلى المسلمين
стр. 1054
إلّا وحاولوا استغلالها وكأن لم يكن هناك بينهم وبين المسلمين عهد أو ميثاق.
لقد رأينا كيف صنع بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة معهم فحاربوا النبي ﷺ ونقضوا العهد الذين بينهم وبين المسلمين عندما ظنوا أنهم قادرون على نسف الكيان الإسلامي وتدميره، وكيف أن النبي ﷺ قد اكتفى بنفى بني النضير وبنى قينقاع بعد أن ظفر بهم، وكانت عقوبة النفي هذه (فما يبدو لنا) في مستوى الخطيئة التي ارتكبها بنو النضير وبنو قينقاع.
ولقد حاربت بنو قريضة المسلمين مع بني النضير، ولكن (لاعتبارات خاصة) لم يُنفهم النبي ﷺ بل أقرَّهم وعفى عنهم بعد أن جدَّدوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين (١).
العهود والمواثيق في نظر اليهود
ولكن هؤلاء اليهود عندما سنحت لهم الفرصة وظنّوا أنهم قادرون على سحق المسلمين وإبادة خضرائهم إبادة كاملة، أقدموا على أحطِّ عمل وأنذل صنيع في تاريخ النكث والغدر والخيانة.
فقد استغل هؤلاء الجبناء الموقف العصيب الذي صار إليه حلفاؤهم المسلمون حينما أغرقتهم جيوش الأحزاب الحانقة الجرَّارة من كل مكان.
стр. 1055
فقد ثارث بهم (آن ذاك) خصائص النذالة المتأصلة في نفوسهم وطبيعة الخيانة السابحة في دمائهم، فكشفوا القناع وظهروا من جديد على حقيقتهم.
وإذا بالعهود والمواثيق التي أَبرموها مع المسلمين تصبح وكأَنها لم تكن.
فقد مزَّق هؤلاءِ اليهود هذه العهود والمواثيق ووطئوها بأَقدامهم حينما ذهبوا إلى قيادة الأَحزاب الغزاة يضعون يدهم في أَيديهم ويعاهدونهم (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة من تاريخ الإسلام والمسلمين) على سحق المسلمين وهدم كيان الإِسلام إلى الأَبد.
ويأتي إليهم المسلمون الذين (كما شهد زعيم هؤلاءِ اليهود كعب بن أَسد) لم يروا منهم ومن نبيّهم إلَّا صدقًا في المعاملة ووفاءً بالعهد .. يأتون إليهم ليطلبوا منهم الثبات على العهد ويذكرونهم بالمسؤولية العظمى والنتائج الوخيمة التي تترتب على النكث بهذه العهود والمواثيق، وخاصة في مثل تلك الظروف الحربية الدقيقة الحرجة.
وإذا بالجواب يأتي من قبل هؤلاء اليهود، سخريةً واستهزاء بالنبي ﷺ وبالمسلمين، وبالعهود والمواثيق التي أَبرموها معهم:
"من هو محمد (هذا الذي يقول إن بيننا وبينه عهدًا) ومن هو رسول الله؟ ، نحن لا نعرف محمدًا وليس بيننا وبينه أَيّ عهد"! .
هكذا كان جواب يهود بني قريظة للمسلمين عندما جاء وفدهم إلى هؤلاءِ اليهود يطلب منهم الثبات على العهد الذي بين الفريقين
стр. 1056
والقيام بالالتزامات العسكرية التي عليهم والتي تفرض القيام بها نصوص تلك العاهدة.
وهؤلاءِ اليهود لم يسلكوا هذا المسلك الوضيع المنحط إلّا وقد تكوَّن لديهم ما يشبه اليقين بأنهم - بمساعدة الأحزاب - قادرون على تدمير الكيان الإِسلامي تدميرًا كاملًا, واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا كلّيًا، ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة الفظيعة البشعة.
وعلم الله لو أَن هؤلا اليهود قد ظفروا بالمسلمين، وتمكنوا -بمساعدة الغزاة- من احتلال المدينة لما تردَّدوا لحظة في الوصول بالمسلمين إلى أَقسى مما وصل المسلمون بهم إليه، ولا أدلَّ على ذلك من أَن هؤلاءِ اليهود قد اتفقوا مع قادة جيوش الأحزاب على أن لا ينصرفوا بجيوشهم عن المدينة إلا بعد القضاءِ على المسلمين وسحقهم سحقًا كاملًا, وذلك كشرط أَساسي لانضمام هؤلاء اليهود إلى الأَحزاب ضد المسلمين وإعلانهم نقض العهد الذي بينهم.
بل لحرص هؤلاءِ اليهود على استئصال شأفة المسلمين وحرصهم على إبادتهم إبادة كاملة، طلبوا من القيادة المشتركة للأحزاب أن يسلموا إِليهم رهائن من أَبنائهم سبعين شابًّا ليضمنوا أن جيوش الأَحزاب لن تنسحب من منطقة المدينة إلَّا بعد أن تفرغ من المسلمين وتقضى عليهم قضاءً تامًّا (١).
فهل بعد هذا الصنيع الذي صنعه اليهود مع سبق الإصرار، والذي لم يُقدموا عليه إلا بعد درس وتخطيط وخبث نية مبيتة،
стр. 1057
هل بعد هذا الصنيع الخسيس الوضيع الذي قام به هؤلاءِ اليهود، يجوز لعاقل منصف أَن يسمح لنفسه بالقول: إِن حكم الإِعدام الذي صدر ونفذ بحق يهود بني قريظة هو حكم غير إِنساني ولا عادل؟ .
إلى المدافعين عن بني قريظة
إننا نقول (بكل صراحة واطمئنان وثقة) لهؤلاءِ المعترضين على الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة .. إن هذا الحكم ليس فيه (كما تتوهمون) أية قسوة أو وحشية.
وإنما هو عقاب عادل نزل بخونة مجرمين يستحقونه، عقاب يطمئن إِليه الضمير والوجدان، وتقره جميع الأعراف والقوانين الدولية وتنفّذ مثله حتى هذه اللحظة، ولكي نبرهن على صحة القول من الناحية العرفية والقانونية نقول:
أهم بنود المعاهدة
١ - لقد كان اليهود من سكان يثرب، فكانوا هم والمسلمون من الناحية القانونية في العرف الحديث يشكلون وحدة وطنية من حيث كونهم سكان بلد واحد قبل الإسلام وبعده.
وبعد أن قام شكل الحكم في يثرب -بعد وصول النبي ﷺ إلى المدينة ودخول الأنصار في الإسلام- قبل اليهود (دونما أي ضغط أَو إكراه) أن يكونوا مع المسلمين أمة واحدة لهم ما لهم وعليهم ما عليهم تجاه هذا الوطن الواحد: (يثرب).
стр. 1058
٢ - فقد عقد النبي ﷺ مع هؤلاءِ اليهود معاهدة مكتوبة (١) وقَّع عليها زعماءُ الفريقين: (المسلمون واليهود) التزم فيها الفريقان الدفاع عن الوطن المشترك يثرب (يوم ذاك) ضد أَى اعتداءٍ يأتي من الخارج، سواء كان المقصود بهذا الاعتداءِ اليهود أَو المسلمين.
فقد جاء في البند الرابع والأَربعين من هذه المعاهدة بشأن الدفاع المشترك عن يثرب:
(وأَن بينهم -أَى المسلمين واليهود- النصر على من دهم يثرب).
كما جاء في البند السادس والثلاثين من هذه المعاهدة (أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة -أي صحيفة المعاهدة- وأنَّ بينهم النصح والبرَّ دون الإِثم).
اليهود والمسلمون أمة واحدة
٣ - لقد أكَّد اليهود واعترفوا بتوقيعهم على هذه المعاهدة بأنهم والمسلمين أمة واحدة يجمعهم وطن واحد، يلزمهم ما يلزم كل مواطن إزاء وطنه، مع بقاءِ كل من المسلمين واليهود على دينه حرًّا.
فقد جاء في البند الخامس والعشرين من هذه المعاهدة بهذا الشأْن: (أن اليهود أمة مع المسلمين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم).
стр. 1059
٤ - وبالإِضافة إِلى أَنَّ تقديم اليهود أَية تسهيلات (مهما كان نوعها) لأَى عدو يريد احتلال المدينة، بعد توقيعهم على هذه المعاهدة، يجعلهم (من ناحية العرف والقانون في جميع العصور) خونة يستحقون من العقوبة ما يستحق مرتكب الخيانة العظمى ضد وطنه في الظروف الحربية، فإن هؤلاءِ اليهود قد التزموا في هذه المعاهدة الامتناع عن تقديم أيّ عون لخصوم أي من الطائفتين (المسلمين واليهود) , وخاصة قريشًا (العدو رقم واحد للمسلمين).
فقد جاء في البند الثالث والأَربعين من هذه المعاهدة: (وأَنه لا تُجار قريش ولا من نَصَرَهَا).
٥ - بالإضافة إلى هذا كله اعترف يهود بني قريظة (في هذه المعاهدة) بالحكم الإِسلامي القائم في يثرب، وإِن لم يعترفوا بالإسلام رسميًا.
كان اليهود مواطنين يثربيين
كما أقروا في هذه المعاهدة بأنهم مواطنون يثربيون يجرى عليهم (في ظل هذا الحكم) ما يجرى على غيرهم، ما عدا الأمور المتعلقة بأَحوالهم الشخصية كالزواج والطلاق والإرث، وما يتعلق بمعابدهم وطقوس عباداتهم، كما اعترفوا اعترافًا كاملًا بأن مرجعهم في جميع قضاياهم (عدا الدينية الخاصة بهم) هو الرئيس الأَعلى لهذه الدولة محمد بن عبد الله ﷺ .
فقد جاء في البند الثاني والأربعين من هذه المعاهدة: (وأَنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث واشتجار يخاف فساده
стр. 1060
فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة).
٦ - بل لقد اعترف اليهود بتوقيعهم على هذه المعاهدة بأَن محمد بن عبد الله النبي ﷺ هو الحاكم الأعلى لهؤلاء اليهود أنفسهم.
فقد جاءَ في البندين الخامس والسادس والثلاثين (وأن بطانة يهود كأَنفسم. وأَنه لا يخرج أَحد منهم إلَّا بإِذن محمد).
هذا هو الموقف العام الذي كان عليه المسلمون واليهود في منطقة يثرب, وهذه هي أَهم بنود معاهدة التحالف والتواطن بين المسلمين واليهود.
لم يكن اليهود مجبرين على المعاهدة
٧ - لقد قبل اليهود هذا الوضع وارتضوا تلك المعاهدة ووقّعوا عليها والتزموا العمل بمقتضاها طائعين مختارين دون أَن يُكرههم أحد، فقد ارتضوا ذلك الوضع. ووقّعوا على تلك المعاهدة، والدولة الإسلامية لمّا تزل وليدة ليس لها أية قوة عسكرية شهيرة مرهوبة، حيث أَنَّ هذه المعاهدة قد عُقِدت بين الفريقين، قبل معركة بدر الكبرى التي تكوَّنت بعدها القوة الإسلامية المرهوبة.
فقد كان اليهود عند عقد هذه المعاهدة (من الناحية العسكرية) في مركز ممتاز لا يمكن - معه - أَن يقال إنهم قد عقدوا هذه المعاهدة بدافع من القوة والقسر.
стр. 1061
فنظرة فاحصة مجرَّدة عن الهوى، إلى بنود هذه المعاهدة، ووقفة عدل وإنصاف وتدبر ومقارنة، عند أَعمال الغدر والخيانة العظمى التي قام بها يهود بني قريظة ضد المسلمين في تلك الظروف الحربية العصيبة التي كانت فيها المدينة (بأعراضها وأرواحها وحرثها ونسلها وكل ما يرتبط فيها بالمسلمين) في مهب العاصفة .. نعم نظرة فاحصة مجردة ووقفة عادلة، منصفة عند هذه الأعمال الخطيرة التي أقدم عليها يهود بني قريظة ضد مواطنيهم وحلفائهم المسلمين, تجعل من الصعب على أيّ إنسان يحترم نفسه ولا يخضع لحكم العاطفة والهوى، أن ينكر شناعة الجريمة الكبرى وبشاعة الخيانة العظمى التي ارتكبها هؤلاء اليهود في حق وطنهم ومواطنيهم.
كما أنه (أيضًا) من الصعب على أي إنسان يحترم نفسه، ويتمتع بكامل السيطرة على تفكيره وعقله، أن يزعم أن الحكم الذي صدر ونفذ بحق هؤلاء اليهود المجرمين، فيه شيء يتنافى مع قواعد العدل ومبادى الإنسانية وأُسس القانون الدولى العام.
لقد كان اليهود بحكم وجودهم في منطقة يثرب وبحكم استيطانهم مع العرب في هذه المنطقة منذ مئات السنين ثم بحكم المعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين التي بموجبها ارتضوا أن يكونوا أمة مع المسلمين وارتضوا البقاء في ظل الدولة القائمة بعد الاعتراف بها وارتضائهم وإعلانهم بأنهم جزءٌ لا يتجزأ من مواطنيها .. نعم بحكم ذلك كله أَصبح يهود بني قريظة مواطنين يثربيين يلزمهم (في ظل الدولة القائمة) الدفاع عن هذه المنطقة، ويترتب عليهم من الأحكام والالتزامات ما يترتب على أي مواطن في هذا العصر.
стр. 1062
لقد ارتكب يهود بني قريظة ثلاث جرائم, تكفي واحدة منها لإِدانتهم (قانونًا) بالخيانة العظمى التي تبرر (في جميع قوانين الدنيا حديثًا وقديمًا) الحكم عليهم بالموت:
١ - اتصالهم بالعدوّ ونقلهم إِليه أسرارًا عسكرية تفيده وتعرّض سلامة جيش المدينة (وطن هؤلاء اليهود) لأشدِّ الأَخطار.
٢ - مدهم العدو الغازي بكل ما أمكنهم من عون مادى وتأييد أَدبي ومعنوي يُيسر له مهمة احتلال وطنهم المدينة والقضاءِ على مواطنيهم.
٣ - (وهو الأَخطر) رفعهم السلاح ضد جيش المدينة (وطنهم) ونكثهم العهد وإِعلانهم الاستعداد لضرب مواطنيهم من الخلف، في ظروف هي أدق ما شهد النبي وجيشه في تاريخ حياته.
سؤال قانوني
والسؤال الذي نحب توجيهه إلى المعترضين والمستهجنين للحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة هو: ما هو الحكم اليوم الذي يجب إِنزاله (في جميع القوانين الدولية) بمن خان وطنه وغدر بأُمته وشرع (أثناء ظروف حربية قائمة) في الاتصال بالعدو الذي جاء غازيًا لاحتلال وطنه وسحق مواطنيه وأخذَ (بطريقة أَو أخرى) يُيسر له سبلَ هذا الاحتلال؟ .
أَعتقد أَن أَحدًا من هؤلاءِ المعترضين لن يستطيع القول إِن قانونًا واحدًا في أَيّ بلد من بلاد الدنيا سيقول لمن أقدموا على مثل هذه الجرائم التي ذكرنا، اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ.
стр. 1063
بل أعتقد أن واحدًا من هؤلاء المعترضين لن يستطيع إلَّا أَن يقول: إن أقل عقوبة يمكن إنزالها بمن ارتكب مثل هذه الجرائم التي أشرنا إليها هي الموت.
لأن جميع قوانين الدنيا (بلا استثناء) تنص على أَن الموت ومصادرة الممتلكات هي العقوبة العادلة التي يجب أَن تنزل بمن ارتكب مثل تلك الجرائم التي ذكرنا.
بنو قريظة في نظر القانون الدولي
فإذا عرفنا هذا واتفقنا على أَنه ليس من الظلم ولا من الوحشية في شيء إصدار حكم الإِعدام وتنفيذه بحق المواطن الذي يتصل بالعدو في حالة الحرب القائمة وييسّر له (ولو ببعض المعلومات) مهمة احتلال وطنه أو الإضرار بدولته وأمته، فإن سؤالًا آخر أَهم من السؤال الأول لا بد للمعترضين على الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة من الإجابة عليه وهو:
ما هو (في عرف جميع القوانين) حكم الذي ينقل معلومات إلى العدو تنفعه وتُيسّر له الإضرار بالأُمة وتعرّض الوطن للخطر فحسب، بل ما حكم الذي يستغل حراجة ظروف وطنه ومواطنيه الذي هو جزء منهم ويقيم بينهم فيخون ويغدر، ويطعن وطنه وأمته من الخلف.
فيشهر السلاح في وجه دولته ومواطنيه, ويعلن إنضمامه إلي العدوّ الغازى في تلك الظروف الحربية الدقيقة المخيفة, قاصدًا من وراء غدره وخيانته إخضاع وطنه للغزاة وسحق الفئات الأخرى من
стр. 1064
بني وطنه وإسقاط النظام القائم (بحد السلاح وبالتواطؤ مع العدو) الذي ارتضاه واعترف به وعاش في ظله آمنًا مطمئنًا لم يهضم له حق ولم يكن إلَّا محل الرعاية والوفاء؟ .
أَعتقد أَنَّ أَحدًا (وحتى من المستبشعين للحكم الصادر في حق بني قريظة) لن يكون جوابه (إذا كان يحترم عقله) على هذا السؤال إلَّا الاعتراف بأَن جميع قوانين وأَعراف الدنيا في الحاضر والماضي تنصّ (بالإجماع) على أن الموت والمصادرة هي عقوبة كل من يقدم على هذه الجرائم التي أَشرنا إليها.
وحيث أَن هذا أَمر متفق عليه (بلا جدال) عند جميع الأمم -قديمًا وحديثًا- فإنه من التحامل والتعسف والافتراءِ القول بأن الحكم الصادر في حق بني قريظة هو حكم غير عادل ومخالف لقواعد الإنسانية.
لأَن هؤلاءِ اليهود قد جمعوا في تصرفاتهم الخائنة الغادرة ضد المسلمين كل الجرائم التي عقوبة واحدة منها (فقط) الموت في جميع قوانين الدنيا في كل الأعصار والأزمنة.
فاليهود لم يكتفوا بالتجسس على مواطنيهم لحساب العدو في حالة الحرب، ولم يكتفوا بمد هذا العدو بالمساعدات المادية والأَدبية التي تيسّر له مهمة احتلال المدينة وطن المجميع المشترك (يوم ذاك) .. وهي أَعمال تُصنّف في باب الخيانة العظمى التي عقوبتها الموت في جميع قوانين العالم .. نعم لم يكتفوا بهذه الأَعمال فحسب، بل (بالإضافة إِلى كل ذلك) شهروا السلاح في وجه الجيش الإِسلامي المشغول بمواجهة الغزاة، وأَعلنوا قطع كل صلة تصلهم بحلفائهم
стр. 1065
مواطنيهم المسلمين، وانضموا في تلك الساعات المزلزلة، إلى قوات العدو الغازية مستهدفين سحق المسلمين (بسرعة) سحقًا كاملا مستغلين الموقف الدقيق المتأَزم الذي بلغت فيه حالة المسلمين من الضيق والشدة حد الاختناق ضاربين بكل المثل والأعراف والقوانين والعهود والمواثيق عرض الحائط.
إن يهود بني قريظة (وقد ظهرت نواياهم الخبيثة وتكشفوا على تلك الحالة من اللؤم والخسة والدناءة) لو تم النصر لهم وللأحزاب على المسلمين لما اكتفوا إلا باستئصال شأفة المسلمين ومصادرة كل أملاكهم وسبي جميع نسائهم وذرارهم.
وهذا أمر مبيَّت منهم للمسلمين (بالتأكيد) فهم لم يُقدموا على تلك الخيانة العظمى فيتواطئوا مع العدو الغازى إلَّا وقد وضعوا نُصب أعينهم (كهدف أول) إبادة المسلمين عن آخرهم.
وقد تجلى هذا المقصد الخبيث من اليهود عندما طلبوا من الأحزاب (كشرط أساسى لانضمامهم إليهم) أن لا ينسحبوا ويفكوا الحصار عن المدينة إلَّا بعد سحق المسلمين واستئصال شأفتهم، وأخذوا بذلك العهد على مندوب الأحزاب (حُيَى بن أخطب) فتعهَّد لهم بذلك باسم الأحزاب.
فكيف (إذن) بعد هذه الحقائق الدامغة كلها، وبعد هذه الأعمال التي قام بها اليهود، والتي يكفي البعض منها (فكيف بها مجتمعة) لإدانة هؤلاء اليهود بالخيانة العظمى التي عقوبتها الموت والمصادرة في جميع قوانين الدنيا ... كيف بعد هذا كله يسوغ لعاقل منصف يحترم نفسه أن ينفي صفة العدل والإنصاف عن الحكم الصادر والنافذ
стр. 1066
بحق هؤلاء اليهود الذين لم ينتهوا إلا إلى المصير الذي حاولوا (خيانة وغدرًا وبكل الوسائل الخسيسة) أن يصلوا بالمسلمين إليه؟ ؟
ولماذا يكون من العدل والإنصاف تنفيذ حكم الإعدام (في هذا العصر) فيمن ارتكب جريمة واحدة فقط من الجرائم التي أشرنا إليها والتي تكفي واحدة منها بإنزال عقوبة الإعدام بمرتكبها كنقل أسرار حربية إلى العدو (فقط) كما يحدث في هذا الزمن، ولا يكون من العدل والإنصاف، بل يصبح من القسوة والوحشية والظلم، تنفيذ حكم الإعدام فيمن ارتكب كل هذه الجرائم الخطيرة مجتمعة كما فعل بنو قريظة؟ ؟ .
ألَأَن المحكومين يهود والحاكمين مسلمون أم ماذا؟ ؟ .
إننا لا نزال نسمع كل يوم بأحكام الإعدام تصدر بحق أُناس في أمريكا وأوروبا وكل العالم المسمى (بالعالم الحر) لا لأنهم انضموا إلى الأعداء وشهروا السلاح في وجه دولتهم ومواطنيهم، وإنما لأنهم نقلوا إلى العدو معلومات تفيده وتيسِّر له الإضرار بوطنهم ومواطنيهم.
فما حلَّ ليهود بني قريظة (إذن) من عقاب صارم إنما هو جزاء عادل، يستند إلى قاعدة دولية عامة في كل عصر وزمان، وهو بعيد كل البعد عن أبي شطط أو انحراف عن مبادئ العدالة والإنصاف، لا سيما في ذلك العصر الذي لو وقع فيه المسلمون في أيدي يهود بني قريظة والأحزاب الذين تواطأَ معهم يهود بني قريظة، لما صاروا (أي المسلمون) إلَّا إلى أقسى مما صار إليه هؤلاءِ اليهود على أيدى المسلمين.
стр. 1067
اليهود خونة لا أسرى حرب
قد يقول قائل متبجح: لماذا لم يعامل النبي القائد ﷺ يہهود بني قريظة كما يعامل القائد المنتصر رجال جيش العدو الذي حارب وكُتِبَ له الفشل في حربه فانهزم واستسلم، كما هو الحال في هذا العصر؟ .
والجواب على هذا التساؤل هو (من ناحية القانون الدولى العام المعاصر).
١ - أن اليهود عندما فعلوا ما فعلوا بانضمامهم إلى قوات الأحزاب الغازية ضد المسلمين. لم يكونوا في حالة حرب مع المسلمين، بل لم يكونوا حتى في حالة تعاد أو تنافر.
وإنما كانوا أصدقاء متحالفين مع المسلمين، بل ومواطنين هم والمسلمون أمة واحدة يشكلون وحدة وطنية لا تتجزأ، ملزمون هم والمسلمون (على حدٍّ سواء) بالدفاع المشترك عن الوطن الواحد المشترك وهو الوطن اليثربي، كما نصت على ذلك الاتفاقية المعقودة بينهم.
فيهود بني قريظة - من وجهة نظر القانون الدولى العام - لا يمكن وضعهم في مكان العدو الذي استسلم وهو يخوض حربًا مشروعة (قانونًا) كالحرب الي تنشب (لسبب من الأسباب) بين دولة ودولة.
وإنما مكان هؤلاء اليهود - من وجهة نظر القانون الدولى العام - هو مكان الخائن المتآمر المتواطئ مع العدو على أمته ووطنه في حالة الحرب القائمة، وحكم الذي شأنه هكذا عند الظفر به
стр. 1068
معروف لدى الخاص والعام، ومنصوص عليه في جميع القوانين الدولية، وهو الإعدام لا غير.
فيهود بني قريظة ليسوا أسري حرب بالمعنى المتعارف عليه دوليًّا، حتى يقال لماذا لم يعاملهم محمد ﷺ مثلما عامل غيرهم ممن وقع في يده من أسري الحرب الآخرين، وإنما هم خونة غادرون ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى ضدَّ وطنهم وأمتهم، فظفرت بهم يد العدالة، بعد أن أَدانتهم بالتواطؤ مع العدوّ ضد الوطن الذي هو وطنهم والأمة التي هم جزءٌ منها والدولة التي هم في ظلها، ولهذا فالحكم الذي صدر بحق هؤلاء اليهود ونُفِّذ فيهم، إذا نظرنا إليه (فقط) من زاوية العرف والقانون المتعارف عليه والمعمول به في القرن العشرين عند جميع الدول، وجدنا أنه يتفق كل الاتفاق مع هذا العرف وذلك القانون من جميع الوجوه.
ولعل الذين يستبشعون الحكم الذي صدر ونُفِّذ بحق بهہود بني قريظة، ينسون أو يتناسون أنه في القرن العشرين هذا (قرن التقدمية والتمدن كما يسمُّونه) قد سمعنا ولا نزال نسمع بأحكام يصدر بالموت وتنفذ (في ظل القانون) بحق أُناس، لا لأَنهم ارتكبوا مثلما ارتكب يهود بني قريظة من جرائم الغدر والخيانة العظمى ضد مواطنيهم ووطنهم المدينة، وإنما لأنهم نقلوا (فقط) إلى عدو غير محارب بعض الأسرار التي تتعلق بسلامة الجيش والقوات المسلحة كذلك الأمريكى الذي نفذ فيه حكم الإعدام لأنه كان على اتصال بالروس ونقل إليهم أسرارًا حربية تتعلق بصنع القنبلة الذرية وغيرها.
стр. 1069
فكيف بالله (إذن) يكون من العدل التمشي مع روح القرن العشرين إعدام مواطن أو مواطنين، لأنهم (فقط) نقلوا إلى العدو أسرارًا تتعلق بسلامة الجيش .. أسرارًا ليس من المؤكد أن نقلها سيعرِّض الجيش للإبادة وإنما يمكِّن قيادة العدو المنتظر (روسيا) من الاستفادة عسكريًا، ويكون من الظلم والوحشية إعدام المواطن الذي لم يكتف بنقل أسرار جيش بلاده إلى العدو والمحارب المحيط ببلاده، بل شهر السلاح في وجه هذا الجيش وهو في أحلك ليالى محنته وشرع (بالاتفاق مع العدوّ الغازى) في تسديد طعنة إلى ذلك الجيش فألَّف قوة مسلحة داخل الوطن المشترك، واتصل بالعدوِّ اتصالًا مباشرًا مكشوفًا وأعلن انضمامه إليه مستهدفًا إبادة الأمة التي هو جزءٌ منها وتسهيل احتلال الوطن الذي هو شريك فيه، وتدمير الجيش الذي كان من المفروض أن يكون في صفوفه مدافعًا عن الوطن المشترك؟ .
أعتقد أنه لا جواب عند هؤلاء المعترضين والمستبشعين لما نزل بيهود بني قريظة إلَّا الفلسفة الفارغة والمغالطة المكشوفة التي تمليها الرغبة المبيتة الملحة في الطعن والتشويه لكل ما هو إسلامي فحسب ..
إن يهود بني قريظة (بالإضافة إلى صفة المواطن) كانت لهم صفة الجندى والضابط الذي يجب أن يكون قوة محاربة داخل جيش المدينة ضد أي اعتداءٍ تتعرض له (يثرب) الوطن المشترك للمسلمين واليهود - يوم ذاك - كما تنص على ذلك الاتفاقية المعقودة بين الفريقين.
فاليهود إذن (كما قلنا) ليسوا أسرى حرب بالمعنى المعروف
стр. 1070
حتى يقال إن إعدامهم على تلك الصورة الجماعية وحشية وقسوة تتنافي وروح القرن العشرين، بل هم قوم مواطنون ارتكبوا (ضد أُمتهم ووطنهم) الخيانة العظمى وعلى درجة لم يصل إليها أحد قبلهم ولا بعدهم في البشاعة والفظاعة والدناءة هذا من جهة.
لكل دولة قانونها الخاص
ومن جهة أُخرى، فإن المتعارف عليه (دوليًا في كل عصر وزمان) هو أن لكل أُمة ودولة قانونها الخاص الذي تسير على نهجه في سلمها وحربها.
ودولة الإسلام (يوم نازل العقاب ببني قريظة) كأن لها قانونها الثابت الذي تنطبق نصوصه على كل مواطنيها: مسلمين وغير مسلمين، كما هو معروف بالتواتر لدي جميع المفكرين.
وقانون الإسلام (كما هو في الدستور الأعلى: القرآن يجعل مصير أسرى الحرب إلى الإمام (وهو الحاكم والقائد الأعلى للجيش ليتصرّف فيهم وفق مصلحة الأمة والدولة والدين (١).
وعلى ضوء هذا الحق الذي أعطاه القانون الإسلامي (في حالة الحرب) لرئيس الدولة والقائد الأعلى للجيش، فإن يهود بني قريظة حتى لو كانوا أسرى حرب بالمعنى المتعارف عليه، وأمر القائد
стр. 1071
الأعلى النبي ﷺ بإعدامهم (فإنه من ناحية العرف السائد دوليًا) لا مكان للاستنكار مطلقًا (١).
لأن النبي القائد ﷺ إنما كان تصرّفه هذا في حدود القانون الذي التزم العمل به وقام بتطبيقه في كل مناسبة على نفسه وعلى جميع أفراد شعبه، ولا لوم (من وجهة النظر الدولية) ولا اعتراض على من طبق قانون بلاده فيها على غير أبناء بلاده فكيف بأبناء بلاده؟ .
إعدام اليهود والاتفاقات الدولية
يضاف إلى هذا أنه (عند حادثة بني قريظة) لم تكن هناك معاهدات دولية تحرم إعدام المحاربين المستسلمين كما هو اليوم، ارتباطها النبي القائد ﷺ حتى يسوغ للمشوِّشين والطاعنين بالباطل أن يقولوا: إن محمدًا ﷺ بإعدام يهود بني قريظة - قد خالف العرف والقانون الدوليين.
بل إن النظام الشائع يوم ذاك عند جميع الأمم (مسلمين وغير مسلمين) أن أَسرى الحرب يكون مصيرهم في يد الرئيس الأعلى للدولة وأحيانًا إلى قائد الجبهة ليتصرف فيهم وفق المصلحة.
стр. 1072
وعلى فرض أن يهود بني قريظة أسري حرب بالمعنى المتعارف عليه، وليسوا خونة غادرين ارتكبوا الخيانة العظمى ضد وطنهم ومواطنيهم (مع أنهم كذلك بالتأكيد)، فإن مصلحة المسلمين وسلامة كيانهم استلزمت إبادة هؤلاء اليهود الذين بالإضافة إلى ارتكابهام الخيانة العظمي التي عقوبتها الموت كانوا قوة محاربة دلَّت الأحداث المتلاحقة على أن بقاء هذه القوة داخل المدينة أو إعطاءها الحرية في الجلاء سيكون (بالتأكيد) مصدر خطر كبير يهدّد سلامة دولة الإسلام الوليدة في كل لحظة، هذه الدولة التي ير اليهود من رجالها إلا البر والعدل والوفاء.
فقد دلت التجارب العملية المتكررة مع هؤلاء اليهود أنهم على أتم استعداد لاغتنام أية فرصة وسلوك أي سبيل (مهما كانت خسته ووضاعته للإطاحة بحكومة المدينة وهدم الكيان الإسلامي من الأساس.
كما حدث من إخوانهم يهود بني النضير الذين أعفاهم النبي ﷺ ، من القتل بعد استسلامهم (١) ثم سمح لهم بالجلاء من المدينة إلى حيث شاءُوا.
فعندما سنحت الفرصة لبني النضير لم يترددوا في القيام بتنظيم أخطر غزو تعرضت له المدينة في تاريخها حيث سعى زعماءُ هؤلاء اليهود واستخدموا أموالهم ونفوذهم لتحشيد أقوي القبائل العربية الوثنية المحاربة ضد المسلمين، وكوَّنوا منها ذلك الجيش الضخم الذي بلغ أكثر من عشرة آلاف مقاتل وجاءُوا في مقدمة هذا الجيش العظيم مستهدفين سحق المسلمين ودم كيان الإسلام من الأساس.
стр. 1073
بل كما حدث من يهود بني قريظة أنفسهم الذين حاربوا النبي ﷺ مع بني النضير ثم أعفاهم النبي (بصفة خاصة) من القتل والنفي والمصادرة (كما هو ثابت في صحيح البخاري).
فيهود بني قريظة هؤلاء - بالرغم من إحسان النبي ﷺ إليهم وإعفائهم بصفة خاصة من القتل والنفي والمصادرة بعد أن ثبت اشتراكهم في الحرب ضده مع بني النضير - فإنهم عندما سنحت لهم الفرصة، لم يتورعوا عن الإقدام على، ذلك العمل الفظيع، الغدر بالمسلمين ومحاولة القضاء عليهم بالاشتراك مع الأحزاب.
فعملية إبادة حوالي ثمانمائة مقاتل من يهود بني قريظة إنما هي عملية تتطلبها مصلحة الأمة، وهو عمل ضرورى لسلامة الأُمة والدولة، ويقرّه القانون السائد في الأرض التي يقطنها هؤلاء اليهود.
سكان هيروشيما وبنو قريظة
وإذا قارنَّا عملية القصاص العادل الذي به أباد المسلمون حوالي ثمانمائة مقاتل من خونة يهود بني قريظة المحاربين، إذا قارنا هذه العملية التي يستهجنها بعض الباحثين عن المطاعن الموهومة في الإسلام، إذا قارنَّا هذه العملية بما ارتكبه ولا يزال يرتكبه هؤلاء الذين يتشدقون بذكر وحشية عملية إبادة بني قريظة ويتبجحون بذكر مدنية القرن العشرين وعدالة القرن العشرين وحقوق الإنسان لوجدنا أن عملية واحدة من عمليات الإبادة التي أقدموا عليها تكفي لأن تجعل عملية إبادة بني قريظة شيئًا لا يكاد يذكر.
فكم سمعنا ولا نزال نسمع ويسمع ويرى العالم كيف يحصد
стр. 1074
هؤلاء المتمدنون مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال الذين لم يكونوا (يومًا من المحاربين) ويستأصلون شأفتهم باسم القانون وحماية الوطن وسلامة الدولة.
فأين (مثلًا) إبادة ثمانمائة مقاتل (خونة محاربين ناكثين غادرين) نزل بهم حكم الإعدام قصاصًا، من مائتين وخمسين ألف غير محاربين ولا خونة ولا ناكثين ولا غادرين مسحتهم من الوجود هم ومدينتهم نساء وأطفالًا وشيوخًا، قنبلة ذرية واحدة ألقت بها عليهم (عن قصد وسابق تخطيط) طائرة حربية تابعة لدولة يقال حتى هذه اللحظة إنها أُم الحريات ومعقل الدفاع عن الإنسانية، وهي دولة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ألقى سلاح طيرانها تلك القنبلة على مدينة (هيروشيما العزلاءِ الآمنة في اليابان) في أواخر الحرب العالمية الثانية، كما أُلقيَّ مثلها على سكأن مدينة (نجازاكى العزلاء كذلك) فأَباد وشوّه (أيضًا) مئات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال العزَّل؟ .
نعم أين إعدام ثمانمائة يهودى قُتِلُوا بعد محاكمة وإدانة صريحة بالخيانة العظمى والغدر البشع، من حصد أرواح مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال العزل اليابانبين دون أن يقترفوا ذنبًا أو يرتكبوا خطيئة؟ .
وبعد، ألا يخجل هؤلاء المتعصبون ضد الإسلام والباحثون له كل يوم عن مطعن يحطُّ من شأنه، ألا يخجل هؤلاء هم وفروخهم من المنتسبين إلى الإسلام والطاعنين (باسم الإنسانية) في الحكم الصادر والنافذ بحق هؤلاء اليهود الخونة .. ألا يخجل هؤلاء
стр. 1075
هم وفروخهم من المحسوبين على الإسلام حينما يتشدقون بطعونهم في حكم الإعدام الصادر بحق ثمانمائة بهہودي ارتكبوا الخيانة العظمي، ويصفونه بأنه حكم وحشي لا يتفق مع روح القرن العشرين المتمدنة، وهم يعلمون أن أسيادهم (ومن يعتبرون في الذروة من مدنية القرن العشرين) قد حصدوا أرواح مئات الآلاف من غير المحاربين من الشيوخ والنساء والأطفال عن قصد وتخطيط وسابق إصرار؟ .
خرافة مدنية القرن العشرين
وأية مدنية القرن العشرين هذه التي يتبجح هؤلاء المتعصبون وفروخهم بسموّها وعلوّ روحها، ويجعلون منها مقياسًا للعدل والرحمة والتمدن، وبمعيارها يصدرون حكمهم بالقسوة والوحشية والهمجية على قرار حكم الإعدام الذي صدر ونُفذ في حق يهود بني قريظة.
أهى هذه المدنية التي (كما رأينا ورأى العالم) سمح أقطابها وحمامها وسدانتها لأنفسهم أن يمسحوا من الوجود بسلاح وحشي رهيب مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال العزل؟ ؟ .
أهي هذه المدنية الي سماح حماتها وسدانتها لطياريهم (في الحرب العالمية الثانية) أن يقتلوا تحت الأنقاض في ليلة واحدة أربعين ألف إنسان من المدنيين العزل (١)؟ . الخ.
стр. 1076
أَهي هذه مدنية القرن العشرين التي بها يتشدق الببغاوات من المحسوبين على الإسلام ويجعلونها مثلهم الأعلى ومرجعهم الأول في الحديث عن الإنسانية والمدنية وحقوق الإنسان ويحتجون بأنَّ إعدام ثمانمائة مقاتل من خونة يهود بني قريظة يتنافى مع روح مدنيتهم هذه؟ ؟ .
أَهذه هي مدنية القرن العشرين التي أباحت بقانون دم إنسان زنجي إذ حكمت عليه بالإعدام ونُفِّذ فيه هذا الحكم لأَنَّه سرق دولارين من إنسان أبيض (١)، وحكمت بالإعدام على زنجي آخر لأنه (فقط) راود امرأة بيضاء عن نفسها ولم يرتكب الخطيئة؟ .
أهذه هي المدنية العالية التي يجعلها الحاقدون على الإسلام والمفتونون من المنتسبين إليه، مقياسًا أعلى للإنسانية والرحمة والعدل توزن ميزان روحها أعمال أعظم وأعدل وأرحم رجل عرفه التاريخ محمد بن عبد الله ﷺ ، ويصفون حكم الإعدام الذي أقره ونفذه في يهود بني قريظة بالقسوة والهمجية بحجة أنه يتنافي مع روح هذه المدنية، مدنية القرن العشرين إياها (٢)؟ ؟ .
стр. 1077
وبعد، لقد تعمدنا في مناقشة المعترضين على حكم الإعدام الجماعي الصادر بحق يہهود بني قريظة والنافذ فيهم .. تعمدنا إغفال النصوص الشرعية والاحتجاج بها، ومناقشتهم في حدود مفهوم الأعراف والقوانين العصرية التي يقدِّسونها، لأنهم لا يؤمنون بالإسلام الذي هو مصدر تلك الأحكام التي نفِّذت في اليهود.
فصار من غير المجدى محاولة إقناعهم بوجاهة ذلك الحكم وعدالته عن طريق الرجوع بهم إلى قواعد ونصوص الشريعة الإسلامية من آيات وأحاديث.
فهذه النصوص والقواعد إنما يُناقش في حدودها من يؤمن بمصدرها ويري نفسه ملزمًا بالرضوخ لها والاحتكام إليها.
وأعداءُ الإسلام هؤلاء وفروخهم الذين يسيرون على أصول قوانينهم في تشريعاتهم الوضعية إنما يهدفون بمحاولاتهم الطعن في الحكم الصادر بحق اليهود، انتقاص أُصول هذه الشريعة الإسلامية الغراءِ، ولهذا لزم إبطال مزاعمهم ونقض مطاعنهم في حدود قانونهم وبمنطقهم ذاته.
حكم بني قريظة في شريعهم
وهناك أمر آخر مهمٌّ لا بد من ذكره بهذه المناسبة، وهو أن الحكم الذي أصدره سعد بن معاذ على يهود بني قريظة وأقرَّه النبي ﷺ وقام بتنفيذه، قد جاء (تمامًا) وفق الشريعة الموسوية عند اليهود أنفسهم كما في التوراة عندهم.
стр. 1078
فقد نصَّ الإصحاح العشرون في سفر التثنية من كتابهم المقدّس على أن لهم قتل كل الرجال من أعدائهم إذا ظفروا بهم وامتلاك نسائهم وأطفالهم وكل ما يملكون.
وهذا هو نص الإصحاح العشرين من سفر التثنية "وإن لم تسالمك أية قرية بل حاربتك فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك" (١).
وهذا النص الصريح في كتاب اليهود المقدَّس يجعل هؤلاء اليهود (بالتأكيد) يرون أن من حقهم تنفيذ حكم الإعدام فيمن وقع في أيديهم من أعدائهم الرجال وسبى نسائهم وذراريهم ومصادرة كل ممتلكاتهم.
وهذا يعني أن اليهود لو نجحوا في مؤامرتهم وتمَّ لهم ولأحلافهم التغلب على المسلمين لما تردُّدوا لحظة في إبادة المحاربين منهم وسبى نسائهم وذراريهم ومصادرة أموالهم، تمشيًا مع حكم كتابهم المقدس الذي جاء صريحًا في سفر التثنية.
وهكذا جاءت العقوبة التي أنزلها المسلمون باليهود هي نفس العقوبة التي كان هؤلاء اليهود ينوون إنزالها بالمسلمين لو وقعوا في أيديهم.
فالحكم النازل باليهود إنما جاء (تمامًا) وفقًا لشريعتهم، فهو إذن جزاءًا وفاقًا.
стр. 1079
ولهذا لم يبق (لا من الناحية الدينية ولا الوجدانية ولا القانونية) أي مجال للانتقاد في الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة.
وبالإضافة إلى كل ما أوردنا من حجج لا تقبل الجدل فإنا نقول لهؤلاء الطاعنين والمستبشعين لهذا الحكم .. إنه مهما تقولون في صرامة هذا الحكم وقسوته، فإن أي واحد منكم لو كان مسؤولًا عسكريًا عن سلامة أمته (وفي أي عصر من العصور) فتعرض هو وجيشه ووطنه وأمته لمثل ما تعرض له محمد ﷺ من خطر خيانة يهود بني قريظة وغدرهم بانقلابهم على المسلمين في ذلك الظرف، ذلك الغدر والانقلاب الذي جعل جيش المدينة الذي كأن اليهود (جزءًا منه بموجب المعاهدة) يقع في أَخطر مأزق يمرُّ به في تاريخ حياته العسكرية.
حيث وصل هذا الجيش (بسبب خيانة بني قريظة) إلى درجة من الخطر كانت قاب قوسين أو أدنى من الإبادة لولا عناية الله التي أنقذت المسلمين بمعجزة.
نعم نقول لهؤلاء المعترضين لو أن واحدًا منهم كان قائدًا عسكريًا وتعرض هو وجيشه وأُمته ووطنه لمثل ما تعرض له النبي القائد من يهود بني قريظة، لما وسعه إلا أن ينزل بهم (على الأقل) ذلك الحكم الذي أنزله الرسول بأولئك اليهود الخونة الغادرين.
دفاع مجيد ...
لقد رأيت بحثًا أعجبي في الدفاع عن سعد بن معاذ القاضي المحكَّم في بني قريظة لكاتب إسلامي فاضل هو الأستاذ محمد
стр. 1080
البيومي فنَّد فيه مزاعم المستشرقين وأنحى باللوم على المنتسبين إلى الإسلام من القانونيين الذين تأثروا بوساوس المستشرقين.
فقد نشرت مجلة الحج الغراءِ الصادرة بمكة المكرمة في عددها الثاني عشر من سنتها الثامنة عشرة مقالًا لهذا الكاتب الكريم تحت عنوان: (إنصاف سعد بن معاذ).
ولأهمية هذا المقال فإنَّا سنقتطف منه للقراء أَهم النقاط المتعلقة ببحثنا هذا.
قال الأُستاذ البيومي. . "ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في تجريد سيد الأوس سعد بن معاذ، حين أصدر حكمه العادل باستئصال بني قريظة، إذ خانوا الله ورسوله وتآمروا بالمسلمين، فخالفوا قريشًا على حرب محمد ﷺ ، ناقضين عهودهم الوثيقة، ومعلنين دفائن أحقادهم الثائرة.
ويوم صدق الله وعده فرد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وحان أَوان القصاص فارتضوا سعد بن معاذ حَكمًا، فجزاهم بما اقترفوا من العقوق والغدر أعدل الجزاءِ.
ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في ذلك عن غرض جائر وهوىً مريض، إنما الغريب حقًّا أن يستمع إليهم بعض عقلائنا المسلمين من كبار رجال القانون، فيروا في حكم سعد مغالات كبيرة.
ولا أدرى كيف يقولون ذلك وقد درسوا القوانين المعاصرة دراسة نافذة، وكان في مقدرتهم أَن يطبقوها على قضية بني قريظة ليروا أَن قوانين القرن العشرين لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ.
стр. 1081
يقول الأُستاذ البيومي: ولكن أقوال ذوي الغرض من المستشرقين قد خدعت رجالنا عن عقولهم، فنسوا ما يحفظون وتجاهلوا ما يعلمون.
ثم يكرّ الأُستاذ البيومي على تلك المطاعن، فيثبت بطلانها عن طريق المقارنة بين القوانين العصرية الوضعية وبين حكم سعد على اليهود قائلًا .. وسنضطر هنا إلى مخاطبتهم بلغتهم القانونية، ثم يقول:
لقد كان بين الرسول ﷺ وبين يهود بني قريظة معاهدة تحفظ حقوق الفريقين وتقضى على كل فريق أن ينصر الآخر إذا واجه خطرًا في حرب.
ولكنهم (أي اليهود) تآمروا فانضموا إلى أعدائه وأوقعوه بين شق الرحي في المدينة مصطليًا بنار أَعدائه المشركين من جهة واعتداء حلفائه اليهود في ساعة العسرة من جهة ثانية.
فاقترفوا بذلك الغدر الشنيع ثلاث جرائم:
أولًا - رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي.
ثانيًا - دس الدسائس لدى العدو ضد المسلمين.
ثالثًا - تسهيل دخول العدو للبلاد.
ثم يعقب الأُستاذ البيومى على إدانة اليهود بهذه الجرائم الثلاث فيقول:
وقانون العقوبات المصري - وهو أقرب قانون يعرفه من
стр. 1082
يؤاخذون سعدًا من رجالنا القانونيين - يجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الثلاث (التي ارتكبها اليهود) (١).
وينص على ذلك في المواد ٧٧، ٧٨، ٧٩، وهذه هي نصوصه على الترتيب:
(المادة ٧٧) يعاقب بالإعدام كل مصرى رفع السلاح على مصر أو التحق على وجه بعمل في القوات المسلحة لدولة تحارب مصر.
(المادة ٧٨) كل من ألقى الدسائس إلى دولة أجنبية أو إلى أحد من مأموريها أو إلى أي شخص يعمل لمصلحتها أو تخابر معها أو معه بقصد استعدائه على مصر أو تمكينه من العدوان عليها يعاقب بالإعدام، سواءٌ تحقق الغرض أَم لم يتحقق.
(المادة ٧٩) يعاقب بالإعدام كل من سهَّل دخول العدو إلى البلاد أو سلَّمه مواقع أو سفنًا أو طائرات مما يستعمل في الدفاع عن البلاد، أو نقل إليه أخبارًا أو أرشده أو حرّض الجنود على الانضمام إليه أو أثار الفتن والشائعات أو نحو ذلك (٢).
ثم يؤكد عدالة العقوبة النازلة بيهود بني قريظة - من وجهة نظر مدنية القرن العشرين - فيقول: فقانون القرن العشرين
стр. 1083
صريح في إدانة بني قريظة حيث ارتكبوا جميع ما تستحق جريمة واحدة منه الإعدام.
وسنعرض لخيانتهم بالتفصيل حين نوجز سيرة سعد ليعلم القارئ المنصف، كم تجنَّى عليه أَعداءُ الإسلام إذ وصفوه بالوحشية والقسوة والغدر.
وكم تنكب رجالنا من القانونيين سبيل الإنصاف حين زعموا أن حكمه القضائى لا يوائم أَحكام القرن العشرين وقد فاتهم أَن يحيطوا بالقضية من أطرافها ليروا شططهم البعيد.
أمَّا الرجل (يعني سعد بن معاذ) فبطل صادق ومسلم صريح.
إن هؤلاء الغادرين قد آسفوه بخيانتهم الأَثيمة، فما راعوا إلَّا ولا ذمة، وكان سعد مع قومه من الأَوْس قد شفع لديهم - بادئ ذي بدئ - ليرجعوا عن غدرهم الفاضح، فما راقبوا الله في حِلْف أو ميثاق حتى انكشفت الغمة فقبعوا في حصونهم يترقبون ما تتمخض عنه الحوادث.
وطبيعى أن يعجِّل المسلمون بعقاب هؤلاء الخونة عقابًا رادعًا، فاتجهوا إليهم على الفور وحاصروهم في ديارهم خمسًا وعشرين ليلة أججت القلق والحسرة في ضلوعهم فعرضوا شروطًا للجلاءِ كما فعل بنو قينقاع وأَملوا أن يتقبلها الرسول بقبول حسن.
وقد اتجهت أنظارهم إلى حلفائهم من الأَوس ليكونوا شفعاءَهم لدي محمد ... ورسول ﷺ يدرك نفسيات قومه فيضع الشيء في موضعه، إذ يختار سعد بن معاذ "حليف بني قريظة" ليكون فيصلًا قاطعًا ينزل الفريقان على رأيه.
стр. 1084
وسعد قد قدَّر الوقف تقدير من شاهد كروبه ومآزقه وعرف النُّذرُ المستطيرة التي تراءَت في الأُفق فأوشكت أَن تطيح بالعصبة المؤمنة، لولا عناية الله التي أَثارت الريح.
ولقد همَّ أصحابه يزيِّنون له الإحسان في مواليه ويجنحون به إلى السلام والفداءِ، فماذا فعل عند ذالك؟ .
لقد حكم (سعد) بأَن تقتل الرجال وتقسم الأَموال وتسبى الذرارى والنساء وأمر الرسول ﷺ بتنفيذ الحكم.
ولاقى اليهود أسوأَ مصير على أفظع خيانة تُوَجه إلى مُعاهد مسالم (١) يأمن حلفاؤه، فيأْتيه الروع من مأْمنه الحصين.
التقول على الإسلام
ثم يقول الأُستاذ رجب البيوي: وقد كانت صرامة هذه العقوبة عاة للتقول على الإسلام دون عدالة وإنصاف، فالمسلمون لم يتجنَّوا على بني قريظة باستئصالهم المبيد، لأنَّهم متَّهمون بالخيانة العظمى، وقد ثبتت إدانتهم ثبوتًا قامت دلائله وفدحت نتائجه، وهذه الخيانة الخطيرة ليس لها في جميع الشرائع غير الإعدام السريع.
стр. 1085
مقارنة بين قبائل اليهود الثلاث
ثم ينفى الكاتب استحقاق بني قريظة لأَيَّة شفقة فيقول: ولم يكن اليهود أَسرى حرب فيميل بهم إلى الشفقة، ولكنهم شرّ من الأَعداءِ، إذ يبيِّتون لأُناس يأْمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار (والمواطن) وواجبات الذمام، وموقفهم هنا يختلف اختلافًا واضحًا عن موقف بني قينقاع وبني النضير.
فالأولون قد أبدوا البغضاءَ من أفواههم وأشاعوا الريب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحًا لا يفلّ.
والآخرون (أي بنو النضير) قد ائتمروا على قتل الرسول ﷺ تحالف مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرصة طريقًا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأُولئك أهون خطبًا من الذين سلّوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو، وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط ها الروع من كل ناحية، فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف.
وقد جلا بنو قينقاع وبنو النضير عن المدينة، فكانوا مثار القلق والفتنة ومبعث الضيق للمسلمين، فهم الذين حزَّبوا الأحزاب وجمعوا القبائل مع المشركين ليوم الخندق، فأعطوا بمؤامرتهم المزعجة محمدًا ﷺ درسًا حاسمًا يحتِّم استئصال شأفتهم وتتبع أَفاعيهم في كل مكمن، ليطفئ لهبًا يستعر إذا هبَّت عليه الريح.
ويختم الأستاذ محمد رجب البيومي دفاعه عن الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة فيقول .. وقد تحقق الدرس مبدئيًا
стр. 1086
في يهود بني قريظة وظهرت نتائجه الحاسمة في خيبر، حيث تعرض اليهود على يد محمد ﷺ لزلزال رهيب. اهـ.
دفاع الدكتور محمد علي
ومن الذين تعرضوا لشبه الوحشية والقسوة التي أراد خصوم الإسلام وفروخهم إلصاقها بحكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة مولانا محمد على، فقد تناول موضوع نهاية بني قريظة في كتابه الشهير (حياة محمد ورسالته) بشيء من التحليل المنطقى، فردَّ (في اختصار) كل الاعتراضات التي جاءت بشأن ذلك الحكم الصارم ..
فقد جاء في كتابه المذكور (أثناء حديثه عن مقتلة بني قريظة) ويتعين علينا أن لا ننسى هنا أن الإسلام كان يمر - آن ذاك - بمرحلة حرجة جدًّا من مراحل حياته، كانت هي فترة معركة أُحُد، عندما تأَلب الأَعداءُ من كل صوب وشهروا السلاح لتسديد ضربة قاضية إلى الإسلام.
كأن الهجوم يشن من الخارج، خطرًا من غير ريب، ولكن الانفجار الداخلى المرتقب في كل لحظة كان أشد من ذلك خطرًا. ويقول المثل .. الإنذار المسبق يساوى التسلح المسبق، وكان هذا ممكنًا في حال هجوم خارجي، لا يتيحه للمسلمين من وقت يستعدون خلاله لمواجهة الوضع.
أما الانفجار غير المرتقب في المدينة نفسها فخليق به أن يكون طعنة قاتلة توجه إلى فؤاد الإسلام نفسه.
стр. 1087
وكان بنو النضير على صلات ودية مع أعداء الإسلام، ومثّل بنو النضير دورًا هاهًا في معركة الأَحزاب، فبالإضافة إلى تحريضهم بيوتات قريش، راحوا يطوفون في الصحراء ملمّين بمضارب البدو، يثيرونهم على الإسلام.
ثم يخلص مولانا (محمد على) إِلى الحديث عن جريمة الخيانة العظمى التي ارتكبوها بنو قريظة فيقول: وتأَثَّر بنو قريظة أيضًا، وكان موقفهم من الإسلام حتى ذلك الحين - أَي حتى تخريب الأَحزاب - ودِّيًّا (١) .. تأثروا بهذه الحملة الدعاوية.
لقد رفض بنو قريظة أول الأَمر أَن يشاركوا ضد الإسلام ولكنهم تلقوا تأكيدات تفيد أَن المسلمين كانوا في وضع يائس، لن يتمكنوا معه من البقاء، إنهم لن يستطيعوا بأية حال الصمود في وجه الأَعداد الضخمة التي نجمت مثل نبات الفطر (٢) في كل ناحية للقضاء على الإسلام (٣).
ولقد قيل لبني قريظة أَن قد أن لهم أن يختاروا بين الانحياز
стр. 1088
إلى المسلمين وبين التعاون مع الأحزاب، وهكذا أقنع بنو قريظة بالانضمام إلى صف سائر القبائل المعادية للإسلام، فنقضوا عهدهم الذي أعطوه للمسلمين وتحالفوا مع الأحزاب، واعدين إيَّاهم بأن يُسدّوا إليهم العون في النزاع المقبل - معركة الأحزاب.
والحق أن الميثاق الجديد برغم أنه عقد سرًّا، لم يبق حرفًا ميتًا، فقد شارك بنو قريظة عمليًّا في القتال. وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (١).
والتاريخ أيضًا يشهد على اشتراكهم في المعركة، بل لقد بيتوا خطة للهجوم على نساء المسلمين أيضًا، وكان في خيانة بني قريظة - وقد برز في الجانب الآخر في الخندق أربعة وعشرون ألف مقاتل (٢) متحرقين لسحق الإسلام، وانهمك المنافقون في إنزال الأذى بالمسلمين في الداخل - مما زاد في متاعب الرسول، ﷺ وأصحابه إلى حد بعيد ..
وهكذا رئى، عند انقضاء معركة الأحزاب، أن من المناسب أن تنزل ببني قريظة العقوبة التي يستحقون، والتي قد تحول دون تكرُّر مثل هذه الخيانة الغادرة في المستقبل.
ومن ثم أَلقى المسلمون الحصار على معاقلهم، فاستسلموا بعد مقاومة قصيرة، وقد اختار بنو قريظة بأنفسهم سعد بن معاذ (وكأن فيما
стр. 1089
مضى حليفهم) حَكمًا يعيِّن العقوبة التي يستحقون، ولو أنهم فوّضوا أمرهم إلى الرسول (إذن لعاملهم) في أغلب الظن، كما عامل أَبناء عمومتهم بني قينقاع وبني النضير. لقد كان خليقًا به أن يحكم عليهم - في أَسوإ الأحوال - بالنفي من المدينة (١).
ولكن سعدًا، الحكم الذي اصطفوه هم، كان ينظر إلى غدرهم الخطر، في لحظة الحرج، باشمئزاز بالغ، لقد ارتأَى أَنَّ عظَم الأذى الذي أنزلوه بالمسلمين يقتضي عقوبة نموذجية بدونها لن تحظى المواثيق في المستقبل، إلَّا باحترام ضئيل، وقد يعتبرها أَيّ من الفريقين المعنيين عندئذ قصاصات ورق لا قيمة لها ...
ومن هنا انتهى إلى هذا القرار، أَنَّ جزاءهم العادل يجب أن لا يكون - بأَية حال - أَخف من تلك التي قضي بها كتابهم المقدس (العهد القديم) في حق العدوِّ المهزوم، وهذا ما يقضى به (العهد القديم) في هذا الصدد.
وبعد أن يشير مولانا محمد علي إلى النص الثابت في الإصحاح العشرين من كتابهم بهہذا الصدد، يقول: "وهكذا حكم سعد، وفقًا للشريعة الموسوية، بقتل ذكور بني قريظة، وبسبي نسائهم وأطفالهم، وبمصادرة ممتلكاتهم".
ومهما بدأت هذه العقوبة قاسية، فقد كانت على وجه الضبط، العقوبة التي كأن اليهود ينزلونها - تبعًا لتشريع كتابهم المقدس بالمغلوبين من أعدائهم.
стр. 1090
وإلى هذا فإن جريمة الغدر الشائن التي اتهم بها بنو قريظة خليق بها - في مثل تلك الظروف - أن لا تجازى بأَيما عقوبة أَخف، حتى في عصر المدنية هذا .. كان القاضي من اختيارهم، وكان الحكم منطبقًا أشد الانطباق مع شريعتهم المقدسة نفسها، وفوق ذلك أُدينوا بخيانة من نوع خطير".
وهنا يخاطب المؤلف الفاضل، الطاعنين في حكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة فيقول لهم .. فهل من المنطق في شيء أن يُنتقد الرسول لهذا السبب .. إن كل اعتراض على قسوة هذه العقوبة، هو اعتراض على الشريعة الموسوية .. إنه في الواقع انتقاد لا شعورى لتلك الشريعة، وتسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحلّ محلها وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد، خليق بها أن تكشف - في وضوح بالغ - أَيّ قانون رفيق عطوف رحم قدَّمه الإسلام إلى الناس. اهـ. (١).
حديث الشيخ الغزالي
ويقول الأستاذ محمد الغزالى في كتابه (فقه السيرة) معلقًا على مقتلة بني قريظة .. أجل هو القتل، وإنما تقع تبعات الحكم به على من تعرَّض له بسوءِ صنيعه وبما أسلف من نيات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد تحققت لكان أُلوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية، يحرِّضهم ويؤازرهم أُولئك اليهود.