← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أحدًا من الفريقين على ماصنع ... وضع قاعدة تشريعية هامة يتحتم بموجبها احترام وجهات النظر المختلفة في فهم النصوص بشرط أن يكون هذا الاختلاف عن اجتهاد نزيه سليم صادق. كما هو الحال عندما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم حول مفهوم الأمر النبوي بشأن صلاة العصر، فقد كان هدف كل من الفريقين هو (فقط) أداء الصلاة على النحو الذي يرضى الله عنه ورسوله. ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ قد اعتبر صلاة كل من الطائفتين صلاة صحيحة، حيث لم يأمر أحدا منهما بإعادة صلاته سواء الذين أدوها في الطريق في وقتها، أو الذين أدوها في بني قريظة بعد خروج وقتها. أما فقهاء الإسلام فقد اختلفوا كذلك في فهم الأمر الصادر بهذا الصدد، عند البحث في باب تأخير الصلاة وتقديمها في السفر وغيره .. اختلفوا في أي من الفريقين من الصحابة هو المصيب يومئذ. إلا أنهم مع هذا الاختلاف قد أجمعوا على أن كلا من الفريقين مأجور. ففريق من العلماء (وعلى رأسهم أبو محمد بن حزم) يرى أن الذين أدوا الصلاة في الطريق في وقتها أخطأوا في اجتهادهم، وأن الذين أدوها في بني قريظة بعد غروب الشمس في غير وقتها هم المصيبون لأنهم صلوا كما أمر النبي ﷺ . تأخير الصلاة أقرب إلى الصواب فقد قال أبو محمد في كتابه (جوامع السيرة) .. وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة، ولو بعد أيام.

стр. 982

وهذا القول من ابن حزم قد جاء على قاعدته الأساسية في الأخذ بالظاهر، فهو ظاهرى المذهب، لا يرى أي مبرر لصرف النص عن ظاهره ما لم يأت ما يوجب ذلك عن الشارع نفسه، وهو قول (في الحقيقة) أقرب إلى الحق والصواب من جميع الأقوال والأراء التي تخالفه. ومما تجدر الإشارة إليه (هنا) هو أن النبي ﷺ وبعضًا من أصحابه قد أخروا صلاة الظهر والعصر ولم يصلوها إلا بعد غروب الشمس، وذلك في أحد أيام الخندق العصيبة عندما اشتد زحم المشركين في هجومهم فشغلوا المسلمين طيلة نهارهم ولم يتركوا لهم فرصة يؤدون فيها الصلاة في وقتها، مما أجبر المسلمين على ملازمة مواقعهم الدفاعية، الأمر الذي أدى إلى فوات صلاة الظهر والعصر عليهم. تأخير الصلوات لعذر القتال وقد ذهب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إلى القول بتأخير الصلاة عن وقتها سواء كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو مغربًا أو صبحًا، أو عشاءً (لعذر القتال) وذلك إذا ما اضطرت المعركة الجنود ملازمة مواقعهم، كما حدث في معركة الخندق، وسند البخاري في هذا القول هو فعل النبي ﷺ وصحابته في ذلك اليوم الذي اضطرتهم فيه ظروف القتال إلى تأخير صلاة العصر والظهر والمغرب إلى وقت العشاء. وأعتقد (وهذا رأى شخصى فحسب) أن قول الإمام البخاري

стр. 983

هذا هو أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية، وأجدر أن يتبع وخاصة في هذا العصر، والله وحده أعلم بالصواب. نيل اليهود من الذات النبوية الكريمة وعندما نظر يهود بني قريظة إلى طلائع الجيش النبوي تتقدم نحو معاقلهم بقيادة علي بن أبي طالب، فاضت نفوسهم الشريرة ببعض ما تختزنه من خبث ودناءة ووضاعة. فقد أسمعوا ابن عم رسول الله ﷺ (علي بن أبي طالب) في نبي الله (﵇) ونسائه الطيبات الطاهرات من السب والشتم والقذف ما لم يسمح أحد من المؤرخين لنفسه بأن يورد نصه لفظاعته وبشاعته. ومع هذا فلم يرد المسلمون على هؤلاء اليهود السفهاء، بل التزموا الصمت، وكل الجواب الذي سمعه اليهود على شتمهم للنبي ﷺ ونسائه الطيبات، وهو قول علي بن أبي طالب، السيف بيننا وبينكم. ولم يرد المسلمون على الشتم بمثله، لأنهم يسيرون في معاملتهم للناس (أيًا كانوا) حسب توجيه القرآن وتأديبه، وليس من آداب القرآن أن يقابل المسلم فاحش القول بمثله. غير أن علي بن أبي طالب -وهو أول من سبق باللواء إلى بني قريظة- أشفق على الرسول ﷺ من أن يسمع في نفسه وفي نسائه ذلك السب القبيح.

стр. 984

النبي القائد في ديار قريظة ولذلك فإن عليًّا لما رأى رسول الله ﷺ مقبلا من بعيد، ترك مقر كتيبة اللواء المرابطة حول حصون اليهود وانطلق -بعد أن أناب عنه في حمل اللواء وقيادة الكتيبة أبا قتادة الأنصاري (١) - انطلق مسرعًا نحو رسول الله ﷺ واستوقفه على بعد من حصون اليهود وطلب منه أن يقف بعيدًا عن هذه الحصون لئلا يتأذى بسماع ما فاه به اليهود من سب مقذع فيه وفي نسائه. فقال على ... لا عليك يا رسول الله أن تدنو من هؤلاء الأخابث. فقال النبي ﷺ ... لعلك سمعت منهم لي أذى؟ قال .. نعم يا رسول الله. فقال ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم ... لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا (٢). ثم واصل الرسول القائد ﷺ تقدمه نحو حصون اليهود تحيط به هيئة أركان حربه من صفوة أصحابه، حتى دنا من حصون قريظة الغادرة. حديث النبي مع اليهود وقت الحصار وهناك وحيث يسمع النبي ﷺ كلام اليهود ويسمعون كلامه نادى نفرًا من قادتهم، فلما ظهروا في أبراج حصونهم قال لهم ﷺ ،

стр. 985

يا إخوة القردة وعبدة الطاغوت، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته (١)؟ وهنا أدركت اليهود طبيعتهم (سفاهة واعتداء وغدرًا وتطاولًا إذا قدروا، واستكانة وتلطفًا ووداعة إذا عجزوا) فعندما رأوا الرسول القائد ﷺ تحيطه هيئة أركان حربه وقد اتخذت كتائبة مواقعها حول الحصون، تأكد لديهم تصميم المسلمين على الإيقاع بهم ومحاسبتهم على ما ارتكبوا من فظيع الغدر وشنيع الخيانة، فأسقط في أيديهم فصاروا يتوددون إلى الرسول القائد. فقد أنكروا، أن يكونوا شتموه ونساءه، وانطلقوا يحلفون (كذبًا) أنهم ما فاهوا بشيء مما بلغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا (في ليونة الأفاعي) يسمعون رسول الله ﷺ من لين القول وطيب الكلام وجميل الإطراء، ما ظنوا، أنه سيساهم في تخفيف عقوبة خيانتهم العظمى التي صممت قيادة المدينة على إنزالها بهم. فقد قال هؤلاء اليهود لرسول الله ﷺ ... يا أبا القاسم ما كنت جهولًا، وغير ذلك من الكلام المغلف بالطيبة والوادعة. طبيعة اليهود التي لا تتغير وهذه هي جبلة اليهود وخلتهم المتغلغة في نفوسهم أبد الدهر. لا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة (مهما كانت بشاعتها) إذا ما قدروا. ولا يخجلون من أن يقفوا موقف الحليم الواعظ الوديع البرئ، يذكرون بالحلم والصفح إذا ما أحاطت بهم خطيئتهم وأدركهم الوهن،

стр. 986

وكان التذكير والوعظ في صالحهم. أما إذا لم يكن في ذلك فائدة لهم، فإنهم من يسخر بالمثل ويهزأ بالقيم. فهاهم -وقبل أن يصل إليهم القائد الأعلى النبي ﷺ بدقائق معلودات يشتمون ويسبون ويهددون ويتوعدون، ظانّين أنهم مانعتهم حصونهم ولكنهم -وبعد دقائق معدودات مما فاهوا به من فاحش القول- إذا بهم يرون القائد الأعلى النبي ﷺ (الذي سلكوا كل درب من دروب الغدر والخيانة والنكث للقضاء عليه وعلى أمته) قد أحاطتهم كتائبه المظفرة من كل جانب، فلجأوا إلى المكر والخديعة، واندفعوا يذكرون القائد المنتصر عليهم بما يمتاز به من حلم وعلم في عبارات كلها مدح وإطراء وتودد طمعًا في التأثير عليه ليعفو عنهم. ولكن هؤلاء اليهود الذين وقفوا (ساعتئذ) موقف الواعظ الوديع المستكين البرئ نسوا (أو قل تناسوا) أنهم قد ضربوا بكل القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية عرض الحائط، وداسوا العهود والمواثيق بأرجلهم في خسة ونذالة عندما رأوا جيوش الأحزاب الجرارة تحيط بالقلة المسلمة إحاطة البحر الهائج بالجزيرة الصغيرة من كل جانب. فأعلنوا الترحيب بهذه الجيوش الغازية الباغية وأعلنوا الإنضمام إليها ضد المسلمين الذين تربطهم بهم رابطة حلف عسكرى متين، هي معاهدة الدفاع المشترك. نعم تناسى هؤلاء اليهود أنهم -عندما جاءهم الوفد النبوي في تلك الساعات الحاسمة- يطلب منهم القيام بالتزاماتهم العسكرية مع المسلمين ضد الغزاة، كما تلزمهم بذلك نصوص معاهدة الدفاع المشترك بينهم وبين المسلمين- تناسبوا، أنهم لم يكتفوا (في تلك

стр. 987

اللحظات الحرجة) بمخالفة نصوص المعاهدة بتوقفهم عن مساندة حلفائهم المسلمين، بل أنكروا (في وقاحة وصفاقة) أن يكون بينهم وبين النبي أي حلف أو عهد. نعم نسى هؤلاء اليهود الذين يطلبون الرحمة ويذكّرون بالحلم، أن جوابهم لرئيس الوفد النبوي الذي جاء إليهم يطلب تنفيذ المعاهدة، كان تجاهل وجود النبي ﷺ ذاته حيث قالوا (وقد ظنوا أن المسلمين قد انتهى أمرهم) ... ومن هو رسول الله؟ ؟ . لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. نعم تناسى هؤلاء اليهود أنهم في الوقت الذي بلغت فيه قلوب المسلمين الحناجر من شدة الحصار، قد تفجرت في نفوسهم ينابيع الخسة والغدر، فاغتنموا اشتداد محنة المسلمين فسارعوا إلى إحكام حلقاتها، فانضموا إلى جيوش الغزاة، (بالرغم من العهد الذي بينهم وبين المسلمين) مستهدفين بعملهم الدنئ هذا استعجال إبادة المسلمين ومحو كيانهم من الوجود، ظنًّا منهم أن تلك الأيام العصيبة هي الأيام الأخيرة للكيان الإسلامي الذي كان هؤلاء اليهود يعتقدون أن جيوش الأحزاب العظيمة لن تعود إلى بلادهم إلا بعد تحطيم هذا الكيان. والآن وقد دحر الله جيوش الأحزاب الغازية وتبددت الأحلام العريضة التي كانت تحملها قريظة، وجاءت كتائب القرآن لتصفى الحساب مع هؤلاء الخونة الغادرين الناكثين، عرفت ألسنتهم الطريق إلى الحديث عن القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية، وأخذت الأفاعي السامة الغادرة تتظاهر بالبراءة والطيبة، وتبدى مظهرها الناعم اللين: "يا أبا القاسم ما كنت جهولا".

стр. 988

هكذا قالت قريظة الغدر والخيانة عندما أحاطت بها خطيئتها وحاق بها مكرها السئ، فوجدت حصونها الشامخة غارقة في بحر متلاطم من جند الإسلام الحانقين الذين بلغت في نفوسهم مشاعر الغيظ حد الغليان على هؤلاء اليهود الذين ما كانوا ليترددوا لحظة في سحق المسلمين سحقًا كاملًا لو تمكنوا من ذلك، فقد كان هذا غاية مرادهم عندما نقضوا الحلف وخانوا العهد، ولكن الله غالب على أمره، فقد أبى الله إلا أن ينصر عبده ويعز جنده ويهزم الأحزاب وحده. فهاهم اليهود من قريظة الخائنة يتعثرون في دروب الحسرة والندامة، ويسيرون نحو المصير المرعب الذي أرادوه للمسلمين وسعوا جهدهم للدفع بهم إليه ... ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله. محاولة عقلاء اليهود إنقاذ الموقف ذكرنا في كتابنا -غزوة الأحزاب- أن أربعة من عقلاء اليهود حذروا قومهم من مغبة نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين وطلبوا منهم عدم الاستجابة لوساوس شيطان بني النضير: حييّ بن أخطب الذي حمل بني قريظة على نقض العهد وخيانة الميثاق. وذكرنا أن هؤلاء العقلاء الأربعة (وعلى رأسهم عمرو بن سعدي أخو بني قريظة أنفسهم) قد أبوا الاشتراك في جريمة خيانة المسلمين والغدر بهم، وأعلنوا للملإ أنهم باقون على عهدهم، وذكرنا أن ثلاثة منهم قد أسلموا، وأن الرابع (هو عمرو بن سعدى، سيد من

стр. 989

ساداتهم) بقى على يهوديته ولكنه بقى على عهده وأعلن تمسكه بالميثاق الذي بين المسلمين واليهود، وأبى الغدر بالمسلمين. وقد حاول هذا اليهودى الزعيم الوفي أن ينقذ قومه من المصير المرعب الذي كان ينتظرهم جزاء غدرهم وخيانتهم وذلك بأن اقترح عليهم اتباع النبي ﷺ والدخول في الإسلام. لا سيما وأنهم يعلمون أن محمدًا ﷺ نبيًّا مرسلًا، كما هو مكتوب عندهم في التوارة. زعيم يهودى يدعو قومه للدخول في الإسلام فعندما بلغ عمرو بن سعدى هذا انسحاب الأحزاب، جاء إلى قومه بني قريظة ودعاهم إلى اجتماع عاجل، وذلك قبل وصول جيش النبي ﷺ لضرب الحصار عليهم. وفي هذا الاجتماع الذي حضره كل زعماء بني قريظة، وقف هذا اليهودي العاقل، وقال لقومه (بعد أن أنبهم ووبخهم على نقضهم العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وذكرهم بما نصحهم به قبل إقدامهم على جريمة الخيانة) ... يا بني قريظة لقد رأيت عبرًا، ورأيت دار إخواننا -يعني بني النضير- خالية بعد ذلك العز والخلب والشرف والرأى الفاضل والعقل ... تركوا أموالهم قد تملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل. ثم أكد لهم (كعالم من علماء التوراة) أنه لا يعادي أحد محمدًا ﷺ إلا كان مصيره الخسران، فقال ... لا والتوارة ما سُلط

стр. 990

هذا (يعني النبي ﷺ ) على قوم قط ولله بهم حاجة، وقد أوقع ببني قينقاع وكانوا أهل عُدة وسلاح ونخوة. فلم يخرج أحد منهم رأسه حتى سباهم. فكُلم فيهم فتركهم على إجلائهم من يثرب، .. ثم دعا عمرو بن سُعْدي قومه بني قريظة إلى الدخول في الإسلام ليحقنوا دماءهم ويتبعوا الحق قائلًا: يا قوم قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدًا فوالله إنكم لتعلمون أنه نبي، وقد بشرنا به علماؤنا، ثم لا زال ابن سعدى يخوفهم بالحرب والسبى، وأقبل على سيدهم كعب بن أسد وقال له: والتوارة التي أنزلت على موسى ﵇ يوم طور سيناء إنه للعز والشرف في الدنيا (يعني الدخول في الإسلام). وبينما عمرو بن سعدى يتحدث إلى قومه في ذلك الاجتماع إذ بطلائع الجيش النبوي تظهر عليهم زاحفة نحو حصونهم، وهنا قطع الزعيم اليهودي ابن سعدي حديثه قائلا. .. هذا الذي قلت لكم، أي وحذرتكم من وقوعه. ومع كل هذا فقد رفض بنو قريظة نصيحة عمرو بن سعدى الذي دعاهم فيها إلى الدخول في الإسلام. فتقدم إليهم (كمحاولة أخيرة) باقتراح آخر -محاولًا إنقاذهم- فقال لهم ... لقد خالفتم محمدًا، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه في دينه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية، فوالله ما أدري، أيقبلها منكم أم لا ..

стр. 991

ولكن بني قريظة رفضوا (أيضًا) حتى هذا الاقتراح، حيث كان جوابهم (والغرور لما يزل يشحن رؤوسهم) .. نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، والقتل خير من ذلك. اليهودى الذي وفى بالعهد وهنا أدرك هذا اليهودى المتعقل (عمرو بن سعدي) أن عناد قومه الأغبياء سوف يقودهم إلى الفناء دونما شك، فأعلن براءته منهم وفارقهم إلى الأبد. فقد خرج هذا اليهودى (ابن سعدى) من حصون قومه بني قريظة بعد أن طوقها الجيش الإسلامي من كل مكان وكان خروجه ليلًا. وعندما خرج هذا الزعيم اليهودى من حصون قومه مفارقًا لهم، التقى به رجال الحرس النبوي الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية، فألقوا عليه القبض، ثم أتوا به إلى قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري. وعندما عرف قائد الحرس أنه (عمرو بن سعدى وكان موقفه النبيل قد بلغ المسلمين) أمر بإطلاق سراحه ليذهب حرًّا حيث شاء، لأنه لم يرتكب ما يوجب قتله أو حتى اعتقاله، حيث بقى على عهده ولم يدخل مع بني قريظة فيما دخلوا فيه من جريمة الغدر ونكث العهد. وهكذا أطلق الحرس النبوي سراح الزعيم عمرو بن سعدي مع أنه خرج من حصون قومه بني قريظة وكان لا يزال على يهوديته.

стр. 992

وبدهى أن لا يتعرض المسلمون لعمرو بن سعدي اليهودي بأي أذى، لأن القصد من ضرب الحصار على يهود بني قريظة وإعلان الحرب عليهم، لا لأنهم يهود لا يدينون بالإسلام. كلا وإنما لأنهم غدروا، وارتكبوا (في ظروف حربية دقيقة للغاية) الخيانة العظمى التي عقوبتها في كل قوانين الدنيا الموت. وما دام أن هذا اليهودي ابن سعدى لم يشترك مع قومه في جريمة الغدر ونقض العهد، فإن تركه وشأنه (حرًّا) وعدم التعرض له بأي أذى إنما هو ترجمة فعلية لأحد مبادئ الإسلام العادلة المنبثقة من قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ (١) وقوله تعالى ﴿فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢). قال ابن إسحاق (يصف خروج عمرو بن سعدى من حصون بني قريظة مفارقًا لهم): "وخرج عمرو بن سعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري (٣) تلك الليلة، فلما رآه ابن مسلمة استوقفة قائلا ... من هذا؟ . .. فقال ... أنا عمرو بن سعدى، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ وقال ... لا أغدر بمحمد أبدًا. فقال (ابن مسلمة) حين عرف ابن سعدى ... اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات

стр. 993

في مسجد رسول الله ﷺ تلك الليلة بالمدينة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا (١). ثناء النبي على اليهودي الوفي ولقد وصف النبي ﷺ هذا اليهودى المتعقل (عمرو بن سعدى) بالوفاء، وذلك أنه لما ذكرت له قصة إلقاء الحرس القبض عليه ثم إخلاء محمد بن مسلمة سبيله، قال .. ذاك رجل نجاه الله بوفائه (١). قال بن إسحاق: وبعض الناس يزعم أن عمرو بن سعدى قد أوثق برمة (٢) فيمن أوثق من بني قريظة عند استسلامهم وأنه نجى من القتل (دون بني قريظة) حيث أصبحت الرمة التي كان بها مربوطًا، ملقاة ولا يدرى أحد إلى أين ذهب. قال ابن إسحاق .. فيزعمون أن النبي ﷺ قال فيه تلك المقالة: (ذاك رجل نجاه الله بوفائه) أهـ والأول أقرب إلى منطق الإسلام، فلا يمكن أن يعتقل المسلمون رجلًا بقى على عهده وأبى الغدر بهم. مقاومة اليهود واشتداد الحصار عليهم استمرت قريظة في غيها ورفضت كل الاقتراحات التي تقدم بها عمرو بن سعدى لحقن دمائها، فاعتصمت بحصونها مصممة على القتال والمقاومة.

стр. 994

أما المسلمون فقد أحكموا الحصار حول المحصون وقاموا بتطويقها من كل جانب، وقطعت الجيوش الإسلامية كل اتصل بين اليهود وبين الخارج، ووضعت القوات الإسلامية أيديها على كل مزارعهم ونخيليهم الواقعة خارج حصونهم. مقر قيادة الرسول أثناء الحصار وقد نزل الرسول ﷺ أثناء ضرب الحصار على بني قريظة -على بئر من آبارهم يقال له بئر أنى-، وجعل مقر قيادته هناك. ولقد كانت مقاومة اليهود للحصار (أول الأمر) شديدة، ولكنهم بعد مرور حوالي عشرين ليلة على هذا الحصار بدأ الضعف والقلق يتسرب إلى نفوسهم، بعد أن أجهدهم الحصار وأيقنوا أن المسلمين ليسو بمنصرفين عنهم حتى يستسلموا، أو يقتحموا عليهم حصونهم ويفتحوها بحد السلاح. فبالرغم من الإمكانيات المادية المتوفرة لديهم من مياه ومواد غذائية وسلاح كامل وحصون منيعة، تساعدهم على المقاومة وقتًا طويلًا، فقد امتلأت نفوسهم بالرعب والخوف والفزع، فخارت قواهم، وأخذوا يفكرون في الطريقة التي يمكنهم بها حقن دمائهم. سيد بني قريظة يدعوهم إلى الإسلام ففي ذلك الظرف العصيب دعا سيد بني قريظة (كعب بن أسد) دعا زعماء قومه إلى اجتماع في مقر قيادته لتبادل وجهات النظر بشأن

стр. 995

الموقف الحربى ولإبداء الرأي حول ما يجب اتخاذه لإنقاذ الموقف المتدهور. ولما اجتمع رؤساء الغدر والخيانة بسيدهم كعب بن أسد (وكان عاقلًا متزنًا) لولا رفقاء السوء الذين غلبوه على أمره وحملوه على نقض العهد الذي بينه وبين النبي ﷺ . فقد كان كعب هذا (كما تقدم) كارهًا لنقض العهد وراغبًا رغبة أكيدة في البقاء على ولائه للمسلمين، ومن أجل ذلك أقفل باب حصنه عندما علم أن شيطان بني النضير (حيى بن أخطب جاء لمقابلته) عندما وصلت جيوش الأحزاب إلى ضواحي المدنية. لأنه كان يعلم أن حييًا هذا ما جاء إلا ليطلب من بني قريظة الغدر بالمسلمين والانضمام إلى الأحزاب فكان كعب بن أسد متخوفًا من نقض العهد، وكان يقدر النتائج الوخيمة التي ستترتب على الغدر بالمسلمين قبل وقوعها. ولهذا رفض (أول الأمر) مقابلة حيى بن أخطب واستقبح رأيه الداعي إلى الغدر بالمسلمين، حيث قال له (بكل صراحة) .. ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا. وعندما أراد حيي التأثير عليه بقوة الأحزاب الضاربة وإقناعه بأن قضاءها على المسلمين في حكم المؤكد فقال له .. ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر (يعني جيوش الأحزاب) قال له كعب -كأنه ينظر جهارًا إلي ما سيحل ببني قريظة نتيجة الانضمام إلى الأحزاب- .. جئتني والله بذل

стр. 996

الدهر، جئتنى بجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك ياحيى، فدعنى وما أنا عليه. الخ. وعندما اجتمع يهود بني قريظة بسيدهم كعب بن أسد عندما خنقهم الحصار، ذكرهم، وذكر حيى بن أخطب على وجه الخصوص) بأنه قد حذرهم هذا المصير عندما مانع في نقض العهد والغدر بالمسلمين في بداية الأمر. فقد قال لهم في هذا الاجتماع .. يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، ولقد كنت كارهًا لنقض العهد، ثم التفت إلى حيى بن أخطب، وأشار إليه محمله مسئولية كل ماحدث وسيحدث لبنى قريظة قائلًا .. ولم يكن البلاء والشؤم إلا من هذا الجالس. وكان حيى بن أخطب عندما نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد والغدر بالمسلمين قد تعهد لسيد بني قريظة بأن يدخل معه حصنه ليصيبه ما أصاب بني قريظة إذا ما انسحبت جيوش الأحزاب دون أن تستأصل شأفة المسلمين وتقضى عليهم قضاء تامًّا، وفعلا، فقد وفى له حيى بذلك، فقد أتى الله به إلى حصون بني قريظة ليجنى ثمار أعماله الشريرة فبقى معهم داخل حصونهم حتى نهاية أمرهم. ثم واصل كعب بن أسد حديثه مع قومه في هذا الاجتماع فدعاهم (لإنقاذ الموقف) إلى اتباع أمر من ثلاثة: أ- إما اتباع النبي ﷺ والدخول في الإسلام.

стр. 997

ب- وإما الهجوم على المسلمين بطريقة انتحارية، بعد قتل نساء بني قريظة وأطفالها. ج- وإما أخذ المسلمين على حين غرة بالهجوم عليهم يوم السبت وهو يوم لا يعمل فيه اليهود شيئًا (تدينًا). ولكن اليهود رفضوا العمل بأي من هذه الاقتراحات. فقد قال لهم سيدهم كعب بن أسد .. أتذكرون يابنى قريظة ما قال لكم ابن خراش (حبر من أحبارهم) إنه يخرج بهذه القرية نبي فاتبعوه وكونوا له أنصارًا، وتكونوا آمنتم بالكتابين الأول والآخر ثم دعا كعب بن أسد قومه إلى اتباع النبي ﷺ ، والإيمان به قائلًا: فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب حيث لم يكن من بني إسرائيل، فاتبعوه تأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم. وقد رفض بنو قريظة اقتراح زعيمهم هذا قائلين .. لا نفارق حكم التوراة أبدًا ولا نستبدل به غيره. يقترح قتل النساء والأطفال والهجوم على المسلمين فلما علم كعب رفض قومه لهذا الاقتراح عرض عليهم العمل بالإقتراح الثاني القاضي بالهجوم على المسملين هجومًا انتحاريًا ليفكوا الحصار، أو يموتوا كما يموت الأبطال قائلًا: .. فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف،

стр. 998

ولم نترك وراءنا ثقلًا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك ولم نترك وراءنا نسلًا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجد النساء والأبناء. فرفض بنو قريظة (أيضًا هذا الاقتراح الجرئ) قائلين لسيدهم كعب بن أسد: -في رعب وقلق وجزع- نقتل هؤلاء المساكين؟ .. فما خير العيش بعدهم. فطلب منهم كعب، تنفيذ الإقتراح الثالث والأخير، وهو أخذ المسلمين على حين غرة بالهجوم عليهم ليلة السبت، قائلًا: فإذا أبيتم على هذه (أيضًا) فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فأنزل لعلنا نصيب منهم غرة. فرفضوا هذا الاقتراح أيضًا قائلين: تفسد سبتنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، ما لم يخف عليك من المسخ. وهنا يئس سيد بني قريظة من قومه ونفض يده منهم، فختم حديثه قائلًا: ما بات منكم رجل منذ ولدته أمة ليلة واحدة من الدهر حازمًا (١). اليهود يطلبون المفاوضة وعندما بلغ الحصار ذروته قام زعماء بني قريظة بعدة محاولات

стр. 999

للحصول على ضمان من النبي ﷺ يحقن لهم دماءهم ويعفى نساءهم وذراريهم من السبى، ثم يخرجون من يثرب إلى غير رجعة. وكانت أولى هذه المحاولات، أن بعثت قريظة إلى النبي ﷺ تعرض عليه استعدادها للجلاء عن يثرب وعلى الصورة التي تم بها إجلاء إخوانهم من بني النضير بعد معركة أُحد. وقد حمل هذا العرض اليهودى إلى النبي ﷺ أحد زعماء بني قريظة، وهو نباش بن قيش، فقد طلب هذ الزعيم اليهودى من النبي القائد ﷺ أن يسمح له بالحضور إلى مقر قيادته حول الحصون للمفاوضة، فسمح له النبي بذلك. النبي يرفض المفاوضة على غير التسليم ولما أتى الحرس النبوى بهذا الزعيم اليهودى إلى النبي القائد ﷺ قدم له العرض الذي يحمله من بني قريظة والذي يطلبون فيه السماح لهم بالخروج من يثرب مع نسائهم وذراريهم وما تقدر الإبل على حمله من متاع (سوى السلاح) على أن يتركوا بقية كل ما يملكون في يثرب للمسلمين. غير أن النبي ﷺ رفض هذا العرض رفضًا باتًا وأبلغ مندوب بني قريظة أنه لا يقبل إلا أن يسلم هؤلاء اليهود بدون قيد أو شرط. فعاد إلى قريظة مندوبها وأبلغها نتيجة مفاوضاته مع النبي القائد الذي رفض العرض اليهودى.

стр. 1000

ومع هذا الرفض فلم ييأس اليهود فأرسلوا مندوبهم إياه (نباش بن قيس) ثانية ليعرض على النبي القائد ﷺ عرضًا آخر، يطلبون فيه أن يسمح لهم (رجالًا ونساء وأطفالًا) بالجلاء عن يثرب والنجاة بأرواحهم، وأبلغوه أنهم يوافقون على ترك كل ما يملكون للمسلمين، فلا يحملون معهم أي شيء من المال. وعندما تقدم نباش بن قيس بهذا الطلب إلى القائد الأعلى للجيش الإسلامي (باسم بني قريظة) رفض الموافقة عليه وكرر القول بأنه لا يقبل من هؤلاء اليهود إلا التسليم بدون قيد أو شرط. ولما تبلغت قريظة رفض عرضها الأخير هذا، أسقط في يدها وازدادت مخاوفها وتضاعف قلقها وصار زعماؤها يتخبطون في دوامة من الحيرة والقلق، لا يدرون كيف يتصرفون، لاسيما وأن الحصار قد أجهدهم وأخذ بخناقهم فحطم أعصابهم. لا أمل في النجدة ولا شك أن يهود بني قريظة قد قلبوا الأمر من جميع وجوهه للاستعانة والاستغاثة بأية فئة يمكنها المساهمة في تخليص رقابهم من الموت المحقق الذي ينتظرهم جزاء خيانتهم العظمى. ولكن ماذا عسى أن يجديهم التفكير والبحث في هذا الوجه، وبمن يستغيثون ويستنجدون؟ . أبقريش أم بغطفان. إن هذه القبائل (بحق) هي أشد قبائل الجزيرة العربية قوة، وأقواها شكيمة. مع العداء الشديد لرسول الله ﷺ وهذه القبائل هي التي

стр. 1001

يمكن لقريظة أن تستنجد بها ولو لفك الحصار عن معاقلها، ولكن قريظة تعلم أن هذا الحصار الذي تغرق الآن حصونها في محيطه المتلاطم إنما كان من أهم أسباب التعجيل به هو غضب تلك القبائل القرشية والنجدية ونقمتها على هؤلاء اليهود. ولهذا فإنه لا أمل لهؤلاء اليهود المحصورين في أن تستجيب لهم تلك القبائل إذا ما استنجدوا بها. موقف خيبر من بني قريظة أما يهود خيبر من بني النضير وغيرهم (وهم أقوى قوة يهودية مسلحة في جزيرة العرب) والذين لهم اليد الطولى في تجميع جيوش الأحزاب وتموينها لغزو المدينة، فقد أصابهم الذعر وتملكهم الفزع لانسحاب جيوش الأحزاب دون أن تحقق شيئًا من الهدف الذي جاءت من أجله. يضاف إلى هذا أن يهود بني النضير هؤلاء قد خرجوا من المدينة أذلاء مطرودين، بعد أن حاربوا المسلمين حربًا خاسرة كانت نهايتها الاستسلام وطرد هؤلاء اليهود من المدنية. فلوا أن فيهم بقية من قدرة على منازلة المسلمين ما قبلوا الجلاء عن المدينة على تلك الصورة المهينة. فهم (إذن) أضعف من أن يفكروا في الزحف على المدينة لفك الحصار الخانق المضروب على سيدهم حُيى بن أخطب مع عصابة الغدر والخيانة من بني قريظة.

стр. 1002

ولهذا فإن بني قريظة لم يفكروا (مطلقا) في الاستنجاد بإخوتهم من يهود خيبر وبني النضير، لأنهم على يقين بأن هؤلاء اليهود لن يصنعوا لهم شيئًا إذا ما استنجدوا بهم. ولهذا فإنه لم يبق -أمام يهود بني قريظة- بعد الذي بذله من محاولات فاشلة لحقن دمائهم، سوى الإقدام على أحد أمرين. إما أن تفتح قريظة حصونها وتدخل في معركة فاصلة مع المسلمين يكون الحكم فيها للسيف. وإما الاستسلام للقائد الأعلى النبي بدون قيد أو شرط وأما الدخول في معركة فاصلة مع المسلمين، فقد أثبتت قريظة أنها أجبن من أن تفكر فيه أبدًا. ذلك أن سيدها كعب بن أسد قد عرض عليها القيام بهذا العمل البطولي ولكنها رفضت الإقدام عليه وهي ترتجف جبنًا لمجرد ذكره. إذن، فلا مناص لقريظة من الاستسلام لقوات المسلمين والنزول على حكم الرسول ﷺ بدون قيد أو شرط. وهذا هو الذي قرره بنو قريطة (أخيرًا)، وذلك طمعًا منهم في أن يعغوا عنهم النبي ﷺ ويحقن دماءهم كما فعل مع بني قينقاع وبني النضير الذين تمردوا عليه واستسلموا له فعفا عنهم. محاولة اليهود الأخيرة ولكن بني قريظة -قبل أن يبلغوا النبي ﷺ قرار استسلامهم رسميًا قاموا بمحاولة أخرى لعلهم (بها) ينالون شيئًا من تخفيف العقوبة التي كانوا يتوقعونها جزاء غدرهم وخيانتهم.

стр. 1003

فعلى إثر رفض الرسول ﷺ عرضهم الأول والثاني عقدوا اجتماعًا خاصًّا , لبحث ما يجب اتخاذه حيال الموقف المتأزم. وفي هذا الاجتماع اتفق زعماء قريظة على أن يتصلوا بالنبي القائد ﷺ ويطلبوا منه أن يسمح لحليفهم أبي لبابة (١) الأنصاري بأن يأتي إلىهم ليستشيروه في أمرهم. وكان أبو لبابة حليفًا لبني قريظة , وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فكانوا لذلك يعتقدون فيه الإخلاص لهم والعطف عليهم. وقد سمح النبي ﷺ لأبي لبابة أن يذهب إلى بني قريظة -كما طلبوا- لمقابلتهم, فقد استدعاه وقال له: إذهب إلى حلفائك فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس. وقد ذهب أبو لبابة إلى بني قريظة، وعندما دخل حصنهم الرئيسى قام النساء والصبيان يبكون في وجهه من شدة الحصار، ويظهر أن اليهود قد دبروا حشر النساء والصبيان ليجهشوا بالبكاء في وجه أبي لبابة للتأثير عليه، وعندما اجتمع زعماء اليهود إلى أبي لبابة شرحوا له ما هم فيه من جهد وهم، وضيق واستشاروه هل من مصلحتهم النزول على حكم النبي ﷺ دونما قيد أو شرط؟ . الصحابي الذي خان الله ورسوله وقد ارتكب أبو لبابة ﵁ غلطة كبيرة إعترف هو فيما بعد بأنها خيانة كبرى، فقد رق أبو لبابة عندما رأى النساء والصبيان يبكون

стр. 1004

في وجهه، فتغلب عليه العاطفة، فانحرفت به عن جادة الصواب. وذلك أنه عندما اجتمع بزعماء بني قريظة فبسطوا أمامه مشكلتهم وطلبوا منه التوجيه فيما إذا كان من مصلحتهم النزول على حكم البنى ﷺ والاستسلام له دونما قيد أو شرط، نصحهم (إشارة) بألا يفعلوا، وأفهمهم بأن مصيرهم سيكون الذبح إن هم نزلوا على حكم الرسول ﷺ ، ولنترك هذا الصحابي الجليل أبا لبابة ليحدثنا عن قصة المنزلق الذي انزلق إليه يوم ذاك. قال أبو لبابة .. لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول الله ﷺ ، فسألوه أن يرسلنى إليهم، دعانى وقال .. اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس (وكان الأوس هم قوم سعد بن معاذ حلفاء بني قريظة)، قال أبو لبابة: فذهبت إليهم فقام إلى كعب بن أسد (سيدهم) فقال: يا أبا بشير قد عرفت ما بيننا، وقد اشتد علينا الحصار وقد هلكنا، ومحمد لا يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا، لحقنا بأرض الشام أو خيبر، ولم نطأ له أرضًا، ولم نكثر عليه جمعًا أبدًا، أما ترى قد اخترناك على غيرك؟ . ثم استشاره كعب بن أسد قائلًا .. أننزل على حكم محمد؟ . وهنا زلت بالصحابى الجليل قدمه حيث كان جوابه على استشارة كعب بن أسد قوله: نعم، -وأشار إلى حلقه- أنه الذبح، يعني أبو لبابة، أن اليهود سيكون مصيرهم الموت، إن هم نزلوا على حكم الرسول ﷺ ،

стр. 1005

غير أن أبا لبابة المؤمن الصادق، لم يكد ينطق بآخر كلمة من هذه الإشارة حتى أُسقط في يده، وأدرك عظم الخطيئة التي ارتكبها في حق نبيه وأُمته. فارتبك ثم استرجع (أي قال .. إنا لله وإنا إليه راجعون)، ثم فاضت عيناه بالدموع ندمًا على ما فعل. ولما رآه سيد بني قريظة كعب بن أسد على تلك الحال من الخوف والاضطراب قال له .. (مستغربًا) ما لك يا أبا لبابة فقال: خنت الله ورسوله، يعني بذلك إشارته لليهود بأن مصيرهم سيكون الموت، إن هم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ . أبو لبابة يربط نفسه في المسجد ولقد ضاقت الأرض على أبي لبابة بما رحبت، وأخذ ضميره في تأنيبه وتقريعه على مافعل، وفورًا غادر أبو لبابة حصن حليفه كعب بن أسد مهمومًا حزينًا. وخجلًا من رسول الله ﷺ لم يذهب إليه وإنما توجه إلى المسجد والدموع تسيل من عينيه، وقرر أن يربط نفسه بسارية من سوارى المسجد إلى أن يموت أو يتوب الله عليه. وقد وصف أبو لبابة نفسه هذه الحادثة بقوله .. فوالله ما زلت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله، وفعلًا فقد ربط أبو لبابة نفسه بسارية المسجد. قال ابن إسحاق .. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال:

стр. 1006

لا أبرح مكانى حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهدت الله أن لا أطأ بني قريظة أبدًا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا. ولقد كان امتحانًا نفسيًا قاسيًا تعرض له هذا الصحابي الجليل، فقد ربط نفسه بسلسلة ثقيلة بالأسطوانة التي ينصرف إليها رسول الله ﷺ من صلاة الصبح، وهي تقع عند باب أم سلمة. ولما بلغ رسول الله ﷺ قصة أبي لبابة ومافعل بنفسه، -وكان ﷺ قد استبطأه- قال: أما إنه لو جاءنى لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل , فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. وكانت امرأة أبي لبابة وابنته تأتيه في وقت صلاة فتفك رباطه، وكذا، إذا أراد حاجة الإنسان ثم يعود فيربط بالعمود وقد أقام أبو لبابة مربوطًا سبع عشرة ليلة حتى كاد يذهب سمعه وبصره. توبة أبي لبابة وبعد أن أقام هذا الصحابي الممتحن مربوطًا ما شاء الله أن يقيم تاب الله عليه وأطلقه الرسول ﷺ بيده الكريمة. قال ابن إسحاق: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ من السحر وهو في بيت أم سلمة، فقالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك، قالت: فقلت .. مم تضحك، أضحك الله سنك؟ .

стр. 1007

قال .. تيب على أبي لبابة. قالت .. قلت .. أفلا أبشره يا رسول الله؟ . قال .. بلى. قال .. فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت .. يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك , قالت .. فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال، . لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنى بيده. فلما مر عليه رسول الله ﷺ خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه. يمنعه الرسول من التصدق بكل ماله وكم كانت فرحة هذا الصحابي الجليل (أبي لبابة) بقبول الله توبته حتى إنه أراد أن ينخلع من كل ماله تكميلًا لتويته فقال له النبي ﷺ .. يجزيك الثلث أن تتصدق به (١). أما الآية التي نزلت في توية أبي لبابة فهي (كما قال ابن إسحاق) الآية المائة والثلاث من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كما أن القرآن الكريم قد أشار أيضًا (كما يقول ابن إسحاق) إلى الخطيئة التي ارتكبها أبو لبابة. وهذه الإشارة جاءت (كما قال ابن عباس ونقله عنه ابن إسحاق)

стр. 1008

في الآية السابعة والعشرين من سورة الأنفال وهل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. انهيار اليهود في المقاومة لقد كانت استشارة أبي لبابة آخر محاولة يقوم بها بنو قريظة للحصول على أي شرط يحقنون به دماءهم عن الاستسلام، ولكنهم بدلًا من أن يظفروا بشيء من ذلك تلقوا من أبي لبابة (بإشارته تلك) ما يؤكد لهم أن الموت مصيرهم إن هم استسلموا للمسلمين ونزلوا على حكم النبي ﷺ . وبهذا انقطع آخر خيط من الأمل لهم في التخفيف، وبدلًا من أن يكون ذلك حافزًا لهم على الاستبسال والقتال حتى الموت تملكهم الرعب والفزع وسيطرت عليهم روح الجبن، فانهاروا انهيارًا كليًّا. لقد كان بوسع بني قريظة (وخاصة في ذلك الظرف) أن يستمروا في المقاومة لأشهر طويلة، يكسبون فيها بعض التنازلات من جانب المسلمين كالاكتفاء بنفيهم من المدينة. لقد كان المسلمون المحاصرون لهم في حالة تعب شديد نتيجة الجهد المضنى الذي بذلوه في ليالى الخندق التي تحالف فيها البلاء على المسلمين وأحاطهم من كل جانب طيلة أكثر من خمس وعشرين ليلة، حرموا فيها حتى النوم لشدة الخوف ودوام الحراسة والمرابطة في وجه عدوهم الجبار المحاصر لهم والذي ما كان يترك لهم فرصة يستريحون فيها.

стр. 1009

يضاف إلى ذلك أن المسلمين كانوا في حالة مجاعة شديدة، والجو كان (مع ذلك في غاية البرودة). فكان المسلمون يرابطون حول اليهود في العراء فيتعرضرون للفح البرد الشديد مع شدة الجوع، بينما بنو قريظة -وهم من أثرى سكان يثرب- يحتمون بحصونهم المنيعة الشامخة في مأمن من لفح البرد القارص، موفورًا لديهم كل ما يحتاجونه من الطعام لأشهر طويلة، كما أن الماء كان موجودًا لديهم بصفة دائمة داخل الحصون حيث كانت هذه الحصون تحتوى على آبار كثيرة. ولكن اليهود -مع كل هذه العوامل التي توحى بقوتهم المادية التي تمكنهم من الإستمرار في المقاومة لمدة طويلة- قد انهارت أعصابهم وتحطمت معنوياتهم إلى درجة لم يحتملوا معها الحصار أكثر من خمس وعشرين ليلة. فقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم على تلك الحالة من القوة والمنعة والتحصن ووفرة السلاح وكثرة العدد، فكانوا يفكرون في كل شيء إلا استعمال السلاح للدفاع عن حصونهم. قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) .. "م تكن حرب بني قريظة حرب ميدان وإنما كانت حرب أعصاب، فلم يستطع اليهود أن يتحملوا الحصار على الرغم من توفر المواد الغذائية لديهم وتوفر المياه والآبار ومناعة حصونهم وصعوبة اقتحامها، فآثروا التسليم على مكابدة الحصار. والحق أن الموقف العسكري كان إلى جانبهم، لتلك الأسباب كلها ولشدة تعب المسلمين ولبرودة الطقس، ولكن معنوياتهم المنحطة انهارت، فلم يقاوموا طويلًا كما كان المؤمل" أهـ.

стр. 1010

التهديد باقتحام حصون اليهود ومع شدة الجزع والإنهيار الكلى الذي عم حملة السلاح من اليهود فقد ظلوا يماطلون في التسليم في انتظار معجزة خارقة تتدخل لإنقاذهم من وحل الورطة الخانقة، ولكن هيهات، فالمسلمون لما رأوا مماطلة اليهود في التسليم -مع الانهيار الذي لاحظوه عليهم- عليهم- أرهبوهم إرهابًا شديدًا إذ أعلنوا أنهم سيقتحمون الحصون ويفتحونها بحد السيف. لقد كان المسلمون (دونما شك) يفضلون أن يتم استسلام بني قريظة دونما قتال، ولهذا ظلوا (على ما هم فيه من تعب وجوع) يحاصرونهم أكثر من عشرين ليلة. ولكنهم لما رأوا مماطلتهم في الاستسلام، ورأوا أن بقاء القوات الإسلامية مرابطة في العراء هكذا حول الحصون في ذلك البرد القارص مع قلة المواد الضرورية، (مما يعود بالضرر الكبير على القوات الإسلامية المحاصرة وقد يعود بالفائدة على اليهود) قرروا اقتحام الحصون المغلقة وفتحها مهما كان الثمن. فقد صاح على أبي طالب -حامل لواء الجيش- وابن عمته الزبير بن العوام، صاح .. والله لأذوقن ما ذاق حمزة ولأفتحن حصنهم (١). إستسلام اليهود وانتهاء الحصار وبعد هذا الإنذار الذي سمعه اليهود من حامل لواء

стр. 1011

الجيش علي بن أبي طالب، تحركت قطاعات الجيش الإسلامي وتأهبت للهجوم العام، واقتحام الحصون كلها في هجوم كاسح. ولكن اليهود (وهذا الذي كانت تتوقعه القيادة الإسلامية منهم) لما رأوا كتائب الجيش الإسلامي تتحرك، وأيقنوا أن الهجوم على حصونهم أمر لا مفر منه، طلبوا إيقاف الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم الرسول ﷺ دونما قيد أو شرط. فأوقف المسلمون الهجوم، وسارع اليهود إلى فتح أبواب معاقلهم وحصونهم فورًا، بعد أن ألقوا سلاحهم وأخذوا في مغادرة الحصون مستسلمين. فابتدرهم جند الإسلام لحراستهم وصاروا يجمعونهم منعزلين في ناحية، وبعد أن تكامل خروجهم من الحصون (رجالًا ونساء وأطفالًا) أمر النبي القائد ﷺ باعتقال الرجال ووضع القيود في أيديهم .. وقد تم ذلك تحت إشراف الرئيس محمد بن مسلمة الأنصاري قائد الحرس النبوى. أما النساء والذرارى، فقد أمر النبي ﷺ بعزلهم عن الرجال البالغين فجعلوا ناحية، بعد أو أوكل أمرهم إلى عبد الله بن سلام (١). وبعد أن تمت عملية الإستسلام أمر النبي ﷺ أن يوضع الرجال في حبس خاص بهم. أما النساء والذرارى فقد أمر ﷺ أن يحفظوا في مكان ليس فيه صفة الحبس والتضييق.

стр. 1012

وقد حبس الرجال من بني قريظة- وعددهم حوالي ثمانمائة مقاتل (١) في دار أسامة بن زيد. أما النساء والأطفال، فقد أعدت لهم القيادة النبوية دارًا، ينزلون فيها ليست لها صفة السجن، إذ أمر النبي القائد ﷺ ، بإنزالهم في دار الضيافة، وهي دار ابنة الحرث التجارية المعدة (دائمًا لنزول الوفود التي تقصد المدينة، وكان عدد هؤلاء النساء والذرارى يناهز الألف (٢). الأوس يشفعون لليهود عند رسول الله لقد كان بنو قريظة (كما تقدم) حلفاء الأوس في الجاهلية، كما كان يهود بني النضير وبنى قينقاع حلفاء الخزرج. ولما كانت آثار هذا الحلف لا تزال قائمة حتى بعد مجئ الإسلام، حيث ظل الحليف يبذل لحليفه كل عون يقدر عليه، (وإن اختلفا في الدين والعقيدة) دون أن يعترض الإسلام على ذلك. فقد توجه وفد من وجوه الأوس إلى رسول الله ﷺ للتوسط لديه بشأن حلفائهم اليهود. ولما اجتمع وفد الشفاعة من الأوس بالنبي ﷺ تقدموا إليه بالتماس، طلبوا فيه أن يتكرم بالتخفيف من عقوبة هؤلاء اليهود ولو بالإكتفاء بنفيهم من المدينة.

стр. 1013

وقد ذكر وفد الشفاعة هذا، النبي ﷺ بموقف التسامح الذي وقفه من حلفاء الخزرج (يهود بني قينقاع) الذين قبل فيهم (عندما نزلوا على حكمه) شفاعة زعيم الخزرج عبد الله بن أبي، فاكتفى في معاقبتهم بنفيهم من المدينة (١). محاكمة بني قريظة ومع فظاعة الجريمة، جريمة الغدر والنكث والخيانة العظمى التي ارتكبها يهود بني قريظة، فإن النبي ﷺ بما جُبل عليه من نُبل وشهامة ومراعاة لعواطف أصحابه الذين آووا ونصروا لم يشأ أن يرفض وساطة الأوس في حلفائهم القدامى اليهود. بل مراعاة لهؤلاء الصحابة الأجلاء الذين -تحت ضغط رماحهم وإرهاب سيوفهم استسلم هؤلاء المجرمون من اليهود- جعل مصيرهم في أيدى الأوس أنفسهم، حيث فوض أمر هؤلاء اليهود إلى سيدِ الأوس، سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما يريه الله تعالى. وقد طابت نفس الأوس من صحابة محمد ﷺ بهذا التفويض حيث كانوا يأملون من ورائه أن يخفف سيدهم سعد بن معاذ من عقوبة حلفائه. إلا أن حكم سيدهم سعد في هؤلاء اليهود جاء على خلاف ما كان يتوقع قومه.

стр. 1014

تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة قال ابن إسحاق .. فلما أصبحوا (أي بنو قريظة) نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فقال الأوس .. يا رسول الله: إنهم كانوا موالينا (أي حلفاءنا) دون الخزرج)، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس عاقد علمت. وكان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له. فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ , قالوا .. بلى , قال رسول الله ﷺ .. فذاك سعد بن معاذ (١). شفاعة وجوه الأوس عند سيدهم لليهود وبعد أن جعل النبي ﷺ مصير يهود بني قريظة في يد حليفهم سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما شاء، طمع قومه الأوس في أن يصدر عنهم عفوا ينجيهم من القتل. ولذلك توجه وفد من زعماء الأوس إلي سيدهم سعد بن معاذ ليطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه بني قريظة , ذكروه بأن النبي ﷺ لم يجعل إليه أمرهم إلا ليحسن فيهم (١). الحكم الجريح ولم يكن سعد بن معاذ ﵁ ممن اشتركوا في عملية

стр. 1015

حصار بني قريظة، لأنه كان في المدينة، تحت العلاج من جرحه الخطير الذي أصابه وقطع شريانه يوم الخندق، نتيجة سهم أصابه به أحد فرسان المشركين عبر الخندق. وكانت تقوم بعلاج سعد الجريح سيدة صحابية جليلة صالحة كانت قد أقامت لها خيمة في المسجد النبوى، تحتسب فيها عند الله القيام بمداواة جرحى المعارك من الصحاية ممن لم يكن له من يعالجه من أهله. وسعد بن معاذ ليس من هذا النوع لأنه سيد الأوس وله أهله وعشيرته القادرون على رعايته وعلاجه، ولكن النبي ﷺ أمر أن يوضع في الخيمة في المسجد, وهدف الرسول ﷺ من هذا هو أنه يكون هذا الزعيم الأوسى قريبًا منه فيعود ويتعرف حالة متى شاء. قال ابن إسحاق وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد، بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها (رفيدة) في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين, وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق .. إجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعود من قريب. وبعد أن أبلغ النبي ﷺ أعيان قبيلة الأوس أنه قد جعل أمر حلفائهم اليهود إلى سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما يريه الله، توجه هؤلاء الزعيمان من المعسكر النبوى في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح وإبلاغه القرار النبوى بشأن اليهود .. وقد قابل أعيان الأوس سيدهم سعدًا في المسجد النبوى وأخبروه أن النبي ﷺ قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله وأنه لا بد

стр. 1016

من حضوره إلى حيث يعسكر الجيش الإسلامي في ديار بني قريظة ليبت في موضوعهم. ولما كان جرح سعد جرحًا خطيرًا، وهو نفسه كان جسيمًا، فقد هيأ له قومه دابة (حمارًا) ليركبه حتى مقر قيادة الرسول ﷺ في بني قريظة. وعندما توجه سعد إلى ديار بني قريظة أحاط به وجوه قومه من الأوس وصاروا يستعطفونه ليترفق في حكمه بحلفائهم اليهود. فلما أكثروا عليه أبلغهم بأنه لن يحكم فيهم إلا بما يستحقون وأن ما بينهم وبين اليهود من حلف لا يمكن أن يحول بينهم وبين ما يستحقون من عقاب. قال ابن كثير في البداية والنهاية .. فلما حكم النبي ﷺ سعدًا في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم (وفي رواية قد أتى به على حمار عليه أكاف من ليف، قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا .. يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت .. يا أبا عمروا أحسن في مواليك فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال .. لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم). وأمام هذا التصريح من سعد الزعيم يئس قومه من أية تخفيضات يعطيها في حكمه على اليهود، وتأكد لديهم أن الحكم من سعد علي بني قريظة سيكون الإعدام، حتى أن بعض الأوس ممن كانوا يسألون سعدًا الإحسان إلى بني قريظة قد اعتبر هؤلاء اليهود (بعد ذلك التصريح من سعد) في عداد الأموات ونعاهم إلى قومه قبل أن يصل سعد إلى المعسكر النبوي في بني قريظة.

стр. 1017

فقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أن وجوه الأوس هؤلاء لما سمعوا من سعد بن معاذ هذا الجواب على طلبهم الإحسان في اليهود، رجعوا إلى دار قومهم بني عبد الأشهل ثم نعوا لهم بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد. سعد في المعسكر النبوي ولقد وصل سيد الأوس سعد بن معاذ إلى مقر قيادة النبي ﷺ في بني قريظة، وكان سعد عظيم الشأن عند النبي ﷺ ورفيع المقام بين المسلمين عامة وبين قومه خاصة. فعندما اقترب سعد من مقر النبي ﷺ في بني قريظة أمر النبي ﷺ الموجودين حواليه في المعسكر أن يقوموا لسعد بن معاذ قائلًا (قوموا إلى سيدكم) (١). ويقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - لما قال النبي ﷺ .. قوموا إلى سيدكم- قال السيد هو الله (٢). ويروي ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩ أن النبي ﷺ عندما انتهى إليه سعد بن معاذ في المعسكر قال .. قوموا إلى خيركم (٣). وقفة فقهية وقد تباينت آراء الفقهاء حول مقاصد الأمر النبوى الكريم بالقيام

стр. 1018

لسعد بن معاذ هل هو لتكريم أم لإنزال سعد من على الدابة لأنه كان جريحًا متعبًا؟ . والذي يظهر لنا (والله أعلم) أن القصد بالقيام إنما كان لإنزال سعد لا لتعظيمه .. يدلنا على هذا صيغة الأمر النبوى القائل .. قوموا إلى سيدكم .. فلو كان المقصود بالقيام التعظيم لقال ﷺ -والله أعلم-: قوموا لسيدكم. غير أن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أن الصحابة قالوا (يصفون قيامهم لسعد) .. فقمنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ . وهذا صريح في أن القيام إنما كان لتحيته. قال ابن إسحاق .. فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ .. قوموا إلى سيدكم، فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار (يظهر أنهم لم يقوموا) وأما الأنصار فيقولون .. قد عم بها رسول الله فقاموا إليه. سعد يطلب موافقة اليهود علي تحكيمه وعندما استقر بسيد الأوس المقام في مقر القيادة النبوية في بني قريظة قال له النبي ﷺ .. أحكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال ﷺ : قد أمرك الله أن تحكم فيهم (١). غير أن سعدًا -وقد علم حرص قومه الأوس على التساهل في

стр. 1019

الحكم على حلفائهم اليهود - أحب أن يستوثق من الجميع ويأخذ عليهم العهد -الرسول والأوس وبنى قريظة- بأن حكمه إذا ما صدر يكون غير قابل للنقض أو النقاش. فقد وقف المحكم الشاب الجريح سعد بن معاذ، في المعسكر النبوى، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلًا .. عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ . قالوا .. نعم. ثم اتجه إلى النبي ﷺ وأشار إلى الناحية التي هو فيها، ثم قال -وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له وإكبارًا- وعلى من ها هنا، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ فقال ﵊ .. نعم (١). ثم أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانبًا في المعسكر ليستوثق منهم أيضًا قائلًا: أترضون بحكمى؟ . قالوا: نعم (٢). وبينما الحديث يجرى هكذا في المعسكر النبوى حول تفويض سعد بن معاذ في أمر بني قريظة، كان هؤلاء اليهود الذين حاق بهم مكرهم السئ يرتجفون خوفًا من المصير المرعب الذي يتوقعونه. إلا أنهم مع شعورهم بالخوف الشديد، فقد بقى لديهم شيء من الأمل في الحياة، بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد ﷺ ليخفف من عقوبتهم، وأن الرسول ﷺ نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لحليفهم وسيد حلفائهم سعد بن معاذ.

стр. 1020

اللحظة الرهيبة في تاريخ بني قريظة وجاءت اللحظة الحاسمة، ووقف سعد بن معاذ ليعلن كلمته النهائية في يهود بني قريظة، وأرهف هؤلاء اليهود أسماعهم مشدودة ناحية حليفهم (الحكم سعد) الذي أصبح مصيرهم جميعًا في يده، وسمروا أبصارهم عليه في جزع وقلق وركضت قلوبهم الخبيثة بين جنوبهم ووقفت نبضاتها في انتظار النطق بالحكم عليهم. وحتى الذين في المعسكر من المسلمين، شدت أبصارهم ناحية الحكم (سعد) وخاصة قومه الأوس الذين بذلوا كل مساعيهم لتخفيف الحكم على حلفائهم. شدت أبصار الجميع إلى سعد ليروا كيف يصدر حكمه على حلفائه اليهود. لأن الجميع (وحتى النبي القائد) لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد على هؤلاء اليهود. وصدر الحكم النهائي، وكان صارمًا قويًّا ورهيبًا. سعد يحكم بالإعدام على اليهود فقد حكم سعد بن معاذ بالإعدام (ضربًا بالسيف) على كل من بلغ الحلم من رجال يهود بني قريظة. كما حكم (كذلك) أن تسبى نساؤهم وذراريهم وأن تصادر جميع ممتكاتهم (المنقولة وغير المنقولة) على أن يكون كل ذلك غنيمة للمسلمين
следующие страницы →