← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

في يهود بني قريظة وظهرت نتائجه الحاسمة في خيبر، حيث تعرض اليهود على يد محمد ﷺ لزلزال رهيب. اهـ. دفاع الدكتور محمد علي ومن الذين تعرضوا لشبه الوحشية والقسوة التي أراد خصوم الإسلام وفروخهم إلصاقها بحكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة مولانا محمد على، فقد تناول موضوع نهاية بني قريظة في كتابه الشهير (حياة محمد ورسالته) بشيء من التحليل المنطقى، فردَّ (في اختصار) كل الاعتراضات التي جاءت بشأن ذلك الحكم الصارم .. فقد جاء في كتابه المذكور (أثناء حديثه عن مقتلة بني قريظة) ويتعين علينا أن لا ننسى هنا أن الإسلام كان يمر - آن ذاك - بمرحلة حرجة جدًّا من مراحل حياته، كانت هي فترة معركة أُحُد، عندما تأَلب الأَعداءُ من كل صوب وشهروا السلاح لتسديد ضربة قاضية إلى الإسلام. كأن الهجوم يشن من الخارج، خطرًا من غير ريب، ولكن الانفجار الداخلى المرتقب في كل لحظة كان أشد من ذلك خطرًا. ويقول المثل .. الإنذار المسبق يساوى التسلح المسبق، وكان هذا ممكنًا في حال هجوم خارجي، لا يتيحه للمسلمين من وقت يستعدون خلاله لمواجهة الوضع. أما الانفجار غير المرتقب في المدينة نفسها فخليق به أن يكون طعنة قاتلة توجه إلى فؤاد الإسلام نفسه.

стр. 1087

وكان بنو النضير على صلات ودية مع أعداء الإسلام، ومثّل بنو النضير دورًا هاهًا في معركة الأَحزاب، فبالإضافة إلى تحريضهم بيوتات قريش، راحوا يطوفون في الصحراء ملمّين بمضارب البدو، يثيرونهم على الإسلام. ثم يخلص مولانا (محمد على) إِلى الحديث عن جريمة الخيانة العظمى التي ارتكبوها بنو قريظة فيقول: وتأَثَّر بنو قريظة أيضًا، وكان موقفهم من الإسلام حتى ذلك الحين - أَي حتى تخريب الأَحزاب - ودِّيًّا (١) .. تأثروا بهذه الحملة الدعاوية. لقد رفض بنو قريظة أول الأَمر أَن يشاركوا ضد الإسلام ولكنهم تلقوا تأكيدات تفيد أَن المسلمين كانوا في وضع يائس، لن يتمكنوا معه من البقاء، إنهم لن يستطيعوا بأية حال الصمود في وجه الأَعداد الضخمة التي نجمت مثل نبات الفطر (٢) في كل ناحية للقضاء على الإسلام (٣). ولقد قيل لبني قريظة أَن قد أن لهم أن يختاروا بين الانحياز

стр. 1088

إلى المسلمين وبين التعاون مع الأحزاب، وهكذا أقنع بنو قريظة بالانضمام إلى صف سائر القبائل المعادية للإسلام، فنقضوا عهدهم الذي أعطوه للمسلمين وتحالفوا مع الأحزاب، واعدين إيَّاهم بأن يُسدّوا إليهم العون في النزاع المقبل - معركة الأحزاب. والحق أن الميثاق الجديد برغم أنه عقد سرًّا، لم يبق حرفًا ميتًا، فقد شارك بنو قريظة عمليًّا في القتال. وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (١). والتاريخ أيضًا يشهد على اشتراكهم في المعركة، بل لقد بيتوا خطة للهجوم على نساء المسلمين أيضًا، وكان في خيانة بني قريظة - وقد برز في الجانب الآخر في الخندق أربعة وعشرون ألف مقاتل (٢) متحرقين لسحق الإسلام، وانهمك المنافقون في إنزال الأذى بالمسلمين في الداخل - مما زاد في متاعب الرسول، ﷺ وأصحابه إلى حد بعيد .. وهكذا رئى، عند انقضاء معركة الأحزاب، أن من المناسب أن تنزل ببني قريظة العقوبة التي يستحقون، والتي قد تحول دون تكرُّر مثل هذه الخيانة الغادرة في المستقبل. ومن ثم أَلقى المسلمون الحصار على معاقلهم، فاستسلموا بعد مقاومة قصيرة، وقد اختار بنو قريظة بأنفسهم سعد بن معاذ (وكأن فيما

стр. 1089

مضى حليفهم) حَكمًا يعيِّن العقوبة التي يستحقون، ولو أنهم فوّضوا أمرهم إلى الرسول (إذن لعاملهم) في أغلب الظن، كما عامل أَبناء عمومتهم بني قينقاع وبني النضير. لقد كان خليقًا به أن يحكم عليهم - في أَسوإ الأحوال - بالنفي من المدينة (١). ولكن سعدًا، الحكم الذي اصطفوه هم، كان ينظر إلى غدرهم الخطر، في لحظة الحرج، باشمئزاز بالغ، لقد ارتأَى أَنَّ عظَم الأذى الذي أنزلوه بالمسلمين يقتضي عقوبة نموذجية بدونها لن تحظى المواثيق في المستقبل، إلَّا باحترام ضئيل، وقد يعتبرها أَيّ من الفريقين المعنيين عندئذ قصاصات ورق لا قيمة لها ... ومن هنا انتهى إلى هذا القرار، أَنَّ جزاءهم العادل يجب أن لا يكون - بأَية حال - أَخف من تلك التي قضي بها كتابهم المقدس (العهد القديم) في حق العدوِّ المهزوم، وهذا ما يقضى به (العهد القديم) في هذا الصدد. وبعد أن يشير مولانا محمد علي إلى النص الثابت في الإصحاح العشرين من كتابهم بهہذا الصدد، يقول: "وهكذا حكم سعد، وفقًا للشريعة الموسوية، بقتل ذكور بني قريظة، وبسبي نسائهم وأطفالهم، وبمصادرة ممتلكاتهم". ومهما بدأت هذه العقوبة قاسية، فقد كانت على وجه الضبط، العقوبة التي كأن اليهود ينزلونها - تبعًا لتشريع كتابهم المقدس بالمغلوبين من أعدائهم.

стр. 1090

وإلى هذا فإن جريمة الغدر الشائن التي اتهم بها بنو قريظة خليق بها - في مثل تلك الظروف - أن لا تجازى بأَيما عقوبة أَخف، حتى في عصر المدنية هذا .. كان القاضي من اختيارهم، وكان الحكم منطبقًا أشد الانطباق مع شريعتهم المقدسة نفسها، وفوق ذلك أُدينوا بخيانة من نوع خطير". وهنا يخاطب المؤلف الفاضل، الطاعنين في حكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة فيقول لهم .. فهل من المنطق في شيء أن يُنتقد الرسول لهذا السبب .. إن كل اعتراض على قسوة هذه العقوبة، هو اعتراض على الشريعة الموسوية .. إنه في الواقع انتقاد لا شعورى لتلك الشريعة، وتسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحلّ محلها وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد، خليق بها أن تكشف - في وضوح بالغ - أَيّ قانون رفيق عطوف رحم قدَّمه الإسلام إلى الناس. اهـ. (١). حديث الشيخ الغزالي ويقول الأستاذ محمد الغزالى في كتابه (فقه السيرة) معلقًا على مقتلة بني قريظة .. أجل هو القتل، وإنما تقع تبعات الحكم به على من تعرَّض له بسوءِ صنيعه وبما أسلف من نيات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد تحققت لكان أُلوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية، يحرِّضهم ويؤازرهم أُولئك اليهود.

стр. 1091

وربما كانت مغامرات نفر مصر طلَّاب الزعامة. سببًا في هذه الكارثة التي حلت ببني قريظة ولو أَنَّ حُيي بن أخطب وأضرابه سكنوا في جوار الإسلام وعاشوا على ما أُوتوا من مغانم، ما تعرضوا ولا تعرَّض قومهم لهذا القصاص الخطير. ثم يتحدث الأُستاذ الغزالى عن ظاهرة لا تزال في كل عصر وزمان، وهي أن الشعوب (فقط) هي التي تدفع الثمن باهظًا لمغامرات قادتها المتهوسين المصابين بمرض حب السيطرة والتحكم فيقول: لكن الشعوب تدفع من دمها ثمنًا فادحًا لأخطاء قادتها، وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من الشعوب أثمانًا باهظة لأَثَرة الساسة المخدوعين (١). ولذلك ينعى القرآن على أولئك الرؤساء مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢) (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٣). اهـ (٤).

стр. 1092

رأى إنكليزى منصف وإذا كانت جمهرة كتاب الغرب قد جانبت الصواب وحادت عن جادة الإنصاف عندما وصفت الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة بالوحشية والقسوة، فإن هؤلاء الكتَّاب لم يخلوا من منصفين قالوا كلمة الحق وأَبوا الانجراف في تيار الهوى والعاطفة فنفوا (بتجرد ونزاهة) أن يكون في ذلك الحكم أي شيء من الوحشية والهمجية، ومن هؤلاء المؤلف الإنكليزي الكبير الدكتور (مونتجمري وات)، فقد جاءَ في كتابه (محمد نبي ورجل دولة) ص ١٧١ وما بعدها - ما يلي. لقد انتقد بعض الأُوروبيين الحكم الصادر بحق بني قريظة ووصفوه بالهمجية. وقد اندهش بعض معاصري محمد لعدم اكتراثه بالعواقب التي قد تنتج عن قتل بني قريظة ... إلا أَن عمل هذه القبيلة أثناء محاصرة المدينة كان يعتبر ناقضًا للمعاهدة المبرمة مع محمد ﷺ ہ. ثم ينفي الدكتور (مونتجمرى) ما ألصقه بعض المستشرقين بالنبي ﷺ من اتهامات باطلة، فيقول: ولا داعي للافتراض بأن محمدًا قد ضغط على سعد بن معاذ لينزل هذه العقوبة بني قريظة فإن رجلًا بعيد النظر كسعد لا بد أنه أدرك أن طغيان الولاء القبلى على الولاء الإسلامي سيجدد المعارك الدموية التي جاءُوا (أي الأوس والخزرج) بمحمد ﷺ لينقذهم منها، ويقال: إنه عندما مثل (سعد) أمام محمد ﷺ لينفذ حكمه أشار سعد إلى أن قرب نهايته تحتم عليه

стр. 1093

أولًا القيام بواجبه تجاه ربه والجماعة الإسلامية حتى على حساب الأحلاف القديمة. ثم يشير الكاتب الإِنكليزي ال حكمة الرسول في اختيار حليف اليهود (سعد بن معاذ) لي حكم فيهم، ويستدل من ذلك على بُعد النبي ﷺ : عن الديكتاتورية التي اتهمه بها خصومه فيقول: إن تعيين سعد بن معاذ من قبل محمد ﷺ لم يكن يقصد به التستر وراءَ سلطة فيكتاتورية، لم يكن محمد ﷺ يملكها في ذلك الوقت، بل كان محاولة لمعالجة مشكلة عويصة بأَحصف وأحذق طريقة ممكنة. ثم يؤكد الدكتور مونتجمرى بأن الحكم النافذ في حق بني قريظة لم ينفَّذ لأَنَّهم يهود، بل لأَنَّهم خونة ارتكبوا الخيانة العظمى فيقول: لم تبق قبيلة يهودية ذات أهمية بالمدينة بعد القضاء علي بني قريظة، بل كانت هنالك بعض المجموعات الصغيرة .. وتشير بعض الروايات التي أن أحد أثرياء اليهود قد اشترى بعض نساء وأطفال بني قريظة، ولا شك أن اليهود الذين تخلَّفوا في المدينة المعادية فحسب، بل حني عن بعض النشاطات الاجتماعية، غير أن عواطفهم كانت بلا شك مع إخوانهم اليهود في غزوة خيبر. إن استمرار وجود بعض اليهود في المدينة يمكن أن يعتبر دليلا ضد وجهة نظر بعض العلماءِ الأوربيين التي تقول: إن محمدًا ﷺ انتهج في السنة الثانية من الهجرة سياسة إبادة جميع يهود المدينة لمجرد كونهم يهود وأن هذه السياسة أخذت تزداد عنفًا، ثم يقول

стр. 1094

الدكتور. (مونتجمري): إلا أن محمدًا ﷺ : لم يكن من طبيعته سلوك مثل هذه السياسة، فقد كان يتمتع بنظرة معتدلة لأُسس المشاكل المعاصرة والسياسة طويلة الأمد يكوِّن على ضوئها سياسته بموجب العوامل .. أَمَّا بالنسبة لهجومه على القبيلتين اليهوديتين فقد كانت مجرد فرصة مواتية، غير أنه كانت هناك بعض الأسباب العميقة. فقد كان اليهود من جانب يحاولون زعزعة المجتمع الإسلامي بانتقاداتهم الموجهة ضد الوحى القرآنى. كما أنهہم كانوا يمنحون تأييدهم السياسي لأعداءِ محمد ومناوئيه من المافقين. وقد سمح لهم محمد ﷺ (مع هذا) بالعيش في المدينة دون أن يمسهم منه أيّ أَذى ... اهـ (١). ترجمة الأُستاذ أحمد سالم بالعمش. الإسلام والرق بقيت مسألة عميقة الجذور في هذا الباب لا بد من التعرض لها بالبحث والمناقشة، وهي مسأَلة استرقاق نساء وأطفال بني قريظة وتقسيمهم من جملة الغنائم بين المحاربين المسلمين. فأعداءَ الإسلام بصفة عامة والمعترضون على الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة بصفة خاصة يجعلوان سبي نساء بني قريظة أطفالهم واسترقاقهم نقطة هجوم على الإسلام قائلين: إن هذا

стр. 1095

تصرّف مخالف لروح القرن العشرين ومناف لحقوق الإنسان، يجعل الإسلام في صفوف النظم الهمجية التي تبيح استعباد الإنسان لأخيه الإنسان. وهي من أَخبث الشبه والتهم التي في أبْواقها ينفخ الشيوعيون والصليبيون وكل الخائفين من قيام سلطان الإِسلام .. لإدخال وساوس الإلحاد والتشكك في صلاحية هذا الدين. وحتى الشباب المسلم صار الكثير منه (نتيجة لهذه الوساوس) نهبًا لنوازع الشك والحيرة والتساؤل .. كيف أباح الإسلام الرق، وهو الذي جاء لتحرير البشرية وإعلان المساواة بين كل البشر؟ . هكذا (دائمًا) يتردد السؤال على ألسنة بعض الشباب المسلم الذي تأثر ببعض وساوس أَعداءِ هذا الدين، والذي لم ينجح الأعداء (كليًّا) في جرِّه إلى هاوية الكفر بدينه. والحقيقة أَن هذا السؤال سؤال حساس، سنجيب عليه هنا (للمناسبة) بشيء من الإسهاب والتفصيل، وبالقدر الذي نبدِّد به (على الأقل) غيوم الحيرة التي تتلبد (أحيانًا) حول نفوس بعض الشباب المثقف عصريًا والذي تأَثر بحملات التشكيك والاتهام التي يوجهها أعداء الإسلام إلى هذا الدين عبر موقفه من الرق خاصة. وأجوبتنا على هذه التهم والتساؤلات (بشأن موقف الإسلام من الرق) ستكون، لا عن طريق الاستدلال بالنصوص المنبثقة من الكتاب والسنة، لأن هؤلاء الخصوم والمتأثرين بوساوسهم من المنتسبين إلى هذا الدين لن يقتنعوا بذلك. ولهذا فإن ردنا على

стр. 1096

هؤلاء (بهذا الخصوص) سيكون عن طريق الاحتكام إلى العقل والمنطق فحسب، فنقول: الإسلام لم يشرع الرق ١ - إن الإسلام لم يكن هو المشرِّع الأول لنظام الرق، فاسترقاقه أسرى العدو وسبيه نساءَهم وذراريهم لم يشرعه ابتداءًا. ولكن هذا الدين جاءَ والرق نظام عالمي معمول به عند جميع الأُمم والشعوب دونما استثناءٍ وعلى أَوسع نطاق. ليس بين هذه الأُمم والشعوب من يستنكره البتة. وكان (قبل ظهور الإِسلام) للرق في العالم منابع كثيرة ومصادر متعددة (غير مصدر الحرب) وخاصة في الدول الرومانية. من هذه المصادر. أ - كان الفلاح في العهد الروماني يعتبر نوعًا من الرقيق لمالك الأَرض يجوز له بيعه وشراؤه. ب - كان سواد اللون عند الفرس والرومان وغيرهم صفة تبيح الاسترقاق، فكل أَسود عندهم هو عبد يجوز بيعه وشراؤه مهما كانت الوسيلة التي تم الحصول بها عليه. وكان هذا النظام معمولا به في الأَمريكتين حيث تهب النخاسون الغربيون (في ظرف خمسين سنة) من الإِفريقيين السود حوالي خمسة عشر مليونًا ونقلوه عبيدًا إلى الأمريكتين، وظلوا عبيدًا إِلى أَيام (إبراهام لنكولن) الذي أَعلن تحريرهم، ولكنهم مع هذا

стр. 1097

الإعلان ظلوا (في مرتبة العبيد) محرومين معزولين ليس لهم من الحقوق مثل ما للبيض. ج - كانوا في أوروبا وفي كثير من بلدان العالم يسترقُّون المَدين مقابل الدين الذي يعجز عن دفعه، ويقرهم القانون على ذلك. د - كان كثير من الشعوب (وخاصة في الشرق الأقصى) يبيح لهم النظام بيع أولادهم وحتى زوجاتهم ليدخلوا في عالم العبيد. هـ -كما أن هناك نوعًا من الرق عند الهندوس وهو أَحط أنواع الرق، (المنبوذون) الذين يعتقد الهندوس (حتى هذا اليوم) أن هذا النوع (المنبوذين) هم أرقاء أبديون خُلقوا هكذا ولا يمكن تخليصهم من هذا الرق حتى الممات، وهذا نظام ديني عندهم، يلقن المنبوذون الرضى به كقاعدة من قواعد دينهم التي لا يجوز لهم الخروج عنها. و- هذا بالإضافة إلى المصدر الأكبر للاسترقاق في العالم يوم ذاك، وهو الحروب التي يقضى النظام العالمى السائد (قبل ظهور الإسلام) أن يكون فيها المغلوبون هم ونساؤهم وذراريهم أرقاءَ كجزءِ من الغنائم التي يغنمها الجيش المنتصر. الإسلام يلغى جميع أنواع الرق ٢ - ولما كان تحرير الإنسان من استعباد أخيه الإنسان، ورفع الظلم عنه مهما كان نوعه أَو لونه أَو دينه أَو جنسه، هو من أَهم أهداف الإسلام الرئيسية، فقد سارع هذا الدين إلى تجفيف جميع منابع الرق، وأَمر بردم جميع مصادره، فأَلغى كل أَنواع الرق

стр. 1098

التي كان النظام العالمي يعترف بها ويبيحها، فحرم الإسلام هذه الأنواع واعتبر التعامل بها باطلًا. ولم يسمح الإسلام لأَتباعه إلَّا بنوع واحد من الاسترقاق، وهو الناتج عن الحروب العادلة المشروعة التي يخوضها المسلمون ضد أَعدائهم (١). ولكى يبطل الإسلام جميع أنواع الرق التي كانت سائدة قبله (ما عدا رق الحرب) أعلن بكل وضوح أن الحرية هي صفة أساسية لكل إنسان (مهما كان لونه أو دينه أو جنسه) وأن رقَّ الحرب الذي أبقى عليه الإسلام. إنما هو صفة عارضة يتعرض لها الإنسان تحد من حريته في بعض المجالات (لا كلها) وإلَّا فرقيق الحرب (عند الإسلام) إنسان له كامل حقوق الآدميين. لماذا أباح الإسلام رق الحرب أمَّا لماذا لم يلغ الإسلام نظام الرق الناتج عن الحرب كما أَلغى جميع الأَنواع الأخرى وحرمها. وهو السؤال الذي يردده الطاعنون

стр. 1099

في جوهر الإسلام ويوسوسون به لدى المثقفين العصريين من المنتسبين إلى هذا الدين. والذين طالمًا تأثروا بهذه الوساوس فنأت بهم عن حظيرة الإسلام إذ تكون هذه الوساوس سببًا في تشككهم في صلاحية هذا الدين وعدالته .. أمَّا لماذا يلغ الإسلام العمل بنظام الرق الناتج عن الحرب؟ فإنا سنجيب عليه، وجوابنا سيكون (طبعًا) من ناحية جدلية منطقية عقلية، .. لا من الناحية الدينية التي تعتمد على نصوص القرآن والحديث، لأن الذين يتقدمون (عادةً) بمثل هذا السؤال لا يؤمنون بالقرآن ولا بالحديث. أما الجواب فهو: ١ - لقد قلنا إِن الإِسلام جاءَ إِلى الوجود. والرق نظام عالمى وعملة اقتصادية تتعامل بها جميع الأُمم دونما استثناءٍ، .. والرق الناتج عن الحروب هو نوع من أنواع هذا الرق. فكان المغلوبون يصيرون، هم ونساؤهم وأَطفالهم عبيدًا للغالب تمشيًا مع هذا العرف العالمى والنظام الأُممى السائد عند ظهور الإسلام، ولا كان المسلمون يشتبكون مع خصومهم في حروب كثيرة فإن خصوم الإسلام إذا ما انتصروا على المسلمين (والحرب سجال) فإنهم (تمشيًا مع هذا النظام السائد) يسترقونهم رجالًا ونساءً وأطفالًا. الاسترقاق في الإسلام معاملة بالمثل ب - فكان من البدهى المتمشى مع العدل والعقل والمنطق أن يُشرع الإسلام لأَتباعه السير على نظام الاسترقاق الحربى المتبع قبل ظهور هذا الدين.

стр. 1100

وذلك كإجراءٍ ضرورى لا بد للمسلمين منه، إذ أنه من باب المعاملة بالمثل، في ظروف حربية تتطلب فيها مصلحة الجيش والأُمة (عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا) القيام به. والمعاملة بالمثل (بل وحتى مقابلة العدوان بالعدوان) عمل مشروع تقره جميع النظم والأعراف والقوانين حتى هذه اللحظة. وحتى لو فرضنا جدلًا أَن سَبْى النساءِ والذرارى واسترقاقهم هو عدوان، فإن من حق المحاربين المسلمين أَن يشرع لهم دينهم ويبيح سبى واسترقاق رجال العدوِّ ونسائهم وذراريهم، كإجراء حربي مقابل ما دام أن العدوِّ (إذا ما تمَّ له النصر) يسبى ويسترقّ رجال ونساءِ وذراري المسلمين. فهل يريد خصوم الإسلام والمنافقون على عملية استرقاق نساءِ وذراري يہود بني قريظة، ... هـہل يريد هؤلاء من الإسلام أن يعفي العدوَّ المحارب من هذه العملية (التي هي إجراء حربى مقابل)، وهو يري هذا العدوّ -حين يتم له الظفر- يسترق ويستعبد رجال ونساء وذرارى المسلمين ويسومهم سوءَ العذاب كعمل من أعمال الحرب المتعارف عليه دوليًّا قبل ظهور الإسلام (١) فالإسلام (إذن) ليس هو الذي شرع الرق وحبذة ودعا إليه وشجَّع عليه.

стр. 1101

بل إن الإسلام (كما سيأتي) قد حارب الرق وجفاف منابعه وردم موارده حيث أبطل التعامل به، في جميع صوره، ما عدا نوع واحد وهو (كما قلنا) الاسترقاق الناتج عن العمليات الحربية التي يقوم بها المسلمون ضد الأعداء في حرب عادلة لا غدر فيها ولا عدوان وفي سبيل رفع راية الإسلام وحماية دعوته فقط. أبقى الإسلام على هذا النوع من الرق الحربى (إن صحّ هذا التعبير) كإجراءٍ لا مناص منه ولا مفر (أملته ضرورة لا يملك النبي القائد المشرع عن الله الخلاص منها) لأن هذا النوع من الرق لا يأتي من جانب المسلمين وحدهم وإنما يأتي (أولًا) من جانب أقوام لا يملك الإسلام السيطرة عليهم، وليس للمسلمين من سلطان عليهم، حتى يمنعوهم من الاسترقاق .. أقوام يسترقون من يقع في أيديهم من أسرى المسلمين ويستعبدونہهم، سواءٌ كانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا. فصار استرقاق المسلمين لأسري الحرب من أَعدائهم أمرًا لا مفر منه، لأَنه معاملة حربية بالمثل لا بد منها، ومن هذا الباب استرقاق نساءِ وذراري يهود بني قريظة. فيهود بني قريظة هؤلاء (وقد علمتم النص الصريح في كتابهم القاضي بقتل المغلوبين من رجال أَعدائهم واسترقاق نسائهم وذراريهہم) لو تمَّ لهم الظفر بالمسلمين لما صار رجالهم إلَّا إلى القتل ونساؤهم وذراريهم إلَّا إلى الاسترقاق والاستعباد.

стр. 1102

فالإسلام - إذن - مع رغبته الأَكيدة الملموسة في تحرير الإنسان وحضِّه على تحرير الرقيق في كل مناسبة لا يمكن أن يلغي (من جانب واحد) هذا النوع من الرق الحربى الذي كان المسلمون يقع الكثير منهم في أغلاله بين يوم وآخر في يد الأعداء نتيجة الحرب القائمة بين الإسلام وخصومه سواء داخل الجزيرة العربية أو خارجها (١). ليس في الإسلام ما يمنع من الاتفاق على إلغاء الرق ويمكننا (من خلال الأنظمة التي وضعها الإسلام لهذا النوع من الرق الوحيد الذي أبقى عليه) أن نستنتج أن هذا الدين لم يكن راغبًا في أن يكون الرق نظامًا أبديًا لا يجوز إلغاؤه. بل على العكس جعل الباب مفتوحًا لكي يكون من المكن والجائز الاتفاق على قفل منابع الرق نهائيًا، وذلك عن طريق الاتفاقات الدولية العامة أو الجزئية (مثلًا). بدليل أن هذا الدين لم يجعل استرقاق أسري الحرب أمرًا لا مفر منه (كما هو في الشريعة الموسوية وغيرها هن النظم والشرائع). بل جعل أمر هؤلاءِ الأَسرى (وهم المادة الوحيدة للرق في الإسلام)

стр. 1103

إلى الحاكم الأعلى ليتصرف فيهم وفق المصلحة العامة ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١). فإذا ما رأى هذا الحاكم أَن المصلحة العامة تقضى بالاتفاق مع العدو على قفل منابع الرق نهائيًا بإطلاق أسرى الحرب من الجانبيين وعدم استرقاقهم جاز له ذلك استنادًا إلى قاعدة التخيير العامة التي وضعها القرآن الكريم ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وما تبادل الأسرى الذي طالما تم بين المسلمين وأعدائهم في عصور مختلفة إلا نوعًا من انفاقيات إلغاء الرق التي أباح الإسلام عقدها. فلو أن الإسلام يعتبر الرق نظامًا أبديًا لا يجوز إلغاؤه وقفل منابعه (نهائيًا) لما أباح تبادل الأسرى، بل لما دعا إلى التطوع بتحرير العبيد وفكاك أسر الأرقاء سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وجعل ذلك من أَبِّر الأعمال التي يرضى الله عنها ويجزل الثواب على فعلها كما سيأتي مفصلًا فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله. هذا ما حضرنا (بشأن موقف الإسلام من الرق) من أجوبة على أسئلة خصوم الإسلام واستشكالات الحائرين من الشباب المثقفب المتأثر بوساوس هؤلاء الخصوم الذين يتلمسون كل يوم للإسلام مقتلًا لعلهم يسدون إليه طعنة جديدة. وأعتقد أنه جواب لا غبار على صحته واستقامته في نظر العقل المستقيم والمنطق السليم، ولا يمكن أن يبق بعده لعاقل يحترم نفسه

стр. 1104

سبيلًا إلى التشنيع على الإسلام أو الطعن في نظامه فما يتعلق بإباحته لأتباعه (يوم ذاك) الاسترقاق الحربى. ٣ - هذا جوابنا مختصر بشأن إباحة الإسلام لأَتباعه الاسترقاق من حيث المبدإِ، كمعاملة بالمثل. أما من ناحية معاملة الرقيق والنظام الدقيق الإنسانى العادل الذي وضعه الإسلام لهذه المعاملة، فإن العاقل المنصف المتجرد عن الهوي - برجوعه إلى أصول وقواعد هذا النظام - يجد أن الإسلام (مع إباحته لأتباعه استرقاق المحاربين من الأعداءِ) لم يبق من هذا الرق إلا شكله، بالنظر للمعاملة الرهيبة الوحشية التي كان يلقاها الرقيق قبل ظهور الإسلام. فبالرجوع إلى القواعد التي وضعها الإسلام لمعاملة الرقيق (أيًّا كان دينه أو لونه أو جنسه) وفرض العمل بها، يجد العاقل المنصف أن لا مناص من الاعتراف بأن الإسلام (مع إباحته نوعًا واحدًا من أنواع الرق من حيث المبدإ) يعتبر محررًا للرقيق، وحتى لهذا النوع الذي أباحه من حيث المبدإ. الرقيق عند الرومان والأمم الأخرى فقد كان الرقيق في شرعة الرومان وعرف الهند والفرس، لا يعتبر من البشر، فليس في قوانينهم اعتراف بأي حق لهذا الرقيق، فلم تضع هذه القوانين أي نظام يحفظ للرقيق أي حق البتة. لذا كان الرقيق (وخاصة في نظر الرومان) أحط منزلة من البهائم، مقذوفًا به خارج كيان البشر. كأن من حق السيد الروماني

стр. 1105

أَن يخصى رقيقه أو يجلده أو يقتله بأَية طريقة شاءَ وبأي أسلوب أراد دون أن يجد هذا الرقيق حرفًا واحدًا في القانون الروماني يحميه من شيء من هذا الظلم الفادح، وما حلقات المبارزة بالسيف والرمح والفأس التي تنتهى دائمًا بقتل المغلوب في غير ما حرب ضرورية وإنما للتسلية، والتي تقام لها المهرجانات في العهود الرومانية. والتي يشهدها الملوك والأباطرة. والتي يجبر فيها المتبارزون على أن تكون فيها مبارزتهم مبارزة حقيقية تسدد فيها الطعنات القاتلة بالسيوف والرماح إلى أي مكان في الجسم بقصد القتل .. ما حلقات هذه المبارزة الوحشية إلَّا عملية من عمليات تعذيب السادة الرومان للرقيق وقتله بقصد التسلية، والتسلية فقط. حيث أن كل المبارزات الرومانية المشهورة التي تقام لها المهرجانات وتعدُّ لها الساحات والمدرجات، والتي تزهق فيها روح الإنسان عبثًا وللتسلية فقط، لا يقوم بها إلا الأَرقاءِ الذين يُجبَر كل منهم على مبارزة صاحبه (وسط ضحكات السادة الصاخبة وهتافاتهم المخمورة العربيدة) مبارزة حقيقية حتى الموت. وبالجملة كان الرقيق فيما قبل الإسلام (في عهد الرومان والفرس والهند وغيرهم) ليس له أَي حق مما يمكن تسميته حقوق الإنسان. فليس له (في جميع هذه العهود) حق الشكوي من أي ظلم يتنزل به من سيده، وإذا مما تجرأَ وشكافإنه ليس هنالك أَية جهة قانونية يكون من حقها حتى النظر في هذه الشكوى، لأن الرقيق (في عرف أولئك الأقوام) قد شطب من قائمة الإنسان.

стр. 1106

الحقوق التي أعطاها الإسلام للرقيق وبينما كان الحال يجرى على هذا المنوال من الوحشية والهمجية في معاملة الرقيق، جاءَ الإسلام، فنظر في شؤون الرقيق فوضع لهم ذلك النظام الإنساني العادل الذي به أعاد لهذا الإنسان الضائع (الرقيق) بشريته وإنسانيته حتى جعله يشعر بالتساوي مع سيده في كل الحقوق. ساوى الإسلام بين الرقيق وسيله في القصاص والدم ... حيث أعلن النبي ﷺ هذه المساواة قائلًا (كما في صحيح البخاري ومسلم) ... من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه ومن أخصي عبده أخصيناه. وأعلن الإسلام وحدة الأَصل والمنشإ والمصير بين السيد والمسود: "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" (١) ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢). وأعلن أنه لا فضل السيد على عبد لمجرد أن هذا سيد وذلك عبد وإنما الفضل بالتقوى "ألا لا فضل العربي على أعجمى، ولا أعجمى على عربي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوي" (٣). وقرر الإسلام أن السادة ليسوا أصحاب فضل حين ينفقون على عبيدهم، لأنهم جميعًا في وضع واحد بالنسبة لله خالق الجميع وحده ورازق الجميع وحده: (﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي

стр. 1107

الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١). وجاء الإسلام ففرض على السادة أن يحسنوا معاملتهم للرقيق: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٢). كما أعلن الإسلام أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد، أو التسخير والتحقير (كما كانت الحالة في العهد الروماني وأشباهه) وإنما هي علاقة القربى والأُخوة، فالسادة (أهل) للجارية يستأذنون في زواجها: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وأعلن الإسلام أن الرقيق أخ لمالكه، فرض عليه أن يتساوى معه في المأكل والملبس "إخوانكم خَوَلكمُ فمن كان (أخوه) تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأَعينوهم" (٤). بل إن الإسلام (صونًا لمشاعر الرقيق ومحافظةً على كرامته كإنسان) نهى عن أن ينادى المالك لرقيقه باسم العبد "لا يقل أحدكم ...

стр. 1108

هذا عبدى وهذه أَمتى، وليقل فتاى وفتاتى" (١) ويستند أبو هريرة على هذا النص في معاملة الرقيق، فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجرى: "احمله خلفك فإنه أخوك وروحه مثل روحك" (٢). مساواة الإسلام بين المالك والرقيق بل إن الإسلام يذهب إلى أبعد من هذا في حماية الرقيق وصون حقوقه كإنسان لا فرق بينه وبين مالكه، لولا الملابسات العارضة التي جعلته رقيقًا، فيعطيه من الضمانات الكافية الوافية ما تجعله في مأمن، من أي اعتداءٍ من مالكه. وقد بلغت هذه الضمانات إلى درجة أَنَّ الرقيق - إذا لطمه مالكه ظلمًا وعدوانًا - وجب عليه تحريره تأْديبًا له على اعتدائه وعدوانه، فقد روى مسلم وأبو داود أن النبي ﷺ قال: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفَّارته أن يعتقه". وهذه مرحلة في معاملة الرقيق والاعتناء به وحمايته لم يصل إِلى مثلها تشريع في الدنيا، لا قبل الإسلام ولا بعده. كيف فتح الإسلام باب التحرر للرقيق ثم إن الإسلام - مع وضع هذه القوانين الإنسانية العادلة التي أعادت، ولأول مرة في التاريخ، للرقيق إنسانيته الضائعة وكرامته

стр. 1109

المهدورة، ورغبة من هذا الدين القويم في التحرير الكامل - لكل البشر - قد وضع (ولأَول مرة في التاريخ) قانونًا فتح بموجبه باب التحرر لأي رقيق يحس في نفسه الرغبة في التحرر من قيد الرق. وهذا القانون هو قانون المكاتبة الذي وضعه الإسلام لصالح الرقيق على وجه الخصوص. وخلاصة هذا القانون، هو أنه من حق الرقيق المملوك أن يطلب من مالكه التحرر من رقه على مبلغ معلوم من المال يعمل الرقيق على جمعه ودفعه لمالكه ليصبح بعد دفعه حرًّا. كيف يجبر الإسلام المالك على تحرير عبده وإذا ما طلب الرقيق المكاتبة للتحرر على هذه الصفة فإن المالك (كما هو ظاهر النص القرآني) لا يملك رفض طلب الرقيق. فواجب على المالك أن يكتب رقيقه، ويعينه على التحرر، ما لم يكن في تحريره مساس بسلامة دولة الإسلام. فقد نصَّ القرآن صراحة على ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ (١). وقد استدعى الخليفة الفاروق أنس بن مالك وحقق معه عندما شكاه مملوكهـ (سيرين) لأَنَّه رفض أن يكاتبه وأَمره بأَن

стр. 1110

يكاتبه، حيث رفع عمر الدرة (١) على أَنس وقرأَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ.﴾ الآية (٢). فكاتبه حتى تحرر. وجوب مساعدة الرقيق على التحرر بل إن الإسلام فرض على مالك الرقيق مساعدته (ماديًا) على التحرر إذا ما أراده عن طريق المكاتبة: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣). وذهب الحنابلة والشافعية إلى وجوب إسقاط ربع المبلغ الذي كوتب عليه الرقيق مساعدة له على التحرر من الرق، فمثلا لو تم الاتفاق بين الرقيق ومالكه على أن يدفع الرقيق لمالكه (مقابل تحرره) ألف دينار، فإن على المالك أن يتنازل للرقيق المكاتب عن مائتين وخمسين دينارًا بأن يعيدها له بعد حصوله على المبلغ كاملًا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤). البند المالي الخاص لتحرير العبيد وحرصًا من الإسلام على تحرير الرقيق على أوسع نطاق، جعل هذا الدين بندًا خاصًّا تتولى الدولة صرف إعانات سخية منه للذين يريدون التحرر من الرق عن طريق المكاتبة.

стр. 1111

وهو البند الرابع في الآية الكريمة التي حددت مصارف الزكاة التي كانت من أكبر موارد الدولة الإسلامية في عهدها الأول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١). فنص القرآن الكريم، على وجوب تولّى بيت المالك (وهو المسمى بوزارة المالية في هذا العصر) صرف الإعانات المالية للمكاتبين لمساعدتهم على التحرر، إذا ظهر عجزهم عن أَداء المبلغ المتفق عليه لتحريرهم بكسبهم الخاص. وبمجرد إبرام عقد المكاتبة بين الرقيق ومالكه، فإن الإسلام يجبر المالك على أن يفسح الطريق للرقيق لكى يعمل بالطرق المشروعة التي تروق له ليجمع بها المبلغ المتفق عليه. فإن قبل الرقيق العمل عند مالكه بعد المكاتبة، فإن هذا العمل يجب أن يكون بأَجر لحساب الرقيق المكاتب، وإن رغب المكاتب العمل عند غير سيده لجمع المبلغ المطلوب، لزم إعطاؤه مطلق الحرية في ذلك، ولا يجوز للمالك إجباره على عمل معين. كيف قلص الإسلام من سلطة المالك على الرقيق فهذا القانون (قانون المكاتبة) يعتبر من الإسلام تشجيعًا إغراءًا مدعومًا بالسلطة للرقيق على التحرر وتقليصًا من سلطة المالك عليه. وهذا يعني أن الرقيق (بعد صدور هذا القانون الخاص به) لم يعد رقيقًا ولا عبدًا بالمعنى المتعارف عليه قبل ظهور الإسلام.

стр. 1112

بل إنه يعتبر (بعد صدور هذا القانون وبالنظر للحالة السيئة التي كان عليها قبل ظهور الإسلام) حُرًّا لا عبدًا. لأَن الإسلام - عندما وضع التشريعات الخاصة بحماية الرقيق لم يعط السيادة المطلقة للمالك على الرقيق، بدليل أنه جعل الرقيق حرًّا في أن يتخلص من قيد الرق عن طريق المكاتبة، رضي مالكهـ أم أبى، كما ينص على ذلك ظاهر القرآن، وكما هو عمل الخليفة الثاني الذي أجبر الصحابي الشهير أنس بن مالك (١) على مكاتبة مملوكهـ (سيرين) عند ما طلب منه ذلك. وهذه حقوق أعطاها الإسلام للرقيق، لم يعطه مثلها أي شرع أو قانون قبل الإسلام أو بعده، وحتى إبراهام لنكولن الذي أعلن تحرير الرقيق في أمريكا، لم يغيِّر إعلانه من حالة الزنوج التعسة شيئًا حيث ظلوا (حتى هذا اليوم) يعاملون معاملة العبيد بالرغم من ذلك الإعلان الذي يفتخر به الأمريكان فقد ظل الزنوج (في واقع أَمرهم) محرومين من الحقوق التي يتمتع بها مواطنهم الأبيض. الإبقاء على الرق في الإسلام شكليًّا ومع إبقاء الإسلام على هذا النوع من الرق الحربى، فإن إبقاءه عليه يكاد يكون شكليًا فقط. وذلك لكثرة السبل التي فتحها أمام هذا النوع من الرقيق، ليتحرر من قيد الرق، سواء عن طريق

стр. 1113

القانون الذي أعطى الإسلام بموجبه الرقيق مطلق الحرية في أن يطلب التحرر من ملك سيده عن طريق المكاتبة وتسديد أقساط هذه المكاتبة من عمل يده ومن وزارة المالية، إذا ثبت عجزه عن التسديد بالكسب من العمل. أو عن طريق باب التطوع العريض الواسع الذي فتحه الإسلام لتحرير الرقيق. أما فسح الطريق أمام الرقيق للتحرر عن طريق القانون المدعم بالسلطة التنفيذية ومساندة الدولة المالية، فقد أوضحناه في تعليقنا على قانون مكاتبة الرقيق في الإسلام. محاربة الإسلام للرق أما التطوع في تحرير الرقيق فقد دعا الإسلام المسلمين إليه وحضهم على الدخول فيه من أوسع أبوابه، حيث دعا بحرارة وإلحاح إلى عتق العبيد تطوعًا، وجعل الجنة جزاء الذين يتطوعون بتحرير الرقيق، مما يمكن اعتباره من الإسلام محاربة للرق، لا تشجيعًا عليه. فإذا رجعنا إلى جميع نصوص الكتاب والسنة فلن نجد نصًّا واحدًا يأمر بالاسترقاق أو يحض عليه، بل لوجدنا كل النصوص المتعلقة بالرقيق والتي تبلغ المئات، كلها (تقريبًا) تتحدث عن فضيلة العتق وتدعو إليه وتحضُّ على تحرير العبيد وتخليصهم من قيد الرق. فالقرآن الكريم طالما تحدث عن فضيلة عتق الأرقاء، واعتبر الإقدام عليها منجاة من النار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا

стр. 1114

الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (١). وقد دعا النبي ﷺ في عشرات الأَحاديث إلى التطوع بتحرير الرقيق، وتعهد لهؤلاء المتطوعين بالجزاء الحسن عند الله والنجاة من النار، ومما ورد عنه ﷺ في هذا المجال قوله: "من أعتق رقبة مؤمنة كانت له فداءً من النار" (٢). "أيما رجل اعتق امرءًا مسلمًا استنقذ الله بكل عضو مناسه عضوًا من النار" (٣). " .. ورجل كانت عنده جارية وضيئة فأَدَّبها فأَحسن تأديبها ثم أَعتقها .. ثم تزوَّجها يبتغى بذلك وجه الله فذلك يؤتى أَجره مرتين" (٤). "أَيما رجل أَعتق امرءًا مسلمًا كأن فكاكهـ من النار" (٥). "وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ... يا رسول الله علِّمني عملًا يدخلني الجنة، قال .. إن كنت أقصرت الخطبة لقد أَعرضت المسألة: أعتق النسمة وفك الرقبة" (٦). إلى غير ذلك من نداءات التشجيع النبوية على تحرير الأَرقاء والترغيب فيه.

стр. 1115

تحرير الرقيق غير المسلم ودعوة الإسلام إلى تحرير الرقيق والحض عليه، لا تقتصر على الأرقاء الذين دخلوا في الإسلام بعد استرقاقهم، بل إن هذه الدعوة إلى التحرير تشمل كل الأرقاء سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، كما هو منصوص عليه في كتب الفقه الإسلامي، التي تشير بوضوح إلى أن تحرير الرقيق الكافر هو عمل مبرور وقربة إلى الله يثيب الله على فعلها، لعموم النص الداعى إلى التحرير (١). رغبة الإسلام في تصفية الرق ورغبة من الإسلام في تصفية الرق تصفية نهائية، أو تضييق مداه إلى أبعد الحدود، فإنه - بالإضافة إلى القوانين الإلزامية التي وضعها بغية إفساح الطريق أمام الأرقاء ليتحرروا من قيد الرق، والعقوبة التي فرضها على مالك الرقيق، وهي تحرير هذا الرقيق، إذا اعتدى عليه مالكه بالضرب في غير ما حق، وبالإضافة إلى حض المسلمين على تحرير الرقيق ابتغاء مرضاة الله تعالى، فإن الإسلام قد جاء بتشريعات أُخرى لصالح الرقيق، بغية تحرير أكبر عدد ممكن منه، فقد جعل عتق الرقيق عقوبة لازم تنفيذها علي مرتكبي كثير من المخالفات. ١ - جعل العتق كفارة في عقوبة القتل الخطأ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢).

стр. 1116

٢ - كما جعل العتق كذلك عقوبة الذين يظاهرون من نسائهم: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). ٣ - وكذلك جعل الذي يفطر في رمضان بالوقاع ملزمًا بتحرير رقبة. ٤ - وكذلك الذي يحنث في يمينه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). وبعد تلك النداءات والتوصيات المتكررة التي وجهها الإسلام إلى الذين يملكون الرقيق وحضهم فيها على ابتغاء مرضاة الله بتحرير الرقيق. تبارى الرعيل الأول من المسلمين في ميدان تحرير العبيد، وكان الرسول الأعظم ﷺ القدوة الأولى في ذلك. إِذ قام ﷺ بتحرير كل من عنده من الأرقاء. وانتشرت موجة التطوع بتحرير الرقيق بين الصحابة رضوان الله عليهم وخاصة الأثرياء منهم. وذهب كثير منهم في التطوع إلى أبعد من تحرير الرقيق الذي عنده, فصار يہشتري العبيد بماله بقصد تحريرهم. فيعتقهم ابتغاء مرضاة الله تعالى. وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق الذي كان ينفق الأموال الطائلة من حرِّ ماله في شراء العبيد من كفار قريش ليعتقهم

стр. 1117

ويمنحهم كامل الحرية تنفيذًا لتوصيات الإسلام الملحة في هذا الباب. بند تحرير العبيد في وزارة مالية الإسلام بل إن الإسلام ذهب في حرصه على تحرير الأرقاء إلى أن جعل لبيت مال المسلمين (وزارة المالية) الحق في أن تشترى العبيد وتقوم بتحريرهم إذا كان لديها من المال المجمّد ما يمكِّنها من ذلك. يدلنا على هذا ما رواه أصحاب الحديث والتاريخ من أن مبعوث الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية (يحيى بن سعيد) لما لم يجد من يوزع عليهم الأموال من الفقراء. قام واشتري (باسم الدولة) مجموعة كبيرة من العبيد فأعتقهم. قال يحيى بن سعيد: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرًا ولم نجد من يأخذها منا. فقد أغني عمر بن عبد العزيز الناس .. فاشتريت بها عبيدًا فأعتقتهم". ولم يقتصر الإسلام في ميدان تحسين حال الرقيق والعمل على تحريره وإعادة إنسانيته التي كانت ضائعة قبل بزوغ شمس هذا الدين على ما ذكرنا من تشريعات وقوانين وتوصيات, بل ذهب (وخاصة في ميدان تحرير الرقيق نفسيًا) إلى أبعد من ذلك. المساواة بين الأحرار والعبيد ففي الوقت الذي كان التشريع الروماني والهندي والفارسي,

стр. 1118

يلغي إنسانية الرقيق ويعتبره كائنًا مقذوفًا به خارج الكيان البشري، ويبيح (بدون تحفظ) لمالكهـ تعذيبه أو خصيه أو قتله (حتى وإن كان على دينه) كان الإسلام يسير في طريق الارتفاع بهذا الرقيق حتى وصل به إلى درجة المساواة بينه وبين السادة. فقد آخى النبي ﷺ بين بلال بن رباح الحبشى وخالد بن رويحة الخثعمى, كما آخى بين مولاه زيد بن حارثة وعمه حمزة بن عبد المطلب، وبين المولى خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق. فصار هؤلاء الموالى (بموجب هذه المؤاخاة) إخوانًا لهؤلاء السادة الأعلام من العرب، "وكانت هذه المؤاخاة صله حقيقية، تعدل رابطة الدم وتصل إلى حد الاشتراك في الميراث" (١). الأرقاء ومنصب القيادة في الإسلام بل إن الإسلام ذهب في الارتفاع بالذين كانوا أرقاء إلى درجة أن يكونوا قادة لجيوش جنودها سادات الأنصار والمهاجرين. فقد ولَّى النبي ﷺ مولاه زيد بن حارثة (في غزوة مؤتة) على جيش من الأنصار والمهاجرين وغيرهم من سادات العرب، أمثال خالد بن الوليد. ولما استشهد مولاه زيد القائد في تلك المعركة، أسند النبي إلى ابنه أسامة بن زيد (وهو مولى) قيادة الجيش، الذي كان فيه أمثال أبي بكر وعمر.

стр. 1119

وهكذا أعطي الإسلام هؤلاء الذين كانوا أرقَّاء حق القيادة على الأحرار من سادات العرب، فيطيع هؤلاء السادة فرحين مسرورين. العبيد ومنصب الخلافة بل إن الإسلام وصل في تحرير الرقيق وإكرامه إلى أن قال (على لسان حامل رسالته ﷺ ) ... "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله ﵎" (١). وهذا يعني أن الإسلام قد جعل العبد المملوك مرشحًا لأن يكون خليفة للمسلمين، إذا كان لديه من المؤهلات والكفاءات ما يجعله أهلًا لذلك "ما أقام فيكم كتاب الله ﵎". واستنادًا إلى هذا المبدأ الذي وضعه هذا الحديث الصحيح، قال عمر بن الخطاب (وهو يفكر فيمن يستخلف) .. "لو كان سالمًا مولى أبي حذيفة حيًّا لولَّيته". كلمة إلى المنصفين إن الإنسان المنصف المتجرد عن الهوى يدرك بكل وضوح من خلال هذه التشريعات والتوصيات التي جاء بها الإسلام لصالح الرقيق - أن هذا الدين لم تكن له أية رغبة في أن يستعبد الناس

стр. 1120

بعضهم بعضًا (كما يفترى خصوم هذا الدين)، وإنما ألقى بِثِقَله لتحرير الرقيق والعمل على تصفية الرق فجفف كل منابعه وردم كل موارده بدليل أنه أصدر تشريعًا صريحًا قاطعًا ألغي بموجبه كل أنواع الرق التي كان التعامل بها قائمًا قبل ظهوره. أما نوع الرق الذي كاد يكون إبقاءُ الإسلام عليه (شكليًا). وهو نوع الرق الحربي وما نتج عنه، فإن الإسلام قد أصدر تشريعات وأصدر توصيات لا تعدُّ ولا تحصى لصالح هذا الرقيق حتى لتكاد تتجسد (من خلال هذه التشريعات والتوصيات) رغبة الإسلام الصادقة في تصفية الرق تصفية كاملة، وذلك لكثرة ما جاء من دعوات واسعة إلى تحرير الرقيق في كل المناسبات. فهل بعد هذا الذي أوضحنا يجوز لعاقل ذي ضمير حر ووجدان سليم أن يتهم الإسلام بأنه قد أقر استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، أو حتى حبَّذ الرق وشجَّع عليه؟ . إن الذين يتهمون الإسلام ويوجهون إليه الطعون والانتقادات عبر موقفه من الرق، إنما يريدون الوصول إلى هدف واحد معين (فقط)، هو تشكيك الناس (وخاصة الشباب المسلم المثقف عصريا) وتزهيدهم في هذا الدين القويم, ليس إلّا. أيها الشباب المسلم فيا شباب الإسلام, قبل أن تسلِّموا بهذه الشبه التي يرسلها أعداء الإسلام، وقبل أن تستسلموا لوساوسها، حكِّموا عقولكم وأرخوا للتفكير الحر عنانه، للنظر (قبل كل شيء) في قواعد

стр. 1121

دينكم ومصادر تشريعه وغاياتها وأهدافها. لتقارنوا مقارنة حقيقية حرة، بين حقيقة هذا الدين وبين ما يقوله عنه الذين - أقل ما يقال فيهم -: إنهم خصوم ألدّاء له وعاملون في ميدان الحرب ضده. وإنكم عندما تفعلون ذلك وترجعون إلى دراسة أية ناحية من نواحي دينكم تتعرض للطعن والنقد من هؤلاء الخصوم، .. عندما ترجعون إلى دراسة هذه الناحية، (قبل التسليم بهذه المطاعن والانتقادات والتأثر بوساوسها) سيتجسد لكم زيف هذه المطاعن وبطلان تلك الانتقادات وسيتجلى لكم مدي الظلم والافتراء الذي تحمله هذه المطاعن والانتقادات. ولا نقول هذا بشأن موضوع الرق فقط، بل نطلب منكم - التريث وسلوك هذا المسلك الرجولى الحر المستقل إزاء كل ما تسمعون من طعون وانتقادات وتشنيعات يوجهها الخصوم البارعون الماكرون إلى هذا الدين، باسم البحث والمقارنة أحيانًا، وأحيانًا باسم الحضارة والمدنية والتفكير الحر إلخ. أما أنكم تسلِّمون بهذه المطاعن وتتأثرون بوساوس هذه الانتقادات التي توجه إلى دينكم من خصوم له ألداء، وأعداءٍ موتورين، دون أن تنظروا نظرة فاحصة حرة مستقلة في النواحى التي وُجِّهت إليها المطاعن في دينكم، ودون أن تنظروا في مواقف الجبهات الأخرى المدافعة عن هذا الدين والتي تتولى دائمًا (وفي كل المناسبات) الرد على هذه الطعون وتفنيد هذه الانتقادات بسلاح العلم والعقل والمنطق .. أما إنكم تفعلون هذا، فإن أقل ما يقوله ذوو

стр. 1122

العقول الراجحة والأفكار الحرة فيكم (ولو من غير أبناء دينكم) .. أنكم تفكرون بالتبعية، وأنكم لستم أكثر من آلات تحكي ما يطبع عليها دون أن تعيه أو تدرك معناه. وهذا ما لا يرضاه إنسان عادى لنفسه - فضلًا عن شباب مثقف واع. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 1123

أهم مراجع هذا الكتاب اسم الكتاب - اسم المؤلف تفسير ابن كثير - ابن كثير فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكانى في ظلال القرآن (تفسير) - السيد سابق الكشاف - الزمخشرى صحيح البخاري - البخاري صحيح مسلم - مسلم زاد المعاد - ابن القيم تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق الأغانى - أبو الفرج الأصبهاني الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندى المغني في الفقه - ابن قدامة الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتى شبهات حول الإسلام - محمد قطب جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان غاية المنتهى - الشيخ مصطفي السيوطي الرحيبانى الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري القانون الدولى العام - الدكتور سموحي فوق العادة محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد فقه السنة - السيد سايق الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب

стр. 1124

اسم الكتاب - اسم المؤلف الأدب المفرد - البخاري تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على السيرة الحلبية - ابن برهان الدين فقه السيرة - محمد الغزالى سمط النجوم العوالى - عبد الملك بن حسين العصامى البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير جوامع السيرة - علي بن حزم آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري وفاء الوفاء - علي بن أحمد السمهودى دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي لسان العرب - ابن منظور الأفريقى المصري نيل الأوطار مجلة الحج العدد (١٢) السنة (١٨) - محمد بن علي الشوكاني. اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طبارة الطبقات الكبري - ابن سعد معجم البلدان - ياقوت الحموي مراصد الاطلاع علي أسماء الأمكنة والبقاع - صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق معجم النساء - عمر رضا كہحالة الأعلام - خير الدين الزركلي ديوان الحماسة - أبو تمام الطائي العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان الأبطال - توماس كارليل حضارة العرب - جوستاف لوبون التشريع الجنائى في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة الإصابة - ابن حجر العسقلانى الاستيعاب - ابن عبد البر أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - علي النجاوي الروض الأنف - السہهيلى نهاية الأرب - القلقشندى

стр. 1125

اسم الكتاب - اسم المؤلف معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبى قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون مروج الذهب - المسعودى معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة معجم البكرى - البكري
следующие страницы →