← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

دينكم ومصادر تشريعه وغاياتها وأهدافها. لتقارنوا مقارنة حقيقية حرة، بين حقيقة هذا الدين وبين ما يقوله عنه الذين - أقل ما يقال فيهم -: إنهم خصوم ألدّاء له وعاملون في ميدان الحرب ضده. وإنكم عندما تفعلون ذلك وترجعون إلى دراسة أية ناحية من نواحي دينكم تتعرض للطعن والنقد من هؤلاء الخصوم، .. عندما ترجعون إلى دراسة هذه الناحية، (قبل التسليم بهذه المطاعن والانتقادات والتأثر بوساوسها) سيتجسد لكم زيف هذه المطاعن وبطلان تلك الانتقادات وسيتجلى لكم مدي الظلم والافتراء الذي تحمله هذه المطاعن والانتقادات. ولا نقول هذا بشأن موضوع الرق فقط، بل نطلب منكم - التريث وسلوك هذا المسلك الرجولى الحر المستقل إزاء كل ما تسمعون من طعون وانتقادات وتشنيعات يوجهها الخصوم البارعون الماكرون إلى هذا الدين، باسم البحث والمقارنة أحيانًا، وأحيانًا باسم الحضارة والمدنية والتفكير الحر إلخ. أما أنكم تسلِّمون بهذه المطاعن وتتأثرون بوساوس هذه الانتقادات التي توجه إلى دينكم من خصوم له ألداء، وأعداءٍ موتورين، دون أن تنظروا نظرة فاحصة حرة مستقلة في النواحى التي وُجِّهت إليها المطاعن في دينكم، ودون أن تنظروا في مواقف الجبهات الأخرى المدافعة عن هذا الدين والتي تتولى دائمًا (وفي كل المناسبات) الرد على هذه الطعون وتفنيد هذه الانتقادات بسلاح العلم والعقل والمنطق .. أما إنكم تفعلون هذا، فإن أقل ما يقوله ذوو

стр. 1122

العقول الراجحة والأفكار الحرة فيكم (ولو من غير أبناء دينكم) .. أنكم تفكرون بالتبعية، وأنكم لستم أكثر من آلات تحكي ما يطبع عليها دون أن تعيه أو تدرك معناه. وهذا ما لا يرضاه إنسان عادى لنفسه - فضلًا عن شباب مثقف واع. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 1123

أهم مراجع هذا الكتاب اسم الكتاب - اسم المؤلف تفسير ابن كثير - ابن كثير فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكانى في ظلال القرآن (تفسير) - السيد سابق الكشاف - الزمخشرى صحيح البخاري - البخاري صحيح مسلم - مسلم زاد المعاد - ابن القيم تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق الأغانى - أبو الفرج الأصبهاني الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندى المغني في الفقه - ابن قدامة الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتى شبهات حول الإسلام - محمد قطب جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان غاية المنتهى - الشيخ مصطفي السيوطي الرحيبانى الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري القانون الدولى العام - الدكتور سموحي فوق العادة محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد فقه السنة - السيد سايق الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب

стр. 1124

اسم الكتاب - اسم المؤلف الأدب المفرد - البخاري تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على السيرة الحلبية - ابن برهان الدين فقه السيرة - محمد الغزالى سمط النجوم العوالى - عبد الملك بن حسين العصامى البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير جوامع السيرة - علي بن حزم آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري وفاء الوفاء - علي بن أحمد السمهودى دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي لسان العرب - ابن منظور الأفريقى المصري نيل الأوطار مجلة الحج العدد (١٢) السنة (١٨) - محمد بن علي الشوكاني. اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طبارة الطبقات الكبري - ابن سعد معجم البلدان - ياقوت الحموي مراصد الاطلاع علي أسماء الأمكنة والبقاع - صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق معجم النساء - عمر رضا كہحالة الأعلام - خير الدين الزركلي ديوان الحماسة - أبو تمام الطائي العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان الأبطال - توماس كارليل حضارة العرب - جوستاف لوبون التشريع الجنائى في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة الإصابة - ابن حجر العسقلانى الاستيعاب - ابن عبد البر أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - علي النجاوي الروض الأنف - السہهيلى نهاية الأرب - القلقشندى

стр. 1125

اسم الكتاب - اسم المؤلف معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبى قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون مروج الذهب - المسعودى معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة معجم البكرى - البكري

стр. 1126

محمد أحمد باشميل الكِتَابُ الخامِس مِن معارك الإسلام الفاصِلة - ٥ - صُلحُ الحُدَبِيَة المكتَبَة السَلَفية القاهرة

стр. 1127

صُلحُ الحُديبيَّة

стр. 1128

الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م جميع حقوق الطبع محفوظة المَكتبَة السَّلَفيَّة ٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة * تليفون ٨٤٠٣٦٤

стр. 1129

[خريطة]

стр. 1130

تقديم الكتاب بقلم الكولونيل عبد الله التل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد النبي الكريم الأمين وعلى آله وصحبيه أجمعين، وبعد: فهذا هو الكتاب الخامس الذي يكتبه الأُستاذ محمد أحمد باشميل، في سلسلة معارك الإسلام الفاصلة. وقد سبقه من الكتب غزوة بدر الكبرى، غزوة أُحد، غزوة الأَحزاب، وغزوة بني قريظة. وموضوع هذا الكتاب الخامس هو: (صلح الحديبية) وما سبق ذلك الحدث التاريخي الحاسم من أحداث سياسية وعسكرية، شرح المؤلف منها تسع عشرة غزوة وحملة وسرية. وقد أحسن صنعًا في ذلك، لأن أحداث السيرة النبوية، العسكرية والسياسية جميعها مهمة وجديرة بالتدوين لتُقدِّم الجيل شبابنا المغلوب على أمره، زادًا طاهرًا نقيًّا، ينهلون منه ويقتبسون العبر والدروس من عظمة الرسول وصحابته الأبرار، الذين صنعوا الأمجاد بإيمانهہم وصبرهم وحكمتهم وشجاعتهم، ووطدوا لنا أركان الإسلام، فغدونا نصحوا اليوم لنرى امتداد الإسلام، من إندونيسيا شرقًا إلى تطوان

стр. 1131

غربًا، بفضل ما بذله الجيل المثالي، جيل محمد ﷺ من تضحيات وبطولات. وتتجلى عظمة الرسول ﷺ في قصة صلح الحديبية، فيما صاحب، ذلك الحدث التاريخي من عزمه ﵊ على أداء العمرة، بينما كانت قبائل (نجد) المجاورة للمدينة، معادية ومتعاونة مع كفار قريش، وفيما كان يهود خيبر يتحفزون للانتقام من الدين الجديد الذي هزم أهلهم من بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، وأذلّهم لتآمرهم على الإسلام وغدرهم بالمسلمين. ومع كل تلك الأخطار استنفر أصحابه وخرج بهم من المدينة قاصدًا العمرة، وزيارة الكعبة التي حُرم المسلمون منها طيلة ست سنوات تقريبًا. حقًّا لقد كانت تلك الرحلة التاريخية للعمرة محفوفة بالأخطار كان كل شيء على السطح يشير إلى أن قريشًا القوية، ذات العدد والعدة، ستشن على المسلمين حربًا (عندما يقتربون من مكة) حربًا بلغ بضعاف النفوس من المنافقين الجبن إلى أن يعتقدوا أن نهاية المسلمين ستكون فيها على أيدي قريش. الأمر الذي حمل كثيرًا من منافقي المدينة والأعراب، على الاعتذار عن مصاحبة الرسول العظيم في هذه الرحلة التي يرافقه فيها سوى ألف وأربعمائة، هم الصفوة المختارة التي خلّد الله ذكراهم، وأعلن رضاه عنهم في قرآن يتلى إلى يوم الدين (﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).

стр. 1132

إن تصرفات الرسول القائد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في حوادث الحديبية، هي في حدِّ ذاتها دستور شامل يمكن الرجوع إليه للاقتباس منه في باب (الحكمة والأناة وبُعد النظر وضبط النفس والسيطرة على الأعصاب أمام استفزازات السفهاء وتحدِّي الحَمْقَى، وفي مجال العدل والوفاء بالعهد واحترام المعارضة النزيهة) .. إن الرسول ﷺ لم يتوصل إلى عقد الصلح إلا بعد أن اجتاز مراحل شاقَّة وتغلَّب على مشاكل عويصة معقَّدة، سواء في محيط أصحابه الكرام المعارضين لإبرام هذا الصلح، أم في محيط قومه من قريش الذين حشدوا كل ما لديهم ولدى حلفائهم من قوات الحربية ليخوضوا مع المسلمين معركة يخرجوا لها ولا يرغبون فيها .. فأحبط بشجاعته وحلمه وصبره معًا، خطط المتهورين القرشيين الشِّريرة وجعلهم يجنحون إلى السلام، بدلًا من الحرب فيسعون (هم أنفسهم) لعقد هذا الصلح التاريخي. كان الرسول العظيم قمة في الحنكة السياسية حين أقدم على الصح قريش، مخالفًا آراء عدد كبير من صحابته الذين قاسوا الأُمور بمظهرها السطحي، ولم يكن لهم بعد نظر الرسول الحكم الحليم. وسرعان ما أثبتت الأحداث صدق الرسول ﷺ وبُعد نظره، فحقق صاح الحديبية ما كان الرسول ﷺ يؤمل من ورائه. وأخذ المسلمون يعملون على نشر الدعوة الإسلامية بحرية وقوة، فتضاعف عدد المسلمين، وتسربت فضائل الإسلام وأخلاق المسلمين الكريمة إلى نفوس عدد كبير من شيوخ القبائل ورؤوس الكفر في قريش، مما جعلهم يغيِّرون نظرتهم إلى الدين الجديد، ويقلِّلون

стр. 1133

من عداوتهم لأَتباعه. ومن أهم فوائد صلح الحديبية أنه أسهم في إنجاح خطة غزوة خيبر والقضاء نهائيًا على خطر اليهود في جزيرة العرب. *** إن هذا الكتاب (صلح الحديبية). وما أصدره وسيصدره الأُستاذ باشميل بإذن الله من سلسلته التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة) هو جهد مشكور يبذله المؤلف لتوعية الشباب الإسلامي وتعريفه بتاريخنا الإسلامي المجيد، الذي هو المرآة الصافية التي تنعكس على صفحتها حقيقة ماضينا الإسلامي المشرف الذي تغص عند ذكراه - حلوق المارقين المبطلين من عبيد المذاهب المادية الهدَّامة الدخيلة - من المفكرين العملاء الذين يعملون (عن قصدٍ مسبَّق خبيث) على تشويه هذا التاريخ المشرق الوضَّاء وطمسه .. بغية قطع صلتنا بماضينا الإسلامي الذي منه نستمد قوتنا الحقيقية التي تخيف أسيادهم الذين استأجروهم ليعملوا بكل الوسائل على بتر هذه الصلة، لكي يتمكنَّوا من ربطنا بعجلة مذاهب وعقائد ومبادئ غريبة عنا، دخيلة علينا، فاسدة في ذاتها .. أثبتت فشلها وإفلاسها في موطنها الأَصلي قبل أن تتدفق جداول عفنها علينا من وراء الحدود. *** إن العناية بالتاريخ الإسلامي ودراسته دراسة موضوعية واعية، هي من أهم الروافد التي تمد الإنسان المسلم بعناصر الشجاعة والرجولة والتضحية والفداء، وتحرَّك في نفسه عوامل الاستقامة ودواعي

стр. 1134

الخير لما في طيات هذا التاريخ الخالد من عِبَر ومواعظ ودروس بنَّاءَة نافعة، حفرها على جبين الزمان وسطَّرها بأَحرف من نور، خيار هذه الأمة بأعمالهم المجيدة التي بها بلغوا أعلى قمم المجد، والتي كانوا يستوحونها من تعالم الدين الإسلامي الحنيف الذي اجتذبهم من زوايا النسيان وقفز بهم من مؤخرة الشعوب، ليقعدهم أمام دفة قيادة العالم ليكونوا أساتذة اللأُمم وقادة الشعوب. * * * وكم هو نافع ومفيد لأُمة العرب (وهي تخوض المعركة الحاسمة لمحو العار عن جبينها الذي لطخه به انحرافها عن تعاليم الإسلام) لو أن العملاء المستأجرين المندسين في صفوفها والمتربعين على مقاعد قيادات فكرية وإعلامية في أجهزتها الحساسة، يوجهون الشباب العربي خاصة إلى دراسة تاريخ خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبي عبيدة بن الجراح ومحمد بن القاسم، وموسى بن نصير، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح وغيرهم من بناة الأمجاد الإسلامية، بدلًا من إشغال عقول هؤلاء الشباب وتلويثها بدراسة تاريخ علوج الإلحاد أمثال: كارل ماركس، وأنجلز، وماوتسي تنج، وغيفارا، وكاسترو وهوشى منّه. وأمثالهم من ألد أعداء الإسلام. **** إن أُمة الإسلام والعرب بالذات لن يہجدوا سبيلا إلى استعادة أمجادهم الضائعة وتحقيق وحدتهہم المنشودة إلا إذا استلهموا ماضيهم الإسلامي المشرق المجيد ووثَّقوا صلتهم بالله تعالى عن طريق اتِّباع

стр. 1135

دينه والاهتداء بهدي رسوله العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإني إذ أدعو الله مخلصًا أن يثيب الأَخ الأُستاذ باشميل على هذا الجهد الذي بذله ويبذله لعرض هذه الصفحات المشرقة المتلألئة من تاريخنا الإسلامي العظيم، عبر هذه السلسلة التاريخية التي يقوم بتأليفها .. أدعو كل مسلم عربيًّا كان غير عربي (وخاصة الشباب المثقف ومن له صلة بالشؤون العسكرية والسياسية من أية رتبة كان) أن يعكف على دراسة هذه السلسلة من معارك الإسلام الفاصلة التي خاضها محمد ﷺ وأصحابه الكرام، الذين (عَبْر هذه المعارك) بنوا لنا هذا المجد الباذي الأَثيل، وشيَّدوا لنا سمعة عطرة كانت ملءَ سمع الدنيا وبصرها حتى مرغ الانحراف عن جادة الإسلام هذه السمعة، ومسح بها الأرض، وكان آخر نتائج هذا الانحراف (ولعله أفظعها) تمريغ سمعة مائة مليون عربي، بل سبعمائة مليون مسلم، على يد مليوني يهودي، من شذَّاذ الآفاق ونفايات الأُمم يوم الخامس من حزيران الأَسود. اللهم بك نستجير وإليك نضرع، أن تعيد أمة محمد إلى صراطك المستقيم وتلهمها العمل بكتابك وسُنة نبيِّك لتستعيد مجدها الضائع وقوَّتهہاالمفقودة، وتستأنف سيرها بالإنسانية من جديد في دروب الخير والمحبة والتسامح والسلام، إنك على كل شيء قدير. عبد الله التل قائد معركة القدس سنة ١٩٤٨ م عمان

стр. 1136

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد المؤلف - ١ - اللهم صلِّ على منقذ البشرية، ومحرِّر الإنسانية، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وارزقنا اللهم السداد في القول والتوفيق في العمل إنك على كل شيء قدير. وبعد، فهذا هو كتابنا الخامس (صلح الحديبية) نقدِّمه إلى قراء التاريخ الإسلامي ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي عقدنا العزم (بعون الله تعالى) على إصدارها، في محاولة متواضعة لتبصير أجيالنا بالتاريخ الإسلامي المشرق الحافل بالبطولات والأمجاد والذي تحالفت لطمسه أو تشويه جهات كلها عدو للإسلام والمسلمين .. وظاهرها - ولا يزال يظاهرها مع الأسف - نفرٌ من المفكرين، هم من أبناء جلدتنا ويتكلمون لغتنا، بل ويحملون هويات تجعلهم محسوبين على ديننا. هؤلاء ساهموا إلى حدٍّ مؤسف جدًّا في تحريف التاريخ الإسلامي، وحاولوا طبع ما في هذا التاريخ من محاسن وفضائل بطابع مبادئ ومذاهب سياسية دخيلة على الوطن الإسلامي، بل هي والإسلام

стр. 1137

على طرفي نقيض .. وهو أمر خطير يجب على المربيِّن والمسؤولين عن التربية والتعليم في أي بلد يدين بالإسلام أن يقاوموه بكل الوسائل، ويعملوا على إزالة الأتربة والسوافي التي ألقى بها الأعداءُ على جوهر هذا التاريخ لطمس معالمه الوضاعة المشرقة التي يمكن أن يستضئ بها الشباب المسلم على دروب الفضيلة والاستقامة التي (إن سار عليها) ستنتهي به إلى سلَّم العزة والكرامة والمجد ليرقاه رافع الرأس وضاح الجبين. - ٢ - إن ما حدث قبل وحتى عقد هذا الصلح التاريخي الخالد لم يكن معركة حربية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه في القاموس العسكري. فلم تنشب هناك معارك دامية في بطاح، الحديبية بين المسلمين وقريش، كما نشبت في بطاح بدر وشعاب أُحد ومشارف الخندق ووديان خيبر ومرتفعاتها، والتي نتجت عنها تلك الانتصارات لصالح الإسلام والمسلمين. ولكن نتائج (صلح الحديبية) الإيجابية لم تكن أقل من نتائج أية معركة من تلك المعارك الظافرة الدامية الفاصلة. بل إن نجاح الرسول الأعظم ﷺ في عقد صلح الحديبية مع قريش حقق للدعوة الإسلامية من المكاسب (على كل المستويات السياسية والروحية والمعنوية والعسكرية) ما لم تحققه له أية معركة خاضها النبي محمد ﷺ وأصحابة الكرام بالسيف والرمح والنبل. يشهد بذلك كبار الصحابة الذين كانوا قد عارضوا النبي ﷺ ، أشد المعارضة في عقد هذا الصلح كما سيراه القارئ مفصلًا في صُلْب

стр. 1138

هذا الكتاب عند التعرض بالتحليل الدروس ومكاسب هذا الصلح التاريخي. بل لقد شهد القرآن الكريم بعظيم هذه المكاسب وخلَّد ذكراها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، حيث وصف صلح الحديبية بأنه (الفتح المبين) (١). وهو أمر لم يعطه القرآن الكريم وصفًا لنتائج أية معركة أو حادثة في العهد النبوي سوى (لصلح الحديبية). إذن، من هنا يمكن القول: أن صلح الحديبية هو حصيلة كسب لأعظم معركة دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي من حيث النتائج الإيجابية التي بها توطدت دعائم الإسلام وبفضلها تصدّعت قواعد الوثنية، ثم انهارت واضمحلت من الوجود. كما هو مفصل في فصول هذا الكتاب. لذلك أدرجنا (صلح الحديبية التاريخي هذا) ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة)، لأنه من حيث النتائج ينطبق عليه كل الانطباق، اسم المعركة الفاصلة. - ٣ - إنَّ النبي الأعظم ﷺ لم يتوصل إلى عقد صلح الحديبية إلا بعد أن خاض سلسلة من الصراعات الشاقة والمعارك المضنية على الصعيدين الداخلي - محيط أصحابه المعارضين للصلح أشد المعارضة - والصعيد الخارجي - محيط قومه وأهله وعشيرته من مشركي قريش الذين

стр. 1139

لم يتركوا وسيلة من وسائل الاستفزاز والتحدي إلا واتبعوها لإثارة النبي ﷺ وأصحابه. فهي إذن معارك شاقة خاضها النبي - منذ خروجه من المدينة حتى إبرام هذا الصلح - على جبهتين. في محيط أصحابه خاض معارك طرفاها: ١ - العقل الراجح، والأُفق الواسع، والنظرة البعيدة، والأَناة والحلم والصبر الذي لا يعرف الحدود. ٢ - العاطفة الفوارة العابرة التي لا يفكر المستجيب لها في العواقب محمد ﷺ في جانب العقل والصبر والحلم والأَناة، يصرُّ على التزام جانب التروّي والصبر وعدم الإجابة على استفزاز أهله وعشيرته باستفزاز مثله، ويعمل جاهدًا على نبذ فكرة الحرب والسعي لتحقيق السلام بين المسلمين وقريش. وعامة الأَصحاب في جانب العاطفة الجياشة يعارضون الصلح أشد المعارضة، ويستعجلون الصدام الدامي مع قريش، مفضلين الاحتكام إلى السيف على طول الانتظار في الحديبية، وعلى القبول بصلح يرون قبول بعض شروطه مذلة للمسلمين ومساسًا بكرامتهم. وفي محيط أَهله وعشيرته المشركين خاض محمد ﷺ معارك خصماها: ١ - داعي الرغبة في صلة الرحم والحفاظ عليها وإعطاءها حقها من الرعاية، والحرص على هداية الأهل والعشيرة ليخرجوا من ظلام الشرك إلى نور التوحيد. . والعمل على حقن الدماء وصون الأرواح (أيا كانت) من أن تزهق.

стр. 1140

٢ - داعي العنجهية الجاهلية وصلف الكبرياء الوثني المقيت والاستجابة الجانحة لدواعي الشر ونوازع البطر والطغيان. * محمد ﷺ قوي جانب الداعي الأول. . يبلِّغ قومه وعشيرته رسميًا أنه يأْت للحرب ولا رغبة له فيها، وأنه إنما جاء معتمرًا يزور الكعبة يعود بأَصحابه من حيث أَتوا. * وقريش تقسم أغلظ الأَيمان أنها ستصد محمدًا وأصحابه عن البيت حتى وإن لم يأْتوا إلا لزيارته، وتستنفر كافة قواتها وقوات حلفائها (ثمانية آلاف مقاتل) وتعسكر بهم خارج مكة لتبر بقسمها الآثم هذا. * محمد ﷺ يبعث بالوسيط تلو الآخر إلى قريش يدعوهم إِلى السلام ويؤكد لهم عدم رغبته في الحرب، ويعرض عليهم إقامة سلم يأْمن فيه المسلمون والقرشيون بعضهم بعضًا. * وقريش إزاء هذه المساعي النبوية السلمية تشتط في طغيانها وبطرها فتبعث بعدة وحدات من فرسانها لتعترض طريق النبي ﷺ ، وأصحابه وتسدها عليهم بنضال السيوف لتجرَّهم إلى حرب لم يخرجوا لها ولا رغبة لهم فيها. * محمد ﷺ تجنبًا للصدام الدامي مع أهله وعشيرته - يعدل عن سلوك الطريق الرئيسي الذي يسده خالد بن الوليد بفرسانه المشركين، ويسلك طريقًا غير مطروق ليفضي به إلى سهل الحديبية، فيعسكر بأَصحابه هناك خارج الحرم في انتظار فرصة يتحقق فيه سلام بينه وبين أهله وعشيرته. . ولئلا يحدث بين أصحابه وبين مشركي مكة احتكاك يؤدي إلى حرب هي أَكره ما تكون إلى نفسه.

стр. 1141

* وقريش إزاءَ كل هذا السمو الإنساني والنبل الأَخلاقي، تبعث بسفهائها ليتسللوا في جنح الظلام إلى معسكرات المسلمين في الحديبية فيغيروا عليهم لاستفزازهم وتحدي مشاعرهم ليفقدوا صوابهم. * محمد ﷺ يطلق سراح سبعين من المشركين المتسللين المعتدين بعد أَن أَلقى عليهم الحرس النبوي القبض وهم يتسللون. . فيعفو عنهم تكرمًا وصلة للرحم وتخفيفًا لحدة التوتر. * وقريش تريد تصعيد الأَزمة وتحاول تفجيرها فتحتجز مبعوث النبي الخاص في مكة (عثمان بن عفان وعشرة من الصحابة) دخلوا مكة بإذن من سادات قريش وفي جوارهم. فيزداد التوتر في الحديبية بين أصحاب النبي ﷺ وترتفع نسبة الغليان في النفوس وتتزايد الأصوات الداعية إلى تأْديب قريش الباغية وجدع أَنف كبريائها الوثني بحدِّ السيف. . والنبي الأعظم ﷺ حيال هذا وذاك يأْمل في أَن يحل السلام ويسود الوئام بين المعسكرين، ويعمل على تلطيف الجو وتخفيف حدة التوتر. ٤ - متاعب مضنية ومشاكل عويصة معقدة واجهها النبي الأَعظم ﷺ ، كان بعضها كاف لتحطيم الأعصاب وحمل من يواجهها على الخروج عن دائرة الحلم والصبر. . لولا أَن الذي واجهها نبينا محمد بن عبد الله ﷺ صاحب أرجح عقل وأهدإِ نفس بين بني البشر جميعًا. فقد عالج النبي محمد ﷺ كل هذه المشاكل المعقدة، وتغلب على كل هذه المصاعب المضنية المرهقة بعميق حكمته وسداد رأْيه

стр. 1142

ورجاحة عقله وبعد نظره وسعة حلمه، حتى كانت الثمرة اليانعة لذلك المجهود العظيم الذي بذله سيد البشر ومنقذ البشرية، هي صلح الحديبية التاريخي الخالد الذي (كثمرة من ثمراته العظيمة المباركة) دخل على الدعوة الإسلامية من المكاسب وتحقق لها من الانتصارات خلال سنتين اثنتين ما لم يدخل عليها وما لم يتحقق لها خلال تسعة عشر عامًا، كما سجل ذلك المحدِّثون الثقاة في كتب السنة النبوية. إن صلح الحديبية هو حدث من أهم أحداث التاريخ، بعقده تحول مجرى الصراع بين الإسلام والوثنية في جزيرة العرب لصالح الإسلام والمسلمين حتى قضى قضاءً تامًّا على الشرك والوثنية وكانت السيادة التامة للتوحيد والتوحيد فقط. وفي صلح الحديبية عبر ومواعظ. . وحكم ودروس، في الحلم والصبر وضبط النفس والوفاء بالعهد، وتقبل الانتقاد الهادف، وتحمل المعارضة النزيهة، وتحمل الأَذى، لبلوغ الأهداف النبيلة السامية. . عبر، ومواعظ، وحكم، ودروس، جديرة بالاهتمام والبحث والتمعن للاستفادة منها والاستضاءة بنورها، وخاصة لمن هم في مقعد الريادة وكرسي القيادة. . والله نسأَل أَن يوفقنا جميعًا للاهتداء بهدي نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، والله أكبر والله الحمد. محمد أحمد باشميل جدة - المملكة العربية السعودية ١٣٨٩ هـ- ١٩٦٩ م

стр. 1143

الفصْل الأول مجمل الأحداث السياسية والعسكرية بين غزوة بني قريظة وصلح الحديبية لم تعد هناك قبيلة من قبائل الوثنيين العرب (عندما ظهر الإسلام) إلا وناصبته العداءَ. وعندما وجد هذا الدين أنصارًا، أَقوياء في المدينة مؤمنين يذبون عنه وعن نبيه أكثر مما يذبُّون عن نسائهم وأطفالهم تضاعفت عداوة من بقى من الأعراب على الوثنية للإسلام. وكان هؤلاء الأعراب الوثنيون يتربصون (دائمًا بالإسلام) الدوائر ويحاول الكثير منهم الإغارة على المسلمين في المدينة (حاضرة الإسلام الجديدة). الأعراب والأحزاب: وعندما كانت معركة الأحزاب (في أواخر السنة الرابعة من الهجرة) ناشبة بين المسلمين (وهم لا يزيدون علي ألف مقاتل) من جهة، وبين أعراب نجد وقبائل الحجاز واليهود وعددهم لا يقل عن أحد عشر ألف مقاتل) من جهة أُخرى كان الأَعراب الوثنيون - بعواطفهم ومشاعرهم وقلوبهم دونما استثناءٍ مع إخواهم الوثنيين من قبائل الحجاز وعشائر نجد وأحلافهم من اليهود يتمنون أَن يكون لهم النصر الساحق

стр. 1144

على جيش الإسلام الصغير. . بل وما كانوا يشكون لحظة في تحقيق هذا النصر. . لأَن كل شيء ماديّ يشير على نحو ساحق بأَن الأَحزاب الوثنية ومحزبيها من اليهود سيكونون هم المنتصرين في المعركة. ولكن الأَمر جاء على خلاف ما يتوقع ويتمنَى هؤلاء الأَعراب الوثنيون حيث كتب الله الفشل الذريع لمشروع الغزو اليهودي الكبير فاندحرت جيوش الأَحزاب الجرارة، وعادت إلى نجد ومكة تجر أذيال الهزيمة والعار، بعد أن فشلت (أَمام القلة المسلمة الجبارة) في اقتحام المدينة. . فانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا لم يحققوا مثله في عهد النبوة (بالنسبة لقلتهم وكثرة عدوهم)، ووقع اليهود في عملهم السيء، فتم إعدام ثمانمائة من خونة بني قريظة وعلى رأْسهم محزِّب الأحزاب ورأس الفتنة والشر (حيّي بن أخطب النضري) وفر إلى خبير مرعوبًا زميله في الخيانة والتآمر (سلام بن أَبي الحقيق) الذي تمكن خمسة من الفدائيين الأَنصار من قتله وهو على فراش نومه في رأْس حصنه كما سيأْتي تفصيله. وبهذا انقلب ميزان القوى في جزيرة العرب انقلابًا خطيرًا لصالح معسكر الإسلام وبصورة جعلت القائد الأَعلى لهذا المعسكر (النبي محمد ﷺ ) يشدد من قبضته على دفة القيادة للجزيرة العربية بأكملها. . الأَمر الذي ما كانت تتخيّل (سوى حدوث عكسه) أحزاب الوثنية والكفر، عندما كانت لها قوات ضاربة مؤلفة من أحد عشر ألفًا) تحاصر المدينة التي لم يبلغ الجيش المدافع عنها أكثر من ألف مقاتل.

стр. 1145

العمليات العسكرية: ك انت الدروس الستفادة من الماضي والتي رعاها المسلمون من تجاربهم (عَبر أربع سنوات) مع الأَعراب الوثنيين وكل أَحزاب الكفر من اليهود .. أثبتت أَن العمل العسكري (وخاصة ضد الأَعراب واليهود) هو السبيل الوحيد لتأْمين وسلامة أَمن المنطقة وتهيئة الجو لدعوة التوحيد لتأْخذ طريقها إلى العقول والقلوب بالقدر المطلوب من الحرّية المطلوبة. ولهذا (كما أَثبتت الأَحداث فيما بعد) قرر النبي القائد ﷺ ، مضاعفة النشاط العسكري ضد اليهود وسكان البوادي من الأعراب في نجد والحجاز على السواء. فقرر اجتثاث سلطان اليهود الزنيم (بقوة السلاح) نهائيًا - في خيبر وبقية المناطق الشمالية، كما قرر القيام بحملات عسكرية تأديبية قويّة ضد الأعراب في نجد والحجاز خيبر آخر المطاف: وكان آخر المطاف في هذا العمل العسكري هو غزوة خيبر التي بها تم للمسلمين تصفية العنصر اليهودي الدخيل في جزيرة العرب تصفية كاملة. وقبل القيام بالحملة الكبرى لتصفية اليهود في (خيبر) قام النبي ﷺ بعشرين عملية عسكرية كانت علي شكل سرايا يبثها لتأْديب العرب وخضد شوكتهم. . ومنها حملتان وطئ فيهما رجاله من الأَنصار مدينة خيبر، وتمكنوا من الفتك فيها بملكين من ملوكها الواحد تلو الآخر، وهما: سلام بن أَبي الحقيق الملقب (بأَبي رافع) وأَسير بن برزام.

стр. 1146

حملة القرطاء - ١٠ محرم سنة خمس للهجرة كانت العشائر النجدية من أجرإِ العناصر البدوية الوثنية على المسلمين، لأن النجديين أهل قوة وبأْس وعدد غامر، وقد رأَينا كيف أن العمود الفقري لقوات الأحزاب الضاربة، كان من هذه القبائل النجدية حيث كان رجال هذه القبائل الشرسة يشكلون الأغلبية الساحقة من تلك القوة الضاربة. . ستة آلاف مقاتل من غطفان وأشجع وأسلم وفزاره وأسد، كانت ضمن الجيوش التي قادها أَبو سفيان لحرب المسلمين، فحاصرهم أهل المدينة. ولهذا فإن أول حملة عسكرية وجهها النبي لتأْديب خصومه (بعد انتصاره الساحق في غزوة الخندق وبني قريظة) وهي تلك الحملة التي جردها على القبائل النجدية من بني بكر بن كلاب (١) الذين كانوا يقطنون القرطاءَ بناحية ضريَّة (٢) على مسافة سبع أميال من المدينة. ففي أَوائل شهر المحرم عام خمس للهجرة - وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة - وجَّه النبي ﷺ إلى هؤلاء الأعراب حملة تأديبية بقيادة رئيس حرسه الخاص (محمد بن مسلمة الأَنصاري) وكان عدد قوات هذه الحملة ثلاثين راكبًا فقط.

стр. 1147

ويظهر أن النبي ﷺ أمر قائد هذه الحملة أَن لا يتعرّض لنساء بني كلاب بالسبي إذا ما ظفر بهم في حملته. وقد تحرك (ابن مسلمة بهذه الحملة العسكرية، وكان يكمن النهار ويسير بالليل حتى أَغار على بني بكر بن كلاب في ديارهم بعد أَن باغتهم، فأَبدوا بعض المقاومة، إلا أَنهم هربوا في النهاية بعد أن تركوا عددًا من القتلى (قال في السيرة الحلبية: إنهم عشرة). قال ابن سعد في (طبقاته الكبرى): كان بنو بكر ينزلون البكرات بناحية ضريَّة، وقد أمر النبي ﷺ ابن مسلمة أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، وأَغار عليهم فقتل نفرًا منهم وهرب سائرهم، واستاق خمسين بعيرًا وثلاثة آلاف شاة. قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة لم يعرض المسلمون للظعن (أَى النساء) وقد قسم النبي ﷺ بين الغازين الغنيمة بعد تخميسها فعدَّلوا الجزور (واحدة من الإبل بعشرة من الغنم)، وقد استغرقت هذه الحملة من الوقت تسع عشرة ليلة (١). سيد حنيفة في الأسر: ويقول المؤرخون: إن هذه السرية التي يقودها محمد بن مسلمة، قد أَسرت (وهي في طريقها) سيدًا من سادات بني حنيفة وهو (ثمامة بن أُثال الحنفي).

стр. 1148

وكان قد جاء متنكرًا لاغتيال النبي ﷺ بإيعاز من (مسيلمة الكذاب) (١) وكانت سرية ابن مسلمة قد أَخذت (ثمامة وهي لا تعرفه)، فلما رآه النبي ﷺ قال: أَتدرون من أَخذتم؟ ؟ هذا ثمامة بن أُثال الحنفي فأَحسنوا أُساره .. وأَمر ﷺ بتخصيص ناقة يأْتي لبنها إلى ثمامة كل مساءٍ وصباح. وقد أَحسن النبي ﷺ معاملة سيد بني حنيفة الأَسير، وكان يزوره في معتقله ويلاطفه. . حتى أَثَّرت هذه المعاملة النبوية الحسنة في نفسه إلى درجة تحوَّل معها من أَشد الناس بغضًا للنبي ﷺ إلى أَعظمهم حبًّا وتفانيًا في تدعيم دعوته. فقد زاره النبي مرة وهو في معتقله، فقال له (ملاطفًا): ما عندك يا ثمامة؟ . . فقال: يا محمد عندي خير. . إِن تقتل تقتل ذا دم. . وإِن تعف. . تعف عن شاكر. . وإِن تريد المال فسل، تعط منه ما شئت! ! . غير أَن النبي ﷺ لم يقتله ولم يطلب فدية، بل عفا عنه ليذهب حرًّا كيف شاءَ. . إِلا أَن ثمامة (وقد ملكت عليه مشاعره وأَخذت بزمام قلبه تلك المعاملة النبوية الكريمة النبيلة) لم يعد إلى قومه كما جاءَ مشركًا بل عاد إليهم داعية إلى دين التوحيد (وكأَشد ما يكون الداعية المخلص). فبعد أَن عفا عنه النبي ﷺ وأَمر بإطلاق سراحه جاءَ إِلى النبي ﷺ وقال له: يا محمد والله ما كان على الأَرض وجه أَبغض إليَّ من وجهك. . فقد أَصبح وجهك أَحب الوجوه كلها إليّ.

стр. 1149

والله ما كان على الأَرض من دين أَبغض إليّ من دينك .. فقد أَصبح دينك أَحب الدين كله إِليّ. والله ما كان من بلد أَبغض إِليَّ من بلدك، فقد أَصبح بلدك أَحب البلاد إليَّ. ثم شهد شهادة الحق فأَعلن إِسلامه، فكان من خيرة الصحابة ومن أَثبت بني حنيفة إِسلامًا. . وعندما أَشعل مسيلمة الكذاب نيران فتنة الرَّدة في نجد، ثبت ثمامة على إِسلامه، وكان إِلى جانب جيوش الخلافة يقارع الكذاب. ثمامة ينتصر للإسلام من قريش: وفي صحيح البخاري أَن ثمامة قال للنبي ﷺ (بعد أَن أَسلم): إن خيلك أَخذتني وأَنا أُريد العمرة فماذا ترى؟ . فأَمره النبي ﷺ أَن يعتمر ففعل. قريش تقتل ثمامة: ولما كان ثمامة يستند إلى عصبية قبلية قوية (إذ هو سيد بني حنيفة) أَبى أَن يدخل إِلا مجاهرًا في عمرته بالتلبية، فلما قدم بطن مكة لبّى رافعًا بها صوته. فاعتبرت قريش ذلك تحديًا لها فاعتقلته وقالت له: لقد اجترأْت علينا، ثم اتهموه بأَنه قد صبا حيث قالوا له: صبوت يا ثمامة.

стр. 1150

فقال: ما صبوت، وإِنما أَسلمت وتبعت خير دين. . دين محمد، فزاد ذلك من غيظهم، فشددوا من حبسه .. وكان قد أَنذرهم حالفًا بالله بأَنهم لن يروا حبَّة حِنْطة تصل إليهم من اليمامة، حتى يأْذن فيها رسول الله ﷺ . . وكانت اليمامة ريفًا لأَهل مكة يعتمدون على محاصيلها لتموينهم بالمواد الغذائية الضرورية. ولقد حاول كفار مكة قتل ثمامة .. وفعلا قدَّموه لضرب عنقه، إلا أَن أَحد عقلائهم نصحهم بأَن لا يفعلوا (خوفًا من أَن يكون رد فعل قتله لدى قومه بني حنيفة قطع المواد الغذائية عن مكة فيهلك الناس جوعًا) حيث قال: دعوه فإِنكم تحتاجون إِلى اليمامة، فخلّوا سبيله خوفًا من انتقام قومه. منع بيع محاصيل اليمامة في مكة: وفعلا لقد بَرَّ هذا الزعيم الحنفي العظيم بقسمه، فأَمر قومه في اليمامة بأَن يمنعوا عن قريش ما كان يأْتي إِليها من اليمامة من حبوب ومنافع، فأَضر ذلك بقريش ضررًا كبيرًا إلى درجة تفشَّت معها المجاعة في مكة. حتى أَكلت قريش العِلهز (١). ولم تجد قريش وسيلة لرفع ضائقة الجوع إلا التوجه إِلى النبي ﷺ ليطلب من سيد بني حنيفة رفع الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليهم.

стр. 1151

قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وكتبت قريش إلى رسول الله ﷺ إن عهدنا بك تأْمر بصلة الرَّحِم وتحث عليها، وأَن ثُمَامَةَ قَد قطع عنا ميرتَنا وأَضرَّ بنا، فإِن رأَيت أَن تكتب إِليه أَن يخلِّي بيننا وبين ميرتَنا فافعل. فاستجاب النبي ﷺ لرجاءِ قومه (بالرغم من أَنه في حالة حرب معهم)، وكتب إِلى سيد بني حنيفة (ثمامة): أَن خَلِّي بين قومي وبين ميرَتهم. . فامتثل ثُمَامة أَمر نبيّه وسمح لبني حنيفة باستئناف إِرسال المحاصيل إِلى مكة فارتفع عن أَهلها كابوس المجاعة (١). - ٢ - حملة الغمر (٢) - ربيع الأول سنة خمس للهجرة ك انت قبائل بني أَسد وهي من أَقوى القبائل النجدية قد اشتركت (بقيادة طليحة بن خويلد) في معركة الخندق إلى جانب الأَحزاب ضد المسلمين. . فأَصبحت بذلك عدَّوًا محاربًا للمسلمين. فكان من البدهي أَن يقوم النبي ﷺ بتأْديبها وإِرهابها بالإِغارة عليها لإِعطائها درسًا بأَن المسلمين في حالة من القوة العسكرية تمكنّهم من أَن يصلوا بهجماتهم إِلى قلب بني أَسد.

стр. 1152

لذلك جهّز حملة تأْديبية (إلى ديار بني أَسد)، صغيرة في عدد رجالها كبيرة في معناها عظيمة في تأْثيرها. وقد أَسند النبي ﷺ قيادة هذه الحملة إلى الصحابي الشهير (عكاشة بن محصن) وهو من بني أَسد أَنفسهم. . وكان عدد رجال هذه الحملة أَربعين فارسًا. وقد أَمره بأَن يغير على بني أَسد في ديارهم. فتحرك (عكاشة) برجاله، وما يزال يغذّ السير بهم ليفاجئ الوثنيين من قومه، غير أَن القوم نذروا (١) به قبل وصوله، فهربوا واعتصموا بالمناطق الجبلية من بلادهم، ولما وصل عكاشة (٢) إلى ديارهم لم يجد بها أَحدًا منهم. غير أَن القائد عكاشة لم ييئس، فبعث بشجاع بن وهب (٣) طليعة (عينًا عليهم) فعاد وأَخبر القائد أَنه رأَى أَثر نعم قريبًا .. فتحرك بقواته في اتجاه الأَثر فوجد رجلًا نائمًا فسأَله عن بني أَسد، فقال: وأَين بني أَسد؟ ؟ قد لحقوا بعليات بلادهم عندما نذروا بكم. ولما سأَلوه عن النَّعَم قال: أَخذوها معهم. غير أَن أَحد رجال استخبارات الحملة ضربه بالسوط للحصول منه على معلومات. . ولما

стр. 1153

أَحس بالضرب قال: أَتؤمنوني على دمي وأُطلعكم على نعم لبعض القوم لم يعلموا بمسيركم إِليهم؟ قالوا: نعم. فانطلقوا معه (بعد أَن أَمنوه) فأَمعن بهم في الطلب، حتى خافوا أَن يكون ذلك منه استدراجًا وغدرًا، فاستوقفه القائد (عكاشة) وقال له: والله لتصدقنا أَو لنضربن عنقك. وهنا خاف فقال: ارتقوا هذا المكان المرتفع ثم انظروا. . فلما أَشرفوا من ذلك المكان الذي أَشار إِليه وجدوا نعمًا (١) رواتع فأَغاروا عليها فاستاقوها فإِذا هي مائتا بعير، فاكتفوا بذلك حيث فاتهم القوم هربًا، ثم عادوا إِلى المدينة ولم يلقوا كيدًا. ولقد أَثبتت عمليات هذه الحملة العسكرية أَن الرعب من المسلمين قد شحن نفوس الأَعراب وحتى أَعظمهم شراسة وأَشدهم بأْسًا مثل قبيلة بني أَسد التي ما كان يتوقع أَحد أَنها (وهي القبيلة العظيمة) ستفرّ (وفيها آلاف الفرسان) بمجرد علمها أَن المسلمين ينوون القيام بغزو أَراضيها. . ولا شك أَن هذا مصداقًا لقول النبي ﷺ : "نصرت بالرعب" الحديث. - ٣ - غزوة بني لحيان (٢) - سنة خمس من الهجرة ك انت قبائل بني لحيان هذه (وهي من قبائل الحجاز) قد غدرت باثني عشر من خيرة أَصحاب النبي ﷺ فقتلوهم جميعًا بعد أَن

стр. 1154

أَعطوهم الأَمان، وأَخذوهم من المدينة في جوارهم وذلك في السنة الرابعة من الهجرة. وقد ذكرنا في حينه أَن وفدًا من هذه القبائل جاءُوا إِلى النبي ﷺ في المدينة متظاهرين بالإِسلام وطلبوا من النبي ﷺ أَن يُرسل بعثة من أَصحابه تعلِّم بني لحيان شرائع الإِسلام، فاستجاب النبي ﷺ لهذا الطلب، فأَوفد معهم بعثة تعليمية من خيرة أَصحابه تتكون من عشرة أَنفار على رأسهم البطل المشهور (عاصم بن ثابت). "انظر ترجمته في كتابنا غزوة أُحد". غير أَن هذه البعثة لم تكد تصل ديار بني لحيان حتى غدر بها هؤلاءِ الخونة، فاستشهد جميع أَفراد هذه البعثة حيث قتلوا جميعهم غدرًا (١). وقد تأَلم النبي ﷺ أَشد الأَلم لفقد أُولئك العشرة البررة الأَعزاء عليه. . وخاصة أنهم قُتلوا بطريقة تمثل أَحطَّ أَنواع الخيانة والغدر. وكان النبي ﷺ راغبًا كل الرغبة في تأْديب تلك القبائل الخائنة الغادرة، والاقتصاص منها لأُولئك الشهداءِ من القراءِ الأَبرار المغدور بهم. إِلا أَن الظروف في تلك السنة (وهي السنة الرابعة من الهجرة) كانت غير مواتية لتحقيق هذه الرغبة. . حيث كان النبي مشغولا بدفع الأَخطار الجسام التي تهدد الإِسلام والمسلمين في عقر دارهم من الداخل والخارج، لا سيما مؤامرات اليهود الخطيرة التي يدبرونها الإِطاحة

стр. 1155

بالمسلمين والتي كانت ثمرتها تلك الغزوة الرهيبة، غزوة الأَحزاب، التي قاموا بها لسحق المسلمين في السنة الرابعة الهجرية نفسها. النبي يقود الحملة بنفسه: غير أن النبي ﷺ لم يكد يتخلص من تلك الأَخطار الجسام، على أَثر فشل غزو الأَحزاب واندحارهم ذلك الاندحار المشهور حتى تحرَّك بنفسه لتأْديب أَعراب بني لحيان من هذَيل الغادرين الخونة. إِذ تحرك من المدينة نحو منازل بني لحيان على رأْس قوة قوامها مائتامقاتل بينهم عشرون فارسًا. وذلك بعد مضي حوالي شهرين فقط على العملية الحاسمة الكبرى التي قام بها النبي ﷺ لتصفية يهود بني قريظة في المدينة. وكانت غزوة (بني لحيان) أَول حملة عسكرية يقودها النبي ﷺ بنفسه بعد غزوة بني قريظة التي انتهت في أَواخر شهر ذي الحجة من السنة الرابعة للهجرة. تضليل العدو: لقد كانت أَرض (بني لحيان) من هُذيل تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأَميال. وهي مسافة بعيدة، يلاقي مشاق كبيرة كل من يريد قطعها وخاصة إِذا كان غازيًا، ولكن النبي ﷺ لم يبال بذلك فقد كان حريصًا كل الحرص على الاقتصاص لأَحبابه من الصحابة الذين استشهدوا (غدرًا) على يد هذه القبائل المتوحشة التي لا تقيم للعهود والمواثيق اعتبارًا.

стр. 1156

وكما هي عادة النبي ﷺ في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال بينما تقع منازل بني لحيان (الذين قرر غزوهم) في أَقصى الجنوب. وقد أَعلن النبي ﷺ قبل تحركه نحو الشمال: أَنه يريد الإِغارة على الشام. وسبب هذه التعمية: هو أَنه أَدخل في حسابه وجود جواسيس في المدينة أَو حواليها يعملون لحساب قبائل بني لحيان الذين كانت لهم صولة ودولة قبل الإِسلام (١). واتجاهه نحو الشمال وإِعلانه بأَنه يريد غزو الشام يفوّت على هؤلاءِ الجواسيس الغرض الذي من أَجل تحقيقه قاموا بالتجسس. . وحتى أَصحابه كانوا لا يشكُّون في أَنه يريد أَن يغزو بهم الشام، ولم يعلموا أَنه يريد بني لحيان إِلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أَن اتَّجه بهم متوغلًا نحو الشمال حوالي عشرين ميلا. . في حركة تمويهية على العدو بارعة. وكان تغيير خط سيره من الشمال إِلى الجنوب عند مكان يقال له (البتراءُ) ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منْصَبًّا نحو الجنوب. فرار اللحيانيون قبل وصول النبي: ولقد بذلت قيادة الجيش النبوي قصارى جهدها في اتباع طريق

стр. 1157

السرية والكتمان (ومن ذلك سلوك السبل غير المطروقة) ليأخذوا الغادرين على حين غرة ويقتصوا منهم للشهداءِ المغدور بهم. ولكن (هذيل) الغادرة، لتوقعها قيام النبي ﷺ بمثل هذه الحملة التأْديبية. . كانت على غاية التيقظ والانتباه، فقد بثَّت الأَرصاد والجواسيس في الطرق ليتحسسوا لها ويتجسسوا. لذلك فما كاد النبي ﷺ يقترب بجيشه من منازل هؤلاءِ الغادرين حتى انسحبوا منها فارين. . فاعتصموا برؤوس الجبال وذلك بعد أَن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم. المطاردة: ولما وصل النبھي ﷺ إلى ديار (بني لحيان) وتأَكّد له فرارهم منه، عسكر في ديارهم بجيشه، ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاءِ الغادرين، ويأْتوا إِليه بمن يقدرون عليه. وقد استمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إِلا أَنها لم تجد أَي أَثر لهذه القبائل التي تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة. الإِقامة في أرض العدو: وبعد أَن يئس النبي ﷺ من العثور على (بني لحيان) أقام في ديارهم لإِرهابهم وتحديهم (كما هي عادته) وليظهر للأَعداءِ مدى قوة المسلمين وثقتهم بأَنفسهم، وقدرتهم على الحركة حتى إِلى قلب ديار العدو متى شاؤوا.

стр. 1158

إرهاب المشركين بمكة: ولما كانت الحالة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة في ذلك الظرف في حالة حرب .. فقد رأى النبي ﷺ أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبًا من مكة فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين في مكة. فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عُسفان (١) وهناك استدعى أَبا بكر الصديق وأَعطاه عشرة فوارس من أَصحابه وأَمره بأَن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه الصدِّيق بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم (٢) وهو مكان قريب جدًّا من مكة. فسمعت قريش بذلك فظنت أَن النبي ﷺ ينوي غزوها فانتابها الخوف والفزع والرعب، وساد صفوفها الذعر .. هذا هو الذي هدف إليه النبي ﷺ بهذه الحركة التي كلف الصدِّيق أن يقوم بها. أما الصدِّيق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كُراع الغميم وعلموا أنهم قد أَحدثوا الذعر والفزع في نفوس أَهل مكة عادوا سالمين إلى النبي القائد ﷺ فتحرَّك بجيشه عائدًا إلى المدينة. قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: فأَقام النبي ﷺ , في منازل بني لحيان يومًا أَو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية فلم يقدروا على أَحد، ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس

стр. 1159

لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أَحدًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وغاب عن المدينة أَربع عشرة ليلة (١). وزاد ابن إسحاق عن جابر أَنه ﷺ قال أَيضًا أَعوذ بالله من وعناء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأَهل والمال. الترحم على الشهداء: وعندما وصل النبي ﷺ إلى بطن (غران) (٢) حيث لقى الشهداءُ من أَصحابه مصرعهم على أَيدي الخونة من هذيل، ترَّحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم (٣). نهي النبي عن الاستغفار لأمه: وذكر بعض المؤرخين أَن النبي ﷺ أَثناءَ عودته من غزوة (بني لحيان) وقف على قبر أُمه فاستأَذن ربه في أَن يستغفر لها فلم يأْذن له .. وأنزل الله بهذا الصدد ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وفي صحيح مسلم عن أَبي أَيوب الأَنصاري قال: زار رسول الله ﷺ قبر أَمه فبكى وأَبكى من حوله، فقال: فاستأْذنت ربي في أَن أستغفر لها فلم يأْذن لي، واستأْذنته في أَن أَزورها فأَذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت.

стр. 1160

غزوة الغاية (١) .. ربيع الأول سنة خمس الهجرة كان عيينة بن حصن الفزاري من أَعظم الزعماء نفوذًا بين القبائل النجدية حتى إنه لذلك (ومع تهوره) كان مشهورًا بلقب (الأَحمق المطاع) لأَنه كانت تتبعه وتطيع أَمره عشرة آلاف قناة من فزارة وحدها، يوجِّه هذه الآلاف أينما شاء فيطيعونه دون أَن يسألوه: كيف، ولم؟ . وكان عيينة هذا من أَلدِّ أعداء رسول الله ﷺ حتى إنه (في غزوة الأَحزاب) كان قائد أَحد الأَجنحة الأربعة من القبائل النجدية التي اشتركت مع اليهود في حصار المدينة. ولما كانت الحالة التي أَعقبت اندحار الأحزاب ومحزِّبيهم اليهود في غزوة الخندق، هي حالة حرب بين المسلمين وقبائل غطفان وفزارة، فليس من المستغرب أَن يقوم عيينة بل خصن الفزاري بالإِغارة على المسلمين وانتهاب أي شيء تابع لهم، ولا سيما وأن منازل فزارة (٢) أقرب المنازل النجدية إلى يثرب.
следующие страницы →