السلاح في وجه المسلمين، ونقض المعاهدات والانضمام إلى أعداء المسلمين المحاربين في أحلك الظروف وأدق ساعات الحرج، كما فعل بنو قريظة في غزوة الأحزاب، حينما نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين المحاصرين في المدينة، فكان جزاءُ غدرهم في تلك الظروف الحرجة أن نفذ النبي ﷺ حكم الإعدام في جميع رجالهم وصادر أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم -كما سنفصل ذلك في غزوة الأحزاب إن شاء الله.
[خريطة]
стр. 107
الفصل الرابع
* نشاط المسلمين العسكري قبل معركة بدر.
* نجاح النبي في اتصالاته السياسية بقبائل المنطقة.
* المعركة الفاصلة.
* سبب المعركة.
* خروج المسلمين لمصادرة عير قريش.
* نجاة العير، وتحركات الجيش المكي نحو بدر.
* النبي يستشير أصحابه في ملاقاة جيش مكة.
* موافقة الصحابة على خوض المعركة.
* التحام الفريقين في بدر.
* هزيمة المشركين الساحقة.
لقد كانت الظروف التي هاجر فيها الرسول هي ظروفًا حربية أَوجدها زعماء مكة أَنفسهم، عندما أَهدروا دمه وخفروا ذمته. إنها الحرب (إذن) ولا شيء سواها.
فطبيعي (إذن) أَن يعمل كل من الفريقين (مكة والمدينة) عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ضد الآخر، فاستعمال السلاح وإضعاف شوكة العدو بأَية وسيلة من الوسائل، هو من الأُمور البديهية التي لا تقبل النقاش أَو الجدل.
стр. 108
فلا يلام فريق أُعلنت عليه الحرب وصمم أَعداؤه على الفتك به أَينما وجدوه, لا يلام إذا ما تربص بهم الدوائر ورسم الخطط لخضد شوكتهم ومنع أَذاهم.
فمعركة بدر هذه التي خاضها المسلمون ضد المشركين إنما هي معركة عادلة, أملتها على المسلمين طبيعة الظروف العسكرية القائمة بينهم وبين أعدائهم.
النشاط العسكري قبل معركة بدر
كانت الفترة التي تلت هجرة الرسول حتى معركة بدر, حوالي تسعة عشہہر شهرًا, وفي أَثناءِ هذه الفترة لم يحدث أي عراك دامي بين مكة والمدينة، اللهم إلا ما حدث في السرية التي قادها عبد الله بن جحش (١) , والتي تلتها معركة بدر مباشرة.
دوريات المسلمين قبل معركة بدر
أَما بقية الحركات العسكرية فهي أَشبه بدوريات استطلاعية قام بها المسلمون للاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، واختبار مدى قوة القبائل المحيطة بالمنطقة، ومحاولة كسب بعضها بالمحالفة أَو الموادعة, (على الأقل) كما كان الهدف منها أَيضًا إشعار المشركين واليهود بقوة المسلمين على صد أَي اعتداءٍ يتعرضون له. ويمكن تلخيص هذه الدوريات, أَو السرايا التي قام بها المسلمون قبل معركة بدر كمہايلي:
стр. 109
١ - دورية قتال بقيادة حمزة بن عبد المطلب، قوامها ثلاثون راكبًا من المهاجرين. التقت هذه الدورية بقافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة مقاتل من قريش بقيادة أَبي جهل بن هشام.، وذلك في ساحل البحر ناحية العيص (١) في شهر رمضان من السنة الأُولى للهجرة, ولم يحدث قتال بين الفريقين لتدخل مجدي بن عمرو الجهني الذي قام بدور حمامة سلام فحجز بينهما.
٢ - دورية قتال بقوة ستين راكبًا قادها عبيد بن الحارث إلى وادي رابغ, وذلك في شهر شوال من السنة الأُولى للهجرة, وكأن هدف الدورية تهديد تجارة قريش، وقد التقت هذه الدورية بأكثر من مائتي مقاتل من قريش بقيادة أَبي سفيان، إلا أَنه لم يحدث أَي قتال بين الفريقين.
وفي هذه الغزوة انضم رجلان من جيش مكة إلى دورية عبيد بن الحارث، والرجلان هما المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان وقد كانا مسلمين خرج في جيش مكة.
٣ - دورية استطلاعية قوامها ثمانية من المهاجرين بقيادة سعد بن أَبي وقاص، وصلت إلى الخرار (٢) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام, ولكن هذه الدورية لم تشتبك في أَي قتال مع العدو, وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الأُولى للهجرة.
٤ - غزوة ودان (٣)، وهي دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها
стр. 110
الرسول ﷺ بنفسه إلى منطقة ودان وذلك في صفر من السنة الثانية للهجرة، وعاد دون أن يلقى حربًا إلا أَنه عقد معاهدة عدم اعتداء مع قبائل بني ضمرة بن بكر بن كنانة.
٥ - غزوة بواط (١) وهي دورية قتال قادها الرسول ﷺ بنفسه إلى منطقة بواط على الطريق المؤدي من الشام إلى مكة، وذلك في ربيع الأَول من السنة الثانية للهجرة، وكان هدف هذه الدورية الإيقاع بقافلة لقريش ولكن القافلة نجت وعاد النبي دون أَن يلقى حربًا، وكان قوام هذه الدورية مائتا راكب.
٦ - غزوة العشيرة (٢)، دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها الرسول ﷺ بنفسه إلى موضع (العشيرة) بمنطقة ينبع (٣) لتهديد تجارة قريش، وعاد الرسول دون أَن يلقى حربًا، لتملص قافلة قريش من المرور في تلك المنطقة، إلا أَن النبي عقد (أَثناء هذه الغزوة) معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج (٤) وحلفائهم من بني ضمرة وذلك في جمادى الأُولى من السنة الثانية للهجرة.
٧ - غزوة بدر الأُولى: دورية قتال قوتها مائتا مقاتل، قادها الرسول بنفسه وذلك في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، طارد بها قوات خفيفة للمشركين أَغارت على مراعي المدينة ونهبت بعض
стр. 111
المواشي، وصل النبي في المطاردة إلى وادي (سفوان) قريبًا من بدر، ولكنه لم يدرك القوات المغيرة فعاد دون أَن يلقى حربًا.
القتال في الشهر الحرام
وآخر عملية عسكرية قام بها المسلمون (قبل معركة بدر) هي الدورية الاستطلاعية التي قام بها ثمانية من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش، وذلك في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.
فقد أَرسل الرسول هذه الدورية لاستطلاع أَخبار قريش وأَمرها أن تترصد لذلك بين مكة والطائف، ولم يأْمر هذه الدورية بالقتال.
وفي مكان يقال له (نخلة) (١) الْتقت هذه الدورية بقافلة لقريش تحمل بضائع إلى مكة، فأَوقعت هذه الدورية بها بعد أَن قتلت أَحد رجالها، وهو عمرو بن الحضرمي، وأَسرت اثنين منهم، وبعد الاستيلاء على هذه القافلة عادت الدورية بها إلى المدينة، وكان ابن الحضرمي أول مشرك يقتله المسلمون، كما أَن القافلة التي استولى عليها عبد الله بن جحش هي أَول مال لقريش يستولى عليه المسلمون.
موقف حرج
وعندما بلغ الرسول ﷺ خبر هذا الحادث غضب لحادث القتل والمصادرة الذي قامت به دورية ابن جحش وأَبى أَن يأْخذ شيئًا من المال المصادر, لأَن القتل والمصادرة حدثا في شهر رجب وهو من الأَشهر
стр. 112
الحرم التي يحرم القتال فيها - وقد استغلت قريش هذا الحادث فقامت بحملة تشنيع على المسلمين باعتبارهم منتهكين لحرمة الأَشهر الحرم التي كان القتال فيها محرمًا بإجماع قبائل العرب، وقالوا لقد استحل محمد وأَصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأَخذوا فيه الأَموال وأسروا فيه الرجال.
ولم يُنجِ رجال هذه الدورية من ورطتهم إلا نزول الوحي من السماء بإباحة قتال المشركين في أَي وقت كان، فقد أَقر القرآن القائد ابن جحش وأَفراد دوريته على عملهم الحربي إياه، حيث أَنزل الله بهذه المناسبة:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).
بعد التطور التشريعي في القتال
وبعد هذا التطور التشريعي الذي أَحل قتال العدو في أَي زمان, دخل الصراع المسلح بين الفريقين في مراحل أَشد حسمًا، واتسعت الهوة بين المعسكرين. وصمم المسلمون على أَن لا يتركوا أَية فرصة تسنح لهم للإيقاع بعدوهم إلا اغتنموها.
كما أَدرك قادة مكة أَن المسلمين مصممون على محاسبتهم عسكريًا على كل ما ارتكبوه في حقوقهم من سيئات.
стр. 113
تجارة مكة في خطر
ولقد كان أَول خطر شعر به مشركو مكة هو أَن تجارتهم الرئيسية مع الشام - والتي هي العمود الفقري لحياتهم - أصبحت مهددة تهديدًا خطيرًا, بعد أَن تمركز النبي في مقاطعة يثرب (١) التي تتحكم في طريق القوافل الرئيسي، بين مكة والشام. وهذه هي إحدى النتائج التي كانت تخشاها مكة من إفلات محمد ﷺ من قبضتها.
стр. 114
مَعركة بَدْر
لقد كانت معركة بدر - بالإضافة إلى كونها المعركة الفاصلة الأُولى في تاريخ الإسلام - أَول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإِسلام ضد الشرك.
فهي أَول معركة (على الإِطلاق) يتقابل فيها الفريقان ويقذفون في أَتونها بكتائب لم يسبق لهم أَن قذفوا بمثلها منذ ظهرت دعوة الإِسلام ونشبت الخصومة بينه وبين الكفر.
أسباب المعركة
لقد تحقق خوف المشركين ووقعت مكة فيما كانت تخشى الوقوع فيه، فقد ظلت المدينة على غاية من التيقظ والتربص تترقب كل حركة من حركات قريش التجارية بين مكة والشام للإِيقاع بها.
وفي أَوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة تلقت المدينة من مخابراتها إشارة بأَن أَبا سفيان بن حرب قد خرج من مكة إلى الشام في تجارة كبيرة.
فخف الرسول وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراضها وذلك في غزوة العشيرة، ولكن هذه القافلة تمكنت من الإِفلات إلى الشام، فظل المسلمون يترقبون عودتها.
стр. 115
وقد بعث النبي ﷺ دورية مكونة من طلحة بن عبيد الله (١) وسعيد بن زيد (٢) وأَمرها بالاتجاه نحو الشمال لانتظار القافلة، فوصلت هذه الدورية إلى الحوراء (٣) وهناك مكثت هذه الدورية حتى مر بها أَبو سفيان عائدًا من الشام بالقافلة البالغ عددها أَلف بعير. وعند ذلك أَسرع طلحة وسعيد وأَخبرا رسول الله بذلك.
خروج النبي للاستيلاء على القافلة
إنها (إذن) فرصة ذهبية لمعسكر المدينة، وخاصة من فيه من المهاجرين الذين صادر أَهل مكة ثرواتهم عند هجرتهم واستولوا على ممتلكاتهم.
وإنها لضربة عسكرية وسياسية واقتصادية قاصمة، تنزل بمعسكر الشرك في مكة، لو أَنها فقدت هذه الثروة الهائلة على أَيدى المسلمين.
فلتتحرك المدينة (إذن) للإستيلاء على هذه الثروة الضخمة التي تحملها عير المشركين، وهل في ذلك من حرج؟ .
أَليست المدينة في حالة حرب مع مكة؟ ، أَليس الذين أَعلنوا هذه الحرب - بغيًا وعدوانا - هم أَهل مكة وأَصحاب هذه القافلة؟ وأَليس
стр. 116
أصحاب هذه القافلة هم الذين صادروا أَموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم في مكة بغيًا وعدوانا لا لشيء إلا لأَنهم آمنوا بالدين الجديد. وأَليس من حق من أُعلنت عليه الحرب وصودرت أَمواله أَن يقاتل من أَعلنها ويستولى على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟ ؟ .
بلى .. إن هذه هي قاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر (١) فلا غرابة (إذن) في أَن يعقد الرسول العزم على التصدي لقافلة قريش ويصمم على الاستيلاء عليها كجزءٍ من مال العدو المحارب.
إن كثيرًا من المستشرقين وبعض فروخهم في الشرق الإسلامي ينظرون إلى معركهـ بدر، وكأَنها ضرب من قطع الطريق وأَعمال السلب والنهب المجردة.
وهذه النظرة بالتأْكيد، ليس لها مصدر إلا الحقد الأَسود الذي يعمى عن الحقائق ويتيح للهوى أَن يتكلم ويصدر حكمنه كما يشاءُ.
وإلا فكيف يوصف باللصوصية وقطع الطريق من حمل السلاح في وجه من أَعلن عليه الحرب وقرر الفتك به, وصمم على القضاءِ عليه ومحوه من الوجود وصادر كل ما وصلت إليه يده من أَمواله وممتلكاته.
منطق غريب ...
إنه منطق غريب معكوس، لا يشبهه إلا منطق أَسياد هؤلاء الفروخ من المستعمرين الذين يصادرون حريات الشعوب، ويهدرون كراماتهم ويستبيحون دماءَهم، ثم يسمونهم باللصوص المتوحشين.
قال جندي إنكليزي مرة لزميل له - يصف الأَفريقيين المعتدى
стр. 117
عليهم - إن هؤلاء الأَفريقين وحوش، والله وحوش، فقال له: وكيف؟
قال: تصور أَن أَحدهم عضني وأَنا أَقتله ... !
الحملة تتحرك
بعد أَن سمع النبي بدخول قافلة العدو إلى التراب الحجازي تحرك من المدينة بجيشه للاستيلاء عليها ..
ومن الواضح جدًّا .. أن استنفار عساكر الإِسلام بالمدينة من أَجل الاستيلاء على هذه القافلة، لم يكن تجنيدًا إجباريًا (كما هي العادة في المعارك الكبرى التي يستعد الرسول لخوضها كمعركة أُحد) بل كان نداءُ الرسول للجيش هنا بمثابة ترغيب فقط.
فقد جاء في ندائه قوله ... هذه عير قريش فيها أَموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.
ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة عن الاشتراك في معركة بدر التي لم يكن أحد من المسلمين يتوقع حدوثها عند خروجه من المدينة.
ولم ينكر الرسول على أَحد من المتخلفين، بل ولم يستحثه على الخروج مع الحملة، بل ترك الأَمر للرغبة الخاصة، والاختيار المحض.
ومن المؤكد أَن الذين لم ينخرطوا في سلك الجيش الذي خرج لملاقاة العير، لو كانوا يعلمون أَن الرسول سيصطدم بجيش مكة ذلك الاصطدام العنيف في بدر، لما تخلف منهم قادر على حمل السلاح. ولكنهم اعتقدوا (جازمين) أَن الصدام لن يكون عنيفًا عند التصدي للقافلة، بل قد لا يكون هناك صدام إذ من المتوقع أَن يفر حرس العير - وهم
стр. 118
لا يزيدون عن أربعين راكبًا - مجرد رؤية محمد وجنوده الذين لا يقلون عن ثلاثمائة مقاتل.
لذلك تخلف من تخلف عن الحملة في المدينة، وقد أَفصح عن هذه الحقيقة أُسيد بن الحضير (١) وهو سيد من سادات الأَنصار - فقد قال للرسول معتذرًا - عندما لقيه مهنئًا بالنصر في الروحاء - والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن أَنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال له الرسول صدقت.
وكان خروج النبي بجيشه من المدينة يوم الأَربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة.
أمير على المدينة
وقد استعمل على المدينة للصلاة بالناس ابن أُم مكتوب (٢).
أَما الإِمارة على المدينة فقد أَسندها لأَبى لبابة (٣) الذي أَعاده من الروحاء، بعد أَن أَعفاه من الاشتراك في حملة بدر.
стр. 119
توزيع القيادات
وعند خروج الجيش من المدينة دفع لواء القيادة العامة (التي يتولاها ﷺ بنفسه) إلى مصعب بن عمير القرشي، وكان هذا اللواءُ أَبيضًا.
كما قسم ﷺ جيشه إلى كتيبتين، وكان هذا التقسيم على أَساس قَبَلى.
فقد كانت كتيبة المهاجرين - التي أَعطى علمها لعلي بن أَبي طالب (١) - منفصلة عن كتيبة الأَنصار التي أَعطى علمها لسعد بن معاذ (٢) بينما ظلت قيادة هاتين الكتيبتين العليا في يد الرسول ﷺ كقائد أَعلى للجيش.
كما أَعطى قيادة ميمنة الجيش للزبير بن العوام، والميسرة للمقداد بن عمرو الكندى وهما الفارسان الوحيدان في جيش المدينة، كما أَعطى قيادة الساقة (المؤخرة) لقيس بن أَبي صعصعة.
стр. 120
مبلغ قوة جيش المدينة
وكان جيش المدينة يتأَلف من ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا.
منهم، مائتان وواحد وثلاثون من الأَنصار .. ومائة وسبعون من الخزرج، وواحد وستون من الأَوس.
أَما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانون رجلا (١).
ومن الجدير بالذكر أَنه ليكن بين هؤلاء المهاجرين من القرشيين سوى واحد وأَربعين رجلا.
من بني هاشم ثلاثة، ومن بني المطلب أَربعة، ومن بني عبد شمس واحد، ومن بني عبد العزي واحد. ومن بني عبد الدار اثنان، ومن بني زهرة ثلاثة، ومن بني تيم واحد، ومن بني مخزوم ثلاثة، ومن بني عدي أربعة، ومن بني جمح خمسة، ومن بني سهم واحد، ومن بني عامر خمسة ومن بني الحارث ستة.
أَما الباقون، وهم خمسة وأَربعون فقد كانوا من الموالى والحلفاء.
فالموالى كانوا اثنا عشر، منهم أَربعة من العرب. وثمانية من العجم.
أَما الحلفاءُ من العرب (غير القرشيين) فقد كانوا ثلاثة وثلاثون.
أَما سلاح النقليات في هذه الحملة فقد كان سبعين بعيرًا وفرسين فقط, أَحدهما مع المقدام بن الأسود والثاني مع الزبير بن العوام.
стр. 121
لا فرق بين قائد وجندي
وكان أَفراد الجيش مع قوادهم يعتقبون السبعين بعيرًا في حملتهم هذه، فقد خصص جمل لكل جماعة يركبونه بالتناوب حتى بدر.
وكان الرسول ﷺ ومرثد بن أَبي مرثد (١) وعلي بن أبي طالب يعتقبون بعيرًا، فطلب ابن أَبي طالب وابن أَبي مرثد من زميلهما النبي ﷺ أَن يتنازلا عن حصتهما في ركوب البعير له، وقالا له، نحن نمشى عنك، فقال ﷺ "ما أَنتما بأَقوى منى ولا أَنا بأَغنى الأَجر عنكما" وأَبى إلا أَن يكون حصته في ركوب البعير كواحد منهما.
الاستخبارات النبوية
أَمر الرسول ﷺ بقطع الأَجراس من أَعناق الإِبل (٢) ويظهر أَن ذلك من أَجل إخفاء حركات الجيشى، لأَن الأَجراس تحدث أَصواتًا عالية عند سير الجمال، وهذا مما قد يسهل على العدو معرفة مكان الجيش، ولهذا (والله أَعلم) أمر الرسول بقطعها من أَعناق الإِبل.
وكما هي العادة في الظروف الحربية التي تتطلب الحيطة والحذر، بث الرسول عيونه - وهم المعبر عنهم في العصر الحديث بالاستخبارات أَو سلاح الاستكشاف، انتشر رجال سلاح الاستكشاف أَمام الجيش هنا وهناك، بغية التعرف على أَخبار قافلة العدو، وكان أَحد هؤلاء
стр. 122
بسبس بن عمرو الجهني (١) وعدي بن أَبي الزغباء (٢) اللذين كانا أَول من بعثهم النبي في اتجاه بدر يتجسسان الأَخبار عن أَبي سفيان.
الطريق إلى بدر
وقد سلك الرسول في طريقه من المدينة إلى بدر، على نقب المدينة (٣)، ثم العقيق (٤) ثم ذي الحليفة (٥) ثم أَولات الجيش (٦) ثم تربان (٧) ثم ملل (٨) ثم غميس الحمام (٩) ثم صخيرات اليمامة (١٠) ثم السيالة (١١) ثم فج الروحاء, ثم شنوكة (١٢).
وعند مغادرته بئر الروحاء ترك طريق مكة بيسار ثم انحرف ذات اليمين على النازية يريد بدرًا، حتى إذا سلك واديًا يقال له وحقان - بين النازية ومضيق الصفراء - انصب منه, ثم ترك وادي الصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران (١٣)، وعند خروجه من هذا الوادي بلغه خبر خروج جيش مكة وزحفه في اتجاه بدر. وبعد
стр. 123
خروجه من وادي ذفران سلك على ثنايا، يقال لها، الأُصافر، ثم أَنمط منها إلى بلد - قرب بدر - يقال له .. الدبة، وترك الحنان (١) بيمين، نم نزل قريبًا من بدر.
استنجاد أبي سفيان بمكة
أَما أَبو سفيان - وهو المسئول الأَول عن عير قريش - فقد كان على غاية من الحيطة والحذر حيث كان يعلم جيدًا أَن طريق مكة محفوف بالأَخطار.
لذلك لم تكد قدماه تطأُ التراب الحجازي في الشمال حتى انتشرت استخباراته أَمامه تترصد الأَخبار لمعرفة ما إذا كانت هناك تحركات عسكرية من قبل محمد ﷺ للإيقاع بالقافلة.
ولم يطل التجسس بأَبي سفيان، فقد نقلت إليه استخباراته أَن محمدًا ﷺ قد استنفر أَصحابه للقافلة وأَنهم قد غادور المدينة للإيقاع بها.
وهنا أَسقط في يد أَبي سفيان، وتمثل أَمامه الخطر كبيرًا مريعًا، لذا قرر في الحال إبلاغ قادة قريش في مكة حقيقة الخطر المحدق بعيرهم، طالبًا منهم الإسراع لإنقاذها، وحمايتها من الوقوع في قبضة محمد ﷺ .
النذير في مكة
وما هي إلا مدة قصيرة حتى ظهر رسول أَبي سفيان (ضمضم بن عمرو الغفاري) في أَعلى الأَبطح بمكة واقفًا على بعيره، قد حول رحله وشق رداءه صارخًا بأَعلى صوته - يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة،
стр. 124
أَموالكم مع أَبي سفيان، قد عرض لها محمد وأَصحابه, لا أَرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
وقد انزعجت مكة لهذا النبإِ الخطير انزعاجًا كبيرًا، قررت على أَثره في الحال تجهيز جيش قوى لإنقاذ العير، وبأَسرع ما يمكن.
وقد اشترك في تجهيز هذا الجيش بالرجال والمال جميع قبائل قريش، كما ضم جميع زعماء قريش وقادتها، ما عدا أَبى لهب الذي تأَخر لمرض أَلمّ به، وبعث عنه بديلا، وصفوان بن أُمية لأَن أباه وأَخاه ممن انخرط في سلك هذا الجيش.
مشكلة قبائل بني بكر من كنانة (١)
وبعد تجهيز الجيش تذكر زعماءُ مكة ما بينهم وبين بني بكر من كنانة، من الحرب، وخافوا أَن تضربهم هذه القبائل من الخلف،
فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك أَن يثنيهم عن الزحف لإِنقاذ العير غير أَن إِبليس تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وكان
من أَشراف كنانة، وقال لهم أَنا جار لكم من أَن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا، قال ابن كثير في تاريخه (٢)
(قلت)
وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ
стр. 125
لشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
جيش مكة يتحرك
تحركت مكة (بعد أَن ضمنت موقف بني بكر) ثم نفرت بصناديدها وانطلق سوادها يغلي كالبركان.
فقد فصل منها جيش ضخم بلغ تعداده حوالي أَلف وثلاثمائة مقاتل .. تحرك هذا الجيش بسرعة فائقة نحو الشمال في تجاه بدر، فامتطى الصعب والذلول، بغية إنقاذ العير قبل وقوعها في قبضة جيش للمدينة.
وقد سلكوا في طريقهم إلى بدر وادي عسفان (٢) ثم قديد (٣) ثم الجحفة (٤) ثم الأَبواء (٥) ثم إلى بدر، وقد كان معهم ستون فرسًا وستمائة درع، وجمال كثيرة لم يعرف عددها بالضبط.
الممولون لجيش مكة
وكان المطعمون لجيش مكة والقائمون بتموينه تسعة من زعمائها وهم:
стр. 126
- أبو جهل بن هشام، نحر لهم عشرًا من الإبل حين خروجهم من مكة.
- أمية بن خلف، نحر لهم تسعًا بعسفان.
- سهيل بن عمرو (١)، نحر لهم عشرًا بقديد.
- شيبة بن ربيعة، نحر لهم تسعًا على مياه البحر بالقرب من قديد.
- عتبة بن ربيعة نحر لهم عشرًا في الجحفة
- نبيه ومنبه أبناء الحجاج نحرا لهم عشرًا بالأبواء.
- أبو البحترى بن هشام، نحر لهم عشرًا في بدر.
وبينما كان جيش مكة يتحرك بسرعة نحو بدر كان أبو سفيان يواصل سيره نحو مكة، وبالرغم من تأكده من إسراع مكة بنجدته فإنه ظل حذرًا متيقظًا، يرسم الخطط لكل الاحتمالات إلى قد يتعرض لها قبل اتصاله بجيش مكة، فهو لذلك لم يستسلم في انتظار نجدة قريش.
فقد ضاعف حركاته الاستكشافية، وبذل كل ما في وسعه لتتبع أخبار جيش المدينة ليتجنب الاصطدام به، ويفلت من قبضته. وبالرغم من حذر أبي سفيان وتيقظه، فإنه لم يغير اتجاهه الطبيعي العادى في سيره نحو مكة، فقد كان يسير بالقافلة من الشمال نحو الجنوب في اتجاه بدر، تاركًا المدينة عن يساره.
ساعة حرجة
وقد كانت ساعة حرجة بالنسبة لأبي سفيان عندما كاد يقع مع
стр. 127
القافلة في قبضة المسلمين، عند اقترابه من بدر لولا أن أسعفه الحظ عندما لقى مجدى بن عمرو وسأله عن جيش محمد، فقال ما رأيت أحدًا أنكره إلا أنني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا.
وهنا أسرع أبو سفيان إلى مناخ راحلتى الرجلين وتناول بعرات من فضلاتهما، وعند فحصها وجد فيها النوى (بذر التمر) فقال هذه والله علائف يثرب، وتأكد لديه أن الرجلين من أصحاب محمد، وأن جيشه لا شك قريب من العير إلى قد تقع بين لحظة وأخرى في قبضته.
وهنا رجع إلى العير مسرعًا وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة.
جيش مكة ونجاة العير
وبعد أن تأكد أبو سفيان من نجاة العير أبلغ قريشًا ذلك وطلب منهم - ناصحًا - أن يعودوا بالجيش إلى مكة، قائلا (في رسالة بعث بها إليهم، وصلتهم في الجحفة) إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله، فارجعوا.
ولكن أبا جهل (وهو من أكبر الحاقدين على النبي محمد) ﷺ رفض نصيحة أبي سفيان وأصر على أن يستمر الجيش في زحفه حتى بدر قائلا وكبرياءٍ وغطرسة:
والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم
стр. 128
الطعام ونسقى الخمر وتعزف لنا القيان (١) وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا. فامضوا (٢).
أول انشقاق في جيش مكة
وقد كان قصد أبي جھهل من استمرار جيش مكة في زحفه حتى بدر (بالرغم من نجاة العير) أن يكون هذا الزحف بمثابة مناورة عسكرية كبرى تبرز فيها قوة مكة وتتجسد فيها هيبتها أمام قبائل العرب - وخاصة الضاربة بين مكة والمدينة - والتي سيمر بأراضيها هذا الجيش الضخم الذي تشھهد بلاد العرب مثل ضخامته منذ ظهور الإسلام.
اجعلوا جبنها بي
ولكن الأخنس بن شريق الثقفي (٣) حليف بني زهرة وقائد قبيلتها في هذا النفير - عارض أبا جهل في رأيه ووقف في الجيش خطيبًا موجها كلامه إلى بني زهرة قائلا:
يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص صاحبكم مخرمة بن نوفل (٤)، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا
стр. 129
فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة. لا ما يقول هذا، يعني أبا جهل.
وكان الأخنس الثقفي هذا سيدًا مطاعًا في بني زهرة، لذا أطاعوه ورجعوا جميعهم من الجحفة ولم يشهد بدرًا زهرى واحد. وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل.
حرج موقف المسلمين
استمر جيش مكة في زحفه نحو الشمال، في خيلاءٍ متزايد وكبرياءٍ متناه، متبعًا رأى أبي جهل الذي قاده في النهاية إلى هزيمة منكرة، لم تشهد قريش مثلها في تاريخها الطويل.
أما المسلمون فقد بلغهم خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، ولكن الخبر الذي هو أهم من خبر إفلات القافلة هو خبر تحركات جيش مكة الضخم واستمراره في الزحف نحو بدر بالرغم من نجاة العير التي لم يخرج إلا لحمايتها.
فمما لا شك فيه، أن ترك جيش الشرك يجوس خلال الديار في تلك المنطقة الحساسة، ويستعرض عضلاته بين القبائل الضاربة بين مكة والمدينة، فيه تحد سافر لمعسكر المدينة المسلم، وتدعيم لمكانة قريش العسكرية وامتداد لسلطانها السياسي، وإضعاف لنفوذ الإسلام الذي أخذ ينتشر في تلك البقاع التي كانت (منذ الهجرة) مجالا لسرايا عسكرية يقوم بها جيش النبي لإعلاء كلمة الله وتوهين كلمة الكفر.
فسير جيش مكة في استعراضاته الاستفزازية من مكة حتى بدر،
стр. 130
دون أن يشتبك مع جيش المدينة الذي كان هو الآخر متجها بزحفه نحو بدر، معناه النكول عن القتال، وهذا لو حدث من جانب جيش محمد ﷺ ، سيكون له أسوأُ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم العسكرية في تلك المنطقة، وقد يشجع هذا النكول أبا جهل على نقل المعركة إلى أسوار المدينة وغزو النبي في عقر داره بهذا الجيش نفسه.
المجلس العسكرى الأعلى
لهذا اهتم الرسول ﷺ بهذه التطورات الخطيرة المفاجئة، غاية الاهتمام. وكانت رغبة الرسول أكيدة وقوية في الاشتباك مع جيش مكة في بدر، مهما كان الثمن.
ولكنه بالرغم من هذا، وبالرغم من أنه النبي المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش. فقد قرر أن لا ينفرد بالقول الفصل وأن لا يتفرد برأيه حيال هذه التطورات العسكرية المباغتة وذلك عملا بمبدأ الشورى الذي جاء به الإسلام ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
لذلك سارع الرسول ﷺ إلى عقد ما يسمى بلغة عصرنا (مجلسًا عسكريًا) أعلى تبادل فيه الرأي مع قادة جيشه ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير.
خطورة الموقف
إن تطور الموقف إلى هذه الدرجة من الخطورة كان امتحانًا مباغتًا لجيش المدينة الصغير الذي لم يكن مستعدًا لخوض مثل هذه المعركة.
فخروجه في البداية إنما كان من أجل الاستيلاء على قافلة لا يزيد
стр. 131
عدد حراسها على أربعين مقاتلا وهو أمر لا يحتاج إلى أكثر مما قام به هذا الجيش من استعدادات.
ولكن هذا الأمر اليسير (وبطريقة مباغتة) تحول إلى أمر خطير جعل المسلمين في مأزق حرج، فقد أفلت الأربعون راكبًا ونجوا بقافلتهم ووجد هذا الجيش الصغير (جيش المدينة) نفسه - بدلا من حرس العير الأربعين - أمام جيش لجب تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياءُ والتحدى، قد جمع بين صناديد مكة وفرسانها.
والاصطدام مع هذا الجيش القوى الكبير يحتاج من المسلمين (قبل الإقدام عليه) إلى بحث المقدمات والتفكير في النتائج.
ولهذا عقد الرسول ﷺ مجلسه العسكرى الاستشارى (١) الأعلى الذي أحب أن يطلع فيه على حقيقة آراء قادة جيشه في ذلك الظرف الدقيق.
إجماع القادة على ملاقاة جيش مكة
ولكن هذا المجلس لم يكد ينعقد، حتى وقف قادة المهاجرين يعلنون تصميمهم على الاشتباك مع جيش الشرك مهما كان الثمن.
وقد جاء إعلانهم هذا صريحًا في قول أحد قادتهم، وهو المقداد بن عمرو (٢) الذي وقف خطيبًا في المجلس قائلا:
стр. 132
"يا رسول الله امض لما أراك فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه" فقال له الرسول خيرًا.
الكلمة الأخيرة للأنصار
ولكن الرسول إذا كان قد عرف رأى المهاجرين في هذا المجلس (وهم أقلية في الجيش) فإنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة القادمة على كواهلهم، لأنهم يمثلون أغلبية الجيش، ولأن نصوص معاهدة العقبة لا تلزمهم صراحة بالقتال خارج ديارهم، حيث جاء في أحد بنودها:
"إنهم (أي الأنصار) برآءُ من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فإذا وصل إليهم فإنه في ذمتهم يمنعونه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءَهم".
فكان لذلك، يخشى ألا تكون الأَنصار ترى نصره إلا ضد من يهاجمه بالمدينة.
ولهذا أحب أن يرى (بصفة خاصة) حقيقة موقف الأنصار من
стр. 133
خوض المعركة المقبلة، فقال (بعد سماع موافقة المهاجرين) "أشيروا عليّ أَيها الناس" - يقصد الأَنصار -.
وهنا نهض سعد بن معاذ (١) سيد الأَنصار، وصاحب لواء كتيبتهم وقال:
لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ ؟
فقال ﷺ : أجل.
فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأَنصار المطلقة وتصميمهم الصادق على ملاقاة جيش العدو قائلا مخاطبًا النبي ﵊ قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا إننا لصُبُرٌ في الحرب. صدق في اللقاء: ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
إلى المعركة
وهنا سر الرسول ﷺ بعد أن عرف رغبة الفريقين الصادقة في الاشتباك مع جيش الشرك، ونشطه ذلك ..
وفورًا أمر الجيش بمواصلة التحرك نحو بدر وقال:
"سيروا، وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأَني أنظر إلى مصارع القوم". فتحرك الجيش نحو مياه بدر.
стр. 134
النبي في سلاح الاستكشاف
ومن أروع الأمثلة التي ضربها النبي ﷺ للقائد اليقظ المتواضع أنه عندما نزل بأصحابه بالقرب من بدر - حيث يربض جيش مكة الضخم قام بنفسه - مع بعض أصحابه - بعملية الاستكشاف لمعرفة أخبار جيش العدو، محاولا بنفسه التعرف على حقيقة قوة هذا الجيش وأين هو.
وبينما كان الرسول يتجول حول معسكر مكة، مع أحد أصحابه مخاطرًا بنفسه، إذا به يقف على شيخ من العرب، فأحب أن يسأله عن قريش، ولكنه خاف أن يشتبه الشيخ فيه ويظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش قريش وجيش المسلمين معًا، زيادة في التكتم والاحتياط.
ولكن الشيخ (بدافع الفضول) قال للنہبي ﷺ : لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أَنتما؟ ؟ .
فقال له الرسول إذا أخبرتنا أخبرناك ...
قال الشيخ أو ذاك؟ .
قال النبي، نعم.
قال الشيخ، فإنه بلغى أن محمدًا وأصحابه، خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش الرسول ﷺ ، وأنه بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش مكة .. ولما فرغ الشيخ من خبره قال .. ممن أَنتما؟ فقال الرسول ﷺ نحن من ماء ثم انصرف، بعد أن عرف (بالتحديد)
стр. 135
مكان جيش العدو دون أن يعرف الشيخ من هو. وهذا تشريع حربي شرعه الرسول، يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أَخبار العدو بأَية وسيلة، حتى ولو أَدى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة جيش المسلمين وسلامته.
وبعد أن رجع النبي ﷺ إلى مقر قيادته والجيش، بعث في مساء ذلك اليوم استخباراته من جديد لترصد له أخبار جيش العدو.
فقد انتدب ثلاثة من قادة المهاجرين (علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (١) وسعد بن أبي وقاص (٢) مع نفر من أصحابة إلى ماء بدر نفسها للحصول على مزيد من أخبار العدو.
الحصول على أهم المعلومات عن جيش مكة
وعند الماء في بدر، وجدوا غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى المعسكر النبوي، حيث استجوبهما الرسول، وعرف منهما عن جيش العدو ما يجب أن يعرفه قائد عن جيش عدوه ..
стр. 136
فقد سأل الرسول الغلامين عن مكان جيش مكة فقالا ... هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
فقال لهما: كم القوم، قالا كثير، فقال ما عدتهم؟ قالا: لا ندري قال كم ينحرون كل يوم (أي من الإبل)؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.
فقال الرسول لأَصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والأَلف.
ثم سأَل الغلامين عمن في الجيش من أَشراف مكة وقادتها.
فأَخبراه أَن منهم القادة - عتبة بن ربيعة وشيبة أَخاه وأَبا جهل بن هشام، وأَبا البحترى بن هشام وأُمية بن خلف والعباس بن عبد المطلب (١)، وسهيل بن عمرو، ونبيه ومنبه أَبناء الحجاج وغيرهم أَشراف مكة.
وهنا تأكد الرسول من قوة جيش العدو وضخامته، والتفت نحو قادة جيشه قائلا:
"هذه مكة قد أَلقت إليكم أَفلاذ كبدها " - (يعني من بجيش مكة من قادتها وأَشرافها).
نموذج من الشورى الصحيحة
وفي اليوم السادس عشر من شهر رمضان المبارك للسنة الثانية من
стр. 137
الهجرة، تحرك الرسول ﷺ بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه.
وفي أثناء هذا التحرك، حدثت حادثة، تجلت فيها ديمقراطية الرسول (إن صح هذا التعبير)، فقد نزل الرسول ﷺ بالجيش بماء من مياه بدر، رأَى أَحد القادة أَنه ليس من المصلحة الحربية النزول فيه، وهذا القائد، هو الحباب بن المنذر الأَنصاري (١)، الذي قال (ناصحًا كخبير عسكرى) يا رسول الله:
أَرأَيت هذا المنزل، أَمنزلا أَنزلكه الله، ليس لنا أَن نتقدمه، ولا نتأَخر؟ أَم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ؟ .
فقال الرسول ﷺ : بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال الخبير العسكري (الحباب):
يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأْتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور (أَى نخرّب) ما وراءَه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال الرسول ﷺ "لقد أَشرت بالرأْى"، ونهض بالجيش فسار حتى إذا أَتى أَقرب ماء من العدو، نزل عليه ثم أَمر بالقلب فغوّرت (حسب رأْي الحباب بن المنذر) ثم بنى حوضًا علي القليب الذي نزل عليه فملى ماءً.
стр. 138
الكشافة في جيش العدو
أَما قريش فبعد أَن اطمأَنت في معسكرها بالعدوة القصوى من الوادي بثت سلاح استكشافها حول جيش المدينة، للتعرف علي حقيقته ومدي قوته، فدار عمير بن وهب (١) أَحد رجال استخبارات جيش مكة، حول جيش المدينة، ثم عاد إلى قريش ليخبرهم أَن جيش محمد هو ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا أَو ينقصون قليلا، ثم ضرب بفرسه راكضًا خلف جيش المسلمين، للاستكشاف فيما إذا كان هناك كمين يحمى ظهور المسلمين أو عدهم عنداللزوم، ولكنه عاد وطمأَن قريش بأن لا وجود لأَي كمين للمسلمين.
البلايا تحمل المنايا
غير أنه (كخبير عسكري) نصح قادة مكة وحذرهم قائلا يصف رجال جيش محمد ﷺ :
لقد رأيت البلايا تحمل المنايا ... نواضح (٢) يثرب تحمل الموت الناقع (٣)، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأَ إلا سيوفهم، والله ما أَري أَن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أَصابوا منكم أَعداءَهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ ؟ فروا، رأْيكم.
стр. 139
[خارطة تقريبية لميدان بدر]
стр. 140
الانشقاق الثاني في جيش مكة
وعند سماع كلام قائد سلاح الاستكشاف (عمير بن وهب) قامت معارضة أُخرى ضد أَبي جهل تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال.
وكانت هذه المعارضة، أكبر من المعارضة إلى قادها الأَخنس بن شريق ضد أَبي جهل في منطقة رابغ ورجع على أَثرها إلى مكة بقبيلة بني زهرة قبل الوصول إلى بدر.
قاد هذه المعارضة الأَخيرة عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس سانده حكم بن حزام، فقد كأن رأْي هذه المعارضة التي ظهرت (قبل نشوب المعركة) بيوم أَو بعض يوم، تحاشي الاصطدام مع جيش المدينة، وموادعته والرجوع إلى مكة دونما قتال.
فقہل مشى حكيم بن حزام (١) بين قادة جيش مكة يدعو لتأْييد هذه المعارضة.
أنت كبير قريش وسيدها
فقد أَتى حكيم عتبة بن ربيعة الأُموي (أَول قتيل يوم بدر بين الصفين) وقال ... يا أَبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها المطاع، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك؟ قال ترجع باناس وتحمل أَمر حليفك عمرو بن الحضرمي (٢).
стр. 141
فقال عتبة: قد فعلت أَنت على - أَى ضامن على - بذلك، إنما هو حليفي فعلي عَقْلُه (أي ديته) وما أُصيب من ماله، وطلب عتبة من حكيم أَن يقنع أَبا جهل الذي فرص نفسه على الجيش قائدًا، لأَنه يخشي عناده ومكابرته قائلا: فأْت ابن الحنظلية - يعني أَبا جهل -: فإِني لا أَخشي أَن يشجر أَمر الناس غيره.
عتبة يخطب في جيش مكة
ثم وقف عتبة بن ربيعة خطيبًا في الجيش قائلا، وداعيًا إلى انسحاب دونما ققال:
يا معشر قريش .. إنكم والله ما تصنعون بأَن تلقوا محمدًا وأَصحابه شيئًا. والله لكن أَصبتموه، لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأَنه قتل ابن عمه أَو ابن خاله أَو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه، فذاك الذي أَردتم، ولن كان غير ذلك أَلفاكم سالمتموه.
ركب الجمل الأحمر
وقد جاءَت محاولة عتبة السلمية هذه مصداقًا لقول النبي ﷺ الذي قال عند ما رأَي جيش مكة ... إن يكن في أَحد من القوم خير في راكب الجمل الأَحمر. إن يطيعوه يرشدوا، وكان راكب الجمل الأَحمر هذا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صاحب هذه المحاولة السليمة.
стр. 142
ثورة أبي جهل
ولكن أَبا جهل لم يكد يعلم بدعوة عتبة بن ربيعة السلمية حتى استشاط غضبًا، ثم اتهم عتبة بالجبن، والخوف على ابنه من القتل.
فقال لحكم بن حزام الذي كان رسول عتبة إليه ... قد انتفخ الله سحره (١) حين رأَي محمدًا وأَصحابه ... كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال ولكنه رأَي أَن محمدًا وأَصحابه أَكلة جزور، وفيهم ابنه فتخوفكم عليه (وكان أَبو حنيفة بن عتبة موجودًا وجيش المسلمين، لأَنه من السابقين الأَولين والإِسلام)، ثم تزايد غضب أَبي جهل وجرّد سيفه في عصبية زائدة ثم ضرب به متن فرسه، فقال له أَيماء (٢) بن رحضة الغفاري وقد رأَى الشر في وجهه: بئس الفأْل هذا.
ولما بلغ عتبة قول أَبى جهل انتفخ والله سحره - وهي كلمة يقولها العرب لمن غلبه الخوف واستبد به الفزع - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو.
وهكذا ولأَمر يريده الله، تغلَّب الطيش على الحكمة والرويَّة، فهزمت معارضة صاحب الجمل الأحمر، وتغلب رأْى أَبى جهل، فحمل جيش مكة على الاصطدام بجيش المدينة.
стр. 143
الحقد الأسود
لقد كان أَبو جهل من أشد الناس حقدًا على المسلمين وبغضًا لنبيهم، وكان يتميز غيظًا لتمكن النبي من الإِفلات من قبضة المشركين في مكة، وكان هو صاحب الاقتراح الذي وافق عليه المؤتمرون بدار الندوة، والذي يقضي بقتل النبي قبل خروجه من مكة.
لهذا اعتبر تقابل الجيشين - مع التفاوت في العدد والعدة - فرصة ذهبية، لعله ينال فيها ما يشفى غليله، بالفتك بالمسلمين في المعركة التي قضي علي كل محاولة قامت للحيلولة بين قريش وبين خوضها.
أَبو جهل والأخنس بن شريق
ومع أَن أَبا جهل يعلم أن محمدًا ﷺ لا يكذب فقد أَبى عليه حقده الأَسود إلا مقاتلته، فقادته رعونته إلى مصرعه.
فقد روى المؤرخون أَن الأَخنس بين شريق - الذي رجع ببني زهرة إلى مكة من منطقة رابغ - خلا بأَبي جهل هنالك، وقال له:
يا أَبا الحكم أَتري محمدًا ( ﷺ ) يكذب؟ ؟
فقال أَبو جهل: كيف يكذب علي الله، وقد كنا نسميه الأَمين، لأَنه ما كذب قط. ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ ؟
لا في العير ولا في النفير
وهنا يقال إن الأخنس بن شريق الثقفي، انخنس -أي انفصل-
стр. 144
ببنى زهرة عن جيش مكة وعاد بهم دون أن يشهد أحد منهم بدرًا، وكانوا ثلاثمائة رجل.
وبنو زهرة هؤلاء، هم الذين قال فيهم أَبو سفيان تلك الكلمة التي ذهبت مثلًا - يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير - لأَنهم لم يحضر أَحد منهم معركة بدر لم يكن أَحد منهم في العير إلى كانت سبب المعركة (١)، وكان أَبو سفيان قد لحق بقريش وشهد معركة بدر بعد أَن وصل العير إلى مكة، وقد كان أَحد الذين جرحوا يوم بدر.
أَبو جهل يعجل بالمعركة
على أَن أَبا جهل لم يكتف بما قاله من تقريع وتوبيخ لقطبى المعارضة (عتبة وحكم) ولم يكتف بإعلان معارضته، لدعوتهما السلمية، بل لخوفه من قيام معارضة أُخرى في الجيش، دفع به شيطانه إلى التعجيل بالمعركة، ليجعل الناس أَمام الأَمر الواقع، بحيث يصعب عليهم التراجع عن خوضها. فعقب سماعه بدعوة المعارضة إلى موادعة جيش المدينة والانسحاب إلى مكة دون قتال، استدعى عامر بن الحضرى (٢) الذي قتل المسلمون أَخاه في سرية عبد الله بن جحش، وطلب منه أَن يقف في الجيش ليستنهض هممهم لمحو العار عن حليفهم. بالأَخذ بثأر أَخيه من قاتليه المسلمين.
стр. 145
ابن الحضيري يشعل الفتيل
فقد قال أَبو جهل: يا ابن الحضري، هذا حليفك -يعني عتبة بن ربيعة- يريد أَن يرجع بالناس وقد رأْيت ثأْرك بعينك، فقم فانشد خفْرتك (١) ومقتل أَخيك.
ولم يخب ظن طاغية قريش، فقد نفخ الشيطان في مناخر ابن الحضرى، فوقف (متكشفًا) يصرخ بأَعلى صوته في جيش مكة واعمراه وهذه الكلمة وحدها - في قانون الجاهلية - كافية لإشعال نار الحرب، لا سيما في مثل ذلك الجو المتوتر.
الأمر الواقع
وهنا غلى الدم الجاهلى في عروق الشرك واشتط الكفر بالعواطف العمياء، فجمحت جموحًا استقر بأَصحابها في المعركة الدامية.
وتم لأَبي جهل ما أَراد حيث أفسد على عقلاء قومه خطتهم السلمية، وظهرت نذر الشر، تنذر بقرب المعركة ولم يسع الناس - حتى رجال المعارضة - إلا أَن يحملوا سلاحهم لخوض المعركة، لأَن أَبا جهل، بتصرفاته الرعناء جعلهم أَمام الأَمر الواقع.
ولبس زعيم المعارضة - عتبة بن ربيعة - كامل سلاحه وهو يقول - مخاطبًا أبا جهل - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو؟ ؟ .
حرس قيادة الرسول
أما من ناحية المسلمين، فبعد أَن تمركزوا في المكان الذي اختاره