فقال عتبة: قد فعلت أَنت على - أَى ضامن على - بذلك، إنما هو حليفي فعلي عَقْلُه (أي ديته) وما أُصيب من ماله، وطلب عتبة من حكيم أَن يقنع أَبا جهل الذي فرص نفسه على الجيش قائدًا، لأَنه يخشي عناده ومكابرته قائلا: فأْت ابن الحنظلية - يعني أَبا جهل -: فإِني لا أَخشي أَن يشجر أَمر الناس غيره.
عتبة يخطب في جيش مكة
ثم وقف عتبة بن ربيعة خطيبًا في الجيش قائلا، وداعيًا إلى انسحاب دونما ققال:
يا معشر قريش .. إنكم والله ما تصنعون بأَن تلقوا محمدًا وأَصحابه شيئًا. والله لكن أَصبتموه، لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأَنه قتل ابن عمه أَو ابن خاله أَو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه، فذاك الذي أَردتم، ولن كان غير ذلك أَلفاكم سالمتموه.
ركب الجمل الأحمر
وقد جاءَت محاولة عتبة السلمية هذه مصداقًا لقول النبي ﷺ الذي قال عند ما رأَي جيش مكة ... إن يكن في أَحد من القوم خير في راكب الجمل الأَحمر. إن يطيعوه يرشدوا، وكان راكب الجمل الأَحمر هذا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صاحب هذه المحاولة السليمة.
стр. 142
ثورة أبي جهل
ولكن أَبا جهل لم يكد يعلم بدعوة عتبة بن ربيعة السلمية حتى استشاط غضبًا، ثم اتهم عتبة بالجبن، والخوف على ابنه من القتل.
فقال لحكم بن حزام الذي كان رسول عتبة إليه ... قد انتفخ الله سحره (١) حين رأَي محمدًا وأَصحابه ... كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال ولكنه رأَي أَن محمدًا وأَصحابه أَكلة جزور، وفيهم ابنه فتخوفكم عليه (وكان أَبو حنيفة بن عتبة موجودًا وجيش المسلمين، لأَنه من السابقين الأَولين والإِسلام)، ثم تزايد غضب أَبي جهل وجرّد سيفه في عصبية زائدة ثم ضرب به متن فرسه، فقال له أَيماء (٢) بن رحضة الغفاري وقد رأَى الشر في وجهه: بئس الفأْل هذا.
ولما بلغ عتبة قول أَبى جهل انتفخ والله سحره - وهي كلمة يقولها العرب لمن غلبه الخوف واستبد به الفزع - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو.
وهكذا ولأَمر يريده الله، تغلَّب الطيش على الحكمة والرويَّة، فهزمت معارضة صاحب الجمل الأحمر، وتغلب رأْى أَبى جهل، فحمل جيش مكة على الاصطدام بجيش المدينة.
стр. 143
الحقد الأسود
لقد كان أَبو جهل من أشد الناس حقدًا على المسلمين وبغضًا لنبيهم، وكان يتميز غيظًا لتمكن النبي من الإِفلات من قبضة المشركين في مكة، وكان هو صاحب الاقتراح الذي وافق عليه المؤتمرون بدار الندوة، والذي يقضي بقتل النبي قبل خروجه من مكة.
لهذا اعتبر تقابل الجيشين - مع التفاوت في العدد والعدة - فرصة ذهبية، لعله ينال فيها ما يشفى غليله، بالفتك بالمسلمين في المعركة التي قضي علي كل محاولة قامت للحيلولة بين قريش وبين خوضها.
أَبو جهل والأخنس بن شريق
ومع أَن أَبا جهل يعلم أن محمدًا ﷺ لا يكذب فقد أَبى عليه حقده الأَسود إلا مقاتلته، فقادته رعونته إلى مصرعه.
فقد روى المؤرخون أَن الأَخنس بين شريق - الذي رجع ببني زهرة إلى مكة من منطقة رابغ - خلا بأَبي جهل هنالك، وقال له:
يا أَبا الحكم أَتري محمدًا ( ﷺ ) يكذب؟ ؟
فقال أَبو جهل: كيف يكذب علي الله، وقد كنا نسميه الأَمين، لأَنه ما كذب قط. ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ ؟
لا في العير ولا في النفير
وهنا يقال إن الأخنس بن شريق الثقفي، انخنس -أي انفصل-
стр. 144
ببنى زهرة عن جيش مكة وعاد بهم دون أن يشهد أحد منهم بدرًا، وكانوا ثلاثمائة رجل.
وبنو زهرة هؤلاء، هم الذين قال فيهم أَبو سفيان تلك الكلمة التي ذهبت مثلًا - يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير - لأَنهم لم يحضر أَحد منهم معركة بدر لم يكن أَحد منهم في العير إلى كانت سبب المعركة (١)، وكان أَبو سفيان قد لحق بقريش وشهد معركة بدر بعد أَن وصل العير إلى مكة، وقد كان أَحد الذين جرحوا يوم بدر.
أَبو جهل يعجل بالمعركة
على أَن أَبا جهل لم يكتف بما قاله من تقريع وتوبيخ لقطبى المعارضة (عتبة وحكم) ولم يكتف بإعلان معارضته، لدعوتهما السلمية، بل لخوفه من قيام معارضة أُخرى في الجيش، دفع به شيطانه إلى التعجيل بالمعركة، ليجعل الناس أَمام الأَمر الواقع، بحيث يصعب عليهم التراجع عن خوضها. فعقب سماعه بدعوة المعارضة إلى موادعة جيش المدينة والانسحاب إلى مكة دون قتال، استدعى عامر بن الحضرى (٢) الذي قتل المسلمون أَخاه في سرية عبد الله بن جحش، وطلب منه أَن يقف في الجيش ليستنهض هممهم لمحو العار عن حليفهم. بالأَخذ بثأر أَخيه من قاتليه المسلمين.
стр. 145
ابن الحضيري يشعل الفتيل
فقد قال أَبو جهل: يا ابن الحضري، هذا حليفك -يعني عتبة بن ربيعة- يريد أَن يرجع بالناس وقد رأْيت ثأْرك بعينك، فقم فانشد خفْرتك (١) ومقتل أَخيك.
ولم يخب ظن طاغية قريش، فقد نفخ الشيطان في مناخر ابن الحضرى، فوقف (متكشفًا) يصرخ بأَعلى صوته في جيش مكة واعمراه وهذه الكلمة وحدها - في قانون الجاهلية - كافية لإشعال نار الحرب، لا سيما في مثل ذلك الجو المتوتر.
الأمر الواقع
وهنا غلى الدم الجاهلى في عروق الشرك واشتط الكفر بالعواطف العمياء، فجمحت جموحًا استقر بأَصحابها في المعركة الدامية.
وتم لأَبي جهل ما أَراد حيث أفسد على عقلاء قومه خطتهم السلمية، وظهرت نذر الشر، تنذر بقرب المعركة ولم يسع الناس - حتى رجال المعارضة - إلا أَن يحملوا سلاحهم لخوض المعركة، لأَن أَبا جهل، بتصرفاته الرعناء جعلهم أَمام الأَمر الواقع.
ولبس زعيم المعارضة - عتبة بن ربيعة - كامل سلاحه وهو يقول - مخاطبًا أبا جهل - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو؟ ؟ .
حرس قيادة الرسول
أما من ناحية المسلمين، فبعد أَن تمركزوا في المكان الذي اختاره
стр. 146
الحباب بن المنذر، اقترح حامل لواء الأَنصار - سعد بن معاذ - على النبي ﷺ أن يبنى المسلمون مقرًا لقيادته. واقترح القائد الأَنصاري - استعداد للطوارئ وتقديرًا للهزيمة قبل النصر - أَن يكون مقر هذه القيادة بمثابة خط رجعة يستطيع الرسول الانسحاب منه واللحاق بالمدينة بسلام، إذا ما قدر لجيش الإسلام أن ينهزم.
مقر قيادة الرسول
فقد قال سعد بن معاذ، يا رسول الله. أَلا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؟ فإن أَعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحبنا، وإن كانت الأُخرى جلست إلى ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك قوم، يا نبي الله , ما نحن بأَشد لك حبًّا منهم، ولو ظنُّوا أَنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك (١) فوافق الرسول ﷺ على هذا الاقتراح ودعا للقائد الأَنصاري بخير، وتم بناءُ مقر القيادة، عريشًا بناه جنود الإِسلام في مكان مناسب، وهو مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ويشرف على ساحة المعركة.
وتم إنشاء حرس لقيادة الرسول، فرقة تم انتخابها من فتيان الأَنصار، وقفوا بقيادة سعد بن معاذ نفسه يحرسون الرسول ﷺ حول مقر قيادته.
стр. 147
دعاء أبي جهل قبيل المعركة
تهيأَت قريش للمعركة، وخرج أَبو جهل يحث الناس على القتال وقد روى ابن إسحاق أن أبا جهل، قبيل نشوب المعركة دعا الله قائلا:
اللهم اقطعنا للرحم وآتينا بما لا نعرف. فاحنه الغداة (١)، وقد كان المشركون عند خروجهم من مكة إلى بدر، أَخذوا بأَستار الكعبة ودعوا بهذا الدعاء:
اللهم انصر أَهدى الفئتين وأَعلى الجندين وأَكرم الحزبين، وأَفضل الدينين. ولا شك أن الله قد أجاب دعاءهم، فهزم المشركين ونصر رسوله.
وفي دعاء المشركين هذا نزل قول الله تعالى ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ (٢).
الرسول يخطب في جيشه قبل المعركة
وقد خرج النبي ﷺ يهنئ أَصحابه للقتال، وأَلقى عليهم كلمة قبيل المعركة قال فيها: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" (٣).
وهنا ظهر نموذج من الإيمان الصادق الذي لا يقف في طريقه شيء فقد كان عمير بن الحمام (٤) أَخو بني سلمة واقفًا في الصف، وفي يده
стр. 148
تمرات يريد أكلهن، ولكنه بعد أن سمع كلمة الرسول ﷺ قذف بهذه التمرات قائلًا:
"بخ بخ، فما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء" ثم أَخذ سيفه وغاص في المشركين يقاتل حتى قتل.
تقديم الرسول نفسه للقصاص
وبينما كان الرسول ﷺ يعدل صفوف جيوشه، مر بسواد بن غزية وهو خارج عن الصف فطعن في بطنه بعود كان في يده قائلا - استو يا سواد -، وهنا تظاهر سواد بالاحتجاج على الرسول ﷺ قائلًا: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، ثم طلب من الرسول أَن يعطى القصاص من نفسه، قائلا: أَقدنى، فلم يتردد ﷺ , في أن يعطى القصاص من نفسه، فقد كشف عن بطنه ﷺ ليقتص منه سواد قائلا له، استقد - أَي اضربني كما ضربتك.
ولكن سواد بدلا من أَن يطعن في بطن الرسول قصاصًا، أَخذ يقبلها، فقال له الرسول ﷺ : ما حملك على هذا يا سواد؟ .
قال ... يا رسول الله، حضر ما ترى - يعني القتال - فأَردت أَن يكون آخر العهد بك أَن يمس جلدي جلدك، فدعا له الرسول بخير.
ساعة الصفر
وبعد أَن عدل الرسول ﷺ الصفوف وهيأَها للقتال أَصدر أوامره إِلى جيشه بأَن لا يبدأُوا القتال حتى يتلقوا منه الأَوامر الأَخيرة, فقال لهم:
стр. 149
"إن اكتنفكم العدو (أَي أَحاط بكم) فانضحوهم بالنبل".
وبعد ذلك رجع إلى مقر قيادته وفي معيته مستشاره الأَمين الصديق الأَكبر (١)، ووقفت على مقر قيادته كتيبة الحراسة من فتيان الأَنصار بقيادة سعد بن معاذ.
ثم توترت الحالة واربد جو المعركة بدخان الموت، وأَخذت الصفوف تقترب من بعضها، وكان الرسول ﷺ وجلا على مصير المسلمين، لأَنه - أكثر من غيره - يقدر نتائج مثل هذه المعركة، ويعرف أَن هزيمة المسلمين معناها هزيمة الإِسلام إلى الأَبد.
لهذا لجأَ ﷺ إلى ربه وأَبلغ في الدعاء قائلا: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة - يعني المسلمين - لا تعبد بعدها في الأَرض (٢).
أول وقود المعركة
وبعد أَن تواجه الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن ضج الصحابة بصنوف الدعاء، إلى رب الأَرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاءِ (٣).
وكان أول وقود المعركة هو أَحد فدائي المشركين .. الأَسود بن
стр. 150
عبد الأَسد المخزومي , كان رجلت شرسًا سيئ الخلق , فقد عاهد الله, ليشربن من حوض المسلمين أَو ليهدمنه أَو ليموتن دونه.
لذلك انقض من صفوف المشركين، متحديًا المسلمين، زاحفًا نحو الحوض ليبر بقسمه, ولكن حمزة بن عبد المطلب , أَسرع من صفوف ے المسلمين فاعترضه، وعاجله - قبل أَن يصل إلى الحوض - بضربة من سيفه، بترت قدمه مع نصف ساقه، فجثا في إصرار وعناد، وزحف نحو الحوض حبوًا ليبر بقسمه، ولكن حمزة رضي الله عنده (١) ثنى عليه بضربة أُخرى أَتت عليه وهو داخل الحوض.
فإن هذا المخزوي أَول قتيل في المعركة، وكان قتله بمثابة الفتيل التي أَشعل نار المعركة.
فقد خرج بعد ذلك من صفوف المشركين ثلاثة من فرسان قريش وخيرة محاربيهم، ومن عائلة واحدة، وهم:
شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وابنه الوليد، وكلهم من أَبناء عبد مناف جد النبي ﷺ .
وبعد أَن تمركز هؤلاء الأَمويون الثلاثة بين الصفين دعوا المسلمين إلى المبارزة, فسارع بالخروج إليهم ثلاثة من فتيان الأَنصار , وهم عوف ومعوذ أَبناء عفراء (٢) , وعبد الله بن رواحة (٣) وكما هي عادة
стр. 151
المبارزة، سأَل القرشيون هؤلاءِ الثلاثة من أَية قبيلة هم؟ ؟ .
فانتسبوا لهم، وعندما علموا أَنهم من الأَنصار، أَثنوا عليهم وقالوا أَكفاءٍ كرام , ولكنهم رفضوا مبارزتهہم، وطلبوا منهم العودة إلى صفوفهم قائلين .. إنما نريد أَكفاءنا من قومنا، فرجع الأَنصار الثلاثة إلى صفوفهم دونما قتال.
تصارع الأسرة بين الصفين
ولما علم الرسول برغبة فرسان المشركين الثلاثة أَصدر أَمره إلى ثلاثة من أُسرتهم وهم، حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث (١)، وعلي بن أَبي طالب وكلهم من بني عبد مناف، أَمرهم بالخروج إلى أَقربائهم لمبارزتهم حسب رغبتهم، فخرجوا إليهم في الحال، وبعد أَن انتسبوا لهم وتأَكدوا من أَنهم من أُسرتهم. قالوا. أَكفاء كرام ..
ثم أَنشبوا الصراع بينهم. فانفرد كل واحد منهم بصاحبه الذي اختاره ورضيه، فبارز الوليد عليًّا وكانا أَصغر المتبارزين، وبارز عبيدة شيبة. أَما حمزة فقد بارز عتبة.
أَما علي فلم يمهل صاحبه أَن قتله، وكذلك حمزة فقد قضى على خصمه عتبة في الحال، أَما عبيدة - وكان أَسن القوم - وشيبة فقد ضرب كل
стр. 152
منهما صاحبه ضربة مميتة لم يقو على التحرك بعدها من مكانه، فمات شيبة مكانه، واحتمل علي وحمزة عبيدة إلى معسكر المسلمين، ومخ فخذه المبتور يسيل، وما لبث طويلًا أَن لفظ أَنفاسه الكريمة بين يدي رسول الله ﷺ (١). وبينما كان يجود بنفسه - ورأسه علي قدمى رسول الله ﷺ قال يا رسول الله، لو رآني أَبو طالب، لعلم أَني أَحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أَبنائنا والحلائل
البداية السيئة
كانت نهاية هذا المبارزة بداية سيئة للمشركين، حيث فقدوا في المرحلة الأُولى من المعركة ثلاثة من قادتهم وخيرة فرسانهم, فقد كان مصرع هؤلاءِ الفرسان الثلاثة بمثابة ضربة موجعة مثيرة.
الهجوم العام
لذلك استشاط المشركون غضبًا، وشدوا على المسلمين شدة رجل واحد - بعد أَن مهدوا لهجومهم بسيل منهمر من سهامهم، صبوه على صفوف المسلمين , ثم اندفعوا نحوهم وبهہذا اندلعت نيران المعركة ولمعت السيوف في النقع وكأَنها الكواكب تهوى في الظلام.
المسلمون في موقف الدفاع
وتلقى المسلمون هجوم المشركين وهم مرابطون في مواقعهم، كما
стр. 153
أَمرهم الرسول الذي قال لهم (قبيل نشوب المعركة): إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل، ولا تحملوا حتى تؤذنوا.
ولقد كان لهذه الخطة الحربية الحكيمة التي وضعها الرسول ﷺ ، أَكبر الأَثر في تعزيز موقف المسلمين وإضعاف عدوهم.
وذلك أَن المسلمين -بوقوفهم موقف الدفاع- عندما بلغ الهجوم القرشي ذروته، قد أَلحقوا بالمشركين خسائر فادحة، أَثناء هجماتهم المتتالية التي شنوها في حنق على صفوف المسلمين التي ظلت ثابتة تصارع مكانها، حتى استنفدت ما عند العدو من حماس وعزيمة.
الهجوم المضاد
وبعد أَن ذهبت حدة هجمات العدو وفتر حماس جنده، صدرت الأَوامر إلى كتائب الإِسلام أَن يهجموا على العدو.
فقاموا بهجوم مضاد كاسح فاتسع نطاق المعركة، بعد أَن مالت صفوف المسلمين المنظمة على جموع المشركين، التي بعثرها تكرار الهجمات الفاشلة التي لم يفلح بها المشركون في إزاحة طوابير المسلمين عن مراكزها.
وبينما كانت المعركة محتدمة والفوارس وسط أَتونها بين كر وفر، كان الرسول ﷺ في مقر قيادته يرقب بسالة جنوده وجلد قواده في إشفاق ورجاءٍ.
روى البخاري أَن النبي ﷺ كان وقت اشتداد المعركة يقول (وهو في مقر قيادته، متوجها إلى ربه) اللهم أَنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن
стр. 154
شئت لم تعبد بعد اليوم أَبدًا، فأَخذ أَبو بكر بيده - وكان معه في المقر - وقال: حسبك يا رسول الله أَلححت على ربك.
قال ابن إِسحاق: وخفق النبي ﷺ خفقة في العريش (أَي أَدركهـ النعاس) ثم انتبه فقال .. أَبشر يا أَبا بكر أَتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع.
وقد اشتركت الملائكة في المعركة لتقوية الروح المعنوية في نفوس المسلمين، وقد أَشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ويظهر أَن الملائكة لم يشتركوا في القتال وإنما جاءُوا لتقوية قلوب المسلمين ورفع روحهم المعنوية، وهذا ما يفهم من قوله تعالى ﴿وما جعله الله لا بشري لكم ولتطمئن به قلوبكم﴾ (٢).
النبي في المعركة
وعندما استعر لهيب المعركة اقتحمها النبي ﷺ بنفسه وراع المشركين أَن رأَوا النبي القائد يخوض غمار المعركة بنفسه. ومعه حرس قيادته وعامة أَصحابه يندفعون نحو عدوهم كالسيل، يدمرون كل قوة تقف في طريقهم، والنبي في مقدمتهم، يثب في درعه وهو
стр. 155
يقول ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أَدهى وأَمرُ﴾.
الهزيمة الساحقة
وبعد قتال مرير ضار ظهرت علامات الاضطراب في صفوف المشركين غير المنظمة، وأَخذت هذه الصفوف - أَمام حملات المسلمين العنيفة - تتهدم كجدران الطين العتيقة التي تخلل الماءُ أُصولها.
وهكذا اقتربت المعركة من نهايتها، فدب الهلع في نفوس قريش، ثم أَخذت جموعها في الفرار فعمت الهزيمة وركب المسلمون ظهور المشركين يأْسرون ويقتلون، وصاح النبي - وهو يرى صرح الطغيان يتحطم، وكبرياء الجاهلية يتمرغ في وحل الهزيمة - "شاهت الوجوه".
صمود أبي جهل وعناده
ولقد حاول أَبو جهل - عندما بدأَ التصدّع في صفوف جيشه - حاول أَن يصمد في وجه سيل الهزيمة النازل بجيش مكة ويوقفه , فأَخذ يصرخ (في عناد وشراسة ومكابرة) خذوهم أَخذًا , واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّق محمدًا وأَصحابه في الجبال.
ولكن أَنى لصيحات الطيش والغرور هذه أَن تفيد، وقد عمت الهزيمة وحال وقعها المزلزل بين صوت أَبي جهل العنيد المكابر، وبين الوصول إلى سمع أَى فرد من أَفراد جنوده الذين بعثرتهم الهزيمة المدمِّرة هنا وهناك.
стр. 156
مصرع أبي جهل (١)
ومن الناحية العسكرية فإنه لا يسع المنصف إلا أن يعترف لهذا الطاغية بالشجاعة الفذة، وأنه على مستوى أولئك القادة الشجعان الذين لا يهابون الموت عندما تلمع بروقه وتهدر رعوده، فقد أثبت أبو جهل (يوم بدر) أنه مثال ناطق للعناد والمكابرة، فقد ظل - بالرغم من نزول الهزيمة الساحقة بجيشه - يقاتل في شراسة وعناد وهو يقول:
ما تنقم الحرب الشَّموس منِّي ... بازِل عامين حديث سنِّي
لمثل هذا ولدتني أمي
وثبت معه جماعة من هيئة أركان حربه - فيهم ابنه عكرمة (٢) وأخذوا يذبون عنه وضربوا حوله سياجًا من سيوفهم وأقاموا حواليه غابات من رماحهم يصدون بها كل من حاول الوصول إليه.
ولكن العاصفة كانت أقوى.
стр. 157
فقد مزقت رياح النصر العاتية، سياج السيوف، واقتلعت غابات الرماح المزروعة حول أبي جهل حيث طارت هذه الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم، وتخلى حرس الشرك عن قائده، أمام ضغط المسلمين المتزايد، الذين ساد هتافهم أرجاء المعركة وهم يرددون: أحد أحد.
وأهوت سيوف الإسلام إلى دعامة الشرك الكبرى، فخر أبو جهل صريعًا يتخبط في دمه، بعد أن قاتل قتالا ضاريًا.
قاتل أبي جهل
وكان الذي صرع أبا جهل هو معاذ بن عمرو (١) بن الجموح الأنصاري، فقد عرفه وهو وسط غابة من الرماح التي أقامها أركان حربه حوله، فظل يترقبه، حتى سنحت له الفرصة، عندما بانت له فرجة في نطاق الرماح المضروبة حوله، فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربة بترت قدمه مع نصف ساقه، فخر صريعًا يتخبط في دمه (٢)
стр. 158
غير أن ابنه عكرمة الذي كان بجانبه كر على ابن الجموح فضربه بسيفه ضربة فصلت يده من العاتق، وبالرغم من ذلك ظل البطل يقاتل بيد واحدة وعاش حتى أيام عثمان بن عفان ﵁.
أما أبو جهل فقد شغل عنه قومه الفرار بأنفسهم، فتركوه صريعًا بالعراء ومر به معوذ بن عفراء فأوجعه طعنًا وتركه يجود بنفسه، وتفرق المشركون من صناديد مكة وفرسانها منهزمين بعده بددًا، فاستقبلتهم فجاج الصحراء، وكأنهم غزلان أهاجها الصياد.
حماقة أبي جهل
وهكذا جنت قريش ثمار حماقة أبي جهل ورعونته، حيث هزمت هزيمة لم تعرف مثلها في تاريخها الطويل.
لقد فر المشركون بعد أن مزقتهم سيوف الإسلام، فتاهوا في الوديان والوهاد فرارًا بأرواحهم، بعد أن تركوا سبعين قتيلا في ساحة المعركة، وسبعين أسيرًا تحت رحمة المسلمين.
الأسرى من بني هاشم
وقد وقع في أسر المسلمين عدة من رجالات بني هاشم اشتركوا في المعركة ضد المسلمين بعد أن خرجوا من مكة مكرهين، وكان على رأس هؤلاء الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ . وكان النبي قد أصدر أمره - قبل نشوب المعركة - بأن لا يقتل جنده أحدًا من بني هاشم، ممن خرجوا مع قريش.
وقد جاء في أمره هذا قوله ..
стр. 159
إني عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحد منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله. ومن لقي أبا البحتري بن هشام فلا يقتله.
الابن يقاتل أباه
وكان أبو حذيفة (١) بن عتبة بن ربيعة ﵁ موجودًا في جيش المسلمين، فقال عند سماع الأمر النبوي أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس؟ ؟ والله إن لقيته لألحمنه بالسيف (٢)، وكان عتبة بن ربيعة، والد أبي حذيفة المذكور، وعمه شيبة وابن عمه الوليد أول من قتل من المشركين مبارزة.
وعندما بلغت رسول الله ﷺ مقالة أبي حذيفة قال - وعنده عمر بن الخطاب (٣) حاضرًا - يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله؟
فقال عمر، يا رسول الله دعني أضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق، ولكن الرسول لم يسمح بأن يمس أبو حذيفة بأي أذى.
стр. 160
وقد ندم أبو حذيفة ﵁ على ما بدر منه، وكان يقول دائمًا - ما آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها على الشهادة، فقتل شهيدًا يوم اليمامة ﵁.
الاعتراف بالجميل لغير المسلم
وقد نفذت تعليمات الرسول ﷺ فلم يقتل أحد من بني هاشم في جيش المشركين، ولكن الرسول إذا كان قد أمر بعدم قتلهم، فإنه لم يمنع المسلمين من أسرهم ووضعهم في القيود، فقد أُسروا جميعهم وسيقوا في القيود مع الأَسرى إلى المدينة.
أما أبو البحتري بن هشام - وهو غير هاشمي - فقد نهى الرسول عن قتله، اعترافًا بفضله وتقديرًا لمواقفه المشرفة التي وقفها أيام محنة الإسلام في مكة، قبل الهجرة، حيث لم يصدر منه أي إيذاءٍ للرسول ﷺ بل كان على رأس النفر من عقلاء المشركين الذين عملوا على تحطيم الحصار الاقتصادي الذي ضربته قريش علي بني هاشم وبني المطلب في الشعب، فقد كان أبو البحترى هذا في مقدمة الرجال الذين استنكروا هذا الحصار، وعملوا على تمزيق الصحيفة التي علَّقها أعداءُ محمد ﷺ في جوف الكعبة، بعد أن وقَّعت عليها جميع قبائل قريش بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب اقتصاديًا واجتماعيًا، لوقوفهم (قبليًا) بجانب النبي، كما هو مفصل في أول هذا الكتاب.
مقتل أبي البحترى
ولكن أبا البحتري النبيل هذا قد قتل في المعركة بالرغم من الأوامر
стр. 161
النبوية الصادرة بعدم قتله، وذلك أن المجذر (١) بن زياد البلوى قد لقيه في المعركة، وقال له يا أبا البحترى إن رسول الله قد نهانا عن قتلك، وكان مع أبي البحتري زميل له يقاتلان سويا - فقال وزميلي؟ .
فأبلغه المجذر أن الأمر صادر بشأنه فقط، أما زميله فلا يمكن تركهـ بتاتًا.
فرفض أبو البحترى الحياة، وقال، إذن، لأموتن أنا وهو جميعًا ثم اندفع يقاتل وهو يقول:
لن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله
فاضطر المجذر إلى مقاتلته، فما زال يجاوله حتى قتله.
انتهاء المعركة ورأس أبي جهل
وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول بجمع الغنائم والأسلحة التي غنمها المسلمون، فأخذ الجند في جمعها.
كما أمر النبي ﷺ بالتحقق من مصير الطاغية أبي جهل، وأخبر من لم يعرفه، بأن به علامة فارقة - أثر جرح في ركبته أصابه على أثر عراك حدث بينه وبين النبي وهما غلامان صغيران في مكة - فانتشر الجند في أرجاء المعركة يبحثون عن أبي جهل ..
стр. 162
لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا
وبينما عبد الله بن مسعود (١) يبحث مع الباحثين، إذا به يجد دعامة الشرك مجندلا وبه آخر رمق، فاقترب منه، وبعد أن وضع رجله على عنقه ليحتز رأسه قال له:
هل أخزاك الله، يا عدو الله؟ ؟
فقال أبو جهل، وبما أخزاني، أأعمد من رجل قتلتموه؟ ؟ (٢).
أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ ؟ !
فقال ابن مسعود، لله ولرسوله وللمؤمنين.
فقال أبو جهل لابن مسعود - وكان باركًا على صدره ليحتز رأسه - لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم - وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.
فرعون هذه الأمة
وبعد أن وضع ابن مسعود رأس أبي جهل بين يدي الرسول، قال له، هذا رأس عدو الله أبي جهل بن هشام فقال النبي - آلله الذي لا إله
стр. 163
إلا هو؟ ؟ فأكد له ابن مسعود ذلك, ثم قال رسول الله وقد وقف على رأس الطاغية، الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله، هذا فرعون هذه الأمة.
القتلى في القليب والأسرى في القيود
وبعد أن جمع المسلمون الأسلاب والغنائم ووضعوا الأسرى في القيود أمر الرسول ﷺ بنقل جثث قتلى البغي والعدوان وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.
وقد كان جمهور جند الإسلام حاضرًا يشهد سحب جثث المشركين وإلقاءَها في القليب.
وقد تجلت في معركة بدر مناظر رائعة، برزت فيها قوة العقيدة وثبات المبدإ، فقد قاتل الابن أباه والأخ أخاه، وكان أحد هؤلاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة واقفًا مع رسول الله ﷺ يشهد إلقاء الجثث في القليب.
نموذج رائع للشباب المؤمن
وبينما هو كذلك واقفًا مستبشرًا, إذا بوجهه يتغير وتعلوه سحابة من الكآبة والحزن، فقد رأى جثة أبيه عتبة بن ربيعة تسحب بين الجثث لإلقائها في القليب.
وقد لحظ الرسول ﷺ ذلك في وجه الشاب المؤمن، فخاطبه قائلا:
стр. 164
"يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء" أو كما قال؟ ؟
فقال الشاب المؤمن - وقد اجتاح الأسى كل جوانب قلبه - لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني أعرف من أبي رأيا وحلمًا وفضلا، وكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجوه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول ﷺ بخير وقال له خيرًا.
ولقد كان أبو حذيفة صادقًا، فقد كان أبو عتبة، هو الذي قال فيه الرسول -كما تقدم- وقد رآه قبل المعركة راكبًا جمله الأحمر .. إن يكن في أحد من القوم خير، ففي راكب جمله الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، كما أن عتبة هذا هو الذي حمل لواء المعارضة في جيش مكة في بدر ودعا إلى موادعة النبي والعودة إلى مكة بالجيش دونما قتال، ولكن أبا جهل جعله -كما تقدم- أمام الأمر الواقع.
ابن الخطاب يقتل خاله
وقال كان من روائع الثبات على العقيدة التي تجلت في معركة بدر أن قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، كما طلب أبو بكر الصديق مبارزة ابنه عبد الرحمن الذي كان في جيش المشركين.
أين دعاة العنصرية ؟ .
فأين دعاة القومية العنصرية الذين يزعمون (زورًا وكذبًا) أن رابطة الدم واللغة أقوى من رابطة العقيدة والدين؟ .
стр. 165
أليس أول وقود اشتعلت به معركة بدر الفاصلة، هو دم الأقربين الذي أسالته سيوف الأسرة الواحدة؟ .
فهل أسال حمزة وعبيدة وعلى أبناء هاشم بن عبد مناف، دماء إخوانهم شيبة وعتبة والوليد أبناء عبد شمس بن عبد مناف .. هل أسالوا تلك الدماء القريبة إليهم والغالية عليهم، على مذبح القومية والعنصرية؟ ؟ أم أسالوها في سبيل العقيدة والدين؟ ؟
إنه صراع المبادئ والعقائد، لا صراع القوميات والنعرات، ذلك الذي خاضته جيوش الإسلام في ضراوة وتصميم حتى بنت للعرب قبل غيرهم (وعلى قمة الزمان) أعظم مجد شهدته الدنيا من لدن آدم حتى يومنا هذا.
لقد رسم يوم بدر أروع نموذج حي للثبات الصادق على العقيدة، لقد آخى الإسلام في هذا المعركة بين الأبعدين وباعد الكفر بين الأشقاء والأقربين.
شد يديك به
بعد انتهاء معركة بدر، مر الصحابي الشهير مصعب بن عمير (١) بأخيه أبي عزيز بن عمير (٢) الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به
стр. 166
وأحد الأنصار يضع القيود في يده، فقال مصعب للأَنصارى شد يديك به، فإن أُمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب:
أهذه وصاتك بي؟ ؟ مصعب إنه (أي الأنصاري) أخي دونك.
ما قاله الرسول لأهل القليب
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعد أن تم إلقاء جثث قتلى المشركين يوم بدر في القليب - وقف عليهم وقال:
يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ ؟ فإني وجدت ما وعدنى ربي حقًّا، وفي رواية أُخرى أنه قال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي أنتم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
فقال له أصحابه أتكلم قومًا قد ماتوا؟ ؟ فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقًّا، قالت عائشة ﵂ والناس يقولون إنه قال لقد سمعوا ما قلت لهم.
стр. 167
الفَصْلُ الخَامِس
* مخلفات المعركة.
* عدد قتلى الفريقين وأسماؤهم.
* عدد أسرى المشركين وأسمائهم.
• عدد البدريين من الصحابة وأسمائهم.
* القرآن يتحدث عن المعركة.
وهكذا انتهت معركة بدر التي خاضها المسلمون، وهم على غير استعداد لها .. انتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة لأَعدائهم الذين خسروا في هذه المعركة سبعين قتيلا بينهم أكثر من عشرين من قادتهم وزعمائهم، كما وقع في أسر المسلمين أيضًا سبعون محاربًا بينهم كثير من الزعماءِ والقادة.
قتلى الفريقين في المعركة
لقد خسر المسلمون في معركة بدر أربعة عشر رجلا .. ستة من المهاجرين، وثمانية من الأَنصار، أما شهداءُ المهاجرين فهم:
أ - من بني الطلب بن عبد مناف، رجل واحد، وهو:
стр. 168
١ - عبيدة بن الحارث بن المطلب (١) .. قطع رجله عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف (أَثناءِ المبارزة)، فحمله الجيش جريحًا حتى مات بوادى الصفراءِ، والجيش في طريقه إلى المدينة.
ب - من بني زهرة بن كلاب، رجلان، وهما:
١ - عمير بن أبي وقاص (٢)، أَخو سعد بن أَبي وقاص.
٢ - ذو الشمالين (٣) ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي (حليف لهم).
ج - من بني عدي بن كعب بن لؤي، رجلان:
١ - عاقل بن البكير (٤). حليف لهم. وهو من بني سعد بن ليث بن عبد مناة بن كنانة.
стр. 169
٢ - مهجع (١) مولى عمر بن الخطاب.
د - من بني الحارث بن فهر، رجل واحد. وهو:
١ - صفوان بن بيضاء (٢).
عدد شهداءُ الأنصار وأسماؤهم:
أَما شهداءُ الأَنصار فهم:
أ - من بني عمرو بن عوف (بطن من الخزرج) رجلان، وهما:
١ - سعد بن خيثمة (٣).
٢ - مبشر بن عبد المنذر بن زنبر (٤).
стр. 170
ب - ومن بني الحارث بن الخزرج (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - يزيد بن الحارث، وهو الذي يقال له (ابن فسحم) (١).
ج - ومن بني سلمة (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - عمير بن الحمام (٢).
د - ومن بني حبيب (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - رافع بن المعلى (٣).
هـ - ومن بني النجار (بطن من الأرس) رجل واحد، وهو:
١ - حارثة بن سراقة بن الحارث (٤).
و- ومن بني غنم (بطن من الأَوس) رجلان، وهما:
١ - أخوه، معوذ بن الحارث .. وهذان الأخوان هما أبناءُ عفراء (٥)
стр. 171
عدد قتلى المشركين وأسمائهم
أما خسائر المشركين من القتلى في معركة بدر فقد بلغت سبعين رجلا وهم كما يلي:
أ - من بني عبد شمس بن عبد مناف إثنا عشر رجلا، وهم:
١ - عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن عبد المطلب.
٢ - شيبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن الحارث.
وذفف عليه علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.
٣ - الوليد بن عتبة .. قتله علي بن أبي طالب.
٤ - حنظلة بن أبي سفيان بن حرب .. قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ .
٥ - الحارث بن الحضرمي. (حليف لبني عبد شمس). . قتله النعمان بن عصر.
٦ - عامر بن الحضرمي (حليف لهم أيضًا). . قتله عمار بن باسر (١).
стр. 172
٧ - عمير بن أبي عمير.
٨ - وابن لعمير هذا ... والاثنان موليان لبني عبد شمس.
٩ - عبيدة بن سعيد بن العاص ... قتله الزبير بن العوام.
١٠ - العاص بن سعيد بن العاص .. قتله علي بن أبي طالب.
١١ - عقبة بن أبي معيط ... قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، قتله صبرًا في مكان يقال له عرق الظبية وذلك أثناء عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة.
١٢ - عامر بن عبد الله النمري (حليف لهم) ... قتله علي بن أبي طالب.
ب - ومن بني نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما:
١ - الحارث بن عامر بن نوفل ... قتله خبيب بن أَساف.
٢ - طعيمة بن عدي بن نوفل ... قتله علي بن أبي طالب.
ج - ومن بني أسد بن عبد العزي سبعة نفر:
١ - زمعة بن الأسود بن المطلب، قتله ثابت بن الجذع ويقال اشترك في قتله علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.
٢ - أبو البحتري بن هشام (واسمه العاص بن هشام بن الحارث) قتله الجذر بن زياد البلوي.
٣ - الحارث بن زمعة ... قتله عمار بن ياسر.
٤ - نوفل بن خويلد بن اسد، وهو أخو أم المؤمنين خديجة (وكان من شياطين قريش) قتله علي بن أبي طالب.
٥ - عقيل بن الأسود بن المطلب .. قتله حمزة وعلي.
٦ - عقبة بن زيد (رجل من اليمن حليف لبني أسد)
٧ - ومولى لهم اسمه (عمير).
стр. 173
د - ومن بني عبد الدار بن قصي أربعة نفر:
١ - النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة. أَسر النضر في المعركة (وكان حامل لواءِ المشركين)، وقد أمر النبي ﷺ بقتله صبرًا، فنفَّذ فيه حكم الإعدام علي بن أبي طالب في موضع يقال له (الأَثيل) بوادي الصفراءِ. وكان النضر هذا من شياطين قريش، ومن أكبر مجرمي الحرب، ومن أشد الناس إيذاءً للمسلمين.
٢ - زيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار .. قتله بلال بن رباح (١) (ومولى أبي بكر الصديق يومئذ).
٣ - نبيه بن زيد بن مليصي (حليف لهم) من بني مازن ثم من بني تميم.
٤ - عبيد بن سليط (حليف لهم) من قيس.
٥ - ومن بني تميم بن مرة، أربعة نفر:
стр. 174
١ - مالك بن عبيد الله بن عثمان (وهو أخو طلحة بن عبد الله) أسر فمات في الأسر. فعد في القتلى.
٢ - عمرو بن عبد الله بن جدعان.
٣ - عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. قتله علي بن أبي طالب.
٤ - عثمان بن مالك بن عبيد الله به قتله صهيب بن سنان (١).
و- ومن بني مخزوم (قبيلة خالد بن الوليد) أربعة وعشرون رجلا وهم:
١ - القائد العام لجيش مكة (أبو جهل بن هشام) واسمه عمرو بن هشام المغيرة بن عمرو بن مخزوم أقعده بضربة بالسيف، معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته. ثم ذفف عليه عبد الله بن مسعود، حين احتز رأسه.
٢ - العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بني مخزوم. قتله عمر بن الخطاب (وهو خاله).
٣ - يزيد بن عبد الله (حليف لهم) وكان من بني تميم .. قتله عمار بن ياسر.
стр. 175
- أبو مسافع الأشعري (حليف لهم) قتله أبو دجانة (١).
٥ - حرملة بن عمرو (حليف لهم) وهو من الأسد، قتله خارجة بن زيد (٢).
٦ - مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
٧ - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة (أخو خالد بن الوليد) قتله حمزة بن عبد المطلب.
٨ - أبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
٩ - رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قتله سعد بن الربيع.
١٠ - المنذر بن أبي رفاعة بن عابد. قتله معن بن عدي بن الجد بن العجلان.
١١ - السائب بن أبي السائب بن عابد، قتله الزبير بن العوام، وفي رواية ابن هشام أن السائب هذا، أسلم وحسن إسلامه (انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٧١١).
١٢ - الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله حمزة بن عبد المطلب.
١٣ - حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قتله علي بن أبي طالب.
١٤ - عويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن مالك القوقلى مبارزة.
١٥ - عمرو بن سفيان (حليف لهم) من طي، قتله يزيد بن رقيش.
стр. 176
١٦ - جابر بن سفيان (حليف لهم أيضًا) وهو من طي، قتله جابر أبو بردة بن نيار.
١٧ - عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، قتله علي بن أبي طالب.
١٨ - حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبي وقاص.
١٩ - هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن سنان.
٢٠ - زهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد، مالك بن ربيعة.
٢١ - السائب بن أبي رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف.
٢٢ - عائذ بن السائب بن عويمر، جرحه في المعركة حمزة بن عبد المطلب، ثم أسر فافتدى ثم مات متأثرًا بجراحه.
٢٣ - رجل من طي اسمه عمير (حليف لهم من طي).
٢٤ - رجل آخر أيضًا اسمه خيار، (حليف لهم من القارة).
ز - ومن بني سهم بن عمرو (قبيلة عمرو بن العاص) سبعة نفر، وهم:
١ - منبِّه بن الحجاج بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر أخو بني سلمة.
٢ - ابنه، العاص بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب.
٣ - أخوه، نبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن أبي وقاص، اشتركا في قتله.
٤ - أبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله علي بن أبي طالب. ويقال النعمان بن مالك القوقلي، ويقال .. أبو دجانة.
٥ - عاصم بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بني سلمة.
٦ - الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.
стр. 177
٧ - عامر بن عوف بن ضبيرة، أخو عاصم بن ضبيرة، قتله عبد الله بن سلمة العجلانى. ويقال أبو دجانة.
ح - ومن بني عامر بن لؤى رجلان، وهما:
١ - معاوية بن عامر (حليف لهم من بني عبد القيس)، قتله عكاشة بن محصن (١) على ما قاله ابن هشام.
٢ - معبد بن وهب (حليف لهم من بني كلب بن عوف) قتله خالد وإياس ابنا البكير.
ط - ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص، أربعة نفر، وهم:
١ - أُمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح, قتله رجل من الأنصار من بني مازن.
٢ - ابنه علي بن أُمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر.
٣ - أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله الحصين بن الحارث وعثمان بن مظعون.
٤ - سبرة بن مالك (حليف لهم) لا يعرف قاتله.
стр. 178
أسرى المشركين وأسماؤهم
أما أسرى المشركين الذين وقعوا في أيدى جيش المدينة يوم بدر. فهم أيضًا سبعون رجلًا، وهم كما يلي:
أ - من بني هاشم أربعة نفر، وهم:
١ - العباس بن عبد المطلب (١).
٢ - عقيل بن أبي طالب (٢) أخو علي بن أبي طالب.
٣ - نوفل بن الحارث بن المطلب (٣).
стр. 179
٤ - رجل اسمه (عتبة) حليف لهم.
ب - ومن بني المطلب بن عبد مناف خمسة نفر, وهم:
١ - السائب بن عبيد بن عبد يزيد (١).
٢ - نعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب.
٣ - عقيل بن عمرو (حليف لهم).
٤ - أخوه تميم (حليف لهم أيضًا).
٥ - ابن لتميم، لا يعرف اسمه (حليف لهم أيضًا).
ج - ومن بني عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر، وهم:
١ - عمرو بن أبي سفيان بن حرب.
٢ - الحارث بن أبي وجرة.
٣ - أبو العاص بن الربيع (٢).
стр. 180
٥ - أبو ريشة بن عمرو (حليف لهم).
٦ - عمرو بن الأزرق (حليف لهم).
٧ - عقبة بن عبد الحارث بن الحضرى (حليف لهم).
٨ - خالد بن أسيد بن أبي العيص (١).
٩ - أبو العريض، يسار (مولى العاص بن أُمية).
د - ومن بني نوفل بن عبد مناف أربعة نفر، وهم:
١ - عدى بن الخيار بن عدي بن نوفل.
٢ - عثمان بن عبد شمس ابن أخي غزوان بن جابر. (حليف لهم من بني مازن بن منصور).
٣ - أبو ثور (حليف لهم).
٤ - نبهان (مولى لهم).
هـ - ومن بني عبد الدار بن قصى، ثلاثة نفر، وهم:
١ - أبو عزيز بن عمير بن هاشم (أخو مصعب بن عمير).
٢ - الأسود بن عامر (حليف لهم).
٣ - عقيل (رجل من اليمن) حليف لهم.
و- ومن بني أسد بن عبد العزّى أربعة نفر، وهم:
١ - السائب بن أبي جيش بن المطلب بن أسد.
٢ - الحويرث بن عبَّاد بن عثمان بن أسد.
٣ - سالم بن شماخ (حليف لهم).
٤ - عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث.