وكما هي عادة النبي ﷺ في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال بينما تقع منازل بني لحيان (الذين قرر غزوهم) في أَقصى الجنوب.
وقد أَعلن النبي ﷺ قبل تحركه نحو الشمال: أَنه يريد الإِغارة على الشام.
وسبب هذه التعمية: هو أَنه أَدخل في حسابه وجود جواسيس في المدينة أَو حواليها يعملون لحساب قبائل بني لحيان الذين كانت لهم صولة ودولة قبل الإِسلام (١).
واتجاهه نحو الشمال وإِعلانه بأَنه يريد غزو الشام يفوّت على هؤلاءِ الجواسيس الغرض الذي من أَجل تحقيقه قاموا بالتجسس. . وحتى أَصحابه كانوا لا يشكُّون في أَنه يريد أَن يغزو بهم الشام، ولم يعلموا أَنه يريد بني لحيان إِلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أَن اتَّجه بهم متوغلًا نحو الشمال حوالي عشرين ميلا. . في حركة تمويهية على العدو بارعة.
وكان تغيير خط سيره من الشمال إِلى الجنوب عند مكان يقال له (البتراءُ) ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منْصَبًّا نحو الجنوب.
فرار اللحيانيون قبل وصول النبي:
ولقد بذلت قيادة الجيش النبوي قصارى جهدها في اتباع طريق
стр. 1157
السرية والكتمان (ومن ذلك سلوك السبل غير المطروقة) ليأخذوا الغادرين على حين غرة ويقتصوا منهم للشهداءِ المغدور بهم.
ولكن (هذيل) الغادرة، لتوقعها قيام النبي ﷺ بمثل هذه الحملة التأْديبية. . كانت على غاية التيقظ والانتباه، فقد بثَّت الأَرصاد والجواسيس في الطرق ليتحسسوا لها ويتجسسوا.
لذلك فما كاد النبي ﷺ يقترب بجيشه من منازل هؤلاءِ الغادرين حتى انسحبوا منها فارين. . فاعتصموا برؤوس الجبال وذلك بعد أَن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم.
المطاردة:
ولما وصل النبھي ﷺ إلى ديار (بني لحيان) وتأَكّد له فرارهم منه، عسكر في ديارهم بجيشه، ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاءِ الغادرين، ويأْتوا إِليه بمن يقدرون عليه.
وقد استمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إِلا أَنها لم تجد أَي أَثر لهذه القبائل التي تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة.
الإِقامة في أرض العدو:
وبعد أَن يئس النبي ﷺ من العثور على (بني لحيان) أقام في ديارهم لإِرهابهم وتحديهم (كما هي عادته) وليظهر للأَعداءِ مدى قوة المسلمين وثقتهم بأَنفسهم، وقدرتهم على الحركة حتى إِلى قلب ديار العدو متى شاؤوا.
стр. 1158
إرهاب المشركين بمكة:
ولما كانت الحالة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة في ذلك الظرف في حالة حرب .. فقد رأى النبي ﷺ أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبًا من مكة فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين في مكة.
فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عُسفان (١) وهناك استدعى أَبا بكر الصديق وأَعطاه عشرة فوارس من أَصحابه وأَمره بأَن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه الصدِّيق بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم (٢) وهو مكان قريب جدًّا من مكة.
فسمعت قريش بذلك فظنت أَن النبي ﷺ ينوي غزوها فانتابها الخوف والفزع والرعب، وساد صفوفها الذعر .. هذا هو الذي هدف إليه النبي ﷺ بهذه الحركة التي كلف الصدِّيق أن يقوم بها.
أما الصدِّيق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كُراع الغميم وعلموا أنهم قد أَحدثوا الذعر والفزع في نفوس أَهل مكة عادوا سالمين إلى النبي القائد ﷺ فتحرَّك بجيشه عائدًا إلى المدينة.
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: فأَقام النبي ﷺ , في منازل بني لحيان يومًا أَو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية فلم يقدروا على أَحد، ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس
стр. 1159
لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أَحدًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وغاب عن المدينة أَربع عشرة ليلة (١).
وزاد ابن إسحاق عن جابر أَنه ﷺ قال أَيضًا أَعوذ بالله من وعناء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأَهل والمال.
الترحم على الشهداء:
وعندما وصل النبي ﷺ إلى بطن (غران) (٢) حيث لقى الشهداءُ من أَصحابه مصرعهم على أَيدي الخونة من هذيل، ترَّحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم (٣).
نهي النبي عن الاستغفار لأمه:
وذكر بعض المؤرخين أَن النبي ﷺ أَثناءَ عودته من غزوة (بني لحيان) وقف على قبر أُمه فاستأَذن ربه في أَن يستغفر لها فلم يأْذن له .. وأنزل الله بهذا الصدد ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وفي صحيح مسلم عن أَبي أَيوب الأَنصاري قال: زار رسول الله ﷺ قبر أَمه فبكى وأَبكى من حوله، فقال: فاستأْذنت ربي في أَن أستغفر لها فلم يأْذن لي، واستأْذنته في أَن أَزورها فأَذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت.
стр. 1160
غزوة الغاية (١) .. ربيع الأول سنة خمس الهجرة
كان عيينة بن حصن الفزاري من أَعظم الزعماء نفوذًا بين القبائل النجدية حتى إنه لذلك (ومع تهوره) كان مشهورًا بلقب (الأَحمق المطاع) لأَنه كانت تتبعه وتطيع أَمره عشرة آلاف قناة من فزارة وحدها، يوجِّه هذه الآلاف أينما شاء فيطيعونه دون أَن يسألوه: كيف، ولم؟ .
وكان عيينة هذا من أَلدِّ أعداء رسول الله ﷺ حتى إنه (في غزوة الأَحزاب) كان قائد أَحد الأَجنحة الأربعة من القبائل النجدية التي اشتركت مع اليهود في حصار المدينة.
ولما كانت الحالة التي أَعقبت اندحار الأحزاب ومحزِّبيهم اليهود في غزوة الخندق، هي حالة حرب بين المسلمين وقبائل غطفان وفزارة، فليس من المستغرب أَن يقوم عيينة بل خصن الفزاري بالإِغارة على المسلمين وانتهاب أي شيء تابع لهم، ولا سيما وأن منازل فزارة (٢) أقرب المنازل النجدية إلى يثرب.
стр. 1161
فزارة تغير على المسلمين:
كانت (الغابة) منطقة خصبة كثيرة النبت والشجر، وكانت بها أَملاك زراعية للمسلمين، وكانت تعتبر إِحدى مراعي المدينة الرئيسية وكانت (الغابة) أقرب ما تكون إلى منازل عيينة بن حصن (١) وقومه فزارة.
كان النبي ﷺ قد بعث بمجموعة كبيرة من الإبل لترعى في (الغابة) بعث بها مع غلام له .. وكان أبو ذر الصحابي المشهور موجودًا في هذه الإبل مع ولده .. كما كان معهم الفارس العدَّاءُ المشهور (سلمة بن الأَكوع) (٢).
ولما وصلوا إلى المرعى في الغابة وباتوا، أَغار عليهم عند طلوع الفجر عبد الرحمن بن عيينة بن حصن سيد فزارة تسانده قوة كبيرة من فرسان غطفان.
وقد استولى المغيرون على جميع إبل المسلمين واستاقوها بعد أَن قتلوا ابن أبي ذر الغفاري (٣) الذي دافع عن الإبل واحتملوا امرأَته معهم سبيَّة.
стр. 1162
ولم يكن من الصحابة المحاربين حاضرًا (ساعة الغارة) سوى سلمة بن الأَكوع الذي كان يركب فرسًا لطلحة بن عبيد الله، استعارها منه عند خروجه مع الرعاة استعدادًا للطواريء.
الصريخ في المدينة:
ولما كانت المسافة بين الغابة والمدينة غير قريبة، وأَنه لا بد من إبلاغ النبي القائد وأَصحابه (بسرعة) لكي يسرعوا بالنجدة لاستنقاذ الإبل من مشركي فزارة .. ورأَى سلمة بن الأَكوع أنه من الصعب عليه وحده الالتحام بالمشركين المغيرين لاستخلاص الإِبل منهم .. قرر التخلي عن الفرس التي كان يركبها، واستدعى الراعي الوحيد الذي نجا من القتل، فطلب امتطاء ظهر الجواد والانطلاق بأَقصى سرعة نحو المدينة لإِبلاغ النبي ﷺ خبر اعتداء ابن حصن على إبله، وطلب النجدة لاستنقاذها.
وفعلا امتطى الراعي (واسمه رباح) - امتطى صهوة جواد ابن الأَكوع وانطلق نحو المدينة يسابق الريح، ولم تكن إلا سويعات قليلة حتى كان في المدينة يصرخ (الفزع الفزع).
стр. 1163
وكانت هذه الكلمة كافية لتعبئة كل من في المدينة من المحاربين لأَنه لا يُصرَح بها إلا عندما تتعرض بلاد المسلمين لخطر جسيم من قبل أعدائهم.
ولما تبلغ المسلمون جلية الخبر، اهتم النبي ﷺ اهتمامًا شديدًا لاستيلاء النجديين على الإبل لأَن ذلك يعد تحديًا صارخًا من غطفان للمسلمين واستهانة بقوتهم حيث جرأَت غطفان وأَغارت على سرْح المسلمين في منطقة تعتبر من ضواحي المدينة.
واجتياح إبل المسلمين منها اعتبره المسلمون عملا بالغ الخطورة وفسِّر بأَنه قد يكون بمثابة جس النبض لقوات المسلمين، ومقدمة لهجوم شامل تقوم به قبائل غطفان على المدينة نفسها، لأَن فزارة وحدها التي يتزعمها عيينة بن حصن، تستطيع أَن تحشد عشرة آلاف مقاتل.
لذلك اهتم النبي ﷺ لهذه الحادثة اهتمامًا عظيمًا وجهز جيشًا كبيرًا لمطاردة المغيرين وردعهم قوامه سبعمائة مقاتل تحركوا من المدينة بقيادة الرسول ﷺ نفسه إلى منطقة الغابة.
اندحار المغيرين واستعادة الإبل:
وكان النبي ﷺ قد بعث أمامه بقوة خفيفة من الفرسان لمقاتلة المغيرين وإِشغالهم بقيادة الفارس الأَنصاري الشهير سعد بن زيد بن مالك (١) ثم لحقهم النبي ﷺ في عامة الجيش.
وقد اشتبكت فصيلة الفرسان النبوية مع المغيرين (وعلى قلة رجالها
стр. 1164
وكثرة العدو) تمكنت من دحرهم واستعادة كل ما انتهبوه من إبل المسلمين، ثم طاردتهم حتى قذفت بهم إلى ما وراء حدود المسلمين ولم يصل النبي القائد ﷺ إلى منطقة الغابة إلا بعد أَن دحرت فصيلة فرسان قوات الغطفانيين المعتدين على النحو الذي ذكرنا.
وقد أَبدى سلمة بن الأَكوع في هذه المعركة بطولة نادرة (وخاصة قبل وصول كتيبة الفرسان النبوية) حيث ظل بمفرده يشاغل المغيرين ويراميهم بالنبل، وكان من أَعظم الرماة في عصره، وقد استخلص مجموعة كبيرة من الإِبل المنهوبة قبل قدوم كتيبة الفرسان النبوية.
قتلى الفريقين في المعركة:
وقد استشهد في هذه العملية ثلاثة من المسلمين، اثنان من أَفراد فصيلة الفرسان النبوية هما محرز بن نضلة (١) قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن: ووقاص بن محرز (٢)، وابن أَبي ذر لم يذكر اسمه أَحد فيما رأَيت من المؤرخين، أَما قتلى المشركين فقد كانوا ثلاثة من فرسانهم وهم: حبيب وعبد الرحمن، أَبناءَ عيينة بن حصن الفزاري، وفارس يقال , له مسعدة، من فزارة (٣).
стр. 1165
عودة المرأة الأسيرة:
أَما المرأة التي أَسرها المغيرون من غطفان وهي زوجة ابن أَبي ذر الذي قتله المشركون أثناء الغارة في الغابة، فقد عادت إلى المدينة سالمة بعد أَن تمكنت من الإفلات من القوم على ظهر ناقة تابعة لرسول الله ﷺ .
قال ابن برهان الدين: وانفلتت المرأة من الوثاق ليلا فأَتت الإِبل فجعلت إذا دنت من البعير، رغا فتركته حتى انتهت إلى العضباء فلم ترغ فقعدت على عجزها ثم زجرتها، وعلموا بها فطلبوها، فأَعجزتهم ونذرت إن نجاها الله لتنحرنَّها فلما أَخبرت النبي ﷺ خبر هذا النذر تبسم وقال: بئسما جزيتيها أي أنها حملتك ونجت بك من الأَعداء فيكون جزاؤها النحر، ثم قال لها ﷺ : لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين.
وهذه الغزوة تعتبر من أَكبر الغزوات التأْديبية التي يقودها النبي ﷺ بنفسه ضد أعراب نجد بعد غزوة الأَحزاب وبني قريظة وقبل غزوة خيبر.
-٥ -
حملة ذي القصة .. شهر ربيع الآخر سنة خمس من الهجرة
ذو القصة (بفتح القاف وتشديد الصاد) منزل من منازل بني ثعلبة من غطفان أعداءُ الرسول ﷺ الأَلداء. وتبعد عن المدينة أربعة وعشرون ميلا.
بعث النبي ﷺ إلى ذي القصة بدورية استكشاف قوامها عشرة نفر بقيادة الفارس المشهور محمد بن مسلمة الأَنصاري.
стр. 1166
وكانت عيون بني ثعلبة قد أَبلغتهم بتحرك هذه الدورية نحوهم وأنها تقصد ديارهم فاستعدُّوا لها وكمنوا وأعدوا (للإحاطة بهم) مائة رجل.
فلما وصل ابن مسلمة بدوريته إلى (ذي القصة) لم يجد أحدًا فاستراح بأَصحابه فأَخذهم النوم، ولم يشعر إلا بمائة من فرسان بني ثعلبة يحيطون بهم من كل جانب، فثار الصحابة إلى سلاحهم وأخذوا يرامونهم بالنبل ولكن دون جدوى، فالكثرة تغلب الشجاعة كما يقولون.
فقد هجم المشركون على الصحابة فأَبادوهم عن بكرة أَبيهم أَما قائد الدورية (محمد بن مسلمة) فقد وقع جريحًا فضربوا كعبه فلم يتحرك، فظنوه قد مات فتركوه بعد أَن أخذوا كل خيلهم وأَسلحتهم وحتى الثياب جرَّدوهم منها ثم انصرفوا.
غير أَن رجلا من المسلمين مر بابن مسلمة وأَصحابه، فلما رآهم صرعى استرجع فلما تأَكد ابن مسلمة بأنه مسلم تحرك، وهنا حمله الرجل حتى ورد به المدينة، حيث عولج من جراحه حتى شفى.
-٦ -
حملة ذي القصة أيضًا .. سنة خمس من الهجرة .. شهر ربيع الآخر
وسبب القيام بهذه الحملة، هو أَن النبي ﷺ بلغه أَن بني محارب وبني ثعلبة وأنمار (١) قد تحركوا إلى منطقة تغلبين والمراض (٢) التي
стр. 1167
تبعد عن المدينة ستة وثلاثين ميلا، تحركوا للإغارة على سرح المدينة (١) الذي كان يرعى بها على بعد سبعة أَميال من المدينة بغية نهب هذا السرح والاستيلاء عليه.
لذلك سارع النبي ﷺ فبعث (على جناح السرعة) بكوكبة صغيرة من الفرسان قوامها أربعون فارسًا بقيادة أَبي عبيدة عامر بن الجراح ليحموا السرح ويصدوا المشركين عنه.
فتحرك أَبو عبيدة بكوكبته مسرعًا بعد صلاة المغرب، فوصل بفرسانه إلى ذي القصة مع عماية الصبح فوجد المشركين هؤلاء يتحفزون (فعلا) للإغارة على السرح فهاجمهم (بطريقة مباغتة لم يتوقعوها) ففروا هاربين في الجبال، وأعجزوا (بهربهم) أَبا عبيدة ورجاله إلا أنه تمكن من أَسر رجل واحد منهم، كما استولى رجاله على بعض الإبل التابعة لهم وغنموا بعض أمتعتهم التي تركوها عندما هربوا.
وقد عاد أَبو عبيدة برجاله إلى المدينة ومعه الأَسير والغنائم أَما الأَسير فأَسلم، فأَطلق النبي ﷺ سراحه، وقسم النبي ﷺ الغنيمة بين الأَربعين فارس بعد أَن خمسها كالمتبع أَي أَخذ خمسها للمصالح العامة.
стр. 1168
-٧ -
حملة الجموم (١) .. ربيع الآخر سنة خمس من الهجرة
كانت بنو سليم من أهل الجموم (وادي فاطمة) قد أَعانوا أَبا سفيان في حربه ضد المسلمين في معركة (الأحزاب) فاشترك منهم معه حوالي سبعمائة مقاتل، وافوه في مر الظهران (وادي فاطمة) وهو في طريقه إلى المدينة.
وكان الأعراب الذين اشتركوا في غزوة الأحزاب (ومنهم بنو سليم) قد أصبحوا بعملهم ذاك أعداءً محاربين للنبي ﷺ .
لذلك من البدهي، (وخاصة بعد اندحارهم في معركتهم الخاسرة) أن يلقي عليهم النبي ﷺ دروسًا تأْديبية بنقل المعركة إلى ديارهم حتى وإن بعدت، مثل ديار بني سليم القريبة من مكة ليرسخ في أَذهان هؤلاء الأَعراب المشركين أَن المسلمين أصبحوا سادة الموقف في الجزيرة، وأنهم قادرون على نقل المعركة إلى أي مكان يريدون من أَرض أعدائهم.
ومن ذلك أنّ النبي ﷺ بعث إلى ديار بني سليم بسرية بقيادة (زيد بن حارثة) للإِغارة عليهم وإرهابهم في الجموم (٢).
стр. 1169
وقد أَغار عليهم زيد بن حارثة، وفي طريقه وجد امرأَة من مزينة يقال لها: (حليمة) فدلتهم على محلة من محال بني سلم، فأَغاروا عليهم وأَوقعوا بهم، ففر من (سُليم) من قدر على الفرار، ووقع الباقون أسرى في يد رجال السرية.
كما استولى رجال زيد بن حارثة على مجموعة من الإبل والغنم فقفلوا راجعين إلى المدينة ومعهم المرأَة (حليمة المزنية) وزوجها أَسيرين غير أنهم لما وصلوا المدينة وأخبروا النبي ﷺ الخبر، وهب للمرأَة المزينية نفسها ووهب لها زوجها مكافأَة لها على إرشادها لرجال السرية، فأطلق سراحهما (١).
-٨ -
حملة العيص (٢) .. جمادى الأولى سنة خمس من الهجرة
كان سبب هذه الحملة أنه بلغ النبي ﷺ أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام عائدة بالبضائع إلى مكة.
ولم يكن بين النبي ﷺ وبين قريش في تلك الفترة أَي صلح أو معاهدة، وإنما كانوا في حالة حرب، والجو بين الفريقين على غاية من التوتر .. لا سيما المسلمون الذين لم ينسوا بعد ذلك الغزو الظالم الغاشم المخيف الذي تعرضت له المدينة حيث فرض عليها أبو سفيان
стр. 1170
الحصار الخانق وكان يقود عشرة آلاف مقاتل، قرر أَن يقتحم بهم المدينة ويبيد كل من فيها من المسلمين .. لم ينس المسلمون هذا الغزو المخيف الذي لم يمر عليه أكثر من ستة أَشهر .. والذي لو قدِّر له النجاح لكان المسلمون في خبر كان.
لذلك كان من البدهي أن يتحيَّن المسلمون الفرص للإيقاع بمشركي مكة الذين سعوا ذلك السعي الخطير لتدميرهم وإبادتهم.
ولهذا فإنه عندما تبلغ النبي القائد ﷺ من جهاز استخباراته العسكرية أَن قافلة للعدو عائدة من الشام إلى مكة وأنها قد وطئت التراب الحجازي، جهز كتيبة من الفرسان قوامها مائة وسبعون فارسًا، وأعطى قيادتهم لمولاه (زيد بن حارثة). وكلفهم بالتعرض لهذه القافلة والاستيلاء عليها كجزء من أَموال عدو محارب.
وقد تحرك زيد بن حارثة بكتيبته من المدينة حتى وصل منطقة العيص .. وهناك التقى بقافلة قريش، فاستولى رجاله على هذه القافلة وأَخذوا جميع الذين يقودونها أَسرى .. ولم يذكر أَحد من المؤرخين أن قادة القافلة قد أَبدوا أي شيء من المقاومة إذ لم يشر أَحد إلى أَنه جرى أَي قتال عند استيلاء المسلمين على هذه القافلة التي كانت فيها (يومئذ) كمية كبيرة من الفضة عائدة للتاجر القرشي الكبير المعروف (صفوان بن أُمية) (١).
وقد عاد زيد بن حارثة بالقافلة وبالأَسرى القرشيين إلى المدينة.
стр. 1171
ابنة النبي وزوجها الأسير:
وكان أبو العاص بن الربيع بن أُمية بن عبد شمس (١) (زوج زينب ابنة النبي ﷺ من بين الأَسرى الذين وقعوا ضمن رجال القافلة في أَيدي فرسان كتيبة (زيد بن حارثة).
ويقول المؤرخون: إن أبا العاص بن الربيع عندما وصل (ضمن الأَسرى) إلى المدينة استجار بزوجته زينب .. إذ نادت في الناس في المسجد حين صلى الرسول ﷺ الفجر: (إني قد أجرت أبا العاص) فقال النبي ﷺ : هل سمعتم ما سمعت؟ (يعني إعلان زينب أنها قد أجارت أبا العاص)؟ قالوا: نعم.
قال ﷺ : أما والذي نفسي بيده ما علمت شيئًا من هذا، ثم أجاز ما فعلت زينب قائلًا: (وقد أجرنا من أَجرت).
رد الأموال وإطلاق الأسرى:
ويدل سياق المؤرخين وأهل الحديث، على أَن أَبا العاص بن الربيع كان قائد هذه العير التي استولت عليها سرية (زيد بن حارثة) بدليل أن زينب لما أَجارت زوجها (وكان على شركة) دخلت على النبي ﷺ ، وسأَلته أن يرد على أَبي العاص ما أَخذت سرية زيد منه من العير، أَجابها إلى ذلك ولكنه استدعى زيد بن حارثة ورجال سريته لأَخذ موافقتهم (قبل كل شيء) حيث قال ﷺ لهم:
стр. 1172
"إن هذا الرجل (يعني أَبا العاص) منَّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا فإن تُحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك .. وإن أبيتم فهو (أي ما أخذتم منه) فيء الله الذي أفاء عليكم فأَنتم أحق به".
فأجابوا جميعًا بالموافقة قائلين: يا رسول الله بل نرد عليه فردُّوا عليه كل ما أخذوا منه بما في ذلك الأموال التي ائتمنه عليها كفار مكة لشراء البضائع لهم من الشام والتي جاءت تحملها العير التي وقعت بأكملها في قبضة سرية زيد بن حارثة .. كما وافقوا على إطلاق سراح جميع أسرى العير.
وجاء في السيرة الحلبية: أن بعض المسلمين قالوا لأبي العاص (بعد أن رد رجال السرية إليه العير وما تحمل من أَموال كفار مكة): يا أَبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله ﷺ أي لأنه يلتقي مع النبي ﷺ في جده عبد مناف - فهل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أَموال أهل مكة (لأنهم كفار مشركون)! .
فقال: بئسما أَمرتموني .. أفتتح ديني بغدره كلا والله.
ثم إنه (بعد أن أضمر الإسلام) ذهب بالعير إلى أهل مكة فأَعطى كل ذي حق حقه .. ثم قام فقال: يا أهل مكة، هل بقي لأحد منكم مال لم يأَخذه؟ ... هل وفيت ذمتي؟ .
فقالوا: اللهم نعم فجزاك الله خيرًا .. فقد وجدناك وفيًّا كريمًا.
وهنا (وعلى ملأ منهم) أعلن إسلامه قائلًا: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده (أي في المدينة) إلا خشية أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، ثم
стр. 1173
غادر مكة وقدم إلى المدينة، فرد عليه النبي ﷺ زينب بالنكاح الأَول (١).
-٩ -
حملة الطرف (٢) - جمادى الآخرة سنة خمس من الهجرة
وهي دورية عسكرية قام بها زيد بن حارثة (٣) ومعه خمسة عشر رجلا إلى ديار بني ثعلبة وهم بطن من غطفان الذين شاركوا في الهجوم على المدينة في غزوة الأَحزاب.
وقد وصلت دورية زيد بن حارثة منطقة (الطرف) التي بها منازل بني ثعلبة هؤلاءِ والتي تبعد عن المدينة ستة وثلاثين ميلا.
غير أن رجال دورية زيد بن حارثة لم يلاقوا أي صدام مع بني ثعلبة، لأَن هؤلاء الأَعراب كانوا قد هربوا من ديارهم إلى رؤوس الجبال بمجرد علمهم بتحرك هذه الدورية المسلحة نحو ديارهم.
وقال استولى زيد بن حارثة ورجال دوريته الصغيرة على عشرين بعيرًا من أَباعر هذه القبيلة فأَخذتها الدورية غنيمة وعادت بها إلى المدينة بعد غيبة قصيرة لم تزد على أربع ليال.
ويظهر أَن الهدف من إرسال هذه الدورية المسلحة هو إرهاب الأَعراب
стр. 1174
الوثنيين وإشغالهم وترويعهم وجعلهم في حالة خوف دائم لا يستطيعون معه التفكير في القيام بغزو المدينة كما كانوا يفعلون في السابق.
وفعلًا حققت هذه الدورية أَهدافها إذ (على قلة عدد رجالها) فرَّت من أمامها قبيلة بأكملها يقدر عدد رجالها بعدة مئات قد تتعدى الأَلف ... وبث الدوريات العسكرية المستمرة هو من سياسة النبي القائد الناجحة، حيث كانت دوريات العسكرية التي تسمى (في عرف المؤرخين القدامى) بالسرايا تجوس باستمرار خلال ديار القبائل الوثنية المعادية حتى رست قواعد الإسلام وشمخ بناء دولته في السماء عاليًا.
- ١٠ -
حملة حسمى (١) - جمادى الآخرة سنة خمس من الهجرة
وهي حملة عسكرية تأْديبية قام بها إلى منطقة (حسمَى) خلف وادي القرى .. زيد بن حارثة لتأْديب قبيلة جُذام (٢) الواقعة ديارها قرب تلك المنطقة.
стр. 1175
وسبب هذه الحملة العسكرية التأديبية أن النبي ﷺ كان في تلك السنة قد أَرسل دِحية بن خليفة الكلبي (١) برسالة إلى الملك قيصر يدعوه فيها إلى الإسلام.
فأَكرم الملك قيصر دحية الكلبي وكساه وأَجازه .. فقفل دحية من الشام عائدًا إلى المدينة، إلا أنه لما وصل إلى منطقة (حسمى) على الحدود الشمالية الغربية لجزيرة العرب هاجمه الهُنَيد (بضم الهاء) ابن عارض وابنه عارض في أُناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فسلبوه كل ما معه، ولم يتركوا عليه إلا ثوبا رتًّا خلِقًا.
غير أَن نفرًا من بني الضُّبَيب (من قبيلة جذام نفسها ممن أسلموا) لما بلغهم ما فعل الهنيد وابنه برسول الله ﷺ دحية الكلبي نفروا إليها واستعادوا منهما ومن معهما (بالقوة) كل ما أخذوه من دحية الكلبي وأعادوه إليه.
فواصل دحية سيره حتى وصل المدينة، وهنا أخبر النبي ﷺ بما فعل به الهنيد بن عارض وعصابته من قطاع الطرق.
فقرر النبي ﷺ إرسال حملة عسكرية كبيرة قوامها (خمسمائة
стр. 1176
رجل) لتجوس جلال ديار المعتدين على دحية الكلبي وتغير عليهم لتؤديهم وتجعلهم عبرة لمن اعتبر.
وقد أعطى النبي ﷺ قيادة هذه الحملة التأديبية لمولاه (زيد بن حارثة) فتحرك زيد برجال هذه الحملة نحو الشمال (ومعهم دحية الكلبي نفسه).
ولكي لا يعلم الأَعداءُ بخبر هذه الحملة صار القائد (زيد) يسير الليل ويكمن النهار، وكان دليله من بني عُذْرة (١).
وما زال زيد يسير بحملته حتى باغت القوم وأغار عليهم مع (عماية الصبح) وأَحاط رجال حملته بهم من كل جانب فقتلوا منهم عددًا غير قليل من بينهم (الهنيد وابنه عارض).
ثم استولى زيد ورجاله على ماشية قوم الهنيد) ونعمهم ونسائهم وصبيانهم.
فأَخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاة خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان.
احتجاج بني الضبيب لدى القائد زيد:
ولما سمع بنو الضبيب (وهم مسلمون من جُذام نفسها) لما سمعوا بما
стр. 1177
صنع زيد ورجاله بقومهم من جُذَام جاء أَحد زعمائهم إلى قائد الحملة زيد محتجًا بأَنهم مسلمون وأنهم (أَي بني الضبيب) هم الذين استرجعوا (عَنوةً) من الهنيد وجماعته كل ما سلبوا من دحيةَ الكلبي وأَعادوه إليه، فطلب زيد من هذا الزعيم أن يقرأَ الفاتحة ليتأَكدون من إسلامه فقرأَها .. ولكن يظهر أن قائد الحملة زيد قرر أَن لا يعيد إلى القوم ما غنم منهم وما أسر من رجالهم ونسائهم وصبيانهم، فواصل سيره بالسبي والغنائم نحو المدينة جنوبًا.
زيد بن رفاعة يحتج لدى الرسول ﷺ :
غير أَن أَحد زعماء قبيلة (جُذَام) وهو (زيد بن رفاعة الجذامي) أسرع في نفر من قومه إلى المدينة لمقابلة رسول الله ﷺ .
ولدى مقابلته ﷺ احتج على ما فعل زيد بن حارثة في غارته على مناطق (حسمى) قائلًا:
يا رسول الله لا تحرِّم علينا حلالًا، ولا تحل لنا حرامًا، ثم دفع إليه ﷺ كتابه الذي كان قد كتبه له ولقومه ليالي قدومه عليهم عندما أَسلموا.
الأمر بإعادة الغنائم والسبي:
وهنا قرر سيد من أوفى بالعهد على وجه الأرض ﷺ .. قرر ﷺ أن يعيد إلى سادات (جذام) الوافدين عليه المحتجين لديه .. قرر أن يعيد إليهم كل ما غنمته ومنبته حملته العسكرية التي قادها ابن حارثة.
стр. 1178
ولم يكتف بهذا ﷺ بل بحث (مع وفد جُذام) موضوع القتلى منهم الذي صرعوا بسيوف رجال حملة زيد بن حارثة قائلًا: (كيف أصنع بالقتلى؟ ؟ ).
فقال له أَحد سادات جذام المشكَّل منهم الوفد وهو (أَبو زيد بن عمرو): أَطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قُتل فهو تحت قدمي هاتين.
فقال رسول الله ﷺ : صدق أَبو زيد.
ثم استدعى ﷺ علي بن لأَبي طالب، وأَمره بأَن يكون مبعوثه الخاص إِلى قائد الحملة زيد بن حارثة ليبلغه أَمره ﷺ بأَن يرد على القوم كل ما أَخذ منهم في غارته من أَموال وسبايا وأَسرى، وكانت شيئًا عظيمًا كما تقدم.
فقال علي: يا رسول الله إنَّ زيدًا لا يطيعني. فقال ﷺ : خذ سيفي هذا (أَي كعلامة).
فانطلق علي ومعه زيد بن رفاعة وباقي أَعضاء الوفد الجُذامي نحو الشمال، ليبلغ القائد زيدًا أمر رسول الله ﷺ ، فلقى (وهو في طريقه) رافع بن مكيث الجُهني (١) على ناقة من إِبل القوم، أَرسله القائد زيد بشيرًا بالنصر، فأَخذ الناقة منه وردَّها على القوم وأَردف البشير خلفه ثم واصل سيره حتى لقى القائد زيدًا وحملته العسكرية ومعهم تلك
стр. 1179
الغنائم العظيمة في منطقة الفحلتين مكان بين المدينة وذي المروة (١)، وهناك أَبلغه أَمر رسول الله ﷺ بأَن يرد على القوم كل ما أَخذ منهم، وروى أَن القائد زيد قال لعلي: ما علامة ذلك؟ ؟ فقال: هذا سيفه ﷺ فعرف زيد سيف رسول الله ﷺ ، فصاح برجال الحملة فاجتمعوا فأَمرهم بأن يردوا على القوم كل ما أَخذوا منهم قائلًا: هذا سيف رسول الله ﷺ ، فأَطاع الناس الأَمر فردوا على القوم كل ما ما أَخذوا منهم من غنائم وسبايا وأَطلقوا سراح الأَسرى الذين لم يعرف عددهم.
- ١١ -
حمله وادي القرى .. رجب سنة خمس من الهجرة
وهي دورية عسكرية أُعطيت قيادتها لزيد بن حارثة ولم أَرَ فيما بين يدي من مصادر التاريخ أَن هذه الدورية قامت بأَي عمل عسكري، ولم أَرَ أحدًا من المؤرخين ذكر القوم الذين وجهت إِليهم هذه السرية .. وكل ما اطلعت عليه هو أَن ابن سعد قال في طبقاته الكبرى قال: - بعد انتهائه من سرد حوادث حملة (حِسمى الكبيرة): بعث زيد بن حارثة سرية إلى وادي القرى في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ زيدًا أميرًا سنة ست هـ إلا أَن الإِمام ابن سعد ذكر في طبقاته (كما سيأْتي) أَن زيد بن حارثة قام بحملة عسكرية كبيرة إلى بني فزارة في وادي القرى (٢) في شهر رمضان من هذه السنة. والله أعلم
стр. 1180
حملة دومة الجندل (١) .. شعبان سنة خمس من الهجرة
وهي حملة عسكرية كبرى قادها عبد الرحمن بن عوف الزهري
стр. 1181
إلى ديار بني كلب (١) بدومة الجندل، وكانت هذه الحملة تتأَلف من سبعمائة مقاتل (هكذا جاء في مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٠).
وكانت دومة الجندل تقع في الشمال الغربي للجزيرة العربية قريبًا من حدود العراق، وكان بها ملك اسمه (الأَصبغ بن عمرو الكلبي) وكان وقومه على النصرانية.
وذكر المؤرخون أَن النبي ﷺ عندما عقد لعبد الرحمن بن عوف لواءُ الإِمارة على هذه الحملة الكبيرة عممه بعمامة سوداءَ بيده الكريمة ورخى بين كتفيه منها قدر أَربع أَصابع ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أَحسن وأَعرف.
وكما هي عادة النبي ﷺ في توجيه وصاياه الإِنسانية النبيلة إلى قادة جيوشه وجَّه إلى قائد هذه الحملة وصية قال فيها: "أُغز بسم
стр. 1182
الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا (أَي صبيًّا) فهذا عهد الله وسنة نبيكم (١).
بعد ذلك تحرك عبد الرحمن بن عوف بسيرته الكبيرة، وما زال سائرًا نحو الشمال (يكمن النهار ويسير الليل) حتى وصل إلى دومة الجندل.
ولما كان القوم يدينون بالنصرانية، لم يهاجم عبد الرحمن بن عوف بغتة كما هي الحال في غزو الأَعراب الوثنيين.
بل دعاهم إلى الإِسلام وظل يدعوهم ويفاوضهم ثلاثة أَيام وهم يأْبون ويقولون لا نعطي إلا السيف أَو تعود من حيث أَتيتم.
إلا أَنه في اليوم الثالث استجاب ملكهم (الأَصبغ بن عمرو الكلبي) (٢) فأَسلم وتبعه على الإسلام خلق كثير من قومه وكلهم كانوا نصارى.
وهكذا حققت هذه الحملة الكبيرة أغراضها، وكفى الله المؤمنين شر القتال .. أَما من بقى من أهل دومة الجندل على النصرانية (وكلهم عرب) فقد تركهم القائد عبد الرحمن بن عوف وشأْنهم أَحرار في دينهم على أَن يؤدوا الجزية لدولة الإِسلام كاعتراف بسلطانها ومقابل حمايتها لهم فقبلوا.
стр. 1183
وقد تزوج القائد عبد الرحمن بن عوف ابنة ملك دومة الجندل واسمها (تماضر بنت الأَصبغ) وأَحضرها معه إلى المدينة فولدت له ابنة (سلمة بن عبد الرحمن).
وقفة فقهية:
وذكر المؤرخون أَن عبد الرحمن بن عوف توفي وتماضر الكلبية لمَّا تزل في عدتها من طلاقه فورَّنها فيه الخليفة عثمان، وهذا صار سندًا فقهيًا قويًّا للذين يقولون بقدم صحة الطلاق في المرض الذي يموت فيه المطلق وهو مذهب المالكية.
- ١٣ -
حملة إرهاب بني سعد (١) بفدك .. (٢) شعبان سنة ست من الهجرة.
هي دورية عسكرية كبيرة قام بها علي بن أَبي طالب لبث الرعب في قلوب قبائل بني سعد بن بكر بفدك، وكان عدد رجال هذه الدورية مائة فارس، أَعطى النبي ﷺ قيادتهم لعلي بن أَبي طالب، وأَمره بأَن يغير على بني سعد بعد أَن تلقى ﷺ من استخباراته أَن بني سعد قد
стр. 1184
قرروا أَن يساندوا يهود خيبر ويمدُّوهم بالرجال مقابل أن يعطي اليهود هذه القبيلة جزءًا كبيرًا من تمر خيبر (١).
وهذا يدلُّ على أن اليهود كانوا يستعدون (منذ زمن طويل) للغزو المنتظر الذي قام به النبي ﷺ أَخيرًا لخيبر، فأَخضعها وأَنهى الوجود اليهودي فيها، كما يأْتي تفصيله إن شاءَ الله في كتابنا السادس.
وقد تحرك علي بن أَبي طالب بدوريته المسلحة، واستمر في تحركه ستة أيام يكمن فيها ليلًا ويسير نهارًا.
وفي اليوم السابع, وصل عليٌّ بدوريته مشارف (فَدَك) وهناك وجد رجلًا (لم يذكر المؤرخون اسمه) فسأَله عن العدو من بني سعد، فخاف الرجل، فطمْأَنه قائد الدورية (عليّ) بأَنهم لا يريدون به شرًّا، فاستوثق لنفسه قائلًا: أُخبركم عن مكان القوم على أَنكم تؤمِّنوني، فأَعطوه الأَمان، فأَرشدهم إلى الوادي الذي تتجمع فيه بنو سعد.
فأَغار عليهم الإِمام علي برجال دوريته، وكان على رأْس العدو (وبر بن علم) ولم يُبدِ بنو سعد (بالرغم من كثرة عددهم) أَية مقاومة.
بل كان همهم النجاة بأَنفسهم، ففروا ومعهم النساءَ والأَطفال فقط، وتركوا مواشيهم، فاستولى عليها رجال دورية علي بن أبي طالب.
وكانت خمسمائة بعير وأَلفي شاة، قسمها القائد علي على رجال دوريته كما تقسم الغنائم بعد أَن عزل الخمس منها ليوضع تحت تصرُّف النبي ورئيس الدولة ليدَّخرَها لنوائب المسلمين كما هو المتبع .. ثم عاد علي بدوريته إلى المدينة دون أَن يلقى كيدًا.
стр. 1185
- ١٤ -
حملة تأديب بني فزارة (١) .. رمضان .. سنة ست من الهجرة
قبيلة فزارة (بفتح أَوله وثانيه) تعتبر من أَعظم القبائل النجدية وأكثرها عددًا في العهد النبوي، وكان السيد الذي يرجع إليه أَمرها هو عيينة بن حصن الفزاري الملقب (بالأَحمق المطاع)، فقد ذكر المؤرخون أَن عشرة آلاف رمح من هذه القبيلة تتحرك (مطيعة) أَينما تحرك هذا الأَحمق.
وكانت بنو فزارة من أَشد الناس عداوة للمسلمين وأَكثرهم تحرّشًا بهم لقرب منازلهم من منطقة المدينة، وكانت بعض فخائذ هذه القبيلة تنزل وادي القرى الواقع بين المدينة وخيبر.
وكان رجال هذه القبيلة الوثنية طالما شنُّوا اعتداءَات متكررة على المسلمين، وكثيرًا ما يستأْجرهم اليهود لمحاربة المسلمين.
وقد عرفنا كيف أَغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن على المسلمين في الغابة بضواحي المدينة فاستاق إِبلهم بعد أَن قتل من قتل منهم سنة خمس من الهجرة كما تقدم تفصيله في غزوة الغابة).
стр. 1186
ولهذا كان من الطبيعي أَن يتحيّن المسلمون الفرص لضرب هذه القبيلة وإرهابها وكسر شوكتها بنقل المعركة إلى ديارها وضربها في منازلها ومسارحها.
لا سيما وأَن المسلمين يتهيئون لخوض معركة فاصلة مع اليهود في خيبر التي تقع هؤلاءِ منازل الفزاريين بينها وبين المدينة. الأَمر الذي يحتم على القيادة العليا في المدينة القيام بعمل عسكري حاسم تكون به خطوط المسلمين في مأْمن عندما يقومون بالزحف على مدينة خيبر والذي قاموا به (بالفعل) في أَوائل السنة السادسة من الهجرة.
الصدِّيق القائد:
وجهَّز الرسول القائد ﷺ لتأْديب (فخيذة بني بدر من قبيلة فزارة) حملة عسكرية قوية اختلف المؤرخون في القائد الذي أُسندت إليه قيادة هذه الحملة الكبيرة.
فابن سعد يذكر في طبقاته الكبرى أَن قيادة هذه الحملة أُعطيت لزيد بن حارثة .. بينما يذكر الإِمام مسلم في صحيحه (عن سلمة بن الأَكوع): أَنَّ قائد هذه الحملة هو أَبو بكر الصدِّيق.
وعلى كل ... فإن الروايتين ليس بينهما اختلاف في التفاصيل. ونحن نرجح رواية الإِمام مسلم لأَنه (وصحيح البخاري) أَصح الكتب وأَصدقها بعد كتاب الله تعالى.
تحرك القائد الصديق من المدينة على رأْس قوة كبيرة من المهاجرين والأَنصار (لم أَر أَحدًا من المؤرخين ذكر عدد أَفرادها) وكان تحرُّكه في
стр. 1187
شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة على ما حققه ابن حزم والسابعة على ما ذكره غيره من المؤرخين.
نجاح الحملة:
وقد حققت حملة الصدِّيق العسكرية التأْديبية أَهدافها .. فقد بثَّ الله الرعب في نفوس بني بدر (من فزارة).
إذا لم يكادوا يشعرون بوصول أَبي بكر الصديق برجاله حتى عمَّهم الذعر والخوف فلم يبدوا أَية مقاومة، بل أَخذوا في الفرار أَشتاتًا.
إلا أَن المسلمين حالوا بينهم وبين ذلك فقتلوا عددًا منهم وأَسروا عددًا آخر بمن فيهم (أَم قرفة) فاطمة بنت ربيعة بن بدر وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر. وهي من أَجمل بنات العرب.
أَما (أُم قرفة) فكانت امرأَة شيطانة، وكانت (بَرْزة مسترجلة) وفي شرفٍ من قومها تحتل بينهم مكان القائد والزعيم.
وكان يعلَّق في بنيتها خمسون سيفًا كل هذه السيوف لها محرم .. وكان لها إثنا عشر ولدًا كلهم يحمل السلاح.
ومن ثم كانت العرب: تضرب بها المثل في العزّة.
فتقول: لو كنت أَعز من أَم قرفة.
تحاول اغتيال النبي:
وقد كانت هذه الشيطانة (أُم قرفة) على أَشد ما تكون من البغض للنبي ﷺ ، لذا صممت على اغتياله داخل المدينة.
стр. 1188
فجهزت ثلاثين فارسًا من ولدها وولد ولدها وأمرتهم بالذهاب إلى المدينة لكي يقوموا باغتيال الرسول ﷺ إلا أَنهم لم يتمكنوا من ذلك (١).
ويظهر أَن (أُم قرفة) هذه كانت القائد الفعلي لقومها من بني بدر .. يدل على ذلك أَنَّ بعض المؤرخين أَسمى هذه الحملة التي أَسرت فيها قرفة وابنتها (بسرية أَم قرفة) (٢).
أَما كيف حققت الحملة أَهدافها فقد ذكر المؤرخون أَن رجال الحملة المسلمين شنوا الغارة على بني بدر في عماية الصبح، بعد أَن فرغوا من أَداء فريضة الصلاة.
قال سلمة بن الأَكوع (كما في صحيح مسلم): بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق إلى فزارة، وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أَمرنا فشنينا الغارة، فوردنا الماءَ، فقتل أَبو بكر من قتل، ورأَيت طائفة (منهم الذرارى) فخشيت أن يسبقوني إِلى الجبل فأَدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأَوا السهم وقفوا، وفيهم امرأَة هي (أُم قرفة) عليها قشع من أَدم .. معها ابنتها من أَحسن العرب، فجئت بهم أَسوقهم إلى أَبي بكر فنفلني أَبو بكر ابنتها فلم أَكشف لها ثوبًا.
وقد جاءَ في مسلم (كما نقله ابن برهان الدين) أَنَّ النبي ﷺ لما عاد سلمة بن الأَكوع طلب منه أَن يهب له تلك الفتاة الجميلة (جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر) قائلًا: يا سلمة: هب لي المرأَة لله أَبوك
стр. 1189
فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث ﷺ بهذه الفتاة إلى مكة ففدى بها أَسرى من المسلمين هناك.
وقفة تأمل وتدبر:
ولعل في هذا التصرف النبيل من قبل النبي الأَعظم ﷺ أَكبر دليل على دحض مزاعم أَعداءِ الله ورسوله من المستشرقين وفروخهم في الشرق الإِسلامي الذين ينكرون على الرسول الأَعظم ﷺ تزوجه بتسع نساءٍ، ويدَّعون أَنَّ ذلك منه بدافع الرغبة الجنسية .. والميل الشديد إلى اقتناء النساءِ.
فلو كان كما يزعمون (قبَّحهم الله) لاحتفظ لنفسه بهذه الفتاة الفزارية التي وهبها له سلمة بن الأَكوع، والتي هي (بإجماع المؤرخين) من أَجمل بنات العرب .. ولكننا نراه ﷺ يبعث بها إلى مكة ليفتدى بها أَسرى من أَصحابه .. الأَمر الذي يؤكِّد بطلان مزاعم أَعداءِ الله الآنفة الذكر.
وقد كان من بين القتلى المشركين في هذه الحملة: النعمان وعبيد الله أَبناءُ مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر.
وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى: (الذي ذكر أَن قائد الحملة هو زيد بن حارثة) ذكر أَن القائد زيدًا قتل أُم قرفة (الشيطانة)، أَمر بأَن تربط رجلاها بحبل بين جملين ثم زجرهما كل منهما في اتجاه معاكس فذهبا حتى قطعاها.
أما رواية الإمام مسلم (وهي المرجحة والأصح) فلم يذكر فيها قتل أم قرفة والله أعلم.
стр. 1190
وقال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية: أَما ابنها قرفة؛ الذي تُكنَّى به فقد قتله النبي ﷺ ، كما أَن بقية أَولادها قتلوا مع أَهل الردة في نجد، فلا خير فيها ولا في بنيها.
والذي يجدر ذكره هنا أَن إِحدى بنات أُم قرفة هذه واسمها (سلمى) كانت قد قادت تمرّدًا كبيرًا ضد جيش خالد بن الوليد الذي بعثه الصدِّيق لإِخضاع المرتدين ... قادت سلمى (وهي شيطانة مثل أمها) هذا التمرد في منطقة ظفر بنجد فتبعتها جموع غفيرة من فلال المرتدين الذين انهزموا في معركة بزاخة الشهيرة. وقد قُتِلت سلمى هذه في المعركة بعد أَن عانت منها جيوش خالد ومن أَتباعها الأَهوال حيث اشتبكوا معها في قتال مرير ليس بأَقل ضراوة من القتال الذي نشب بين جيوش خالد وجيوش المرتد طليحة بن خويلد الأَسدي (١) في بُزاخة.
стр. 1191
- ١٥ -
سرية كرز الفهري (١) ... إلى العرنين .. شوال، سنة ست من الهجرة
ففي هذا الشهر قدم نفر من عرينة (٢) ثمانية على رسول الله ﷺ ، فأسلموا، إلا أَنهم استوبأُوا المدينة وأُصيبوا ببعض الأَمراض.
فأَمر الرسول ﷺ بنقلهم إلى منطقة (الجدر) ناحية قباءٍ وعلى بعد ستة أَميال من المدينة بالقرب من جبل عير للاستشفاءِ حيث ترعى لقاحه (٣) في المنطقة الجيِّدة الهواءِ.
فمكثوا فيها مدة يتمتعون بالهواءِ النقي ويشربون من لبن لقاح النبي ﷺ حتى صحّوا وسمنوا، وهنا فعلوا فعل اللئيم الغادر الخائن المنكر للجميل.
стр. 1192
فقد عَدَوا على اللقاح التي غذاهم لبنها وأَسمنهم فاستاقوها وحاولوا الهرب بها إلى ديارهم، فأَدركهم يسار (١) مولى رسول الله ﷺ ، لاسترجاع اللقاح منهم (ومعه نفر قليل) فقاتلهم فتغلبوا عليه وعلى رجاله حتى قتلوه، وقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه.
ولما بلغ النبي ﷺ نبأَ هـہذا الحادث الفظيع انتخب عشرين فارسًا من أَصحابه وأَسند قيادتهم لكرز بن جابر الفهري، وأَمرهم بمطاردة العرينيين وإِلقاءِ القبض عليهم، فأَدركوهم، ثم أَلقوا عليهم القبض بعد أَن أَحاطوا بهم، ثم ربطوهم وأَردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة.
وكان النبي ﷺ موجودًا بالغابة فخرجوا بهم إليه لاتخاذ ما يراه من إِجراءٍ ضدهم، فالتقوا به ﷺ بالزغابة (مجمع الأَسيال) في ضواحي المدينة.
وبعد أَن أُجرى التحقيق معهم ثبتت إِدانتهم، فأَصدر النبي ﷺ حكمًا صارمًا ضدَّهم ليكونوا عبرة لغيرهم .. إِذ أَمر بهم فقطِّعت أَيديهم وأَرجلهم وسمل أَعينهم (٢) ثم أُمر بهم فصلبوا هناك.
ويقول ابن سعد: وفي ذلك أَنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية.
فلم يسمل النبي ﷺ بعد ذلك عينًا.
стр. 1193
- ١٦ -
سرية زيد بن حارثة إلى مدين ؟ ؟
ولم أَر فما بين يدي من مصادر تاريخ هذه الحملة .. ولكن الغالب على الظن أَنها حدثت في السنة الخامسة من الهجرة .. بدليل أَن ذكرها في السيرة الحلبية جاءَ قبل ذكر حملة علي بن أَبي طالب التي قام بها إِلى فَدَك لتأْديب بني سعد في شعبان سنة خمس من الهجرة.
قاد هذه السرية زيد بن حارثة إلى مدين وهي قرية نبي الله شعيب ﷺ وهي تجاه تبوك (على ما ذكره صاحب السيرة الحلبية).
ولم أَطلع في شيء من المصادر، على من جردت هذه الحملة، وكل ما في الأَمر أَن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أَن زيدًا ظفر بالقوم وأَصاب سببًا، ففرقوا في بيعهم بين الأُمهات والأَولاد، فخرج رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقال: ما لهم؟ .
فأَخبر أَنه فرَّق بين الأُمهات والأُولاد في البيع، فقال رسول الله ﷺ : لا نبيعوهم إِلا جميعًا، فصار ذللك النهي تشريعًا حرم العلماءُ بموجبه التفريق بين الأُم وأَي من أولادها في البيع، واعتبر الإِمام الشافعي البيع باطلًا إِذا كان فيه تفريق بين الأُم وأَحد أَولادها (١).
стр. 1194
- ١٧ -
بعث عمرو بن أمية الضمرى .. لقتل أبي سفيان بمكة .. شوال من السنة السادسة
وفي شوال وقبل الحديبية بحوالي شهر واحد بعث رسول الله ﷺ ، الفائك الفدائي المشهور (عمرو بن أُمية الضمري) وسَلمة بن أَسلم، إِلى أَبي سفيان بن حرب الذي كان قائدًا عامًّا لجيوش المشركين في مكة، وأَمرهما ﷺ أَن يقتلاه أَينما وجداه.
محاولة اغتيال الرسول ﷺ :
والسبب في الأَمر بقتل أَبي سفيان هو أَنه استأْجر رجلًا من الأَعراب وأَمره بالذهاب لاغتيال النبي ﷺ ، وفعلًا ذهب الأَعرابي حتى وصل المدينة وحاول اغتيال الرسول ﷺ ، إلَّا أَن الله كشف أَمره. فأَلقى عليه القبض قبل الشروع في جريمته ولدى إِجراء التحقيق معه اعتراف بكل شيء فعفى عنه النبي ﷺ ثم أَسلم بعد ذلك.
وخلاصة القصة أَن أَبا سفيان بن حرب جرى بينه وبين بعض القرشيين حديث حول تزايد قوة المسلمين وما أَنزلوا بالمشركين من هزائم. فقال أبو سفيان: أَلا أَحد يغتال محمدًا فإِنه يمشي في الأَسواق؟ .
فأَتاه رجل من الأَعراب (وقد بلغه ما قال أَبو سفيان) فقال له: قد وجدت أَجمعَ الرجال قلبًا وأَشدّهم بطشًا وأَسرعهم عدْوًا (يعني نفسه)
стр. 1195
فإِن أَنت قويتني (وفي رواية فديتني): خرجت إِليه حتى أَغتاله فإِن معي خنجرًا كخافية النسر فأَسوره ثم آخذه في عير، وأَسبق القوم عدوًا. فإِني هاد بالطريق خِرّيت.
فاغتبط أَبو سفيان قائلًا للأَعرابي: أَنت صاحبنا .. ثم أَعطاه بعيرًا ونفقة كافية، وطلب منه أَن يكتم أَمره قائلًا: أَطو أَمرك.
فخرج من مكة ليلًا. وكانت المسافة بين المدينة لا يقطعها الراكب إِلا بعد أَحد عشر يومًا، غير أَن الأَعرابي المذكور قطع هذه المسافة في خمسة فقط، إِذ لم تكن صبيحة اليوم السادسة إِلا وهو في المدينة.
وبمجرد وصوله عَقل راحلته ثم أَخذ يسأَل عن الرسول ﷺ لينفِّذَ الجريمة فاهتدى إِليه بسهولة لَأن النبي ﷺ لم يكن له حارس أَو حاجب يحول بين الناس وبين مقابلته في أَي وقت.
إن هذا ليريد غدرًا:
وفي مسجد بني عبد الأَشهل كاد الأَعرابي المأْجور ينفِّذ جريمة الاغتيال .. إِذ هناك وجد النبي ﷺ جالسًا، فدخل عليه المسجد كأَحد عامة المسلمين.
غير أَنَّ النبي ﷺ تفرّس في الأَعرابي وأَدرك أَنه يريد شرًّا فقال لتنفيذ الجريمة المكلف بتنفيذها.
إِلا أَن سيد الأَوس (أُسيد بن الحُضَير) (١) حال دون ذلك، إِذ