← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

- ١٥ - سرية كرز الفهري (١) ... إلى العرنين .. شوال، سنة ست من الهجرة ففي هذا الشهر قدم نفر من عرينة (٢) ثمانية على رسول الله ﷺ ، فأسلموا، إلا أَنهم استوبأُوا المدينة وأُصيبوا ببعض الأَمراض. فأَمر الرسول ﷺ بنقلهم إلى منطقة (الجدر) ناحية قباءٍ وعلى بعد ستة أَميال من المدينة بالقرب من جبل عير للاستشفاءِ حيث ترعى لقاحه (٣) في المنطقة الجيِّدة الهواءِ. فمكثوا فيها مدة يتمتعون بالهواءِ النقي ويشربون من لبن لقاح النبي ﷺ حتى صحّوا وسمنوا، وهنا فعلوا فعل اللئيم الغادر الخائن المنكر للجميل.

стр. 1192

فقد عَدَوا على اللقاح التي غذاهم لبنها وأَسمنهم فاستاقوها وحاولوا الهرب بها إلى ديارهم، فأَدركهم يسار (١) مولى رسول الله ﷺ ، لاسترجاع اللقاح منهم (ومعه نفر قليل) فقاتلهم فتغلبوا عليه وعلى رجاله حتى قتلوه، وقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه. ولما بلغ النبي ﷺ نبأَ هـہذا الحادث الفظيع انتخب عشرين فارسًا من أَصحابه وأَسند قيادتهم لكرز بن جابر الفهري، وأَمرهم بمطاردة العرينيين وإِلقاءِ القبض عليهم، فأَدركوهم، ثم أَلقوا عليهم القبض بعد أَن أَحاطوا بهم، ثم ربطوهم وأَردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة. وكان النبي ﷺ موجودًا بالغابة فخرجوا بهم إليه لاتخاذ ما يراه من إِجراءٍ ضدهم، فالتقوا به ﷺ بالزغابة (مجمع الأَسيال) في ضواحي المدينة. وبعد أَن أُجرى التحقيق معهم ثبتت إِدانتهم، فأَصدر النبي ﷺ حكمًا صارمًا ضدَّهم ليكونوا عبرة لغيرهم .. إِذ أَمر بهم فقطِّعت أَيديهم وأَرجلهم وسمل أَعينهم (٢) ثم أُمر بهم فصلبوا هناك. ويقول ابن سعد: وفي ذلك أَنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. فلم يسمل النبي ﷺ بعد ذلك عينًا.

стр. 1193

- ١٦ - سرية زيد بن حارثة إلى مدين ؟ ؟ ولم أَر فما بين يدي من مصادر تاريخ هذه الحملة .. ولكن الغالب على الظن أَنها حدثت في السنة الخامسة من الهجرة .. بدليل أَن ذكرها في السيرة الحلبية جاءَ قبل ذكر حملة علي بن أَبي طالب التي قام بها إِلى فَدَك لتأْديب بني سعد في شعبان سنة خمس من الهجرة. قاد هذه السرية زيد بن حارثة إلى مدين وهي قرية نبي الله شعيب ﷺ وهي تجاه تبوك (على ما ذكره صاحب السيرة الحلبية). ولم أَطلع في شيء من المصادر، على من جردت هذه الحملة، وكل ما في الأَمر أَن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أَن زيدًا ظفر بالقوم وأَصاب سببًا، ففرقوا في بيعهم بين الأُمهات والأَولاد، فخرج رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقال: ما لهم؟ . فأَخبر أَنه فرَّق بين الأُمهات والأُولاد في البيع، فقال رسول الله ﷺ : لا نبيعوهم إِلا جميعًا، فصار ذللك النهي تشريعًا حرم العلماءُ بموجبه التفريق بين الأُم وأَي من أولادها في البيع، واعتبر الإِمام الشافعي البيع باطلًا إِذا كان فيه تفريق بين الأُم وأَحد أَولادها (١).

стр. 1194

- ١٧ - بعث عمرو بن أمية الضمرى .. لقتل أبي سفيان بمكة .. شوال من السنة السادسة وفي شوال وقبل الحديبية بحوالي شهر واحد بعث رسول الله ﷺ ، الفائك الفدائي المشهور (عمرو بن أُمية الضمري) وسَلمة بن أَسلم، إِلى أَبي سفيان بن حرب الذي كان قائدًا عامًّا لجيوش المشركين في مكة، وأَمرهما ﷺ أَن يقتلاه أَينما وجداه. محاولة اغتيال الرسول ﷺ : والسبب في الأَمر بقتل أَبي سفيان هو أَنه استأْجر رجلًا من الأَعراب وأَمره بالذهاب لاغتيال النبي ﷺ ، وفعلًا ذهب الأَعرابي حتى وصل المدينة وحاول اغتيال الرسول ﷺ ، إلَّا أَن الله كشف أَمره. فأَلقى عليه القبض قبل الشروع في جريمته ولدى إِجراء التحقيق معه اعتراف بكل شيء فعفى عنه النبي ﷺ ثم أَسلم بعد ذلك. وخلاصة القصة أَن أَبا سفيان بن حرب جرى بينه وبين بعض القرشيين حديث حول تزايد قوة المسلمين وما أَنزلوا بالمشركين من هزائم. فقال أبو سفيان: أَلا أَحد يغتال محمدًا فإِنه يمشي في الأَسواق؟ . فأَتاه رجل من الأَعراب (وقد بلغه ما قال أَبو سفيان) فقال له: قد وجدت أَجمعَ الرجال قلبًا وأَشدّهم بطشًا وأَسرعهم عدْوًا (يعني نفسه)

стр. 1195

فإِن أَنت قويتني (وفي رواية فديتني): خرجت إِليه حتى أَغتاله فإِن معي خنجرًا كخافية النسر فأَسوره ثم آخذه في عير، وأَسبق القوم عدوًا. فإِني هاد بالطريق خِرّيت. فاغتبط أَبو سفيان قائلًا للأَعرابي: أَنت صاحبنا .. ثم أَعطاه بعيرًا ونفقة كافية، وطلب منه أَن يكتم أَمره قائلًا: أَطو أَمرك. فخرج من مكة ليلًا. وكانت المسافة بين المدينة لا يقطعها الراكب إِلا بعد أَحد عشر يومًا، غير أَن الأَعرابي المذكور قطع هذه المسافة في خمسة فقط، إِذ لم تكن صبيحة اليوم السادسة إِلا وهو في المدينة. وبمجرد وصوله عَقل راحلته ثم أَخذ يسأَل عن الرسول ﷺ لينفِّذَ الجريمة فاهتدى إِليه بسهولة لَأن النبي ﷺ لم يكن له حارس أَو حاجب يحول بين الناس وبين مقابلته في أَي وقت. إن هذا ليريد غدرًا: وفي مسجد بني عبد الأَشهل كاد الأَعرابي المأْجور ينفِّذ جريمة الاغتيال .. إِذ هناك وجد النبي ﷺ جالسًا، فدخل عليه المسجد كأَحد عامة المسلمين. غير أَنَّ النبي ﷺ تفرّس في الأَعرابي وأَدرك أَنه يريد شرًّا فقال لتنفيذ الجريمة المكلف بتنفيذها. إِلا أَن سيد الأَوس (أُسيد بن الحُضَير) (١) حال دون ذلك، إِذ

стр. 1196

أَمسك بالأَعرابي وشدَّه من يديه، وبعد أَن تم القبض عليه، قام أُسيد بن الحضير بتفتيشه فوجد الخنجر مخفيًا داخل إِزاره ... فأُسقطَ في يديه، وصاح خائفًا (بعد أَن اكتشفَ أَمره) دمى: دمى، فأَخذ أُسيد بن الحضير بلبتَّه وكاد يخنقه من الغيظ. ثم أَجرى التحقيق معه في الحال، وأَثناء التحقيق، قال له النبي ﷺ (وكان كعادته عفوًّا رحيما): أَصدقني ما أَنت؟ قال: وأَنا آمن؟ ، قال ﷺ : نعم، فأَخبره بكامل مخطط المؤامرة، فعفى عنه ﷺ ثم خلى سبيله، فاعتنق الأَعرابي الإِسلام بمحض إرادته. وقد تحدَّث الأَعرابي إلى النبي ﷺ بعد أَن أَصبح عضوًا في الأُسرة الإِسلامية، عما اعتراه ساعة شروعه في تنفيذ الاغتيال قائلًا: يا رسول الله، ما كنت أَخاف الرجال، فلما رأَيتك ذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به فعلمت أَنك على الحق، فجعل رسول الله ﷺ يبتسم. السعي لاغتيال أبي سفيان: وبعد هذه الحادثة استدعى النبي ﷺ عمرو بن أُمية الضمري (وكان فدائيًّا ممتازًا ومشهورًا في الجاهلية بأَنه فاتكًا يخافه الناس) استدعاه ﷺ وكلَّفه بأَن يذهب إِلى مكة لاغتيال أَبي سفيان بن حرب، وندب معه سلمة بن أَسلم (١) (وقيل جبار بن صخر

стр. 1197

الأَنصاري (١)) قائلًا: إِن أَصبتما منه (أَي أَبي سفيان) غِرّه فاقتلاه. فصدع عمرو بالأَمر. وما هي إِلا أَيام قلائل حتى كان وصاحبه بمكة إِلا أَنهما لم يتمكنا من اغتيال أَبي سفيان إِذ اكتشف أَمرهما بمجرد وصولهما مكة. قال ابن إِسحاق: فخرج عمرو وصاحبه حتى قدما مكة ليلًا. فقال جبار لعمرو: لو أَنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؟ فقال عمرو: إِن القوم إِذا تعشوا جلسوا بأَفنيتهم (تعبيرًا منه عن خوفه من أَن يكتشفوهم قبل أَن يقتلوا أَبا سفيان). فقال جبار: كلا إن شاءَ الله. قال عمرو: فطفنا بالبيت، وصلَّينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فوالله إِنا لنمشي بمكة إذ نظر إِليَّ رجل من أَهل مكة (قال ابن سعد: هو معاوية بن أَبي سفيان) فقال عمرو بن أُمية الضمري: إِنْ قدمها (أَي ما قدمِها) إِلَّا لشرّ، فقلت لصاحبي النَّجاءَ: فخرجنا نشتد حتى صعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا حتى إِذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفًا في الجبل فبتنا فيه، وقد أَخذنا حجارة فرضمناها دوننا. فلما أَصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسًا له ويخلي عليها. فقلت: إِن رآنا صاح بنا فأَخذنا فقتلنا. قال: ومعي خنجر قد أَعددته لأَبي سفيان، فأَخرج إِليه فأَضربه على ثديه ضربة. وصاح

стр. 1198

صيحة أَسمع أَهل مكة، وأَرجع فأَدخل مكاني، وجاءَه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمر بن أُمية الضمري، وغلبه الموت، فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه. قال عمرو: فلما أَمسينا خرجنا ليلًا من مكة نريد المدينة. أخذ جثة الشهيد خبيب (١): قال: ثم مررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي فقال الحراس: والله ما رأَيت كالليلة أَشبه بمشية عمرو بن أُمية لولا أَنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أُميَّة. قال عمرو: فلما حاذيت الخشبة؟ شددت على الخشبة فاحتمالتها وخرجت شدًّا (أَي عدوًا) وخرج الحراس ورائي فلم يقدروا علي, ثم أَتيت جرفًا بمهبط مسيل يأَجج فرميت بالخشبة في الجرف فغيَّب الله عنهم جثة (الشهيد) خبيب فلم يقدرا عليه. قتل جاسوس: وبينما كان عمرو وصاحبه عائدين إلى المدينة أَويا إلى كهف فوجدا به رجلًا من بني بكر ثم من بني الديل أَعور في غنيمة له فلم يتعرضا له بسوءٍ، ولكن الشيخ الأَعور رفع عقيرته بعد أَن اضطجع وقال: ولست بمسلم ما دمت حيًّا ... ولا دان لدين المسلمين

стр. 1199

فغاظ ذلك عمرو فقال في نفسه: ستعمه، فأَمهله حتى إذا نام أدخل طرف قوسه في عينه الصحيحة ثم تحمل عليها حتى بلغت العظم. ثم انطلق وصاحبه حتى إذا هبطا على النقيع (على ليلتين من المدينة) وجدا رجلين من قريش من المشركين بعثت بهما قريش للتجسس على المسلمين، فأَنذرهما عمرو وصاحبه بأَن يستسلما، فأبيا، فرمى عمرو أَحدهما بسهم فقتله ثم تمكن من أَسر الثاني، فأَوثقه ثم قدم به إلى المدينة. - ١٨ - مصرع ملك خيبر (أبو رافع): رمضان سنة ست من الهجرة ك ان سلَّام بن أَبي الحُقيق النضري (بعد مصرع طاغية بني النضيرُ حيِّي بن أَخطب) سيد خيبر المطاع، وكان لا يقل (عن حُيي بن أَخطب) عداوة للرسول ﷺ . بالإضافة إلى ذلك كان من كبار مجرمي الحرب الغادرة الظالمة التي شنَّها على المسلمين في المدينة (وبتدبيرٍ من يهود خيبر) عشرة آلاف مقاتل من الأَحزاب الوثنية المتحالفة (قريش وغطفان وأَشجع وَفزَارة وأَسلم). فقد كان سلام بن أَبي الحُقيق في مقدّمة وفد التحريض اليهودي الذي غادر خيبر في أَواسط السنة الرابعة من الهجرة ليطوف بمضارب البدو وفي نجد ومواطن القبائل في الحجاز لتحريضهم على غزو المسلمين وتدميرهم في المدينة.

стр. 1200

وعندما تحوَّل المشروع اليهودي من نطاق الفكر إلى حيِّز العمل، وتحركت (لإِبادة المسلمين في المدينة) تلك القوة الضاربة من أَعراب نجد وقبائل قريش ... كان (سلام بن أَبي الحقيق) هذا مع حيي بن أَخطب على رأْس هذه القوة الضاربة الغازية (١). كما أَن سلَّام بن أَبي الحُقَيق النَّضري هذا كانت له سابقة خطيرة في الإجرام والتآمر في المدينة قبل إجلاءِ بني النضير عنها. فقد كان سلَّام هذا، أَحد أَركان تلك المؤامرة الدنيئة التي كانت تستهدف حياة النبي الأَعظم ﷺ والتي شرع يهود بني النضير في تنفيذها عندما كان النبي ﷺ موجودًا أعزلًا في ديارهم مع قلة من أَصحابه جاؤوا إلى ديار بني النضير للبحث معهم في القيام ببعض التزامات تفرضها على اليهود معاهدة الحلف المعقود بين المسلمين وهؤلاءِ اليهود (٢). ولم يكن العفو الكريم الذي منحه النبي ﷺ يهود بني النضير والذي شمل في الدرجة الأُولى (سلَّام بن أَبي الحُقَيق) أَحد أَركان المؤامرة ... لم يكن العفو الكريم ليغيّر شيئًا من طبيعة هذا اليهودي.

стр. 1201

طبيعة الأَنانية والغدر والخيانة والتآمر والسعي للوصول (على أَكتاف الغير) إلى الغرض المنشود بأَية وسيلة مهما بلغت من الخسة والوضاعة (طبيعة اليهود في كل زمان ومكان). فقد رأَينا (كما تقدم) كيف أَنَّ (سلام بن أَبي الحُقَيق) بالرغم من تلك المعاملة الكريمة التي عامل بها النبي ﷺ يهود بني النضير. رأَينا كيف أَن سلَّام هذا وعصابته، لم تكد أَقدامهم تطأُ مدينة خيبر: حتى شرعوا في حبك المؤامرة الخطيرة التي كانت ثمرتها تعريض النبي ﷺ وأَصحابه لأَعظم خطر شهدوه في حياتهم وهو غزوة الأَحزاب. التي رافقَ قواتها الضاربة سلَّام بن أَبي الحُقيق هذا وزميله في التآمر حُيي بن أَخطب اللذان كانا يحلمان بالعودة إِلى المدينة .. أَما حيي بن أَخطب فقد لقى مصرعه في المدينة على أَثر محاكمة يهود بني قريظة. أَما أَبو رافع (سلَّام بن أَبي الحقيق) .. فقد تمكن من الإِفلات، فعاد إلى خيبر عقب انفضاض جيوش الأَحزاب عن المدينة مهزومة مدحورة. وقد رأَت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة أن التخلص من هذا اليهودي (سلام بن أَبي الحقيق) الذي آلت إِليه زعامة اليهود في خيبر بعد حيي بن أَخطب - رأَت أَن التخلص من هذا اليهودي (كمجرم حرب) أَمر لا بد منه. لأَن عداءَه المستحكم للإِسلام وحقده العارم المغتلم في نفسه على النبي ﷺ لن يتركا له فرصة يستريح فيها من عناء الكيد للإِسلام والتأْليب على المسلمين لإفنائهم حتى ولو أَعطاهم أَلف عهد ووقَّع معهم أَلف ميثاق.

стр. 1202

فمن المحتمل جدًّا (بما لدى هذا اليهودي المرابي من ثراءٍ واسع ولما يتمتع به من نفوذ اقتصادي كبير بين قبائل العرب الوثنية المعادية بطبعها للإِسلام) أَن يقوم مرة أُخرى بتأْليب هذه القبائل وتحزيبها وأَن يزيِّن لها غزو يثرب من جديد. فيشعل على المسلمين نارًا أُخرى. كما أَشعل (بالاشتراك مع حيي بن أَخطب) نار حرب الأَحزاب التي كاد فيها المسلمون أَن يبادوا عن آخرهم. بل إن حديث المؤرخين ليشير إلى أَن سلَّام بن أَبي الحقيق هذا لم يكد يصل خيبر (بعد فراره) حتى شرع في اتصالاته المشبوهة بزعماءِ القبائل الوثنية وخاصة قبائل غطفان .. وأَخذ يحرِّضها على المسلمين ويهيئها من جديد لشن حرب ثانية ضد المسلمين بقصد إبادتهم. الأَمر الذي يجعل المسلمين (حفاظًا على سلامتهم وأَمن أَراضيهم) أَن يفكروا في التخلص سريعًا من هذا اليهودي العنيد المتآمر الذي لن يترك لهم فرصة يستريحون فيها ما بقي على قيد الحياة. وما قدر على فعل ما يعتقد أَن فيه تدميرًا (أَو إزعاجًا وإقلالًا وترويعًا على الأَقل) لهم. لأَن من طبيعة اليهود عدم التردد في ارتكاب فعل الشر ما وجدوا السبيل إلى فعله، وما دام أَن فعله يخدم غرضًا من أغراضهم الخبيثة أَو يحقق هدفًا من أَهدافهم الشريرة. لذلك رأَت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة القضاءَ على هذا الزعيم اليهودي بأَسرع ما يمكن باعتباره مصدر خطر جسيم يهدد أَمن وسلامة أُمة بأكملها هي أُمة الإِسلام الوليدة في يثرب .. وباعتباره غادرًا

стр. 1203

وخائنًا متآمرًا، لن يتورع (لإِلحاق الضرر بالمسلمين) عن سلوك أَي سبيل .. في وقت فيه المسلمون أَحوج ما يكونون إلى الهدوءِ والاستقرار لمواجهة ما يهددهم من أَخطار لا تزال نُذُرُها تلمع في أُفق نجد والحجاز، حيث تتحفز قبائل غطفان (في انتظار الفرصة) لضرب المسلمين في المدينة لسلبها ونهبها. ولإعادة الاعتبار الذي فقدته عندما عادت قوتها دام أَكثر من أربعة أسابيع. كما أن قريشًا من جانبها وكل قبائل الحجاز الوثنية تتحين الفرص للإغارة على المسلمين وكسر شوكتهم كأَعداءَ عقائديين للوثنية التي هي دين تلك القبائل التي غضبت غضبًا شديدًا بسبب ظهور دعوة التوحيد التي جاء بها الإِسلام لتقام أَركانها على أَنقاض هذه الوثنية. وبالجملة فقد كانت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة (بالرغم من إحساسها إِحساسًا كاملًا بأَنها من الناحية العسكرية أَقوى مما كانت عليه قبل معركة الأَحزاب) تشعر بأَنها لا تزال محاطة بالأَخطار من الشمال والشرق والجنوب. بالإضافة إلى الخطر الداخلي الذي لا يزال الكيان الإِسلامي الوليد يعاني منه الشيء الكبير .. وهو خطر المنافقين الذين يتربصون (داخل المجتمع الإسلامي) بالإِسلام والمسلمين الدوائر. ولعل أَعظم خطر يخشاه المسلمون في تلك الفترة هو الخطر اليهودي الجاثم في خيبر على بعد مسافة لا تزيد على ٧٠ ميلًا من المدينة. وهذا الخطر وإن لم يكن متمثلا في قيام هؤلاء اليهود بغزو المدينة. إذ أن ذلك بعيد الاحتمال. حيث أَن القيام بالغزو ليس من طبيعة

стр. 1204

اليهود (طيلة وجودهم في جزيرة العرب) وإنما من طبيعتهم (كما وصفهم القرآن الكريم) القتال خلف جُدُرِ الحصون والقلاع والمستعمرات المحصنة (١). وإِنما يتمثل هذا الخطر اليهودي (في الدرجة الأُولى) في أَن تعاود اليهود طبيعتهم في التحريض على المسلمين والسعي لحشد حشود جديدة هائلة من الأَعراب ليقوموا بحرب خاطفة شاملة ضد المسلمين لحساب هؤلاءِ اليهود تحت تأْثير الإِغراءِ بالعطايا الجزيلة والرشاوى الكبيرة. ولهذا كان لا بد للمسلمين من القيام بعمل حاسم يتسم بالترويع والتخويف .. يكون فيه درس رادع لليهود وإنذار عملي بأَن هؤلاءِ اليهود (وخاصة زعماءُهم وكبار مجرميهم) لن يكونوا بمنأى عن تأْديب المسلمين وإنزالهم العقاب الصارم بهم جزاءَ تآمرهم حتى ولو كانوا في بروج مشيَّدة وحصون محصَّنة. ولم يكن هذا العمل الجريء المتسم بطابع المغامرة إِلا قتل ملك اليهود وكبيرهم في قصره وعلى فراش نومه. لأن ذلك يُعطي اليهود فكرة مجسَّدة عن قدرة المسلمين على المغامرة وعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله. وفي ذلك إذا ما نجح (دونما شك) تمزيق لأَعصاب اليهود وجعْلهم يتصورون أَن المسلمين معهم أَينما كانوا وأَنهہم قادرون على قتلهم متى شاءُوا .. الأَمر الذي ينسخ من أَذهانهم فكرة السعي مرة أخرى لغزو

стр. 1205

المسلمين في المدينة .. ويجعلهم (فقط) يحصرون همُّهم واهتمامهم في التحصن وحماية أَنفسهم من هؤلاءِ المسلمين. وهل هناك قوم يخيفون أَكثر من الذين يتمكنون من قتل أَكبر إنسان في قومه وهو في علياء حصنه وعلى فراشه بالسيف ... بالرغم من كثرة الأبواب الموصدة دونه والأَحراس المقامة عليه. ذلك بعض ما هدف إليه الفدائيون الخمسة الذين اتجهوا من المدينة إلى خيبر خصيصًا لقتل سيدها اليهودي وكبير مجرميها وزعيم متآمريها على الإِسلام والمسلمين (سلَّام بن أَبي الحُقيق الملقَّب بأَبي رافع). فللقيام بهذه المغامرة الخطيرة (وبعد استشارة النبي ﷺ ) تحرّك من المدينة المنورة ناحية خيبر خمسة من الفدائيين الأَنصار وكلهم من الخزرج. وهؤلاء الخمسة الفدائيون هم: ١ - عبد الله بن عتيك. ٢ - مسعود بن سنان. ٣ - عبد الله بن أَنيس. ٤ - الحارث بن ربعي أَبو قتادة. ٥ - خزاعي بن أَسود. وقد أَسند النبي ﷺ قيادتهم إلى (عبد الله بن عتيك) لأن من عادة النبي ﷺ أن لا يسند القيام بأَي عمل إلى أَكثر من اثنين إلا وأَمَّر عليهم أَحدهم لتكون روح الانضباط سائدة ولئلا تجد الفوضى لها أيَّ منفذ.

стр. 1206

وبعد أَن تهيأ هؤلاء الفدائيون للتوجه إلى خيبر لإنقاذ مهمتهم الشاقة الخطيرة، زودّهم النبي الأَعظم ﷺ بوصاياه الإِنسانية النبيلة المعهودة التي يوصي بمثلها (دائمًا) كل من يريد الإِقدام على أَيِّ عمل حربي .. أَوصاهم بأن لا يقتلوا وليدًا ولا يعتدوا على امرأَة (١). وبعد أَن تزوَّد هؤلاء الفدائيون الخمسة بتلك الوصايا الإِنسانية النبوية السامية التي لا تزال قاعدة يتبَّعها العالم المتمدن في الحروب العادلة تحرَّكوا من المدينة نحو منطقة خيبر. وكان ذلك في أَواخر السنة السادسة للهجرة في شهر رمضان (٢). الفدائيون في خيبر: ولم تكن إلا عدة أيام حتى كان الفدائيون الخمسة في مدينة خيبر. لقد كان دخول العرب إلى منطقة خيبر غير مستنكر لا سيما وأن أهلها (وخاصة أبا رافع المطلوب القضاء عليه) مرابون يقرضون الأعراب فروضًا ربوية تقوم عليها تجارة هؤلاء اليهود في خيبر بل في جميع أنحاء جزيرة العرب .. فالربا صفة تجارية ملازمة لليهود أينما حلّوا.

стр. 1207

تخفي الفدائيين بالنهار: ولقد كان بإمكان عبد الله بن عتيك وفصيلته من الفدائيين أن يتجولوا في مدينة خيبر. بل وأن يدخلوا إلى حصونها ويتحدثوا إلى أهلها بحرية تامة وفي أي وقت أرادوا كما يفعل غيرهم من الأعراب المجاورين لخيبر وغير المجاورين الذين يعرفھم يهود خيبر أو لا يعرفونهم لأن اكتظاظ خيبر دائمًا بالأعراب شيء مألوف، لأنها سوقهم الرئيسية التي يبتاعون منها حاجاتهم الضرورية من المواد الغذائية كالتمر والبر والشعير والذرة وغير ذلك. إذ أن خيبر تعتبر من أعظم تلك المناطق إنتاجًا للحبوب والتمور. ولذلك يسميها العرب آن ذاك. (ريف الحجاز) غير أن الذي حال بين الفدائيين الخمسة وبين التجوال في مدينة خيبر والظهور فيها نهارًا. واضطرهم إلى الإختفاء بالنهار والتحرك. بالليل فقط، وتحاشي التحدث إلى أي يهودي أو الاجتماع به، هو أن جميع يهود بني النضير نساءًا ورجالًا والذين أصبحوا من سكان مدينة خيبر يعرفون هؤلاء الفدائيين الخمسة فردًا فردًا، وحتى أصواتهم سيعرفونهم بها لأنهم منذ خلقوا وهم يعيشون معهم في المدينة. ولم يمض على خروج يهود خيبر بني النضير من المدينة إلى خيبر إلا بضعة عشر شهرًا. ولو عرف يهود خيبر هؤلاء الفدائيين لاكتشفوا أمرهم ولألقوا عليهم القبض وقتلوهم في الحال. لأنهم يعتبرون أَنفسهم في حالة حرب مع المسلمين. ولأنهم سيدركون أن هؤلاء الفدائيين (وهم أعداء ألداء اليهود). إما أن يكونوا جواسيس وإما أن يكونوا جاءُوا لقتل أحد من سادات اليهود. ـ

стр. 1208

اللغة العبرية: غير أن هناك أمرًا ساعد قائد فصيلة الفدائيين على تخطى بعض هذه الصعاب الشديدة وهو أنه كان يجيد اللغة العبرية (لغة دينهم) كأهلها .. وكانت هذه اللغة بالنسبة للسواد الأعظم من يهود الجزيرة تعتبر لغة ثانوية إلى جانب اللغة العربية التي يجيدها السواد الأعظم من اليهود أكثر مما يجيدون اللغة العبرية (لغة دينهم) والتي لا يجيدها إلا الأحبار والزعماءُ والقادة. ولقد ساعد إلمام عبد الله بن عتيك باللغة العبرية على تيسير مهمته، حيث يسَّر له الاختلاط ببعض يهود خيبر، ويحتمل أن عن طريق مخاطبتهم باللغة العبرية حصل على أهم المعلومات التي يتوقف تنفيذ خطة قتل (أبي رافع) على الحصول عليها. الخطة .. والتنفيذ: بعد الحصول على المعلومات الهامة التي يظهر أن الحصول عليها استغرق عدة أيام, شرع الفدائيون الخمسة في رسم الخطة للقضاء على رأس الغدر والخيانة والتآمر (أبي رافع سلام بن أبي الحقيق) حسب أوامر القيادة العليا في المدينة. وكانت الخطة تتلخص فيما يلي حسب وصف جمهرة المؤرخين: ١ - على الفدائيين الخمسة أن يتسللوا ليلًا إلى داخل الحصن بطريقة يتم الاتفاق عليها. ٢ - عند نجاحهم في الدخول إلى الحصن عليهم أن يستولوا على

стр. 1209

مقاليد أبواب الحصن التي كان قائد الفدائيين قد عرف أين توضع بعد قفل الأبواب. ٣ - بعد ذلك، عليهم الاختفاء في أماكن الدواب حتى يمضي من الليل أكثره فيسكن الناس وينام الحراس .. وينصرف من مجلس رافع سُمَّاره الذين يسامرونه من الزعماء كل ليلة. ٤ - في النصف الثاني من الليل، على الفدائيين أن يتحركوا في غلس الظلام نحو الممرات والدهاليز التي تؤدي إلى غرفة نوم (أبي رافع) على أن يكون ذلك بحذر شديد ويقظة متناهية. ٥ - عند اجتياز كل باب من أبواب دهاليز وممرات الحصن عليهم أن يقفلوا هذه الأبواب من الداخل على أنفسهم ويأخذوا المفاتيح بأيديهم. ٦ - بما أن تحركهم في الممرات نحو غرفة الطاغية سيكون آخر الليل حيث يكون جميع الحرس قد ناموا، فإن عليهم أن يقفلوا من الخارج باب كل غرفة (في حذر) على من فيها من الحرس والخدم، ويأخذوا الأقاليد (المفاتيح) معهم بعد القيام بكل هذه العمليات التي كان تنفيذها يكاد يكون من المستحيلات, لأنها من الصعوبة بمكان عظيم في زمن يشعر فيه اليهود بأنهم معرضون لأي خطر من قبل المسلمين الذين هم معهم في حالة حرب ... . ٧ - بعد قيام الفدائيين بهذه العمليات الصعبة التنفيذ .. عليهم أن يتجهوا بأسلحتهم المخفية داخل ثيابهم نحو غرفة الطاغية (أبي رافع سلام بن أبي الحقيق) التي عرفها قائد الفدائيين بالتحديد لدى

стр. 1210

قيامه بالتحرِّي)، وذلك لتنفيذ المرحلة الأخيرة من الخطة وهي قتل الطاغية. ٨ - اتفقوا على أن يقتحموا غرفة الطاغية وهو على فراش نومه. ولدى اقتحام الغرفة ليس من حق أي من الفدائيين التحدث إلى كائن من كان. إلا قائد الفدائيين (ابن عتيك) فإن من حقه أن يتكلَّم بما تمليه الضرورة لأنه الوحيد الذي يجيد اللغة العبرية والتي يمكنه عن طريقها التمويه على اليهود. إذا ما اكتشف أمره وأمر فصيلته. ٩ - عليهم ألا يهيِّجوا أحدًا من يہهود الحصن. وأن لا يقتلوا أحدًا إلا في حالة الدفاع عن النفس لأن ذلك يفسد عليهم خطتهم ولأنهم لم يؤمروا إلا بقتل الطاغية (أبي رافع فقط). ١٠ - وكما هي أوامر النبي ﷺ عليهم أن لا يقتلوا امرأة أبي رافع التي أدخلوا في حسابهم أثناء وضع الخطة وجودها في حجرته وقيامها بمدافعتهم أو الصياح، وكل ما يجوز لهم فعله في حالة وجودها تهہديدها أو تكميم فمها (عند الفتك بأبي رافع) إذا اقتضت الضرورة ذلك. هذه هي الخطوط العريضة للخطة التي رسمها الفدائيون الخمسة للتخلص من رأس الغدر والخيانة والتآمر أبي رافع. لقد رسم الفدائيون هذه الخطة الجريئة. وعند رسمها لم يفكروا كيف يمكنهم العودة من قمة الحصن الذي ينام في عليته أبو رافع وكيف يمكنهم المرور بالدهاليز والممرات الطويلة والحجر المنتشرة على جوانبها والتي لن يصلوا إليها إلا وقد وصل خبر اغتيال الطاغية .. إن باقي اليهود

стр. 1211

نعم لم يفكروا في العودة، لأن هدفهم هو تنفيذ أوامر قائدهم الأعلى النبي ﷺ , وإذا تمَّ تنفيذ الأمر فلا يهمهم بعد ذلك كيف تجئ نتائج هذا التنفيذ. اختلاف المؤرخين: ومع إجماع المؤرخين وأصحاب الحديث على أن الفدائيين الخمسة قد نجحوا في القضاء على طاغية يهود خيبر وهو على فراش نومه .. إلا أنهم اختلفوا في كيفية تنفيذ الخطة .. ومن هو الذي قام (شخصيًّا) بالقضاء على أبي رافع. فأكثر أصحاب المغازي والسير وعلى رأسهم إمامهم (محمد بن إسحاق) يرون أن الفدائيين الخمسة كلهم اشتركوا (مع قائدهم عبد الله بن عتيك) في القضاء على الطاغية اليهودي، وأن الذي أثبت أبا رافع وقضى عليه هو (عبد الله بن أنيس). وكل أصحاب الكتب الستة والسير (ما عدا الإمام البخاري) يتفقون مع ابن إسحاق في رأيه، إلا أن الإمام البخاري (مع اتفاقه مع أصحاب الكتب الستة وأصحاب السير في نجاح الفدائيين في مهمتهم)، يختلف معهم في أمرين اثنين (فقط) وهما: ١ - أنه روى أن قاتل (أبي رافع) هو قائد الفدائيين عبد الله بن عتيك، لا عبد الله بن أنيس. ٢ - لم يذكر أن بقية الفدائيين لم يدخلوا الحصن.

стр. 1212

ونحن سنورد رواية ابن إسحاق التي عليها الجمهور, ثم نورد رواية البخاري، لأنها بحق أكثر تفصيلًا، وأدقّ في السياق عند وصف الحادث. رواية ابن إسحاق وخلاصة رواية ابن هشام عن ابن إسحاق هي أن قائد الفدائيين الخمسة لما وصل بهم خيبر دخل بهم دار (أبي رافع) ليلًا ولم يحدثنا كيف دخل هؤلاء الفدائيون. إلا أنه قال: إنهم لم يدعوا بيتًا في الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان (أبو رافع) في عليَّة له لا يصل إليه إلا على عجلة (١) منصوبة له إليها، فأُسندوا فيها (٢) حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه. فلما دخلوا عليه أغلقوا عليهم وعليها الباب تخوّفًا أن تكون دونه مجاولة (٣) تحول بينهم وبينه. قال أحد الذين روى عنهم ابن إسحاق الحادثة: "غير أن امرأته

стр. 1213

صاحت فنوَّهت بنا (١) وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا فوالله ما يدُلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية (٢) ملقاه. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع سيفه ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ (٣) فيكفّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، أي لقتلناها. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: (قطني, قطني) أي: حسبي حسبي، قال فخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك رجلًا سيء البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبًا شديدًا - ويقال - رجله فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتي منهرًا (٤) من عيونهہم فندخل فيه. قال: فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، قال: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ . قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس, قال فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح. تنظر في وجهه وتحدِّثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك, ثم أكذبت نفسي وقلت: أنَّى ابن عتيك بهہذه البلاد؟ .

стр. 1214

ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، ثم قالت: فاظ (١) وإله يهود، فما سمعت من كلمة كانت ألذَّ إلى نفسي، ثم احتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله، كلنا يدَّعيه، فقال رسول الله ﷺ : هاتوا أسيافكم، قال: فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. وفي رواية ابن سعد في الطبقات الكبرى: أن النبي ﷺ لما رأى الفدائيين عائدين إلى المدينة قال: أفلحت الوجوه! فقالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. رواية البخاري: أما رواية الإمام البخاري والتي هي أكثر تفصيلًا وتناسقًا فهي كما يلي: فقد ذكر في صحيحه في باب قتل أبي رافع (٢) أن الفدائيين لما وصلوا إلى خيبر أمرهم قائدهم عبد الله بن عتيك بالبقاء حيث هم كي ينطلق للقيام بالتحري قائلًا: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق لأنظر (أي أتحرَّى) قال ابن عتيك: فتلطفت أن أدخل الحصن، قال: ففقدوا حمارًا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه ... قال فخشيت أن أُعرف، قال: فغطيت رأسي ورجلي كأني أقضي حاجة .. ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل

стр. 1215

أن أغلقه (وفي رواية فهتف به أي بابن عتيك - يا عبد الله (ناداه بذلك كما ينادي الشخص شخصًا لا يعرفه. وهو يظنه من أهل الحصن) إن تريد أن تدخل فادخل. فإني أريد أن أغلق الباب. قال: فدخلت .. فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علَّق الأغاليق (١) على وتد. أما أنا فاختبأت في مربط حمار عند باب الحصن ... وكان أبو رافع يُسمَر عنده وكان في علاليّ له فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة قمت إلى الأقاليد (٢) فأخذتها ففتحت الباب .. قال: قلت: إن نذر (٣) بي القوم انطلقت على مهل. قال: ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهرها وجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت على من داخل .. قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله (٤). فانتهيت إليه فإذا هو في بنيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت فقلت: يا رافع. قال: من هذا؟ . قال: فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دَهِش (٥) فما أغنيت شيئًا (أي لم تصنع به الضربة شيئًا). وصاح. فخرجت من البيت غير بعيد (٦).

стр. 1216

ثم جئت كأني أغيثه. فقلت: (أي بالعبرية): ما لك؟ وغيَّرت صوتي. فقال: لأُمك الويل. دخل عليَّ رجل فضربني بالسيف. قال: فعمدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا: فصاح وقام أهله .. ثم جئت وغيَّرت صوتي كهيئة المغيث, فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه. ثم انكفى عليه حتى سمعت صوت العظم (بعد أن أخذ السيف في ظهره) فعرفت أني قتلته. قال: فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا ثم خرجت دهشًا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل. فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل (١) فقلت: انطلقوا فبشِّروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية. فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز (٢). فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته وحدَّثته, فقال لي: ابسط رجلك. فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط (٣). وقد علق الإمام ابن كثير في البداية والنهاية على

стр. 1217

روايتي البخاري هذه بقوله: (تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة". ثم قال: (أي البخاري) قال الزهري: قال أُبي بن كعب: فقدموا على رسول الله ﷺ وهو على المنبر فقال: أفلحت الوجوه، قال: (أي ابن عتيك): أفلح وجهك يا رسول الله، قال: أفتكتموه؟ قالوا: نعم، قال: ناولني السيف. فسلمه فقال: أجل، هذا طعامه في ذباب السيف (١). ليس هناك تناقضًا: قد يبدو (لأول وهلة) للقارئ، أن هناك تناقضًا بين رواية البخاري وبين رواية ابن إسحاق وبقية أصحاب الكتب الستة حول سياق قصة الفدائيين الخمسة. غير أن الناظر بتأمل وتفحص يجد أن لا تناقض بين الروايتين. بل يجدانهما قد اتفقتا حول عناصر القصة الأساسية وأن ما يمكن اعتباره تباينًا بين الروايتين هو تصريح البخاري في روايته بأن قاتل (أبي رافع) هو قائد الفدائيين عبد الله بن عتيك. وقول ابن إسحاق وبقية أصحاب الكتب الستة: أن قاتله هو عبد الله بن أنيس، لا عبد الله بن عتيك. وهذا إشكال يمكن حله بالقول أنه: يمكن أنه حصل التباس من الراوي، فأملى أن قاتل الطاغية هو عبد الله بن أنيس (كما هو عند ابن إسحاق) بدلًا من اسم عبد الله بن عتيك (كما هو عند البخاري). لا سيما وأن هناك تشابهًا كبيرًا بين الاسمين.

стр. 1218

نقول هذا لأَننا نرجح رواية الإمام البخاري لاسيما وأَنها جاءت في صحيحه الذي هو أَصح كتاب بعد كتاب الله العزيز. وأَن أَسانيد بقية الروايات لا تصل إلى سند رواية البخاري من حيث القوة. أَما ما جاء في صحيح البخاري من أَن ابن عتيك قال لبقية رجاله: أَبقوا مكانكم حتى أَنظر , فليس فيه ما ينفي اشتراكهم معه في العملية , إذ يحتمل أَنه بعد أَن نظر وقام بالاستكشاف رجع وأَخذهم معه كقائد مسؤول، وأَنه كان يتحدث باسان القائد الذي ينسب إليه فعل كل شيء حتى وإِن لم يكن هو الذي فعل كل شيء .. كما أن عدم ذكر دور بقية الفدائيين في رواية البخاري لا ينفي اشتراكهم. إذ يحتمل أَن يكونوا ظلوا كالحرس يحمون ظهر قائدهم حتى قام بالقضاءِ على أَبي رافع .. أَما قول ابن عتيك (في رواية البخاري) ثم أَتيت أَصحابي أحجل الخ. فلا ينفي أَيضًا اشتراكھهم مع قائدهم في العملية إذ لا يستبعد أَن يكونوا قد سبقوه فخرجوا قبله وتأَخر هو بسبب ما حدث له من كسر في رجله، ولأَن القائد عند الانسحاب عادة يكون آخر من ينسحب. بهذا يتضح أَنه لا تناقض ولا تباين يذكر بين الروايتين. كما قد يتسرب إلى بعض الأَذهان. المطاردة: وبعد أَن نجح الفدائيون في القضاء على (سلام بن أبي الحقيق) وعرب يهود خيبر حقيقة الخبر تأَكد لهم أن فدائيين من المسلمين هم الذين قضوا عليه. لا سيما بعد تصريح زوجته أَنها سمعت صوت عبد الله بن عتيك.

стр. 1219

وقد جد اليهود في مطاردة الفدائيين بغية قتلهم أَو اعتقالهم فانتشر منهم ثلاثة آلاف يفتشون عن الفدائيين قبل طلوع الفجر ولكن دون جدوى، فبالرغم من أَن اليهود كانوا سريعين جدًّا في القيام بعمليات التفتيش، وبالرغم من أَن قوات اليهود كانت تقوم بهذا التفتيش، والفدائيين لمَّا يزالوا داخل خيبر، إلا أَن هذه القوات عجزت عن أَن تعثر على واحد منهم. قال ابن سعد -يصف مطاردة اليهود الفدائيين الخمسة: وصاحت امرأَته فتصايح أَهل الدار واختبأَ القوم في بعض مناهر خيبر. وخرج الحارث أَبو زينب (١) في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران (أَي بالمشاعل في ظلام الليل) فلم يروهم، فرجعوا ومكث القوم (أَي الفدائيون) في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة (٢). -١٩ - مقتل ملك اليهود الثاني في خيبر .. أَسيد بن زارم شوال سنة ست للهجرة وبعد أَن لقى ملك خيبر الثاني (أَبو رافع) مصرعة على أَيدي الفدائيين في شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة .. قامت يهود بتنصيب (أُسيد بن زارم) ملكًا على خيبر خلفًا لأَبي رافع.

стр. 1220

فجدُّ أُسَير, كسلفه أَبي رافع في مواصلة السعي لشن حملة أَحزاب جديدة على المسلمين في المدينة. فلدي تنصيبه جمع سادات اليهود في خيبر وأَبلغهم بأَن لديه خطة لغزو المسلمين، لم يسبقه إليها أَحد من ملوك خيبر. فقد قال لزعماء اليهود في خيبر: إني صانع بمحمد ما لم يصنعه أَصحابي. فقالوا له: وما عسيت أَن تصنع؟ قال: أَسير في غَطفان فأَجمعهم بنفسي لحزبه. فوافقوه قائلين: نعم ما رأَيت (١). وفعلًا، غادر (أُسير بن زارم) خيبر لتنفيذ خطته العدوانية ضد المسلمين، فذهب إلى مناطق القبائل النجدية (غطفان وغيرها من القبائل المحيطة بالمدينة) وصار يتنقَّل بين مضارب البدو. ومخيمات العشائر الوثنية يحرِّضها على حرب رسول الله ﷺ ويجمعها لغزو المدينة. وكان كسلفه (حيي بن أَخطب وسلَّام بن أَبي الحقيق) يستخدم المال الرشوة زعماءِ العشائر الوثنية أي ليحشدوا له أَكبر عدد ممكن من الرجال لحرب النبي ﷺ ... تمامًا كما فعل حُييُّ بن أَخطب وباقي زعماء خيبر عندما سعوا بين أَعراب نجد وعشائر الحجاز فجمعوا تلك الجيوش الجرارة التي جاءُوا يقودونها في شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة فأُندحروا ذلك الاندحار الشنيع كما هو مفصل في كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من سلسلة (معارك الإِسلام الفاصلة).

стр. 1221

الاستخبارات النبوية في خيبر: ولم تكن المدينة غافلة عن التحركات المشبوهة التي يقوم بها اليهود في خيبر ضد المسلمين فقد جعلتهم أعمال الخيانة إلى قام بها اليهود في غزوة الأَحزاب على حذر دائم وتنبّه مستمر لكل حركة أَو سكنة تقوم بها الزعامة اليهودية في منطقة خيبر. ولذلك فقد تبلَّغ النبي ﷺ من عيونه على اليهود نبأَ المشروع العدواني الذي أَخذ أُسير بن زارم (ماك خيبر الجديد) في الإعداد لتنفيذه ضد المسلمين. وكان هذا كافيًا لقيام النبي ﷺ بقتل هذا اليهودي المتآمر الخطير .. إلا أَن النبي القائد ﷺ أحب التأَكد من هذه الأَنباء قبل الإقدام على أَى عمل كما هي عادته ﷺ في تحرِّي الأَمور وعدم التسرع في تصديق كل ما يصل إلى أذنه من أخبار. عبد الله بن رواحة في خيبر: فاستدعى ثلاثة من أَصحابه على رأْسهم عبد الله بن رواحة (١) أَمره ﷺ بأَن يذهب مع صاحبيه إلى خيبر المتحرّي عن الذي بلغه من اعتزام (أُسير بن زارم) تحشيد الأَعراب وقيادتهم لغزو النبي ﷺ , ومحاربته في المدينة. فصدع عبد الله بن رواحة الأَمر وانطلق مع صاحبيه حتى دخلوا خيبر متنكرين، وبعد التحرّي والبحث وجدوا أَن الخبر كان صحيحًا كما بلغ النبي ﷺ .

стр. 1222

وهنا رأَى النبي ﷺ أَنه لا بد من القيام بعمل حاسم لدرء خطر هذا اليهودي الشرير، لئلا تتعرض المدينة لغزوة أَحزاب أُخرى قد يصعب على المسلمين النجاة من أَهوالها. لذلك استدعى ثلاثين من أَصحابه وأَعطى قيادتهم لعبد الله بن رواحة، وأَمره بأَن يتوجه برجاله إلى خيبر، وأَن يتصل أَولًا (بأُسير بن زارم) ويحاول بالطرق السامية إقناعه بالتخلي عن فكرة الحشد ومحاربة المسلمين وأن يجنح للسلم والتفاوض مع النبي ﷺ . ففي أَوائل شهر شوال من تلك السنة تحرك عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا نحو خيبر وحتي إذا ما وصلوا مشاوفها بعث الأَمير عبد الله بن رواحة إلى ملكها (أُسَير) بضم أَوله وفتح ثانيه: بأَنه يرغب في مفاوضته ويطلب منه الأَمان والسماح له ولرجاله بدخول خيبر قائلًا: (نحن آمنون - نعرض عليك - ما جئنا له؟ ) فوافق (أُسَير) على طلبهم قائلًا: نعم، ولي منكم مثل ذلك، فقالوا: نعم (١). وبعد أَن وثق كل من الفريقين بأَمان الآخر، دخل عبد الله بن رواحة برجاله مدينة خيبر ولدى اجتماعه بملكها (أُسَير بن زارم) أَبلغه بأَنه يحمل إليه رسالة شفوية من النبي ﷺ . وكانت الرسالة تتضمن دعوة ملك اليهود (أُسير) الذهاب إلى المدينة ليقابل النبي ﷺ بنفسه لينهوا حالة الحرب القائمة بين الفريقين على أَن يبقيه النبي ﷺ أَميرًا على خيبر ... حيث قال له ابن رواحة: يا أُسير إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك (٢).

стр. 1223

خروج ملك خيبر إلى المدينة: ولدى عرض هذه الدعوة على ملك خيبر طلب من المبعوث النبوي إعطاءَه مهلة للتشاور مع بقية زعماء خيبر. ولدى اجتماع (أُسير) ببقية الزعماء اليهود أَخبرهم بفحوى الدعوة النبوية له إلى المدينة، وطلب استشارتهم، فأَشاروا عليه بأَن لا يجيب هذه الدعوة وأَن لا يذهب إلى المدينة قائلين: ما كان محمد ليستعمل رجلًا من بني إسرائيل. ولكن (أُسيرًا) خالفهم في رأْيهم وقرر الذهاب إِلى المدينة لمقابلة النبي ﷺ كما دعاہهـ قائلًا: بلى لقد ملّ (محمد) الحرب. ولما كان أُسير بن زارم ملكًا، فلم يعترض باقي زعماءُ خيبر على قراره، فخرج في ثلاثين من خلصاء أَصحابه بصحبة عبد الله بن رواحة وقومه. وقد أَردف كل رجل من أَصحاب عبد الله بن رواحة رجلًا من أَصحاب (أُسير بن زارم) وكان سيد خيبر (أُسير) رديف عبد الله بن أَنيس (١) وكان أُسير بن زارم رجلًا شجاعًا (٢). ك يف قتل ملك خيبر: لقد كان عبد الله بن رواحة وأَصحابه أمناء في أَداء رسالة النبي ﷺ إلى ملك خيبر (أُسير بن زارم) وصادقين فيما أَعطوا من عهد

стр. 1224

بالأَمان لملك خيبر وأَصحابه , ولم تراودهم أَية فكرة عن قتل هؤلاء اليهود أَثناءَ الطريق، لأَن الغدر جريمة كبرى حرَّمها الإِسلام وخاصة بمن أعطى عهدًا وأَمانًا. حاولوا الغدر فقتلوا: غير أن طبيعة الغدر المتأَصلة في اليهود جعلت عبد الله بن رواحة وأَصحابه يكونون على حذر دائم من غدرهم. ولهذا جعل كل رجل من أَصحاب ابن رواحة رجلًا من أَصحاب ابن (زارم) رديفًا خلفة. وبينما كانوا سائرين في اتجاه المدينة حاول اليهود الغدر بالمسلمين، فقد أَهوى أُسير بن زارم بيده إلى سيف عبد الله بن أَنيس ليقتله، إلا أَنه كان أَسرع منه إذ فطن لذلك، فانتزع السيف من يده وقتله، ثم دارت معركة بين بقية الركب تمكن فيها المسلمون من القضاء على ابن زارم وجماعته ما عدا رجلًا واحدًا تمكن من الفرار.

стр. 1225

الفصل الثاني * رسوخ جذور الإسلام في جزيرة العرب. * قوة المسلمين وقدرتها على الصمود والردع. * النبي يستنفر أصحابه لزيارة الكعبة بعد حرمان دام ست سنوات. * استجابة المؤمنين للنبي .. وتخاذل المنافقين والأعراب عنه. * الخطر المحدق بالرحلة. * النبي يبلغ قريشًا (رسميًّا) أن خروجه ليس للحرب وإنما للعمرة. * قريش تغضب وتقرر صد المسلمين عن البيت بقوة السلاح. * ثمانية آلاف مقاتل تخرج من مكة لاعتراض المسلمين ومنعهم من دخول الحرم. * النبي ﷺ يعلن أسفه لاتخاذ قريش قرارها الغاشم. * خالد بن الوليد يسد الطريق على المسلمين بفرسانه. * النبي يغير اتجاه سيره نحو الحديبية لئلا يصطدم بفرسان خالد. * النبي يعسكر في الحديبية (خارج الحرم) في انتظار فرصة يتحقق فيها السلام. * إعلان الرسول ﷺ استعداده لقبول أية خطة تعرضها قريش فيها صون للحرم عن سفك الدم. * قريش ترفض ثلاثة عروض عرضها النبي وهو في الحديبية. * أربعة وسطاء يفشلون في حل الأزمة المعقدة. * الانشقاق الخطير في معسكر قريش.

стр. 1226

* سيد الأحابيش، حليف قريش الأكبر ينتقد موقفها ويهدد بالغاء الحلف إن لم تسمح للمسلمين بزيارة البيت. * عروة بن مسعود الثقفي يترك معسكر حلفائه القرشيين احتجاجًا على صدهم المسلمين. *** لقد ظل النبي ﷺ يدعو قومه في مكة (بالطرق السلمية) طيلة ثلاث عشرة سنة، لقى فيها وأَصحابه من قريش شتى أَنواع المضايقة والإِرهاب والتنكيل إِلى درجة بلغ فيها الطغيان بقريش إلى تعذيب المستضعفين تعذيبًا وحشيًّا، فقد البعض منهم أَرواحهم تحت وطأَته الشديدة، لا لشيء إِلا أَنهم اختاروا على دين الوثنية دين التوحيد فاتبعوه واتبعوا حامل لواءِ دعوته. بل لقد لجت قريش في بغيها وعدوانها حتى بلغ بها العناد والطغيان إلى أَن دبَّرت مؤامرة دنيئة تستهدف حياة النبي الأَعظم ﷺ ، وذلك في أَواخر السنة الثالثة عشرة من بدء حمل النبي ﷺ لواءَ الدعوة إلى التوحيد، فاتفق ساداتها ونواب عشائرها (بالإِجماع) في برلمانهم الوثني بمكة (دار الندوة) على قتل النبي ﷺ إعتقادًا منهم أَن دعوة التوحيد التي رسخت جذورها في نفوس المؤمنين بها داخل مكة وخارجها ستموت بموته. إلا أَن الله نجَّى رسوله من شَرِّ هذه المؤامره الخطيرة فتمكن (هو وصاحبه الصدِّيق الأَكبر) من مغادرة مكة في الليلة التي اتفق فيها المشركون على تنفيذ المؤامرة (١).

стр. 1227

كما غادر مكة (قبله وبعده) الأَغلبية الساحقة من الأَصحاب الذين آمنوا بدعوته واجتمع شمل الجميع هناك في دار الهجرة (المدينة المنوّرة). وما كانت قريش ترغب في أَن يغادر النبي ﷺ مكة إلى المدينة، بل إنها لتخشى ذلك أَشدَّ الخشية، لذلك قررت في برلمانها قتله ﷺ . لأَن وصوله إلى المدينة سالمًا معناه بناءِ أُمَّة جديدة هناك قد يقودها هذا الذي تمكنَّ من الإِفلات من سيوف الشرك للإِطاحة بالكيان الوثني داخل مكة مقر كرسي كهنوت الوثنية الرئيسي. ولكن ما حيلة قريش، فقد وقع الذي تخشاه، حيث وصل النبي ﷺ إلى المدينة سالمًا فاستقبل أَعظم استقبال عرفته المدينة في تاريخها. حروب فاشلة: لم تتم قريش ولم تستكن بعد هجرة النبي ﷺ وأَصحابه إلى المدينة، لا سيا بعد أَن أَصبحت المدينة الحاضرة الأَولى لدولة إِسلامية انضوى تحت لواءِها الأَغلبية الساحقة من سكان يثرب. لقد ظلت الرغبة الشريرة المتأَججة في نفوس مشركي مكة تضغط عليهم بشكل عنيف (هو أَقرب إلى الجنون) ليسيروا في طريق بغيهم وعدوانهم على المسلمين وظلمهم لهم. وأول قرار غاشم ظالم اتخذه برلمان مكة (دار الندوة) هو ذلك القرار الذي أَعلنوا فيه أَنهم يعتبرون المسلمين أَعداء محاربين يجب قتلهم أَينما وجدوا. كما اتخذ المشركون قرارًا غاشمًا آخر يقضي بمنع المسلمين (دون سائر العرب) من دخول الحرم.

стр. 1228

ونتيجة تنفيذ هذا القرار، ظل المسلمون في المدينة (طيلة ست سنوات) محرومين من دخول الحرم ممنوعيين من الطواف بالبيت الذي يتحرقون شوقًا إلى زيارته. ولم تكتف قريش بذلك، بل رغبة منها في هدم الإسلام ومحو آثاره من الوجود سلكت كل سبيل تقدر على سلوكهـ لقتل النبي ﷺ ، وهو في المدينة .. فدبرت عدة مؤامرات لاغتياله، ولكن هذه المؤامرات كلها فشلت كما هو مفصَّل في غير هذا المكان من هذا الكتاب ومن كتبنا الأربعة السابقة له ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة). الحرب الشاملة: بل لقد ألح الحقد الوثني المتأجج في نفوس مشركي مكة .. ألحَّ هذا الحقد العارم عليها القيام بحروب شاملة وغزوات منظمة لخضد شوكة المسلمين وقطع تيار دعوة التوحيد إلى الأبد. فقامت بعدة حملات عسكرية قوية ضدّ المسلمين, وصلت ببعضها إلى أسوار المدينة (حاضرة الإسلام الأولى) التي كادت تسقط (فعلًا) في أيدي المشركين. ولعل أعظم هذه الحملات العسكرية العدوانية وأخطرها هي الحملات المشهورة الثلاث: ١ - حملة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة. ٢ - حملة أُحد .. في السنة الثالثة من الهجرة. ٣ - حملة الأحزاب .. في السنة الرابعة من الهجرة.

стр. 1229

غير أن قريشًا (بالرغم من تفوقها الساحق في كل شيء مادي) فشلت في كل حملاتها العسكرية الكبرى الثلاث. ففي الأولى (وهي حملة بدر الكبرى) أنزل المعسكر الإسلامي (ولأول مرة في التاريخ) أشنع هزيمة تمرّغت فيها سمعة قريش العسكرية في الوحل حينما جاءت (باغية ظالمة معتدية) تقصد خضد شوكة المسلمين .. فقتل في هذه المعركة سبعون من ساداتها وقادتها، ووقع في أسر المسلمين سبعون مثله وفرَّ الباقون منهزمين شتتتهم الهزيمة في وهاد ووديان تهامة كما تشتت العاصفة الورق اليابس. أما الحملة العسكرية الثانية وهي (غزوة أُحد) التي نقلت بها قريش المعركة إلى ضواحي حاضرة الإسلام (المدينة)، فقد فشل القائمون بها في تحقيق شيء من أهدافهم الرئيسية التي من أجل تحقيقها شنّوا هذا العدوان، بالرغم من الإعداد الكامل والتحضير المنظم الذي سبق هذه الحملة التاريخية. فقد عادت قريش من هذه المعركة وكل مكسبها سبعون قتيلًا من المسلمين استشهدوا في هذه المعركة مقابل ستة وعشرين قتلوا من الجانب القرشي. أما الحملة الثالثة وهي غزوة الأحزاب (والتي تعتبر أعظم غزو يتعرّض له المسلمون في تاريخهم أثناء العهد النبوي)، فقد كانت آخر سهم في كنانة آمال قريش، يتحطم على صخرة المقاومة الإسلامية الصلبة. إذ كانت هذه الحملة العظيمة آخر حملة عسكرية تشنها قريش على المسلمين في تاريخها، فقد اندحرت وأحلافها النجديون في هذه

стр. 1230

الحملة اندحارًا مهينًا فاضحًا، بعد حصار دام على المدينة شهرًا كاملًا. إذ عادت قريش وأحلافها من هذه الغزوة دون أن يحققوا أي شيء من الأهداف التي حشدوا لها تلك الحشود الهائلة، اللهم إلا إيقاع يهود بني قريظة وتعريضهم للإبادة على أيدي المسلمين بعد أن أغواهم قادة الأحزاب بالغدر بالمسلمين ونقض العهد الذي بينهم (١). رسوخ جذور الإسلام: لقد كانت قريش تهدف من وراء تجريد تلك الحملات العسكرية الكبرى (وخاصة حملة الأحزاب) محو كيان المسلمين واقتلاع جذور الإسلام نهائيًّا. ولكن العكس هو الذي حدث (وخاصة بعد اندحار قريش وأحلافها في غزوة الأحزاب). فبعد هذا الاندحار الشنيع الذي انكسر به العمود الفقري للآمال القرشية العريضة، ازدادت قواعد الدولة الإسلامية صلابة وقوة، وأخذ الإسلام يضرب بجذوره وينشر ظلاله في الجزيرة بسرعة هائلة وبشكل لم يسبق له مثيل. وأصبح المسلمون (بعد فشل الأحزاب في غزوهم وبعد إنزال الضربة الصاعقة بخونة يهود بني قريظة) قوة ضاربة يخشاها كل أعداء الإسلام ولا تخشى أحدًا، وخاصة العناصر العربية الوثنية.
следующие страницы →